النص المفهرس
صفحات 101-120
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ بَّهِ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٢) ١٠١ أي: لا لغيرك، وفي الرواية التالية: ((ربّنا ولك الحمد))، وقد اختَلَفَت الروايات في زيادة ((اللَّهم))، وفي ثبوت هذه الواو، وحذفها، واختُلِفَ أيضاً في كونها عاطفة، أو زائدة، أو حالية. قال النوويّ تَخْلُ في ((شرح المهذب)): ثبت في الأحاديث الصحيحة من روايات كثيرة: ((ربنا لك الحمد))، وفي روايات كثيرة: ((ربنا ولك الحمد))، بالواو، وفي روايات: ((اللَّهم ربنا، ولك الحمد))، وفي روايات: ((اللَّهم ربنا، لك الحمد)»، وكله في ((الصحیح)). قال الشافعي، والأصحاب: كله جائز، وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو عن الواو في قوله: ((ربنا، ولك الحمد))؟ فقال: هي زائدة، تقول العرب: بعني هذا الثوب، فيقول المخاطب: نعم، وهو لك بدرهم، فالواو زائدة. [قلت]: ويحتمل أن تكون عاطفة على محذوف؛ أي: ربنا أطعناك، وحمدناك، ولك الحمد. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى. وقال الحافظ تَخْذَلُ: قوله: ((اللَّهم ربنا)) ثبت في أكثر الطرق هكذا، وفي بعضها بحذف ((اللَّهم))، وثبوتها أرجح، وكلاهما جائز، وفي ثبوتها تكرير النداء، کأنه قال: يا ألله، یا ربنا. وقوله: ((ولك الحمد)) كذا ثبت زيادة الواو في طرق كثيرة، وفي بعضها بحذفها، قال النووي: المختار لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وقال ابن دقيق العيد: كأن إثبات الواو دالّ على معنى زائد؛ لأنه يكون التقدير مثلاً ربنا استجب، ولك الحمد، فيشتمل على معنى الدعاء، ومعنى الخبر. انتهى. وهذا بناء على أن الواو عاطفة، وقيل: زائدة. وقيل: هي واو الحال، قاله ابن الأثير، وضعّف ما عداه. قال: ورجّح الأكثرون ثبوتها. وقال الأثرم: سمعت أحمد يثبت الواو في ((ربنا، ولك الحمد))، ويقول: ثبت فيه عدة أحاديث. انتهى كلام الحافظ تَّتُهُ ببعض تصرف. (مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ) بكسر الميم، ويجوز نصب آخره، ورفعه، وممن ذكرهما جميعاً ابن خالويه، وآخرون، وحُكي عن الزجاج أنه لا يجوز إلا الرفع، ورجح ابن خالويه، والأكثرون النصب، وهو المعروف في ١٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها روايات الحديث، وهو منصوب على الحال؛ أي: مالئاً، وتقديره: لو كان جسماً لملأ ذلك، قاله النوويّ دَّتُهُ. قال الجامع عفا الله عنه: يجوز نصب ((ملء)) على أنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: حمداً ملءَ، أو مفعول لفعل محذوف؛ أي: أعني، ورفعه على أنه صفة لـ((الحمدُ))، أو خبر لمحذوف؛ أي: هو. و((الملء)) بالكسر ما يأخذه الإناء إذا امتلأ. وقال الخطابيّ تَخّْتُهُ: هو تمثيل، وتقريب، والمراد تكثير العدد، حتى لو قُدِّر ذلك أجساماً ملأ ذلك، وقال غيره: المراد بذلك التعظيم، كما يقال: هذه الكلمة تملأ طباق الأرض. وقيل: المراد بذلك أجرها وثوابها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى إبقاء لفظ الحديث على ظاهره، وما المانع أن يكون الحمد شيئاً يملأ السموات والأرض، وقد ثبت بالنصوص الكثيرة أن الأعمال توزن يوم القيامة، ومعلوم أنه لا يوزن إلا ما كان شيئاً محسوساً، فلا داعي إلى هذه التكلفات التي ذكروها . (وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا) وفي نسخة: ((ملء السماوات، وملء الأرض، وما بينهما))؛ أي: ما بين السماوات والأرض. (وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)) ((ملء)) عطف على الأول، ومضاف إلى (ما)) الموصولة، و(شئت)) صلتها، و((من شيء)) بيان لـ((ما))، و((بعد)) من الظروف المبنية لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، وبني على الضم لشبهه بأحرف الغاية، كـ((حيث))، و((منذ))، قال في ((الخلاصة)): لَهُ أُضِيفَ نَاوِياً مَا عُدِمَا وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْراً انْ عَدِمْتَ مَا أَوَّلُ وَدُونُ وَالْجِهَاتُ أَيْضاً وَعَلُ قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ والمضاف المقدر هنا ((السموات، والأرض، وما بينهما))، والظرف متعلق بمحذوف صفة لـ((شيء)). والمراد بقوله: ((من شيء)): العرش، والكرسي، ونحوهما، مما في مقدور الله قال . وقال القرطبيّ تَخْلُهُ: يَحْتَمِلُ أن يكون معناه: من شيء يمكن أن يخلقه أكبر من السماوات والأرض، ويَحْتَمِلُ أن يراد به العرش والكرسيّ، ففي الحديث: ((إن السماوات والأرض في الكرسيّ كالحلقة الملقاة في فلاة من ١٠٣ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيّ ◌َهُ وَتَبَتُلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٢) الأرض، والكرسيّ وما فيه في العرش كحلقة ملقاة في فلاة))(١)، والله تعالى أعلم. قال: ومقصود هذا الحديث الإغياء في تكثير الحمد والثناء. انتهى(٢). (وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ) أي: لك، لا لغيرك، ففي تقديم المعمول إفادة الحصر والاختصاص (وَبِكَ آمَنْتُ) أي: بك لا بغيرك صدقت، ففيه ما تقدم قبله (وَلَكَ أَسْلَمْتُ) أي: انقدت، وخضعت، ولأمرك استسلمت (سَجَدَ وَجْهِي) أي: خضع، وذلّ، وانقَاد (لِلَّذِي خَلَقَهُ) أي: أوجده من العدم، وأسبغ عليه النعم (وَصَوَّرَهُ) أي: رَتَّبه على هيئة خاصة، كما شاءها. قال الحافظ ابن كثير تَّتُهُ عند قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوَّرِّ﴾ الآية [الحشر: ٢٤] ما نصه: الخلق: التقدير، والبَرْء هو الفَرْي، وهو التنفيذ، وإبراز ما قدّره، وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدّر شيئاً، ورتّبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله رحمك، قال الشاعر يمدح آخر(٣) [من الكامل]: وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ ضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي أي: أنت تُنَفِّذ ما خلقت؛ أي: قدّرت، بخلافَ غيرك، فإنه لا يستطيع ما يريد، فالخلق التقدير، والفَرْي التنفيذ، ومنه يقال: قدّر الجَلَّادُ، ثم فَرَى؛ أي: قطع على ما قدّره بحسب ما يريده، وقوله تعالى: ﴿اُلْخَلِقُ الْبَارِئُ﴾ أي: الذي إذا أراد شيئاً قال له: ((كن))، فيكون على الصفة التي يريد الصورة التي يختار، كقوله تعالى: ﴿فِىّ أَِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَّقْبَكَ [الانفطار: ٨]، ولهذا قال: ٨ ((المصور))؛ أي: الذي ينفّذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريد. انتهى(٤). (وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ) أي: خلق فيه السمع والبصر، قال القرطبيُّ ◌َّهُ: وقد يَحتجّ بإضافة السمع إلى الوجه من يقول: إن الأذنين من الوجه، فيُغسلان بغسله، ولا حجة فيه؛ لأنه يعارضه قوله وَله: ((فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه))(٥)، فجعل الأذن غاية للرأس، فهي منه؛ لأنا (١) صححه الشيخ الألبانيّ كَُّ في ((الصحيحة)) ١٧٣/١ - ١٧٦. (٢) ((المفهم)) ٤٠٢/٢. (٣) البيت لزهير بن أبي سُلْمَى يمدح به هرم بن سنان. انتهى من هامش تفسير القرطبيّ ١١٠/١٢. (٤) ((تفسير ابن كثير)) ٣٦٧/٤ - ٣٦٨. (٥) حديث صحيح، رواه مالك في ((الموطأ)) (٣١/١)، والنسائيّ (٧٤/١)، وابن ماجه (٢٨٢). ١٠٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها نقول بموجب ذلك، ونفرّق بين السمع والأذن، فإن السمع الإدراك الذي في الأذن، لا الأذن، ولأن الوجه لا يتضمّن الأذنين كما تقدّم. انتهى(١). (تَبَارََكَ اللهُ) تقدّس، وتنزّه، وتعالى، وتعاظم الله رَكْ (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ))) بالرفع على أنه بدل من لفظ الجلالة؛ أي: أحسن المصورين والمقدرين، فإنه الخالق الحقيقي المنفرد بالإيجاد والإمداد، وغيره إنما يوجد صوراً مُمَوَّهَةً، ليس فيها شيء من حقيقة الخلق، مع أنه تعالى خالق كل صانع وصنعته، كما قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (®﴾﴾﴾ [الصافات: ٩٦]. وقال العلامة القرطبيّ كَخَّتُهُ: ﴿أَحْسَنَ اْخَلِقِينَ﴾ أتقن الصانعين، يقال لمن صنع شيئاً: خلقه، قال الشاعر يمدح آخر [من الكامل]: وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْــضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي قال: وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس، وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى. ◌ِ السَّلامُ وقال ابن جريج: إنما قال: ﴿أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾؛ لأنه تعالى أذن لعيسى أن يخلق. واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تُنفَى اللفظة عن البشر في معنى الصنع، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم. انتهى كلام القرطبيُّ ◌َُّ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن إطلاق الخلق لغير الله تُعَالَ بمعنى الصنع جائز؛ لوقوعه في كلام الله تعالى، كقوله ريات: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ اْخَلِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] حيث أضاف ((أحسن)) إلى ((الخالقين))، وكقوله تعالى في تعداد ما أنعم الله على نبيّه عيسى ◌ِلِّ: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الْطِينِ كَهَيْئَةِ اٌلَّيْرِ﴾ الآية [المائدة: ١١٠]، فإذا ورد ذلك في القرآن، فلا توقف، ولا اعتراض ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، والله تعالى أعلم بالصواب. (ثُمَّ) بعد فراغه من الركوع والسجود (يَكُونُ مِنْ آخِرٍ مَا يَقُولُ) الجارّ والمجرور خبر (يكون)) مقدّماً على اسمها، وهو: ((الله اغفر لي ... إلخ))، و((ما)) موصولة، و(يقول)) صلتها، حُذف منه العائد؛ أي: الذي يقوله (بَيْنَ (١) ((المفهم)) ٤٠٣/٢. (٢) (تفسير القرطبيّ)) ١١٠/١٢. (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ بَّهِ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٢) ١٠٥ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ) وقوله: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) اسم ((يكون)) محكيّ؛ لقصد لفظه (مَا قَدَّمْتُ) أي: مَن السيّئة، و((ما)) موصول مفعول ((اغفر)) (وَمَا أَخَّرْتُ) أي: من عمل؛ أي: جميع ما فَرَط مني، قاله الطيبيّ، وقيل: ما قدّمت قبل النبوّة، وما أخّرت بعدها، وقيل: ما أخّرته في علمك مما قضيته عليّ، وقيل: معناه إن وقع مني في المستقبل ذنبٌ، فاجعله مقروناً بمغفرتك، فالمراد من طلب المغفرة قبل الوقوع أن يُغفر إذا وقع (وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ) أي: جميع ذنوبي؛ لأنها إما سرٍّ، أو عَلَنَّ (وَمَا أَسْرَفْتُ) أي: جاوزت فيه الحدّ (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) أي: ذنوبي التي لا أعلمها عدداً وكمّاً وكيفاً (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) قيل: معناه قدّم من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، وأخّر من شاء عن مراتبهم، كما اقتضته حكمته، وقيل: قدّم من أحبّ من أوليائه على غيرهم من عبيده، وأخّر من أبعده من غيرهم، فلا مقدّم لما أخّره، ولا مؤخّر لما قدّمه. وقال القرطبيّ كَّهُ: أي: تقدّم من تشاء، فتجعلهم أنبياء وأولياء وعلماء وفضلاء، وتؤخّر من تشاء، فتجعله فرعون وأبا جهل، أو تُملِّك الملك من تشاء، وتَنزع الملك ممن تشاء، وعلى الجملة فكلّ تقديم وتأخير منه. انتهى(١). (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ))) أي: لا معبود بحقّ إلا أنت سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ رَُّهُ هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨١٢/٢٨ و١٨١٣] (٧٧١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٧٤٤ و٧٦٠ و٧٦١ و٢٥٠٩)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٢٦٦) و((الدعوات)) (٣٤٢١ و٣٤٢٢ و٣٤٢٣)، و(النسائيّ) (١٢٩/٢ و٢٢٠)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (٨٦٤ و١٠٥٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٠٧ (١) ((المفهم)) ٤٠٣/٢. ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها و١٦٠٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٦١ و١٧٦٢)، و(الطيالسيّ) في (مسنده)) (١٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٣٢/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٤/١ و١٠٢ و١٠٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٢/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٧٩)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (١٩٩/١) و((مشكل الآثار)) (٤٨٨/١)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٤٦٢ و٤٦٣ و٧٤٣)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٩٦/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٧٧١ و١٧٧٢ و١٧٧٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان بعض الأذكار التي تُفتتح بها الصلاة، وهو شاملٌ للمكتوبة، والنافلة، فقد أخرج الحديث الترمذيّ، وأبو داود وابن حبّان، مقيّداً بالمكتوبة، ولفظه: ((إذا قام إلى الصلاة المكتوبة))، وفي رواية للدار قطنيّ: ((إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة))، وكذلك رواه الشافعيّ، وقيّده أيضاً بالمكتوبة، فالقول يكون هذا الذكر مخصوصاً بصلاة التطوّع كما زعمه الحنفيّة مردودٌ، وإيراد مسلم له هنا في ((باب صلاة الليل)) لا يدلّ على اختصاصه بها، وأما ما وقع عند النسائيّ بلفظ: ((كان إذا قام يصلي تطوّعاً، قال: الله أكبر، وجّهت وجهي ... إلخ)) فليس فيه دليلٌ أيضاً على كونه مخصوصاً بالتطوّع؛ لوجود التقييد بالمكتوبة في أكثر روايات عليّ وأما ما أجاب به بعض الحنفيّة بأنه كان ذلك في المكتوبة في أول الأمر، كما في ((شرح المنية)) لابن أمير حاج، فغير صحيح؛ إذ ليس عليه دليلٌ، فتبصّر. ٢ - (ومنها): أن الإمام ابن حبّان ◌َّتُهُ استدلّ بهذا الحديث على الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، وردّ على من زعم ذلك، فقال في ((صحيحه)): ((ذكرُ الخبر الْمُحِض قول من من زعم أن الدعاء في الصلوات بما ليس في كتاب الله يُبطل الصلاة))، ثم أورد حديث عليّ ◌َُّه هذا. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((سجد وجهي للذي خلقه، وصوَّره، وشَقّ سمعه))، فيه دليل لمذهب الزهريّ أن الأذنين من الوجه، وقال جماعة من العلماء: هما من الرأس، وآخرون: أعلاهما من الرأس، وأسفلهما ١٠٧ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ وَهُ وَتَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٢) من الوجه، وقال آخرون: ما أقبل على الوجه فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس، وقال الشافعيّ، والجمهور: هما عضوان مستقلان، لا من الرأس ولا من الوجه، بل يُطَهَّران بماء مستقل، ومسحهما سنةٌ، خلافاً للشيعة. وأجاب الجمهور عن احتجاج الزهريّ بجوابين: أحدهما: أن المراد بالوجه جملة الذات، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهٌَ﴾، ويؤيد هذا أن السجود يقع بأعضاء أُخَرَ مع الوجه. والثاني: أن الشيء يضاف إلى ما يجاوره، كما يقال: بساتين البلد، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَذَتُهُ(١) . قال الجامع عفا الله عنه: مسألة هل الرأس من الوجه، أم لا؟ قد استوفيت بحثها في ((شرح النسائيّ))، ورجّحت مذهب من يقول: إنهما من الرأس؛ لقوّة أدلّته، فراجعه(٢) تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): أن فيه استحبابَ دعاء الافتتاح بما في هذا الحديث، إلا أن يكون إماماً لقوم لا يؤثرون التطويل. ٥ - (ومنها): أن فيه استحبابَ الذكر في الركوع والسجود والاعتدال والدعاء قبل السلام. ٦ - (ومنها): بيان أن الشرّ لا يضاف إلى الله، وقد تقدّم اختلاف العلماء في معناه، وقد أجاد الإمام ابن القيّم تَّثُهُ، حيث قال في كتابه ((شفاء العليل)) في الباب الحادي والعشرين في تنزيه القضاء الإلهي عن الشرّ في الكلام على آية: ﴿تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ﴾ الآية [آل عمران: ٢٦] ما نصّه: فتناولت الآية ملكه وحده، وتصرفه، وعموم قدرته، وتضمنت أن هذه التصرفات كلها بيده، وأنها كلها خير، فسَلْبُهُ الملكَ عمن يشاء، وإذلاله من يشاء خير، وإن كان شرّاً بالنسبة إلى المسلوب الذليل، فإن هذا التصرف دائر بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة، لا تخرج عن ذلك، وهذا كله خير، يُحْمَد عليه الربّ، ويُثْنَى عليه به، كما يُحْمَد ويُثْنَى عليه بتنزيهه عن الشرّ، وأنه ليس إليه كما ثبت في ((صحيح (١) ((شرح النوويّ)) ٦٠/٦. (٢) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ٣٦٦/٢ - ٣٨١. ١٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها مسلم)) أن رسول الله ولو كان يثني على ربه بذلك في دعاء الاستفتاح، في قوله: (لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشرّ ليس إليك، أنا بك، وإليك، تباركت وتعاليت))، فتبارك وتعالى عن نسبة الشرّ إليه، بل كل ما نُسِب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرّاً لانقطاع نسبته وإضافته إليه، فلو أضيف إليه لم يكن شرّاً، وهو سبحانه خالق الخير والشرّ، فالشرّ في بعض مخلوقاته، لا في خلقه وفعله، وخلقُهُ وفعلُهُ وقضاؤه وقدره خيرٌ كله، ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضعُ الشيء في غير موضعه، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها، وذلك خير كلّه، والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وُضِعَ في محله لم يكن شرّاً، فعُلِم أن الشرّ ليس إليه، وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك. ثم قال: فإن قلت: فلم خلقه، وهو شرٌّ؟، قلت: خلْقه له وفعله خيرٌ لا شرٌّ، فإن الخلق والفعل قائم به ◌َلَ، والشرّ يستحيل قيامه به، واتّصافه به، وما كان في المخلوق من شرّ فلعدم إضافته ونسبته إليه، والفعل والخلق يُضاف إليه، فكان خيراً. انتهى كلام ابن القيّم كَُّهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً. وقال العلامة ابن أبي العزّ كَّثُ في ((شرح العقيدة الطحاويّة)) موضّحاً معنى قوله: ((والشرُّ ليس إليك)): أي: فإنك لا تخلق شرّاً محضاً، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة، هو باعتبارها خيرٌ، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، فهذا شرّ جزئيّ إضافيّ، فأما شرّ كليّ أو شر مطلقٌ، فالرب نَُّ منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفرداً قطّ، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وإما أن يضاف إلى السبب، كقوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾﴾ [الفلق: ٢]، وإما أن يحذف فاعله، كقول الجنّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِىّ أَشَرُّ أُرِيدَ بِمَن فِ اْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَُّهُمْ رَشَدًا (٣)﴾ [الجن: ١٠]، وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل الله من الرحمة والحكمة، لا يقدر قدره إلا الله تعالى، وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شرّ جزئيّ بالإضافة يكون شرّاً كليّاً عامّاً، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيراً، أو (١) ((شفاء العليل)) ١٧٩/١ - ١٨٠. (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ وَهُ وَ تَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٣) ١٠٩ مصلحةً للعباد، كالمطر العامّ، وكإرسال رسول عامّ، وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيّد كذّاباً عليه بالمعجزات التي أيّد بها الصادقين، فإن هذا شرّ عامّ للناس يُضِلّهم، فيُفسِد عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم، وليس هذا كالْمَلِك الظالم والعدوّ، فإن الملك الظالم، لا بدّ أن يدفع الله به من الشرّ أكثر من ظلمه، وقد قيل: ستون سنةً بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام، وإذا قُدِّر كثرة ظلمه فذاك خير في الدين، كالمصائب تكون كفارةً لذنوبهم، ويثابون على الصبر عليه، ويرجعون فيه إلى الله، ويستغفرونه، ويتوبون إليه، وكذلك ما يُسَلَّط عليهم من العدوّ، ولهذا قد يُمَكِّن الله كثيراً من الملوك الظالمين مدّةً، وأما المتنبئون الكذابون فلا يُطيل تمكينهم، بل لا بدّ أن يُهلكهم؛ لأن فسادهم عامّ في الدين والدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ اٌلْأَفَاوِيلِ ٤٤ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ اٌلْوَتِينَ (®﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. انتهى كلام أبي ٤٥ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ العزّ كَذَتُهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو النَّصْرِ، قَالَا: حَدَّثْنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَمِّهِ الْمَاجِشُونِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الْأَعْرَج، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: ((وَجَّهْتُ وَجْهِي))، وَقَالَ: ((وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ))، وَقَالَ: وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ))، وَقَالَ: ((وَصَوَّرَهُ فَأَحْسَنَ صُوَرَهُ))، وَقَالَ: وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ))، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. (١) ((شرح العقيدة الطحاوية)) ٤١٢/١ - ٤١٣. ١١٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمامٌ [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٤ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم، البغداديّ، لقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) الماجشون المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فقيهٌ مصنِّفٌ [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٧/٨١. ٦ - (عَمُّهُ الْمَاحِشُونُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو: عبد الله بن أبي سلمة التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٦) (م د س) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٥. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد الأعرج الماضي، وهو عن عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ بن أبي طالب څبه. وقوله: (وَقَالَ: وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ ... إلخ) لا تنافي بين الروايتين؛ لأن معنى ((وإذا سلّم قال ... إلخ)) أي: إذا أراد التسليم، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية [النحل: ٩٨]؛ أي: إذا أردت قراءة القرآن، فيكون قوله: ((اللهم اغفر لي ... إلخ)) قبل التسليم. على أنه لا يبعد أن يكون قاله في الموضعين، قبل التسليم وبعده. [تنبيه]: رواية عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمّه الماجشون هذه ساقها الإمام أحمد تَخْتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٠٥) ثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد العزيز - ابن عبد الله بن أبي سلمة - عن عمه الماجشون بن أبي سلمة، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب رَظُ أن النبيّ وَّ كان إذا استفتح الصلاة يكبر، ثم يقول: ((وَجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشرکین، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا ١١١ (٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ بَّهِ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٣) أنت، اصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك، وأتوب إليك))، وإذا ركع قال: ((اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي وعصبي))، وإذا رفع رأسه قال: ((سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ملء السموات والأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعدُ))، وإذا سجد قال: ((اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقه وصوّره، فأحسن صُوَرَهُ، فشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين))، وإذا فرغ من الصلاة وسلم قال: ((اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت)). قال عبد الله(١) قال(٢): بلغنا عن إسحاق ابن راهويه، عن النضر بن شُمَيل، أنه قال في هذا الحديث: ((والشر ليس إليك)) قال: لا يُتَقَرَّب بالشر إليك. حدّثنا حُجَين، حدّثنا عبد العزيز، عن عمه الماجشون بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ بن أبي طالب ◌ُه، عن رسول الله وسير أنه كان إذا افتتح الصلاة كبّر، ثم قال: ((وجهت وجهي ... )) فذكر مثله، إلا أنه قال: ((واصرف عني سيئها)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثالث عشر من ((شرح صحيح الإمام مسلم)) المسمَّى ((البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)) والمؤذِّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الاثنين المبارك ١٤٢٧/١/٢١ هـ الموافق (٢٠ فبراير ٢٠٠٦م). (١) هو عبد الله ابن الإمام أحمد، راوي ((المسند)) عنه. (٢) الظاهر أنه مؤكّد ((قال)) الأول. ١١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وسبباً للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَمْنَا لِهَذَا وَمَا كُثَّا لِتَهْتَدِىَ لَوْلاً أَنْ هَدَلَنَا اَللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿سُبْحَنَ رَيِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( رَبِّ الْعَلَمِينَ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. ((اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهیم، إنك حميد مجيد)). ((السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته)). ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الرابع عشر مفتتحاً بـ (٢٩) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ) رقم الحديث [١٨١٤] (٧٧٢). ((سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)). (٢٩) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٨١٤] (٧٧٢) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ جَرِيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ ثُمَيْرِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثْنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الْأَحْتَفِ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ نَّهَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَاقْتَتَحَ ((الْبَقَرَةَ))، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ١١٣ (٢٩) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٤) الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّ بِهَا فِ رَكْعَةٍ (١)، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ اقْتَتَحَ ((النِّسَاءَ))(٢)، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ ((أَلَ عِمْرَانَ))، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحُ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم))، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً قَرِيباً مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى)، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيباً مِنْ قِيَامِهِ، قَالَ(٣): وَفِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ))). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت١٩٩) عن (٨٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت١٩٥) عن (٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. (١) وفي نسخة: ((يصلي بها ركعةً)). (٣) وفي نسخة: ((قال مسلمٌ)). (٢) وفي نسخة: ((سورة النساء). ١١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٧ - (الْأَعْمَشرُ) سليمان بن مهران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة ورعٌ، إلا أنه يدلّس [٥] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٧. ٨ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفَيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٩ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السّلميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات في ولاية عمر بن هُبيرة على العراق (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٢٠/٥. ١٠ - (الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ الْأَحْتَفِ) الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن حذيفة، وابن مسعود، ومَعْقِل بن عامر، وصِلَة بن زُفَر. وروى عنه سعد بن عُبيدة، وعلقمة بن مرثد، وسلمة بن كهيل، وأبو حَصِين الأَسَديّ. قال ابن المدينيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة: كان ثقةً، وله أحاديثُ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ . أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ١١ - (صِلَةُ بْنُ زُفَرَ (١)) الْعَبسيّ، أبو العلاء، ويقال: أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، تابعيّ كبير [٢]. رَوَى عن عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وابن مسعود، وعليّ، وابن عباس. وروى عنه أبو وائل، وهو أكبر منه، ورِبْعيّ بن حِرَاش، وهو من أقرانه، والمستورد بن الأحنف، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وأيوب السختيانيّ، وغيرهم. (١) ((صِلَةُ)) بكسر الصاد المهملة، و((زُفَر)) بضمّ الزاي، وفتح الفاء. ١١٥ (٢٩) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٤) قال ابن خِرَاش: كوفيّ ثقةٌ، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال شعبة: قلبُ صلة من ذهب، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال خليفة: مات في ولاية مصعب بن الزبير، وكذا قال ابن سعيد، وزاد: وكان ثقةً، وله أحاديثُ، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نُمَير، وابن صالح - يعني العجليّ - وقال أبو وائل: لَقِيتُ صلةَ، وكان ما علمت برّاً، وروى ابن أبي حاتم من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة ظُه قال: قلب صلة بن زفر من ذهب - يعني أنه مُنَوَّرٌ كالذهب -. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٧٢)، وحديث (٢٤٢٠): ((لأبعثنّ إليكم رجلاً أميناً ... )). ١٢ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حِسْل، أو حُسيل العبسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّا، مات في أول خلافة عليّ رضيعة سنة (٣٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه ثلاثة أسانيد لخّصها بالتحويل، فقوله: ((جميعاً)) يعود إلى شيخيه: زهير، وإسحاق، فكلاهما رويا عن جرير بن عبد الحميد، وقوله: ((كلَّهم)) يرجع إلى الثلاثة، وهم شيوخ شيوخه، وهم عبد الله بن نمير، وأبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد، فثلاثتهم رووا عن الأعمش. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، فكلهم كوفیّون، سوی زهير، فبغداديّ، وإسحاق فمروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن المستورِدِ، عن صِلَة بن زُفَر. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﴿يَا، وهو صاحب سرّ رسول الله وَّل﴾، أعلمه بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، كما في ((صحيح مسلم))، والله تعالى أعلم. ١١٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها شرح الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: ليلةً من الليالي (فَاقْتَتَحَ ((الْبَقَرَةَ))) أي: ابتدأ بقراءة سورة البقرة بعد الفاتحة، وإنما لم يذكرها؛ لكونها معروفة (فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ) وفي نسخة: ((يصلي بها ركعةً)) بحذف ((في))، ومعناه: ظننت أنه يصلّي بها، فيقسمها على ركعتين، وأراد بالركعة الصلاة بكاملها، وهي ركعتان، ولا بدّ من هذا التأويل، فينتظم الكلام بعده، وعلى هذا فقوله: ((ثم مضى)) معناه: قرأ معظمها بحيث غَلَب على ظني أنه لا يركع الركعة الأولى إلا في آخر البقرة، فحينئذ قلت: يركع الركعة الأولى بها، فجاوز، وافتتح النساء، قاله النوويُّ كَُّ(١). (فَمَضَى) أي: استمرّ في قراءته (فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا) أي: ظننت أنه يركع عند آخر ((سورة البقرة)) (ثُمَّ افْتَتَحَ ((النِّسَاءَ))) أي: ثم استمرّ بعد أن ختم ((البقرة))، فبدأ بقراءة ((سورة النساء)) (فَقَرَأَهَا) أي: قرأ كلّ السورة (ثُمَّ افْتَتَحَ ((آلَ عِمْرَانَ))، فَقَرَأَهَا) أي: كلها . قال القاضي عياض ◌َخَّتُهُ: فيه دليل لمن يقول: إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين، حين كتبوا المصحف، وإنه لم يكن ذلك من ترتيب النبيّ وَّل، بل وَكَلَهُ إلى أمته بعده، قال: وهذا قول مالك، وجمهور العلماء، واختاره القاضي أبو بكر الباقلانيّ، قال ابن الباقلانيّ: هو أصحّ القولين، مع احتمالهما، قال: والذي نقوله: إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة، ولا في الصلاة، ولا في الدرس، ولا في التلقين والتعليم، وإنه لم يكن من النبيّ ◌َ﴿ في ذلك نصّ، ولا حدّ تحرم مخالفته، ولذلك اختَلَفَ ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان ته، قال: واستجاز النبيّ وَّر والأمة بعده في جميع الأعصار ترك ترتيب السور في الصلاة والدرس والتلقين. قال: وأما على قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك بتوقيف من (١) ((شرح النووي)) ٦/ ٦١. ١١٧ (٢٩) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٤) النبيّ وَّ حدَّده لهم، كما استقر في مصحف عثمان رَُّبته، وإنما اختَلَفت المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف، والعرض الأخير، فيُتَأَوَّل قراءته وَسـ ((النساء)) أوّلاً، ثم ((آل عمران)) هنا على أنه كان قبل التوقيف والترتيب، وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أُبَيّ رَظله، قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة، ولمن يتلو في غير صلاة، قال: وقد أباحه بعضهم، وتَأوَّل نهي السلف عن قراءة القرآن منكوساً على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها، قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف، وهكذا نقلته الأمة عن نبيها وَّ﴾. انتهى كلام القاضي عياض رَخْلَتُهُ . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي قول من قال: إن ترتيب السور على ما هي عليه الآن كان بتوقيف من النبيّ وَّة، وهي العرضة الأخيرة التي عرضها و على جبريل ظلّل، كما هو المجمع عليه في ترتيب الآيات، فلا فرق بينهما في ذلك، وأما ما ثبت من قراءته وَّر ((النساء)) قبل (آل عمران))، ونحو ذلك فيُحمَلُ على بيان الجواز، وأن الترتيب في القراءة غير لازم، بل في الرسم والكتابة فقط، فيجوز أن يقرأ بالسورة قبل التي قبلها في الرسم. ويَحتَمِلُ أن يكون ذلك قبل أن يوحى إليه بترتيبها على ما هي عليه الآن، وأما اختلاف مصاحف الصحابة ﴿ه في ترتيبها، فيُحمَل على عدم وصول العلم إليهم بتوقيف النبيّ وَله بالترتيب، والله تعالى أعلم بالصواب. (يَقْرَأُ مُتَرَسِّلاً) أي: مترفِّقاً متمهّلاً، من قولهم: على رِسْلِكَ؛ أي: على رِفْقِكَ، قال القرطبيُّ: هذا التطويل، وهذه الكيفيّة التي صدرت عنه بَّر في هذه الصلاة إنما كان منه بحسب وقت صادفه، ووجْدٍ وَجَده، فاستطاب ما كان فيه، واستغرقه عما سواه، وهو موافقٌ لما قاله في حديث آخر: ((إذا أمّ أحدكم فليُخفّف، وإذا صلّى وحده فليطوّل ما شاء))(١). انتهى (٢). (١) متّفقٌ عليه. (٢) ((المفهم)) ٤٠٥/٢. ١١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها (إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحُ سَبَّحَ) يعني: أنه ◌َّ إذا قرأ آية يُذكر فيها [الواقعة: ٧٤]، وقوله : VE التسبيح، كقوله تعالى: ﴿فَسَبِحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿َيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى: ١] سبّح الله وَعِلَ (وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ) أي: إذا قرأ آية تحثّ على سؤال الله ◌َلَ سأله، وفي رواية أبي داود: ((وما مرّ بآية رحمة إلا وقف عندها، فسأل، ولا بآية عذاب إلا وقف عندها، فتعوّذ)) (وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ) أي: بآية فيها تعوّذ بأن تُذكر فيها النار، أو الوعيد (تَعَوَّذَ) أي: اعتصم بالله تعالى من عذابه. (ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ) أي: شرع (يَقُولُ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ))، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْواً مِنْ قِيَامِهِ) يعني: أنه ◌َ ◌َّ مكث في ركوعه طويلاً قريباً منَ طول قيامه (ثُمَّ قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، ثُمَّ قَامَ طَوِيلاً قَرِيباً مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: ((سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى))) قيل: الحكمة في تخصيص الركوع بـ((العظيم))، والسجود بـ(«الأعلى)) أن السجود لَمّا كان فيه غاية التواضع؛ لِمَا فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على مواطىء الأقدام كان أفضل وأبلغ في التواضع من الركوع، فحسُن تخصيصه بما فيه صيغة أفعل التفضيل، وهو ((الأعلى))، بخلاف ((العظيم))؛ ليكون الأبلغ مع الأبلغ، والمطلق مع المطلق، وأيضاً فقد صحّ عنه ◌َّهِ: ((أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو ساجد))، فربّما يُتوهّم قرب المسافة، فنُدب ((سبحان ربي الأعلى))؛ دفعاً لهذا التوهّم، وأيضاً في السجود غاية الانحطاط من العبد، فيناسبه أن يصف فيه ربّه بالعلوّ (١)، والله تعالى أعلم. (فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيباً مِنْ قِيَامِهِ) أي: في الطول. (قَالَ) وفي نسخة: ((قال مسلم))؛ يعني: صاحب الكتاب (وَفِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ) أي: ابن عبد الحميد (مِنَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ))) الزيادة قوله: ((ربنا لك الحمد))؛ لأن قوله: ((سمع الله لمن حمده)) (١) راجع: ((المرعاة)) ١٩٥/٣. ١١٩ (٢٩) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٤) ثابتٌ في روايتهم جميعاً، كما مرّ آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة ظُبه هذا من أفراد المصنّف رَُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨١٤/٢٩] (٧٧٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٨٧١)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٢٦٢)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) (١٠٠٨ و١٠٠٩ و١٠٤٦ و١١٣٣ و١٦٦٤ و١٦٦٥)، و((الكبرى)) (١٠٨٠ و١٠٨١)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة) (٨٩٧ و١٣٥١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٤٨/١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤١٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٧/٥ و٣٨٢ و٣٨٤ و٣٨٩ و٣٩٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٩٩/١)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٦٠٤ و٦٦٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٨٩٧ و٢٦٠٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٣٥/١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١/ ٣٣٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٧٠٦ و١٨٠١ و١٨١٨)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٧٦٣ و١٧٦٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٩/٢ و٣١٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٦٢٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل. ٢ - (ومنها): استحباب الترسّل في القراءة. ٣ - (ومنها): بيان استحباب التسبيح عند المرور بآية فيها تسبيح، والسؤال عن قراءة آية فيها سؤال، والتعوذ إذا مرّ بآية فيه ذكر عذاب، وهذا عامّ لكل قارئ في الصلاة وغيرها، وإلى هذا ذهبت الشافعيّة، وقالوا: لا فرق في ذلك بين كون المصلّي إماماً، أو مأموماً، أو منفرداً، ولا بين الفرض والنفل. ١٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وذهبت الحنفيّة إلى أن ذلك يكون في التطوّع، لا في المكتوبة، وبهذا قالت المالكيّة، وقالوا: إن الدعاء أثناء القراءة في الفريضة مكروه إلا للمأموم، فله أن يصلي على النبيّ وَّه إذا مرّ ذكره في قراءة الإمام، وأن يسأل الجنّة إذا مرّ بآية فيها ذكرها، وأن يستعيذ من النار إذا مرّ بآية فيها ذكرها(١). قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي القول باستحباب التسبيح والسؤال، والتعوّذ لكلّ قارىء في التطوّع دون الفرض، كما هو مذهب المالكيّة والحنفيّة؛ لأنه المنقول عن النبيّ وَّة، ولم يُنقل ذلك عنه في الفريضة، فالأولى الاقتصار على مورد النصّ، ولأن الإمام مأمور بالتخفيف، فلا يُشرع له التطويل بما ذُكر، وأما المأموم فلا بأس أن يفعل ذلك؛ لأنه لم يؤمر بالتخفيف كالإمام، فليُتنبّه(٢)، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): بيان استحباب تكرير ((سبحان ربي العظيم)) في الركوع، و((سبحان ربي الأعلى)) في السجود، قال النوويُّ كَّتُهُ: وهو مذهبنا، ومذهب الأوزاعيّ، وأبي حنيفة، والكوفيين، وأحمد، والجمهور، وقال مالك: لا یتعیّن ذکر التسبيح، انتھی. ٥ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز تطويل الاعتدال من الركوع، وهو قول الجمهور، وفيه ردّ على الشافعيّة حيث لا يُجيزونه، بل يبطلون به الصلاة، وهذا عجيب مع ثبوت الأحاديث الصحيحة الكثيرة على أنه وَ ليو كان يُطيله، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل . وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : (١) راجع: ((المنهل العذب المورود)) ٣١٧/٥ - ٣١٨. (٢) كنت رجّحت في ((شرح النسائيّ)) ما ذهب إليه الشافعيّة من الاستحباب لكلّ مصلّ فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً، إلا أنه ترجح عندي الآن ما ذكرته، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.