النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِّ وَهُ وَتَبَتُلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٠)
التفرقة بينهما، وقال في الذي يروي عن عبد الله بن دينار: سمعت أبي يقول: هو
منكر الحديث، وهو شبه المجهول، وكذا فرّق بينهما أيضاً ابن أبي خيثمة،
ويعقوب بن سفيان، وابن عديّ، والعُقَيليّ، وأنكر ذلك الدارقطنيّ في ((العلل)) في
ترجمة عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وقال: هو هو بغير شكّ، وقال ابن أبي
حاتم: ثنا أبو زياد، عن عبد الرحمن بن مهديّ، وذكر عمران بن مسلم الجعفي،
فقال: كان مستقيم الحديث، فسألت أبي عن عمران القصير، فقال: لا بأس به،
قال: وسألت أبي عن عمران الذي رَوَى عن أنس، قال: خَدَمت النبيّ وَلـ
عشراً، وعنه جعفر بن بُرْقان، فقال: يرون أنه عمران القصير، ولم يسمع من
أنس، وأفرد العقيليّ عمران بن مسلم عن عمران القصير، عن أنس، وذكر له هذا
الحديث، وقال ابن عديّ في ترجمة سُويد بن عبد العزيز: عمران القصير هو ابن
مسلم بصريّ عزيز الحديث، ونَسَبَ عمران الراوي عن عبد الله بن دينار مكيّاً،
وقال إبراهيم بن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن خالد بن رباح، فقال: بصريّ
ليس به بأس، يُحَدِّث عن عمران أبي بكر، فقال: هذا عمران القصير ليس بشيء.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأكثرين على أن عمران
القصير، المترجم هنا، وهو بصريّ، وهو الذي أخرج له الشيخان، وهو لا
بأس به، غير عمران بن مسلم المكيّ، وهو منكر الحديث، فتفطّن.
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في
هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٦٩) و(١٢٢٦): ((نزلت آية المتعة
في كتاب الله ... ))، و(٢٥٧٦): ((إن شئتِ صبرتٍ، ولك الجنّة ... )) الحديث.
٤ - (قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) المكيّ، أبو عبد الملك، أو أبو عبد الله الحبشيّ، ثقةٌ
[٦] مات سنة بضع عشرة ومائة (خت م دس ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) يعني أن قيس بن سعد روى هذا الحديث بالإسناد
الماضي، وهو عن طاوس، عن ابن عبّاس پًّا.
[تنبيه]: رواية قيس بن سعد، عن طاوس هذه ساقها أبو عوانة في
((مسنده)) (٣٩/٢)، فقال:
(٢٢٣٢) حدّثنا أبو أمية، قال: ثنا منصور بن سفيان (ح) وحدّثنا يزيد بن

٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
سنان، عن شيبان الأَبُلّيّ، عن مَهْديّ بن ميمون، قال: ثنا عمران القصير، عن
قيس بن سعد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كان النبيّ وَّ إذا قام كبّر،
ثم قال: ((اللهم لك الحمد أنت قيّام السماوات والأرض، ومن فيهنّ، وأنت
نور السماوات والأرض وما فيهن، لك الحمد رب السموات والأرض ومن
فيهن، وأنت حقّ، ووعدك حقّ، ولقاؤك حقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ،
والساعة حقّ، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت،
وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أنت ربنا وإليك المصير، رب اغفر لي ما
أسررت، وما أعلنت، وما قدمت، وما أخرت، إلهي، لا إله إلا أنت)). انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨١١] (٧٧٠) - (حَدَّثَنَا(١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم،
وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنًّا
عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
عَوْفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، بِأَِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللّهِ ◌َ﴿ يَفْتَتِحُ
صَلَاتَهُ، إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟، قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: ((اللَّهُمَّ
رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ
مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم)»).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (أَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ) هو: زيد بن يزيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (م)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٨/٥٧.
٥ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩]
(ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٨٣
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَتَقُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١١)
٦ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٧ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَّثُ، وله فيه أربعة من الشيوخ
قرن بينهم؛ لاتفاقهم في صيغة الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة، فمحمد بن
حاتم تفرّد به هو وأبو داود، وعبد بن حميد علّق له البخاريّ، وأخرج له هو
والترمذيّ فقط، وأبو مَعْن أخرج له هو فقط، وأما محمد بن المثنى فمن شيوخ
الستّة بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه عائشة غيرها من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من
الأحادیث.
شرح الحديث:
(عن أبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ)، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، أُمَّ
الْمُؤْمِنِينَ) ◌ِّا (بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللهِ وَِّ يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) أي:
في الليل، أو بعض الليل، فـ((من)) بمعنى ((في))، أو للتبعيض، كما تقدّم (قَالَتْ)
عائشة ﴿ّا (كَانَ) بِهِ (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ) وفي رواية أبي داود:
((كان إذا قام كبّر، ويقول ... ))، وفيه أنه كان يقول ذلك بعد تكبيرة الإحرام،
ولا منافاة بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى، كحديث عليّ نظره الآتي
بعده، وحديث أبي هريرة ظه المتقدّم: ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي ... ))
الحديث تقدّم برقم [١٣٥٢] (٥٩٨) لأنه يُحمَل على أنه وَّ كان يفتتح بهذا
تارةً، وبهذا تارةً، والله تعالى أعلم، وقوله: ((اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ) مقول لـ:
((قائلاً)) مقدّراً؛ أي: افتتح حال كونه قائلاً: ((اللهم ... إلخ)).
[تنبيه]: قال الطيبيُّ كَّلُ: قوله: ((ربّ جبريل ... إلخ)) قيل: لا يجوز
نصب (ربّ)) على الصفة؛ لأن الميم المشدّدة بمنزلة الأصوات، فلا يوصف ما

٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
اتّصل به، فالتقدير: يا ربَّ جبريل، قال الزجّاج: هذا قول سيبويه، وعندي أنه
صفة، فكما لا تمتنع الصفة مع ((يا)) فلا يمتنع مع الميم، قال أبو عليّ: قول
سيبويه عندي أصحّ؛ لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حدّ ((اللهمّ))،
ولذلك خالف سائر الأسماء، ودخل في حيّز ما لا يوصف، نحو ((حيّعَلْ))،
فإنهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلى اسم، فلم يوصف. انتهى (١).
(وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ) قال العلماء - رحمهم الله تعالى -: خصَّهم بالذكر،
وإن كان الله تعالى ربَّ كلِّ المخلوقات، كما تقرر في القرآن والسنة من
نظائره، من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة، وكبير الشان، دون ما يُستحقَر
ويُستَصغَر، فيقال له رَ ربُّ السماوات والأرض، رب العرش الكريم، ورب
الملائكة والروح، رب المشرقين ورب المغربين، رب الناس، مالك الناس،
إله الناس، رب العالمين، رب كل شيء، رب النبيين، خالق السماوات
والأرض، فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً، فكل ذلك وشبهه
وصف له رّ بدلائل العظمة، وعظيم القدرة والملك، ولم يُسْتَعْمَل ذلك فيما
يُحتقَر ويُستصغَر، فلا يقال: رب الحشرات، وخالق القِرَدة والخنازير، وشبه
ذلك على الإفراد، وإنما يقال: خالق المخلوقات، وخالق كل شيء، وحينئذ
تدخل هذه في العموم، والله تعالى أعلم، قاله النوويُّ كَذُهُ(٢).
وقال في ((المنهل)): إنما خصّ الثلاثة المذكورين من الملائكة بالذكر؛
تشريفاً لهم وتعظيماً؛ إذ بهم تنتظم أمور العباد؛ لأن جبريل كان موكّلاً بالوحي،
وإنزال الكتب السماويّة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وتعليم الشرائع،
وأحكام الدين، وميكائيل موكّلٌ بجميع القطر، والنبات، وأرزاق بني آدم وغيرهم،
وإسرافيل موّلٌ باللوح المحفوظ، وهو الذي ينفخ في الصور. انتهى (٣) .
(فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: مُبدعهما، ومبتدىء خلقهما (عَالِمَ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ) أي: ما غاب عن العباد، وما شاهدوه، وظهر لهم، وقال
القرطبيُّ تَخْثُهُ: الغيب: ما غاب عن عياننا، والشهادة: ما شاهدناه؛ أي: علمناه
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١٩٦/٤ - ١١٩٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٦/ ٥٧.
(٣) ((المنهل العذب المورود)) ١٧٨/٥.

٨٥
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١١)
بمشاهدتنا. انتهى. (أَنْتَ تَحْكُمُ) أي: تقضي يوم القيامة بالتمييز بين المحقّ
والمبطل بالثواب والعقاب (بَيْنَ عِبَادَِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في الدنيا من
أمر دينهم، فتُعذّب العاصي إن شئتَ، وتُثيبِ الطائعين (اهْدِنِي) أي: ثبّتني عليه، أو
﴾﴾، وقال القرطبيُّ: أي:
زدني هدايةً، كقوله تعالى: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ
أرشدني، ودُلّني على صواب ما اختُلِف فيه (لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ) ببناء الفعل للمفعول.
قال الطيبيُّ كَثُ: واللام بمعنى ((إلى))، يقال: هداه إلى كذا، ولكذا،
و((ما)) موصولة، والذي اختلف فيه عند مجيء الأنبياء هو الصراط المستقيم
الذي دَعَوا الناس إليه، فاختلفوا فيه، كما قال الله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ
مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أُخْتَلَفُواْ فِيَّةِ﴾ الآية
[البقرة: ٢١٣]، كأنه قيل: اهدني إلى الصراط المستقيم، وطَلَبُ الهداية، وهو
فيها طلبٌ للثبات عليها، أو طلبٌ للزيادة على ما مُنِح من الألطاف، أو حصول
المطالب المترتّبة عليها. انتهى(١).
وقوله: (مِنَ الْحَقِّ) بيان لـ((ما)) (بِإِذْنِكَ) أي: بتمكينك، وتسخيرك، قال
الطيبيّ تَخْثُهُ: معنى الإذن: التيسير والتسهيل على سبيل التمثيل، فإن الْمَلِكَ
المحتجب إذا رَفَعَ الحجاب كان إذناً منه بالدخول عليه. انتهى.
(إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) أي: طريق الحقّ الذي لا اعوجاج
فيه، وهو دين الإسلام، وسُمّي صراطاً؛ لأنه مَوَّصلٌ للمقصود كما أن الطريق الحسيّ
كذلك، والجملة تعليل لطلب الهداية منه ريال؛ أي: لأنك تهدي من تشاء ... إلخ،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّ هذا من أفراد المصنّف تَخْذَتُهُ.
[تنبيه]: هذا الحديث قد تكلّم فيه العلماء، وضعّفوه بسبب تفرّد عكرمة بن
عمّار، فقد ضعفّوه في روايته عن يحيى بن أبي كثير، قال الحافظ ابن
رجب كَّتُ في ((شرح علل الترمذيّ)): عكرمة بن عمّار اليماميّ، ثقة، لكن
(١) ((الكاشف)) ٤/ ١١٩٧.

٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
حديثه عن يحيى بن أبي كثير خاصّةً مضطرب، لم يكن عنده كتاب، قاله يحيى
القطّان، وأحمد، والبخاريّ، وغيرهم، وحديثه عن إياس بن سلمة بن الأكوع
مُتْقَرٌ، قاله أحمد، وقال في رواية حرب: هو في غير يحيى ثبتٌ، وقد أنكر
عليه حديثه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة ﴿ّ في استفتاح النبيّ وَّ
الصلاة بالليل - يعني هذا الحديث. انتهى(١).
وتقدّم في ((شرح المقدّمة)) أيضاً أن هذا الحديث مما انتقده الحافظ أبو
الفضل بن عمّار تَخْتُ على المصنّف ◌َذَتُهُ، فراجعه تستفد (٢).
والحاصل أن هذا الحديث مما يصعُب الجواب عن المصنّف نَّتُهُ في
إيراده له في ((صحيحه)) مورد الأصول، مع تفرّد عكرمة بن عمّار به عن يحيى بن
أبي كثير، وقد سمعت تضعيف هؤلاء الأئمة لروايته عنه، ولا يوجد له متابع
فيما أظنّ، اللهم إلا أن يكون المصنّف تَّتُهُ - وهو واسع الاطلاع - وجد
متابعاً له، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨١١/٢٨] (٧٧٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٧٦٧ و٧٦٨)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤٢٠)، و(النسائيّ) في ((قيام
الليل)) (١٦٢٥) و((الكبرى)) (١٣٢٢)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة))
(١٣٥٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٦/٦)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه))
(١١٥٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٦٠٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٢٢٤٤ و٢٢٤٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٧٦٠)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (٥/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٩٥٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما تُفتتح به صلاة الليل من الأذكار.
٢ - (ومنها): بيان أنه ◌َ* كان يدعو بهذا الدعاء، ونحوه في صلاة الليل،
تواضعاً، وإشفاقاً، ولتقتديَ به أمته في الدعاء، والخضوع، وحسن التضرّع.
(١) ((شرح علل الترمذيّ)) ٦٤١/٢ - ٦٤٢.
(٢) راجع: ((قرة عين المحتاج)) ١٤٦/١ - ١٤٧ الطبعة الثانية.

٨٧
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيِّنَّهُ وَتَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٢)
٣ - (ومنها): بيان شرف هؤلاء الملائكة لتمثلا، وأنهم أفضل من سائر
الملائكة .
٤ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للعبد أن يطلب من الله تعالى الهداية إلى
طريق الحقّ؛ لأنه تعالى هو الهادي إلى ذلك.
٥ - (ومنها): بيان أن الهداية بيد الله تعالى، لا أحد يَقدِر عليها، غيره وَالَّ،
قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءٌ﴾ الآية [القصص: ٥٦]،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٨١٢] (٧٧١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ
الْمَاجِشُونُ، حَدَّثَنِي (١) أَبِي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ،
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَّ:
(وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، حَنِيفاً، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ
صَلَاِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ،
وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّ، وَأَنَا عَبْدَُ،
ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا
أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَبَِّهَا،
لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ
لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْلَكَ))، وَإِذَا رَكَعَ
قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي
وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي))، وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ
السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا(٢)، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ))،
وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي
◌ِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارََكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ))، ثُمَّ يَكُونُ
(١) وفي نسخة: (أخبرني)).
(٢) وفي نسخة: ((ملء السماوات والأرض وما بينهما)).

٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
مِنْ آخِرٍ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ،
وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُّ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ،
وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن
عطاء بن مُقَدَّم الثقفيّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م
س) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٢ - (يُوسُفُ الْمَاجِشُونُ) هو: يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة
الماجشون، أبو سلمة المدنيّ، ثقةٌ [٨].
رَوَى عن أبيه، وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن
المنكدر، والزهريّ، وسعيد المقبريّ، وعبد الله بن عروة بن الزبير، وعتبة بن
مسلم المدنيّ، وغيرهم.
وروى عنه أبو الوليد الطيالسيّ، وعفان، وعارم، ومسدّد، وسريج بن
يونس، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي، وسليمان بن داود الهاشميّ،
ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وعلي ابن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، وعبيد الله بن
عمر القواريري، ومحمد بن أبي بكر المقدميّ، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو داود، ويعقوب بن شيبة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخٌ،
وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: لا بأس به كنا نأتيه فيحدّثنا في بيت،
وجَوَارٍ له في بيت آخر يَضْرِبن بالْمِعْزَفة، وقال الخليليّ: ثقةٌ، عُمِّر حتى أدركه
علي بن مسلم، وهو وإخوته يُرَخِّصون في السماع، وهم في الحديث ثقات.
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين
ومائة، وقال غيره: مات سنة خمس وثمانين ومائة، وقال البخاريّ في ((تاريخه)):
حدّثني هارون بن محمد، قال: مات يوسف بن الماجشون سنة أربع أو خمس
وثمانين، وقال ابن سعد: قال يوسف: وُلِدت في زمن سليمان بن عبد الملك.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله
في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٧١) وحديث (١٧٥٢)
و(١٩٣٢) و(٢٤٠٤).

٨٩
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٢)
٣ - (أَبُوهُ) يعقوب بن أبي سلمة الماجشون التيميّ، مولى آل المنكدر،
أبو يوسف المدنيّ، واسم أبي سلمة دينار، وقيل: ميمون، صدوقٌ [٤].
رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وابن عمرو الأعرج،
وعمر بن عبد العزيز، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم.
وروى عنه ابناه: عبد العزيز، ويوسف، وابن أخيه عبد العزيز بن
عبد الله بن أبي سلمة، وآخرون.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: يُكْنَى أبا يوسف، وهو
الماجشون، سُمِّي بذلك هو وولده، وكان فيهم رجال لهم فقه، ورواية للحديث
والعلم، وليعقوب أحاديث يسيرة، وقال البخاريّ عن هارون بن محمد:
الماجشونُ بالفارسية الورد، وقال مصعب الزبيريّ: إنما سُمّي الماجشون؛
لكونه كان يُعَلِّم الغناء ويتخذ القِيَان، وكان يجالس عروة بن الزبير، وعمر بن
عبد العزيز في إمرته، وكان عمر يأنس إليه، فلما استُخْلِف عمر قَدِمَ عليه، فقال
له: إنا تركناك حين تركنا لبس الخزّ، فانصرف عنه، وكان الماجشون يُعِين ربيعة
على أبي الزناد، وقال يعقوب بن شيبة: ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب،
ثنا سَوّار بن عبد الله، حدّثني أبي، ثنا إسحاق بن عيسى بن موسى، عن ابن
الماجشون، قال: عُرِج بروح أبي الماجشون، فوضعناه على سرير الغسل،
وقلنا: نروح به، فدخل إليه غاسل يغسله، فرأى عِرْقاً يتحرك من أسفل قدميه
فتركه، ومكث ثلاثاً على حاله، ثم نَشَعَ بعدُ، فاستوى جالساً، فقال: ائتوني
بسويق فشربه، فقلنا: أخبرنا ما رأيت؟ قال: عُرِج بروحي إلى السماء السابعة،
فقيل: مَن هذا؟ قال: الماجشون، قيل: لم يَأْنِ له، بَقِي من عمره كذا وكذا،
ثم هَبَطت، فرأيت النبيّ وَّهِ وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعمر بن
عبد العزيز بين يديه، فقلت للذي معي: إنه القريب المقعد من رسول الله ◌َ لآ،
قال: إنه عَمِلَ بالحقّ في زمن الْجَوْر، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
وقال ابن عساكر: قال أبو الحسين بن القواس الوراق: مات يعقوب سنة
أربع وستين ومائة، كذا قال، وهو خطأ، ولم ينبه عليه أبو القاسم، والصواب
- إن شاء الله تعالى - في سنة أربع وعشرين ومائة.
روى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب
إلا هذا الحديث.

٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجُ) ابن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
[٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ) المدني مولى النبيّ ◌َّ، كان كاتب
عليّ ◌َظُبه، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وأمه سلمى، وعن عليّ، وكان كاتبه، وأبي هريرة،
وشُقْران مولى النبيّ وَله .
وروى عنه أولاده: إبراهيم وعبد الله ومحمد، والمعتمر، والحسن بن
محمد ابن الحنفية، وعلي بن الحسين بن علي، وسالم أبو النضر، وابن
المنكدر، والأعرج، وغيرهم.
قال أبو حاتم، والخطيب: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير
الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم
(٧٧١)، وحديث رقم (٨٧٧) و(١٠٦٦) و(٢٤٩٤).
٦ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ الخليفة
الراشد، مات رظ له (٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخَذّلهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبصريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض:
الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، ورواية
الراوي عن أبيه.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن عم النبيّ ◌َّ، وزوج ابنته، وأحد الخلفاء
الأربعة الراشدين، وأحد العشرة المبشّرين في الجنة، مات يوم مات، وهو
أفضل من يمشي على الأرض من بني آدم بإجماع أهل السنّة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) ◌َّهِ (عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ)

٩١
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَتَبَتُّلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٢)
وفي الرواية التالية: ((كان رسول الله ◌َي﴿ إذا استفتح الصلاة))؛ أي: ابتدأها، فالسين
والتاء زائدتان، والمراد من الصلاة ما يشمل الفريضة والنافلة؛ لما في رواية ابن
حبان: ((إذا قام إلى الصلاة المكتوبة))، وفي رواية الدارقطنيّ: ((كان إذا ابتدأ
الصلاة المكتوبة))، وفي رواية للنسائيّ: ((كان إذا قام يصلي تطوعاً))، وفيه دليل
واضح على أن هذه الأدعية مما يستحبّ قولها في الصلاة المكتوبة والنافلة، وفيه
ردّ على من خالف ذلك، وقال: لا يجوز ذلك في المكتوبة، فتبصّر.
(قَالَ) أي: بعد تكبيرة الإحرام، ففي الرواية التالية: ((كان رسول الله إذا
استفتح الصلاة كبّر، ثم قال: وجّهت ... إلخ))، وفيه تصريح بأن هذا الدعاء
كان بعد تكبيرة الإحرام، وفيه ردٌّ على من قال: إنه قبل التكبير («وَجَّهْتُ
وَجْهِيَ) أي: صَوَّبتُ وجهي، وأخلصت في عبادتي، قاله القرطبيُّ كَُّهُ(١).
وقال الأزهريّ، وغيره: معناه: أقبلت بوجهي، وقيل: قصدت بعبادتي،
وتوحيدي إليه، ويجوز في ((وجهي)) إسكان الياء، وفتحها، وأكثر القراء على
الإسكان.
(لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) أي: ابتدأ خلقهما على غير مثال سابق،
وجمع السموات، دون الأرض، وإن كانت سبعاً كالسموات؛ لأنه أراد جنس
الأرضين، وجمع السموات؛ لشرفها، قال النوويُّ كَّتُهُ: وهذا يؤيد المذهب
الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأرض، وقيل:
الأرضون أفضل؛ لأنها مستقر الأنبياء، ومدفنهم، وهو ضعيف. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مثل هذا البحث من فضول الكلام، ومن
الخوض فيما لم يكلفنا الله - تعالى - بعلمه، ولو كان فيه خير لبيّنه الله - تعالى -
في كتابه، أو بيّنه رسول الله وَّر في سنته، فاللائق بالمسلم الكفّ عن مثل
هذا، وتفويض علمه إلى عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم.
وقال القاضي أبو الطيب: جمع السموات دون الأرض؛ لأنا لا ننتفع من
الأرضين إلا بالطبقة الأولى، بخلاف السماء، فإن الشمس، والقمر، والكواكب
موزعة عليها، وقيل: لأن الأرض السبع لها سكان؛ أخرج البيهقيّ عن أبي
(١) ((المفهم)) ٤٠٠/٢.

٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
الضحى، عن ابن عباس ﴿ه، أنه قال: قوله: ﴿وَمِنَ اٌلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]
قال: (سبع أرضین، في کل أرض نبي کنبیکم، وآدم کآدمکم، ونوح کنوحكم،
وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيساكم))، قال: وإسناده صحيح عن ابن
عباس، وهو شاذٌ بمرّة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً. انتهى.
(حَنِيفاً) منصوب على الحال؛ أي: وجَّهت وجهي في حال حنيفيتي، قال
الأزهريّ، وآخرون؛ أي: مستقيماً، وقال الزجاج، والأكثرون: الحنيف المائل،
ومنه قيل: أحْنَفُ الرِّجْلِ، قالوا: والمراد هنا المائل إلى الحق، وقيل له ذلك؛ لكثرة
مُخالفيه، وقال أبو عبيدة: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم وَّر. انتهى.
وفي ((اللسان)): قال الجوهري: الحَنِيفُ: المسلمُ، وقد سُمِّيَ المستقيمُ
بذلك، كما سمي الغُراب أعْوَرَ. وتَحَنَّفَ الرَّجُلُ؛ أي: عَمِلَ عَمَلَ الحَنفِيَّة،
ويقالُ: اختتن، ويقال: اعتَزَلَ الأصنامَ، وتَعَبَّدَ، قال جِرَان العَوْد [من الطويل]:
رَسِيمَ قَطَا الْبَطْحَاءِ أَوْ هُنَّ أَقْطَفُ
وَلَمَّا رَأَيْنَ الصُّبْحَ بَادَرْنَ ضَوْءَهُ
أَقَامَ الصَّلاةَ الْعَابِدُ الْمُتَحَنِّفُ
وَأَدْرَكْنَ أَعْجَازاً مِنَ اللَّيْلِ بَعْدَمَا
والدين الحَنِيف: الإسلام، والحَنِيفية: ملة الإسلام، وفي الحديث:
((أحب الأديان إلى الله الحنيفية السَّمْحة))، ويوصف به، فيقال: مِلَّةٌ حَنِيفية،
وقال ثعلبٌ: الحنيفية: الميل إلى الشيء، قال ابن سِيدَهْ: وليس هذا بشيء،
وقال الزجاجي: الحنيف في الجاهلية مَنْ كان يحج البيت، ويغتسل من
الجنابة، ويختتن، فلما جاء الإسلام كان الحنيفُ المسلمَ، وقيل له: حنيفٌ؛
لعدوله عن الشرك؛ قال: وأنشد أبو عُبَيدٍ :
فَمَا شِبْهُ كَعْبٍ غَيْرَ أعْتَمَ فَاجِرٍ أَبَى مُذْ دَجَا الإِسْلامُ لا يَتَحَنَّفُ
وقال أبو زيد: الحنيف المستقيم، وأنشد [من الوافر]:
طَرِيقٌ لا يَجُورُ بِكُمْ حَنِيفُ
تَعَلَّمْ أَنْ سَيَهْدِيكُمْ إِلَيْنَا
وجمع الْحَنِيف: الحُنَفَاءُ(١).
(وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) بيان للحنيف، وإيضاح لمعناه، والمشرك يُطْلَق على كل
کافر، من عابد وثن، أو صنم، ويهوديّ، ونصرانيّ، ومجوسيّ، وزندیق، وغيرهم.
(١) انتهى من ((لسان العرب)) باختصار ١٠٢٦/٢.

٩٣
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَِّّ نَّهِ وَتَبَتُلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٢)
(إِنَّ صَلَاتِي) قال الأزهريُّ: الصلاة اسم جامع للتكبير والقراءة والركوع
والسجود والدعاء والتشهّد وغيرها (وَنُسُكِي) بضمتين، وهو كما قال الأزهريّ:
العبادة، والناسك الذي يخلص عبادته لله تعالى، وأصله من النسيكة، وهي
النُّقْرة الخالصة الْمُذابةُ الْمُصَفّاة من كلّ خِلْط، والنسيكة أيضاً الْقِربان الذي
يُتقرّب به إلى الله تعالى، وقيل: النسك ما أَمَر به الشرع، وعطفه على ((صلاتي))
من عطف العامّ على الخاصّ.
(وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) أي: حياتي وموتي، ويجوز فيهما فتح الياء، وإسكانها،
والأكثرون على فتح ((محياي))، وإسكان ((مماتي)) (لِلَّهِ) أي: هو خالقهما ومقدّرهما،
أو هو المالك لهما والمتصرّف فيهما، لا تصرّف لغيره فيهما، وقيل: طاعة الحياة،
والخيرات المضافة إلى الممات، كالوصيّة والتدبير، أو ما أنا عليه من العبادة في
حياتي، وما أموت عليه خالصةٌ لوجه الله تعالى، والجارّ والمجرور خبر ((إنّ)).
وقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) بالجرّ صفة لـ((الله))، أو عطف بيان، قال الواحديّ
وغيره: هذه لام الإضافة، ولها معنيان: الملك، كقولك: المال لزيد،
والاستحقاق، كالسرجُ للفرس، وكلاهما مراد هنا، وتقدّم في ((شرح المقدّمة))
بيان معنى (ربّ))، ومعنى ((العالمين))، فراجعه تستفد علماً جمّاً.
(لَا شَرِيكَ لَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من ((الله))؛ أي: حال
كونه غيرَ مُشارك في هذه الأمور.
(وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) أي: أمرني الله تعالى بالمذكور من التوحيد الشامل
للإخلاص، قولاً واعتقاداً (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي: المستسلمين لأمر الله،
الخاضعين له، المنقادين لطاعته.
وقال القرطبيُّ تَخُّْهُ: أي: مسلم من المسلمين المتمكّنين في الاستسلام
الذين سَلَّمُوا للنيران(١)، وأموالهم للضيفان، وولدهم للقربان، وفوّضُوا جميع
أمورهم للرحمن. انتھی.
وفي الرواية التالية: ((وأنا أوّل المسلمين))، قال الشافعي: لأنه وَّ و كان
أول مسلمي هذه الأمة.
(١) فقد ألقي إبراهيم عليه في النار، وأراد أن يذبح ولده.

٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقال الحافظ ابن كثير تَخْتُ: وقوله رَمَّ: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ اَلْسُتْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣]
قال قتادة: أي: من هذه الأمة، وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم
كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له. انتهى.
قال العلامة الشوكانيُّ كَخّثُ: قال في ((الانتصار)): إن غير النبيّ وَّ إنما
يقول: ((وأنا من المسلمين)). وهو وَهَمٌ، منشؤه توهم أن معنى ((وأنا أول
المسلمين)) أني أول شخص اتَّصَفَ بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه، وليس
كذلك، بل معناه المسارعة في الامتثال لما أمره به، ونظيره: ﴿قُلِّ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ
[الزخرف: ٨١]، وقال موسى - عليه الصلاة والسلام -:
وَلَدٌ فَأَنَأْ أَوَّلُ اَلْعَبِدِينَ
﴿وَأَنَأْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن اعتراض الشوكانيّ غير واضح، فما
قاله في ((الانتصار)) هو الظاهر، ولا سيما وقد ثبت عنه وَل أنه قاله، كما
تقدم، والله تعالى أعلم.
قال: وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في قوله: ((وأنا من المسلمين))، وقوله:
((وما أنا من المشركين)) بين الرجل والمرأة، وهو صحيح على إرادة الشخص، وفي
((المستدرك)) للحاكم من رواية عمران بن حصين أن النبيّ وَّ قال لفاطمة وظفيها:
((قومي، فاشهدي أضحيتك، وقولي: إن صلاتي ونسكي)) إلى قوله: ((وأنا من
المسلمين))، فدلّ على ما ذكرناه. انتهى كلام الشوكانيُّ كَذَتُهُ(١)، وهو بحث جيّد.
وقوله: (اللَّهُمَّ) قال الأزهريُّ: فيه مذهبان للنحويين، قال الفرّاء: هي في
الأصل: يا الله أُمَّنَا بخير، فكثُرت في الكلام، واختلطت، فقيل: اللَّهم، كما
قالوا: هَلُمَّ، وأصلها: ((هل)) ضُمّ إليها ((أَمَّ))، ثم تركت منصوبة الميم، وقال
الخليل: معناه: يا ألله، والميم المشددة عوض عن ((يا)) النداء، والميم مفتوحة
لسكونها، وسكون الميم قبلها، ولا يجمع بينهما، فلا يقال: يا أللّهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد يجمع بينهما في الشعر، كقوله [من الرجز]:
إِنِّي إذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا
أَقُولُ يَا اللَّهِمَّ يا اللَّهِمَّا
وإلى ذلك أشار ابن مالك بقوله:
(١) ((نيل الأوطار)) ٣٢/٣.

٩٥
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِّ نَّهِ وَتَبَتُِّهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٢)
وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ يَا وَأَلْ إلا مَعَ الله وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَالأَكْثَرُ اللَّهِمَّ بِالتَّعْوِيضِ
وَشَذَّ يَا اللَّهِمَّ فِي قَرِيضِ
فائدة: ذكر بعض المحققين أن ((اللَّهم)) تستعمل على ثلاثة أوجه:
((أحدها)): النداء المحض، نحو: اللَّهم أثِبْنَا .
((ثانيها)»: أن يذكرها المجيب تمكيناً للجواب في ذهن السامع، نحو:
اللَّهم نعم، في جواب: أزيد قائم؟ .
((ثالثها)): أن تستعمل دليلاً على الندرة، وقلة وقوع المذكور؛ نحو: أنا
أزورك، اللَّهم إذا لم تَدْعُنِي؛ إذ الزيارة مع عدم الطلب قليلة، ومنه قول
المؤلفين: اللَّهم إلا أن يقال كذا، قيل: وهي على هذين موقوفة، لا معربة، ولا
مبنية؛ لخروجها عن النداء، فهي غير مركبة، لكن استظهر العلامة الصبان تَظَّتُهُ في
((حاشيته على الأشمونيّ)) بقاءها على النداء مع دلالتها على التمكين، أو الندرة،
فتكون معربة کالأول، ولو سُلِّم، فيقال: إنه منادی صورة، فله حكمه. انتهى.
(أَنْتَ الْمَلِكُ) أي: القادر على كل شيء، المالك الحقيقيّ لجميع
المخلوقات (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أي: لا معبود بحقّ غيرك (أَنْتَ رَبِّي) أي:
مالكي، وسيّدي، والمتصرّف في جميع أموري (وَأَنَا عَبْدُلَكَ) أي: معترف بأنك
مالكي، ومدبري، وحكمك نافذ فِيَّ، وقوله: (ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي)
اعترافٌ بما يوجب نقص حظ النفس من ملابسة المعاصي تأذُّباً، وأراد بالنفس
هنا الذات المشتملة على الروح، وقال الأزهريُّ تَخْلَتُهُ: اعتراف بالذنب، قَدَّمه
على مسألة الله رَك المغفرة، كما علَّمَ آدم ◌َلَّهُ عند خطيئته أن يقول: ﴿رَبَّنَا
ظَنَّا أَنْفُسَنَا وَإِن ◌َّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وقال تعالى
حكاية عن آدم لعلّ: ﴿فَلَفََّ ءَدَمُ مِن زَبِّهِ، كَلِمَتٍ فَابَ عَلَيْهِ﴾ الآية [البقرة: ٣٧].
انتھی.
(فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً) أي: استرها بعفوك، ولا تؤاخذني بها، وقوله: (إِنَّهُ)
بالكسر؛ لوقوعها في محلّ الاستئناف، والضمير للشأن (لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ)
جملة تعليلية لطلبه أن يغفر له جميع ذنوبه؛ أي: لأنه لا يغفر الذنوب كلّها إلا أنت.
(وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ) أي: أرشدني لصوابها ووفّقني للتخلّق بها،
وثبّتني عليها .

٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقال القرطبيُّ تَّتُهُ: قوله: ((واهدني لأحسن الأخلاق)) أي: لأكملها
وأفضلها، وهي الْخُلُق الصحيح، والكفّ عن القبيح، وقيل: للقيام بالحقوق،
والعفو عن العقوق، كما قال: ((أن تُعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك))(١)،
وقد أجاب الله تعالى دعاء نبيّه وَّ في ذلك، فجَمَع له منها ما تفرّق في العالمين،
حتى قال الله تعالى له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤]. انتهى(٢).
وقوله: (لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ) جملة تعليلية لطلب الهداية، كما مرَّ
نظيره آنفاً (وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّتَهَا) أي: أبعد عني قبيحها، وقوله: (لَا يَصْرِفُ عَنِّي
سَيَِّهَا إِلَّا أَنْتَ) جملة تعليلية أيضاً.
(لَبَّيْكَ) قال النوويُّ كَظُّهُ: قال العلماء: معناه: أنا مقيم على طاعتك
إقامةً بعد إقامة. انتهى، وقال الأزهريّ تَخّْتُهُ: أي: أقمت على طاعتك إقامة
بعد إقامة، يقال: لَبَّ بالمكان، وأَلَبَّ: إذا أقام به، لبّاً، وإِلْبَاباً، فأصل ((لبيك))
لَبَّيْنٍ، فحذفت النون للإضافة، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
نُوناً تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورٍ سِيئًا
واللَّبُّ: الإقامة على الطاعة. قاله الأزهريّ ◌َُّهُ.
وقال العلامة الرضيّ تَخْذَقُ: أصل ((لبيك)) أُلِبّ لك إِلْبَابين؛ أي: أقيم
على طاعتك وإجابتك إقامتين، من ألَبَّ بالمكان: إذا أقام به، فحذف الفعل،
وأقيم المصدر مقامه، فصار إِلْبَابين لك، ثم حذفت زوائده، وحذف الجارّ،
وأضيف للضمير، كلُّ ذلك ليسرع المجيب إلى سماع خطاب مناديه. انتهى.
(وَسَعْدَيْكَ) أي: أُسعد أمرك، وأتّبعه إسعاداً بعد إسعاد، ومتابعةً لدينك
الذي ارتضيته بعد متابعة، ولا تُستَعمَل إلا بعد ((لبيك))؛ لأنها توكيد لها .
وقال القرطبيّ تَخْذُ: ((لبيك)): معناه: إجابةً لك بعد إجابة، و((سعديك)): أي:
مساعدةً بعد مساعدة، وهما من المصادر التي لا تستعمل إلا مضافة مثّةً. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد أن (لَبَّيْ)) و((سَعْدَيْ)) لا يستعملان إلا
مضافين للضمير، وشذّ إضافة ((لبّي)) للفظ ((يدي))، كقول الشاعر [من المتقارب]:
(١) رواه أحمد في ((مسنده)) ١٤٨/٤ - ١٥٨.
(٢) ((المفهم)) ٤٠١/٢.
(٣) ((المفهم)) ٤٠١/٢.

٩٧
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَّبِيّ ◌َّهِ وَتَبَتُلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٢)
دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرَا فَلَبَّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ
وكذا شذّ إضافتها لضمير الغائب في قوله:
فَقُلْتُ لَبَّيْهِ لِمَنْ يَدْعُونِي
وإلى هذا أشار ابن مالك تَخْتُهُ في ((الخلاصة)) بقوله:
إِيلَاؤُهُ اسْماً ظَاهِراً حَيْثُ وَقَعْ
وَبَعْضُ مَا يُضَافُ حَتْماً امْتَنَعْ
وَشَذَّ إِلَاءُ ((يَدَيْ)) لِـ(لَبَّيْ))
كَ((وَحْدَ)) ((لَبَّيْ)) وَ((دَوَالَيْ)) ((سَعْدَيْ))
(وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ) معناه: الإقرار بأن كلّ خير واصلٍ إلى العباد،
ومرجۇٍ وصوله إليهم، فهو في يديه ثقلاً .
زاد الشافعيّ، عن مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة: ((والمَهْديّ من
هديت))، قال الخطابيّ وغيره: فيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على الله تعالى،
ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور، دون مساويها على جهة الأدب. انتهى.
(وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) قال القرطبيّ تَخْذُهُ: أي: لا يضاف إليك مخاطبةً ونسبةً؛
تأدّباً مع أنه بقضاء الله تعالى وقدره وخلقه، كالخير، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ
مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ٧٨]، وقال: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا
: ﴾ [الأنعام: ١٧]. انتهى(١).
هُوٌّ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
وقال النوويّ كَّثُهُ: هذا مما يجب تأويله؛ لأن مذهب أهل الحق أن كل
المحدثات فعل الله تعالى وخلقه، سواء خيرها وشرّها، وحينئذ يجب تأويله،
وفيه للعلماء خمسة أقوال:
((أحدها)): معناه أنه لا يتقرب به إليك، قاله الخليل بن أحمد، والنضر بن
شُميل، وإسحاق ابن راهويه، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن خزيمة،
والأزهريّ، وغيرهم.
((الثاني)): حكاه الشيخ أبو حامد، عن المزنيّ، وقاله غيره أيضاً: معناه:
لا يضاف إليك على انفراده، لا يقال: يا خالق القردة والخنازير، ويا رب
الشر، ونحو هذا، وإن كان خالق كل شيء، ورب كل شيء، وحينئذ يدخل
الشر في العموم.
(١) ((المفهم)) ٤٠١/٤ - ٤٠٢.

٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
((الثالث)): معناه: والشر لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب،
والعمل الصالح.
((الرابع)): معناه: والشر ليس شرّاً بالنسبة إليه، فإنك خلقته بحكمة بالغة،
وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين.
((الخامس)): حكاه الخطابيّ أنه كقولك: فلان إلى بني فلان إذا كان
عِدَاده فيهم، أو صَفُّوه إليهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أصح الأقوال عندي هو الأول؛ لأن سياق
الكلام يدل عليه، ويليه القول الثالث؛ إذ معناه قريب من معناه، والله تعالى أعلم.
(أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ) أي: توفيقي بك، والتجائي، وانتمائي إليك، وقال
الأزهري: معناه أعتصم بك، وأعوذ بك، وألجأ إليك، كأنه قال: بك أعوذ،
وإليك ألجأ. انتهى.
(تَبَارَكْتَ) أي: استحققت الثناء، وقيل: ثبت الخير عندك، وقال ابن
الأنباريُّ: تَبَارَكَ العبادُ بتوحيدك، قاله النوويّ تَخْتُهُ.
وقال ابن منظور تَخّْتُهُ: و(تبارك الله)): تقدَّسَ، وتَنَزَّه، وتعالى، وتعاظم،
لا تكون هذه الصفة لغيره. وسئل أبو العباس عن تفسير ((تبارك الله؟» فقال:
ارتفع، والمتبارِكُ المرتَفِع، وقال الزجاج: ((تبارك)) تَفَاعَلَ، من البركة، كذلك
يقول أهل اللغة، وقال ابن الأنباريّ: ((تبارك الله)): أي: يُتَبَرّك باسمه في كل
أمر. انتهى كلام ابن منظور باختصار(١).
(وَتَعَالَيْتَ) أي: تنزهت عن كل ما لا يليق بجلالك (أَسْتَغْفِرُكَ) أي:
أطلب منك ستر ذنوبي، قال الراغب الأصفهانيّ تَخُّْهُ: الغَفْرُ: إلباسُ ما يصونه
عن الدَّنَس، ومنه قيل: اغْفِرْ ثوبك في الوِعَاء، واصبُغْ ثوبَك، فإنه أغْفَرُ
للوَسَخ، والغُفْران، والمغفرة من الله: هو أن يصون العبدَ من أن يمسه
(٢)
العذاب. انتهى
(وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))) أي: أرجع إلى طاعتك، وأنيب إليك، والتائب الراجع
(١) ((لسان العرب)) ٢٦٦/١.
(٢) ((شرح مفردات ألفاظ القرآن)) (ص٦٠٩).

٩٩
(٢٨) - بَابُ كَيْفِيَّةِ دُعَاءِ النَِّيّ ◌َّهِ وَتَبَتُلِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ - حديث رقم (١٨١٢)
إلى طاعة ربه بعد معصيته وخطيئته، قاله الأزهريّ تَقْذَهُ(١).
وقال الراغب تَخْتُ: التَّوْبُ: ترك الذنب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ
وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لَمْ أفعل، أو
يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت، وأسأت، وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا
الأخير هو التوبة، والتوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فَرَطَ منه،
والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال
بالإعادة(٢)، فمتى اجتمعت هذه الأربع، فقد كملت شرائط التوبة. انتهى (٣).
[تنبيه]: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام تَخَّلهُ: فإن قيل: هذا وعد
بطلب المغفرة؛ لأن معنى ((أستغفرك)) أطلب من الله تعالى المغفرة؛ لأن استفعل
لطلب الفعل، فهذا وعد بأنَّا سنطلب منه، ولا يلزم من الوعد بالطلب حصول
المطلوب الذي هو الطلب، وكذا ((أتوب إليك)) وعد بالتوبة، لا أنه توبة في نفسه.
فالجواب أن هذا ليس وعداً، ولا خبراً، بل هو إنشاء، والفرق بين الخبر
والإنشاء أن الخبر هو الدّالّ على أن مدلوله قد وقع قبل صدوره، أو يقع بعد
صدوره، والإنشاء هو اللفظ الدّالّ على أن مدلوله حصل مع آخر حرف منه، أو
عقب آخر حرف منه على الخلاف بين العلماء في ذلك. انتهى كلام الشيخ ابن
عبد السلام تَخْذَتْهُ(٤).
(وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ) أي: خضعت لك، لا لغيرك، فمعنى
الركوع: هو الخضوع، كما نقله في ((اللسان)) عن ثعلب، وفي تقديم الجارّ
والمجرور في هذه الجمل كلُّها إفادة الحصر والاختصاص (وَبِكَ) لا بغيرك
(آمَنْتُ) أي: صدّقت (وَلَكَ) لا لغيرك (أَسْلَمْتُ) أي: ذللتُ، وانقدتُ لطاعتك
(خَشَعَ لَكَ) أي: تواضع، وخضع لك لا لغيرك (سَمْعِي) فلا يسمع إلا ما أذنت
في سماعه (وَبَصَرِي) فلا يُبصر إلا ما أذنت في إبصاره، وخصّ السمع والبصر
(١) ((شرح غريب ألفاظ الشافعيّ)) (ص٢٢٦).
(٢) هكذا نسخة ((مفردات الراغب))، ولعل صواب العبارة بحذف لفظة ((بالأعمال))، فليُحرّر.
(٣) ((مفردات ألفاظ القرآن)) ص١٦٩.
(٤) نقله السيوطيُّ في ((زهر الربى شرح المجتبى)) ١٣١/٢.

١٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
من بين الحواسّ؛ لأن أكثر الآفات بهما، فإذا خشعا قَلّت الوساوس، ولأنّ
تحصيل العلم النقليّ والعقليّ بهما (وَمُخِّي) بضمّ الميم، وتشديد الخاء
المعجمة: الْوَدَك الذي في العظم، وخالص كلّ شيء، وقد يُسمّى الدماغ مُخّاً،
قاله في ((المصباح)) (وَعَظْمِي وَعَصَبِي))) بفتحتين: أطناب المفاصل، والجمع
أعصاب، مثلُ سبب وأسباب.
والمعنى: خضع لك جسمي باطناً كما خضع ظاهراً، فكنى بهذه الثلاثة
عن الجسم كلّه؛ لأن مدار قوامه عليها، والغرض من هذا كلّه المبالغة في
الانقياد والخضوع لله ◌ُتاج(١).
وقال السنديّ تَّثُ ما حاصله: إسناد الخشوع إلى هذه الأشياء كناية عن
كمال الخشوع والخضوع؛ أي: قد بلغ غايته حتى ظهر أثره في هذه الأعضاء،
وصارت خاشعةً لربها. انتهى(٢) .
وقال القرطبيّ كَّتُ: معناه: أخذ كلُّ عضو من هذه الأعضاء حظّه من
الخضوع والتذّل؛ أي: سكنت، وافتقرت، وإن كان أصل الخشوع في القلب،
لكن ثمرته تظهر على الجوارح والأعضاء، فسُمّي بذلك خُشُوعاً، كما قال
تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةً﴾ الآية [فصلت: ٣٩]؛ أي: متذلّلةً مفتقرةً لما تَحيا به
من الماء، أو يكون هذا على سبيل الإعياء(٣) والتشبيه، كما قال [من الكامل]:
لَا عُضْوَ لِي إِلَّا وَفِيهِ مَحَبَّةٌ فَكَأَنَّ أَعْضَائِي خُلِقْنَ قُلُوبَا
قال: وهذا هو النور الذي دعا به النبيّ ◌َّر في حديث ابن عبّاس
المتقدّم. انتهى(٤).
(وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا) بنصب ربنا على أنه منادى حذف منه حرف
النداء، كما قال الحريري رحمه الله تعالى في ((ملحة الإعراب)):
وَحَذْفُ يَا يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي
(لَكَ الْحَمْدُ) مبتدأ وخبره، وقُدِّم الخبر لإفادة الحصر، والاختصاص؛
(١) راجع: ((المنهل العذب المورود)) ١٧٠/٥.
(٢) (شرح السندي على النسائيّ)) ١٩٢/٢. (٣) هو بلوغ الغاية في الأمر.
(٤) ((المفهم)) ٤٠٢/٢.