النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٧)
السبحة الضحى، فهو أقرب مَغْزَى، وأكثر غنيمةً، وأوشك رجعةً)). قال
المنذريّ: رواه أحمد، من رواية ابن لَهِيعة، والطبرانيّ بإسناد جيّد. انتهى.
وابن لَهِيعة متكلّم فيه، لكن تابعه ابن وهب عند الطبرانيّ، راجع: ما كتبه
الشيخ الألبانيّ كَّتُ في ((صحيح الترغيب))(١).
(ومنها): حديث أبي هريرة ظُه قال: بَعَث رسول الله وَّهَ بَعْثاً، فأعظموا
الغنيمة، وأسرعوا الكرَّة، فقال رجل: يا رسول الله، ما رأينا بعثاً قط أسرع
كرةً، ولا أعظم منه غنيمةً من هذا البعث، فقال: ((ألا أخبركم بأسرع كَرّةً منه،
وأعظم غنيمةً، رجلٌ توضأ في بيته، فأحسن وضوءه، ثم تَحَمَّل إلى المسجد،
فصلى فيه الغداة، ثم عَقَّب بصلاة الضحوة، فقد أسرع الكرّة، وأعظم الغنيمة))،
رواه أبو يعلى، ورجال إسناده رجال الصحيح، والبزّار، وابن حبّان في
((صحيحه))، وبيَّن البزّار في روايته أن الرجل أبو بكر ﴿ته.
(ومنها): حديث عقبة بن عامر الجهنيّ ◌َظ به أن رسول الله وَل قال:
((إن الله وَّك يقول: يا ابن آدم اكفني أول النهار بأربع ركعات، أكفك بهنّ آخر
يومك))، رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجال أحدهما رجال الصحيح.
(ومنها): حديث أبي الدرداء ◌َُّله أن رسول الله وَّه قال: ((إن الله تعالى
يقول: يا ابن آدم، لا تُعجزن من الأربع ركعات، من أول نهارك، أكفك
آخره))، رواه أحمد بإسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود من حديث نعيم بن هَمّار ◌َالله قال: سمعت
رسول الله 18 يقول: ((يقول الله رَبّت: يا ابن آدم، لا تُعجِزني من أربع ركعات
في أول نهارك، أكفك آخره))، ورجاله رجال الصحيح.
(ومنها): حديث أبي أمامة نصبه أن رسول الله وَّر قال: ((من خرج من
بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة، فأجره كأجر الحاجّ المحرم، ومن خرج إلى
تسبيح الضحى، لا يَنصِبه إلا إياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إِثْرِ
صلاة، لا لغوَ بينهما کتاب في عِلِِّین))، حديث حسنٌ، رواه أبو داود.
(ومنها): حديث أبي هريرة رضيبه قال: قال رسول الله وهلهو: ((لا يُحافظ
(١) انظر: ما كتبه الشيخ الألبانيّ كَّلُ في ((صحيح الترغيب والترهيب)) ٤٢١/١.

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
على صلاة الضُّحى إلا أوّاب، قال: وهي صلاة الأوّابين))، رواه الطبرانيّ،
وابن خزيمة في ((صحيحه))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من هذه الأحاديث الصحيحة،
واتّضح تمام الاتّضاح سنّة صلاة الضحى، واستحباب المداومة عليها، ومن
الغريب بعد هذا كلّه ميل بعض المحقّقين كابن القيّم ◌َذَتُهُ إلى القول بأنها إنما
تُفعل بسبب من الأسباب، كالقدوم من السفر، ونحو ذلك، مؤوّلاً الأحاديث
المذكورة تأويلاً بعيداً (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: حَكَى الحافظ أبو الفضل العراقي تَظْثُ في ((شرح الترمذيّ)) أنه
اشتهر بين العوامّ أن من صلّى الضحى، ثم قطعها يَعْمَى، فصار كثير من الناس
يتركونها أصلاً لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان
على ألسنة العوامّ، ليَحْرِمهم الخيرَ الكثيرَ، لا سيّما ما وقع في حديث أبي
ذرّ ۆژله. انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: أراد بحديث أبي ذرّ ◌َظُه الآتي في الباب عن
النبيّ وَ﴿ أنه قال: ((يُصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة
صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأَمْرٌ
بالمعروف صدقةٌ، ونَهْيٌّ عن المنكر صدقةٌ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما
من الضحى))، والله تعالى أعلم.
[لطيفة]: روى الحاكم من طريق أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: أمرنا
رسول الله * أن نصلي الضحى بسوَر منها: والشمس وضحاها والضحى.
انتهى. ومناسبة ذلك ظاهرة جداً، قاله في ((الفتح))، ويحتاج إلى النظر في
سنده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد ركعات صلاة
الضحى:
(١) حديث صحيح، راجع: ما كتبه الشيخ الألبانيّ كَُّ على ((صحيح الترغيب
والترهيب)) ٤٢٣/١.
(٢) راجع: ((زاد المعاد)) ٣٥٧/١.

٣٤٣
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٧)
قال في ((الفتح)): واستدلّ بهذا الحديث على أن أكثر صلاة الضحى ثمان
ركعات، واستبعده السبكيّ، ووجّه بأن الأصل في العبادة التوقّف، وهذا أكثر
ما ورد في ذلك من فعله وَّر، وقد ورد من فعله دون ذلك، كحديث ابن أبي
أو فى رَظُه أن النبيّ ◌َّه صلى الضحى ركعتين، أخرجه ابن عدي، وسيأتي من
حديث عتبان قريباً مثله، وحديث عائشة يؤثّا عند مسلم: ((كان يصلي الضحى
وظ ◌ُبه عند الطبراني في ((الأوسط)): ((أنه تَّ صلى الضحى
أربعاً))، وحديث جابر
ستّ ركعات)).
وأما ما ورد من قوله وَله، ففيه زيادة على ذلك، كحديث أنس .
مرفوعاً: ((من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعةً، بَنَى الله له قصراً في الجنة))،
أخرجه الترمذيّ، واستغربه، وليس في إسناده مَن أُطلق عليه الضعف.
وعند الطبرانيّ من حديث أبي الدرداء ظُبه مرفوعاً: ((من صلى الضحى
ركعتين، لم يكتب من الغافلين، ومن صلى أربعاً كتب من التائبين، ومن صلى
ستّاً كُفي ذلك اليوم، ومن صلى ثمانياً كتب من العابدين، ومن صلى ثنتي
عشرة، بَنَى الله له بيتاً في الجنة))، وفي إسناده ضعف أيضاً، وله شاهد من
حديث أبي ذرّ ◌َُّه، رواه البزار، وفي إسناده ضعف أيضاً، ومن ثَمَّ قال
الرُّويانيّ، ومن تبعه: أكثرها ثنتا عشرة.
وقال النوويّ في ((شرح المهذَّب)): فيه حديث ضعيفٌ، كأنه يشير إلى
حديث أنس ظُه، قال الحافظ تَُّ: لكن إذا ضُمّ إليه حديث أبي ذرّ، وأبي
الدرداء چا قَوِي، وصَلُح للاحتجاج به.
ونَقَل الترمذيّ، عن أحمد أن أصحّ شيء ورد في الباب حديث أم
هانئ ؤثّا، وهو كما قال، ولهذا قال النوويّ في ((الروضة)): أفضلها ثمان،
وأكثرها ثنتا عشرة، ففرَّق بين الأكثر والأفضل، ولا يُتَصَوَّر ذلك إلا فيمن صلى
الاثنتي عشرة بتسليمة واحدة، فإنها تقع نفلاً مطلقاً عند من يقول: إن أكثر سنة
الضحى ثمان ركعات، فأما مَن فَصَلَ فإنه يكون صلى الضحى، وما زاد على
الثمان يكون له نفلاً مطلقاً، فتكون صلاته اثنتي عشرة في حقه أفضل من ثمان؛
لكونه أتی بالأفضل وزاد.
وقد ذهب قوم منهم: أبو جعفر الطبريّ، وبه جزم الْحَلِيميّ، والرُّويانيّ،

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
من الشافعية إلى أنه لا حدّ لأكثرها، ورُوي من طريق إبراهيم النخعيّ، قال:
سأل رجل الأسود بن يزيد: كم أصلي الضحى؟ قال: كم شئت.
وفي حديث عائشة ﴿يَّا عند مسلم: ((كان يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما
شاء الله)).
وهذا الإطلاق قد يُحْمَل على التقييد، فيؤكِّد أن أكثرها اثنتا عشرة ركعةً،
والله أعلم.
وذهب آخرون إلى أن أفضلها أربع ركعات، فحَكَى الحاكم في كتابه
المفرد في صلاة الضحى، عن جماعة من أئمة الحديث أنهم كانوا يختارون أن
تُصَلَّى الضحى أربعاً؛ لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك، كحديث أبي الدرداء،
وأبي ذرّ، عند الترمذيّ مرفوعاً، عن الله تعالى: ((يا ابن آدم اركع لي أربع
ركعات من أول النهار، أكفك آخره))، وحديث نعيم بن همّار، عند النسائيّ،
وحديث أبي أمامة، وعبد الله بن عمرو، والنّاس بن سَمْعان، كلهم بنحوه، عند
الطبرانيّ، وحديث عقبة بن عامر، وأبي مُرّة الطائفيّ، كلاهما عند أحمد بنحوه،
وحديث عائشة عند مسلم، وحديث أبي موسى، رفعه: ((من صلى الضحى أربعاً
بَنَى الله له بيتاً في الجنة))، أخرجه الطبرانيّ في ((الأوسط))، وحديث أبي أمامة
مرفوعاً: ((أتدرون قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِى وَقَ (َ))
[النجم: ٣٧]؟ قال: وفّى
عَمَلَ يومه بأربع ركعات الضحى))، أخرجه الحاكم، قاله في ((الفتح)).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن قول من قال: إن أقلّ صلاة الضحى
ركعتان، وأكثرها ثمان، أرجح؛ لصحّة الأحاديث الواردة في ذلك، وأما قول
من قال: إن أكثرها اثنتا عشرة ركعة، فلا يخلو الحديث الوارد في ذلك من
مقال، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٦٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ،
قَالَا: أَخْبَرَنَا(١) عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٣٤٥
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٨)
حَدَّثَنِي (١) ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ، قَالَ:
سَأَلْتُ، وَحَرَصْتُ عَلَى أَنْ أَجِدَ أَحَداً مِنَ النَّاسِ، يُخْبِرُنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ سَبَّحَ
سُبْحَةَ الضُّحَى، فَلَمْ أَجِدْ أَحَداً يُحَدِّثُنِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ أُمَّ هَانِيٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ،
أَخْبَرَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَتَى بَعْدَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأَتِيَ بِثَوْبٍ، فَسُتِرَ
عَلَيْهِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ ثَمَانِيَ (٢) رَكَعَاتٍ، لَا أَدْرِي أَقِيَامُهُ فِيهَا أَطْوَلُ(٣)، أَمْ
رُكُوعُهُ، أَمْ سُجُودُهُ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ مُتَقَارِبٌ، قَالَتْ: فَلَمْ أَرَهُ سَبَّحَهَا قَبْلُ، وَلَا بَعْدُ،
قَالَ الْمُرَادِيُّ، عَنْ يُونُسَ: وَلَمْ يَقُلْ: أَخْبَرَنِي).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
[١١] (ت٢٤٨) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) الحافظ المصريّ، تقدّم قريباً.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريباً أيضاً.
٤ - (ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ) هو: عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن
نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو يحيى المدنيّ، وقال
أبو حاتم: يقال: عُبيد الله، وعبد الله أصحّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وعبد الله بن
شداد بن الهاد، وعبد الله بن خباب بن الأرتّ، وعبد المطلب بن ربيعة بن
الحارث على خلاف فيه، وأم هانئ بنت أبي طالب، على خلاف فيه.
وروى عنه أخوه عون، وعبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن
الخطاب، وعاصم بن عبيد الله، والزهريّ.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ:
مدنيّ، تابعيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قال الحافظ: وعندي في صحة
سماعه من عبد الرحمن بن عوف نظرٌ، والصواب أن بينهما ابن عباس. انتهى.
(١) وفي نسخة: ((أخبرني)).
(٣) وفي نسخة: ((أقيامه أطول فيها)).
(٢) وفي نسخة: ((ثمان)).

٣٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمامے مسلم بن الحجاجے- كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقال ابن سعد، وعمرو بن عليّ: قتلته السَّمُوم بالأبواء، وهو مع
سليمان بن عبد الملك، سنة تسع وتسعين، وقال الزبير بن بكار: نحو ذلك،
وكذا أرَّخه ابن المدينيّ.
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب
ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٣٣٦) وحديث (١٠٧٢) و(٢٢١٩)، وله عند
البخاريّ، وأبي داود في رجوع عمر ◌َظُه لَمّا وقع الوباء بالشام.
٥ - (أَبُوهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) الهاشميّ، أبو محمد المدنيّ،
أمير البصرة، له رؤيةٌ، ولأبيه وجدّه صحبةٌ، قال ابن عبد البرّ: أجمعوا على
توثيقه [٢] (ت ٩٩) وقيل: (٨٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥١٦/٩٦.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه شيخان قرَن بينهما؛
الاتّفاقهما في كفيّة التحمّل والأداء، حيث أخذا عن ابن وهب سماعاً بقراءة
قارىء عليه، ولذا قالا: أخبرنا عبد الله بن وهب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريّون.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم، عن بعض: ابن
شهاب، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، ورواية الابن، عن
أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي نسخة:
((أخبرني)) (ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ) واسمه عبد الله، كما سبق آنفاً (أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللهِ
ابْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ) بن الحارث بن عبد المطلب مذكورٌ في الصحابة؛ لكونه وُلد
في عهد النبيّ وَّهِ، وبَيَّن ابن ماجه في روايته وقت سؤال عبد الله بن الحارث عن
ذلك، ولفظه: ((سألت في زمن عثمان، والناس متوافرون))، قاله في ((الفتح))(١).
(١) ((الفتح)) ٦٤/٣.

٣٤٧
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٨)
(قَالَ: سَأَلْتُ، وَحَرَصْتُ) بفتح الراء على المشهور، وبه جاء القرآن، وفي
لغة بكسرها، قاله النوويّ(١).
وقال في ((المصباح)): حَرَصَ عليه حَرْصاً، من باب ضَرَبَ: إذا اجتهد،
والاسم الْحِرْص بالكسر، وحَرَصَ على الدنيا، من باب ضَرَبَ أيضاً، ومن باب
تَعِبَ لغةٌ: إذا رَغِبَ رَغبةً مذمومةً، فهو حَرِيصٌ، وجمعه حِرَاصٌ، مثلُ ظَرِيف
وظِرَاف، وغَلِيظ وغِلَاظِ، وكَرِيم وكِرَامٍ. انتهى (٢).
والمناسب هنا المعنى الأول، وهو الاجتهاد، والجملة في محلّ نصب
على الحال بتقدير ((قد)) عند البصريين، وجوّزه الكوفيّون بلا تقدير.
وقوله: (عَلَى أَنْ أَجِدَ) متعلّق بـ((حرَصتُ)) (أَحَداً مِنَ النَّاسِ، يُخْبِرُنِي أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَلَّهِ سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى) - بضم السين -: أي: نافلة الضحى (فَلَمْ
أَجِدْ أَحَداً يُحَدِّثُنِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ أُمَّ هَانِيٍ) بالهمزة بعد النون، وتقدّم أن اسمها
فاختة، وقيل: غيره (بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ أَتَى) بالبناء
للفاعل؛ أي: جاء إلى بيتها، وفي رواية ابن أبي ليلى السابقة: ((أن النبيّ وَيه
دخل بيتها)) (بَعْدَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ) هو وقت صلاة الضحى (يَوْمَ الْفَتْحِ) أي: يوم
فتح مكة (فَأَتِيَ بِثَوْبٍ) بالبناء للمفعول (فَسُتِّرَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعولَ أيضاً، وقد
اختلفت الروايات فيمن ستره، قيل: فاطمة بنته ◌ًّا، وقيل: أبو ذرّ
وتقدّم وجه الجمع (فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ ثَمَانِيَ (٣) رَكَعَاتٍ) وفي بعض النسخ:
(ثمان ركعات))، والأول هو الجاري على القاعدة؛ لأن ثماني إذا أُضيف إلى
مؤنّث تثبت الياء ثبوتها في القاضي، وتعرب إعراب المنقوص، وقد تقدّم تمام
البحث في هذا في غير هذا الموضع (لا) نافية (أَدْرِي أَقِيَامُهُ فِيهَا) أي: في تلك
الركعات (أَطْوَلُ(٤)، أَمْ رُكُوعُهُ، أَمْ سُجُودُهُ، كُلُّ ذَلِكَ) من القيام، والركوعِ،
والسجود (مِنْهُ) ◌ِِّ (مُتَقَارِبٌ)، (قَالَتْ) أم هانىء ◌َّا (فَلَمْ أَرَهُ سَبَّحَهَا قَبْلُ)
بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، ومثله ((بعدُ))؛ أي: قبل
ذلك اليوم (وَلَا بَعْدُ) أي: بعد ذلك اليوم، ولا ينافي هذا ما ثبت من رؤية
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣١/٥.
(٣) وفي نسخة: ((ثمان)).
(٢) ((المصباح المنير)) ١٣٠/١.
(٤) وفي نسخة: ((أقيامه أطول فيها)).

٣٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاجے - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
◌ُوته، فهي إنما نفت علمها، وكما سبق ذلك عن عائشة.
غيرها من الصحابة
فصلاة الضحى ثابتة من قوله ◌َله وفعله من أحاديث عدّة من الصحابة رضيه، كما
أسلفنا تحقيقه في الحديث الماضي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ الْمُرَادِيُّ) هو شيخه الأول محمد بن سلمة (عَنْ يُونُسَ: وَلَمْ يَقُلْ:
أَخْبَرَنِي) يعني أن محمد بن سلمة رواه بقوله: ((عن يونس)) بالعنعنة، ولم يُصرّح
بالإخبار، كما صرّح به حرملة بن يحيى، وهذا لا يضرّ، وإنما هو من
احتياطات المصنّف رَّتُهُ، وشدّة ورعه في أداء ما سمعه كما سمعه، وإن كان
لا يختلف به الحكم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان مسائله في الحديث الماضي، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٦٦٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
أَبِي النَّضْرِ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمَّ هَانِيٍّ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِيٍّ
بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ، تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ،
وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ (٢)، فَقَالَ: ((مَنْ هَذِهِ؟)) قُلْتُ(٣): أُمُّ
هَانِيْ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَّ: ((مَرْحَباً بِأُمّ هَانِيٍ))، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ، فَصَلَّى
ثَمَانِيَ(٤) رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفاً فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ الهِ، زَعَمَ
ابْنُ أُمِّي، عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً أَجَرْتُهُ، فُلَانُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَلِ: ((قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِيٍ))، قَالَتْ أُمُّ هَانِيٍّ: وَذَلِكَ
ضُحى).
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).
(٢) وفي نسخة: ((فسلّمت عليه)).
(٣) وفي نسخة: ((قلت: أنا أم هانىء إلخ)).
(٤) وفي نسخة: ((ثمان)).

٣٤٩
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٩)
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عُبيد الله التيميّ
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وكان يُرسل [٥] (ت١٢٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥١/٤.
٢ - (أَبُو مُرَّةَ مَوْلَى أُمَّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ) ويقال: مولى عَقِيل بن أبي طالب،
واسمه: يزيد المدنيّ، ثقة مشهورٌ بكنيته [٣] (ع) تقدم في ((الحيض)) ١٥/ ٧٧٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي النَّضْرِ) سالم مولى أبي أُميّة دَْتُ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمَّ هَانِيٍ بِنْتِ
أَبِي طَالِبٍ) وفي رواية: ((مولى عَقِيل بن أبي طالب))، قال العلماء: هو مولى أم
هانئ حقيقةً، ويضاف إلى عَقِيل مجازاً؛ للزومه إياه، وانتمائه إليه؛ لكونه مولى
أخته، قاله النوويُّ كَذَهُ(١).
(أَخْبَرَهُ) أي: أخبر أبا النضر (أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِيٍ) فاختة (بِنْتَ أَبِي
طَالِبٍ) ◌ُّهَا (تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَل﴿) تقدّم في الرواية السابقة: ((أن
النبيّ وَّهِ دخل بيتها))، وتقدّم الجمع بأن يُحمَل على تعدّد الواقعة، فتنبّه.
(عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ) ◌َّا (تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ) وقيل:
الذي ستره هو أبو ذرّ ◌ُبه، ولا تنافي بينهما؛ لاحتمال أن يكون أحدهما بدأ،
وساعده الآخر، والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ) زاد في نسخة ((عليه))، قال النوويّ كَُّهُ: فيه سلام
المرأة التي ليست بمحرم على الرجل بحضرة محارمه. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقييده بحضرة المحارم فيه نظرٌ، بل الحقّ جواز
تسليم المرأة على الرجل الأجنبيّ، وكذا العكس دون قيد؛ لإطلاق النصوص
الدالّة على الجواز، وقد عقد الإمام البخاريّ كَثُ في ((كتاب الاستئذان)) من
((صحيحه): ((باب تسليم الرجال على النساء، والنساء على الرجال))، وقد حقّقت
ذلك في ((شرح النسائيّ))، وسيأتي هنا أيضاً في محلّه - إن شاء الله تعالى -.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣١/٥.
(٢) ((شرح النووي)) ٢٣١/٥.

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
(فَقَالَ) وَِّ ((مَنْ هَذِهِ؟») هذا يدلّ على أن الستر كان كثيفاً، وعَرَف أنها
امرأة؛ لكون ذلك الموضع لا يدخل عليه فيه الرجال(١).
(قُلْتُ: أُمُّ هَانِيٌّ) وفي نسخة: ((أنا أمّ هانىء (بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ) فيه أنه لا
بأس أن يَكْنِيَ الإنسان نفسه على سبيل التعريف، إذا اشتهر بالكنية، وأنه إذا
استأذن لا بأس أن يقول المستأذَنُ عليه: من هذا؟، فيقول المستأذِنُ: فلان
باسمه الذي يعرفه به المخاطب.
(قَالَ) وَِّ ((مَرْحَباً بِأَمِّ هَانِئٍ))) فيه استحباب قول الإنسان لزائره، والوارد
عليه: مَرْحَباً ونحوه من ألفاظ الإكرام والملاطفة، ومعنى: ((مَرْحَباً)): صادفت
رُحْباً: أي: سَعَةً، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفی في شرح حديث وفد
عبد القيس، من ((كتاب الإيمان)).
وفيه أيضاً جواز الاغتسال بحضرة امرأة من محارمه، إذا كان مستور
العورة عنها، وجواز تستيرها إياه بثوب ونحوه.
وفيه أيضاً أنه لا بأس بالكلام في حال الاغتسال والوضوء، ولا بالسلام
على المغتسل، والمتوضّىء، بخلاف البائل، والمتغوّط، والله تعالى أعلم.
(فَلَمَّا فَرَغَ) وَلَّ أي: انتهى (مِنْ غُسْلِهِ) بضمّ الغين: اسمٍ من الاغتسال،
ويجوز فتحها مصدرَ غَسَلَ؛ أي: من غسله أعضاءه (قَامَ، فَصَلَّى ثَمَانِيَ) وفي
نسخة: ((ثمان)) (رَكَعَاتٍ) حال كونه (مُلْتَحِفاً) اسم فاعل من الْتحف: إذا لبس
اللِّحاف، وهو بكسر اللام: كلُّ ثوب يُتغطّى به، والجمع لُحُفٌ، مثلُ كتاب
وكُتُب، والْمِلْحَفة بالكسر: هي الْمُلاءَةُ التي تلتحف بها المرأة، قاله الفيّميّ (٢) .
(فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) فيه جواز الصلاة في الثوب الواحد، والالتحاف به،
مخالفاً بين طرفيه، كما ذكره في الرواية الثانية (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي: سلّم
النبيّ وَله من صلاته (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ) أي: ادّعى (ابْنُ أُمِّي) قال
النوويُّ كَثُ معنى ((زعم)) هنا: ذَكَرَ أمراً لا أعتقد موافقته فيه، وإنما قالت ابن
أمي، مع أنه ابن أمها وأبيها؛ لتأكيد الحرمة والقرابة، والمشاركة في بطن
(١) ((الفتح)) ٤٦١/١ ((كتاب الغسل)) رقم (٢٨٠).
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٥٠.

٣٥١
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٩)
واحد، وكثرة ملازمة الأمّ، وهو موافق لقول هارون معلّ *: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ
بِلِحْيَتِ وَلَا بِرَأْسِ﴾ [طه: ٩٤](١).
وقولها: (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) بدل من ((ابن أمي)) (أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً) فيه
إطلاق اسم الفاعل على من عزم على التلبّس بالفعل (أَجَرْتُهُ) أي: أمّنته (فُلَانُ
ابْنُ هُبَيْرَةَ) بالرفع خبر لمحذوف؛ أي: هو فلانُ، أو بالنصب بدل من ((رجلاً))،
وعند أحمد والطبرانيّ من طريق أخرى عن أبي مُرّة، عن أم هانئ: ((إني أجرت
حَمَوين لي)).
قال النوويُّ كَّلُ: وقولها: ((فلان ابن هُبيرة))، وجاء في غير مسلم: ((فَرَّ
إليّ رجلان من أحمائي))، ورَوَينا في كتاب الزبير بن بكار أن فلان بن هبيرة هو
الحارث بن هشام المخزوميّ، وقال آخرون: هو عبد الله بن أبي ربيعة، وفي
((تاريخ مكة)) للأزرقيّ أنها أجارت رجلين: أحدهما عبد الله بن أبي ربيعة بن
المغيرة، والثاني الحارث بن هشام بن المغيرة، وهما من بني مخزوم، وهذا
الذي ذكره الأزرقيّ يوضح الاسمين، ويَجْمَع بين الأقوال في ذلك. انتهى كلام
النوويُّ كَذَتُهُ(٢) .
وقال في ((الفتح)): قال أبو العباس بن سُريج وغيره هما: جَعْدة بن
هُبيرة، ورجل آخر من بني مخزوم، كانا فيمن قاتل خالد بن الوليد، ولم يقبلا
الأمان، فأجارتهما أم هانئ، وكانا من أحمائها .
وقال ابن الجوزيّ: إن كان ابن هبيرة منهما فهو جَعْدة.
قال الحافظ: كذا قال، وجعدة معدود فيمن له رؤية، ولم تصح له
صحبة، وقد ذكره من حيث الرواية في التابعين البخاريّ، وابن حبان،
وغيرهما، فكيف يتهيأ لمن هذه سبيله في صغر السنّ أن يكون عام الفتح
مقاتلاً، حتى يحتاج إلى الأمان؟ ثم لو كان ولد أم هانئ لم يَهْتَمّ عليّ بقتله؛
لأنها كانت قد أسلمت، وهرب زوجها، وترك ولدها عندها.
وجَوَّز ابن عبد البر أن يكون ابناً لهبيرة من غيرها، مع نقله عن أهل
النسب أنهم لم يذكروا لهبيرة ولداً من غير أم هانئ.
(١) «شرح النووي)) ٢٣٢/٥.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٣٢/٥.

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وجزم ابن هشام في ((تهذيب السيرة)) بأن اللَّذَيْنِ أجارتهما أم هانئ هما:
الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية المخزوميان.
ورَوَى الأزرقي بسند فيه الواقديّ في حديث أم هانئ هذا، أنهما
الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة.
وحَكَى بعضهم أنهما الحارث بن هشام، وهبيرة بن أبي وهب، وليس
بشيء؛ لأن هبيرة هرب عند فتح مكة إلى نجران، فلم يزل بها مشركاً حتى
مات، كذا جزم به ابن إسحاق وغيره، فلا يصح ذكره فيمن أجارته أم هانئ.
وقال الكرمانيّ: قال الزبير بن بكار: فلان ابن هبيرة هو الحارث بن
هشام. انتهى.
وقد تصرف في كلام الزبير، وإنما وقع عند الزبير في هذه القصة موضع
فلان ابن هبيرة: الحارث بن هشام.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفاً، كأنه كان فيه
فلان ابن عَمّ هبيرة، فسقط لفظ عَمّ، أو كان فيه فلان قريب هبيرة، فتغير لفظ
((قريب)) بلفظ ((ابن))، وكلٌّ من الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية،
وعبد الله بن أبي ربيعة يصحّ وصفه بأنه ابن عمّ هبيرة وقريبه؛ لكون الجميع من
بني مخزوم. انتهى(١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِيٍّ))، قَالَتْ أُمُّ هَانِيٍّ)
فيه جواز أمان المرأة، فلا يجوز لأحد نقضه، قال ابن المنذر تَقَّتُهُ: أجمع
أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئاً ذكره عبد الملك - يعني
الماجشون، صاحب مالك - لا أحفظ ذلك عن غيره قال: إن أمر الأمان إلى
الإمام، وتأوّل ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصّةً، قال ابن
المنذر تَّثُ: وفي قول النبيّ وَله: ((يسعى بذمّتهم أدناهم)) دلالة على إغفال هذا
القائل. انتهى. وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون، فقال: هو إلى
الإمام، إن أجازه جاز، وإن ردّه رُدّ، ذكره في ((الفتح))(٢).
(١) ((الفتح)) ٥٦٠/١ - ٥٦١ ((كتاب الصلاة)) (٣٥٧).
(٢) (الفتح)) ٣١٥/٦ ((كتاب الجزية والموادعة)) رقم (٣١٧١).

٣٥٣
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانٍ ... إلخ - حديث رقم (١٦٦٩)
وقال النوويُّ كَّلُهُ: قولها: فلما انصرف قلت: يا رسول الله، زعم ابن
أمي علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلاً أجرته فلان ابن هُبيرة، فقال
رسول الله وَه: ((قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ)).
في هذه القطعة فوائد، منها: أن من قصد إنساناً لحاجة ومطلوب، فوجده
مشتغلاً بطهارة ونحوها، لم يقطعها عليه حتى يفرغ، ثم يسأل حاجته، إلا أن
يخاف فوتها .
واستدَلَّ بعض أصحابنا، وجمهور العلماء بهذا الحديث على صحة أمان
المرأة، قالوا: وتقدير الحديث: حكمَ الشرع صحة جواز مَن أَجَرْتِ، وقال
بعضهم: لا حجة فيه؛ لأنه مُحْتَمِلٌ لهذا، ومُحْتَمِلٌ لابتداء الأمان، ومثل هذا
الخلاف اختلافهم في قوله وَّهِ: ((مَن قَتَلَ قتيلاً، فله سلبه))، هل معناه أن هذا
حكم الشرع في جميع الحروب إلى يوم القيامة، أم هو إباحةٌ، رآها الإمام في
تلك المرة بعينها، فإذا رآها الإمام اليوم عَمِلَ بها، وإلا فلا؟ وبالأول قال
الشافعيّ وآخرون، وبالثاني أبو حنيفة ومالك، ويُحْتَجّ للأكثرين بأن النبيّ لنَّ لم
ينكر عليها الأمان، ولا بَيَّن فساده، ولو كان فاسداً لبيّنه؛ لئلا يُغْتَرَّ به.
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الشافعيّ وآخرون هو الأرجح؛
لظاهر هذا الحديث، ولحديث عليّ رَُّه مرفوعاً: ((وذمة المسلمين واحدة،
يسعى بها أدناهم))، متّفق عليه، والله تعالى أعلم.
وقولها: (وَذَلِكَ ضُحَّى) أي: وهذه الواقعة من الغسل، والصلاة،
والكلام في قضية قتل عليّ من أجارته جرى بين أم هانىء وبين النبيّ وَّ وقت
الضحى.
قال النوويّ ◌َُّهُ: قولها: ((وذلك ضحى)) استَدَلَّ به أصحابنا، وجماهير العلماء
على استحباب جعل الضحى ثمان ركعات، وتوقَّف فيه القاضي عياض وغيره، ومنعوا
دلالته، قالوا: لأنها إنما أخبرت عن وقت صلاته، لا عن نيّتها، فلعلّها كانت صلاة
شكر لله تعالى على الفتح، وهذا الذي قالوه فاسدٌ، بل الصواب صحة الاستدلال به،
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٢/٥.

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
فقد ثبت عن أم هانئ دينا: ((أن النبيّ ◌َّ ه يوم الفتح صلى سُبْحة الضحى، ثمان
ركعات، يسلّم من كل ركعتين))، رواه أبو داود في ((سننه)) بهذا اللفظ، بإسناد صحيح،
على شرط البخاريّ. انتهى كلام النوويُّ كَُّهُ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في ((كتاب الحيض))
برقم [٧٧١/١٥] (٣٣٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٧٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ،
حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ، مَوْلَى
عَقِيلٍ، عَنْ أُمَّ هَانِيٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ صَلَّى فِي بَيْتِهَا عَامَ الْفَتْحِ، ثَمَانِيَ(١)
وَكَعَاتٍ، فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج
الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٥٩) (م د) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
٢ - (مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ، أبو الْهَيثم البصريّ، أخو بَهْز، ثقةٌ ثبت، من
كبار [١٠] (ت٢١٨) على الصحيح (خ م قد ت س ق) تقدم في ((الطهارة))
٦٨٤/٣٤.
٣ - (وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ) الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧]
(ت١٦٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٣.
٤ - (جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّد) بن عليّ الهاشميّ، أبو عبد الله المعروف بالصادق
المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الحيض)) ٧٤٩/١٠.
٥ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ،
أبو جعفر المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٦١.
(١) وفي نسخة: ((ثمان)).

٣٥٥
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٧١)
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ) هذا تفسير لقولها السابق: ((مُلتحفاً في
ثوب)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٧١] (٧٢٠) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا
مَهْدِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ(١)، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِّ وَِّ أَنَّهُ
قَالَ: ((يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ
تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ،
وَنَهْيٌّ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ
فاضلٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧.
٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من
صغار [٦] (ت١٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧.
٣ - (وَاصِلٌ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ) البصريّ، صدوقٌ عابدٌ [٦] (بخ م د س)
تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٣٧/١٣.
٤ - (يَحْيَى بْنُ عُقَيْلِ) - بالتصغير - البصريّ، نزيل مرو، صدوقٌ [٣] (بخ
م د س ق) تقدّم في ((المساجد)) ١٢٣٧/١٣.
٥ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ فصيحٌ، يرسل [٣] مات
قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١.
(١) وفي نسخة: ((الدِّيليّ)).

٣٥٦
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٦ - (أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ) ويقال: الدُّؤَليّ البصريّ، اسمه ظالم بن
عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، وقيل غير
ذلك، ثقةٌ مخضرم فاضلٌ [٢] (ت٦٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
٧ - (أَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ جندب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ الشهير،
تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدراً، مات
ـته سنة (٣٢) في
خلافة عثمان رَظُته (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف وَُّهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، روى بعضهم، عن بعض:
يحيى بن عُقيل، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود، ورواية الأولين من رواية
الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ بَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ
(عَنْ أَبِي ذَرِّ) الغفاريّ
سُلَامَى) بضمّ السين المهملة، وتخفيف اللام مقصوراً، وأصله عظام الأصابع،
والأكفّ، والأرجل، ثم استُعمل في جميع عظام البدن، ومفاصله.
وقال في (المصباح)): ((السُّلامَى)) أُنثى، قال الخليل: هي عِظام الأصابع،
وزاد الزجّاج على ذلك، فقال: وتُسمَّى الْقَصَبَ أيضاً، وقال قُطْرُب:
السُّلَامِيَاتُ: عُرُوق ظاهر الكفّ والقدم. انتهى(١).
وقال ابن الأثير تَُّ: السُّلامَى: جمع سُلاميّةٍ، وهي الأنملة من أنامل
الأصابع، وقيل: واحده وجمعه سواء، ويُجمَع على سُلامياتٍ، وهي التي بين
كل مَفْصِلين، من أصابع الإنسان، وقيل: السُّلامى: كل عظم مُجَوَّف، من
صغار العظام.
والمعنى: على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة، وقيل: إن آخر ما يبقى
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٨٧.

٣٥٧
(١٤) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٧١)
فيه المخّ من البعير إذا عَجِفَ السُّلامى والعين، قال أبو عبيد: هو عظم يكون
في فِرْسِنِ البعير. انتهى(١).
وسيأتي للمصنّف في ((كتاب الزكاة)) حديث عائشة رضيوثها مرفوعاً: ((إنه خُلق
كل إنسان من بني آدم على ستّين وثلاثمائة مَفْصِل، فمن كبّر الله، وحمد الله،
وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعَزَل حجراً عن طريق الناس، أو شوكةً،
أو عظماً عن طريق الناس، وأَمَرَ بمعروف، أو نَهَى عن منكر، عَدَدَ تلك الستين
والثلاث مائة السُّلامَى، فإنه يمشي يومئذ، وقد زَحْزَحَ نفسه عن النار)).
(مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ) بالرفع على الفاعليّة (فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ
تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَّةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ،
وَنَهْيٌّ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: ضبطناه: ((ويجزي)) بفتح
أوله، وضمّه، فالضمّ من الإجزاء، والفتح من جَزَى يَجزي: أي: كفى، ومنه
قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْرِى نَفْسُ﴾ الآية [البقرة: ٤٨]، وفي الحديث: ((لا تجزي عن
أحد بعدك)). انتهى (٢).
وقال في ((المصباح)): جَزَى الأمرُ يَجْزِي جزاءً، مثلُ قَضَى يَقْضِي قَضَاءً
وزناً ومعنّى، وفي التنزيل: ﴿يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، وفي
الدعاء: ((جزاه الله خيراً)): أي: قضاه له، وأثابه عليه، وقد يُسْتَعمل أجزأ
بالألف والهمز بمعنى جَزَى، ونَقَلهما الأخفش بمعنى واحد، فقال: الثلاثي من
غير همز لغة الحجاز، والرباعي المهموز لغة تميم، وجازيته بذنبه: عاقبته
عليه، وجَزَيتُ الدينَ: قضيته، ومنه قوله بَّهَ لأبي بُرْدة بن نِيَارٍ ◌َُهُ لَمّا أمره
أن يُضَحِّي بجَذَعة من المعز: (تَجزِي عنك، ولن تَجْزيَ عن أحد بعدك))، قال
الأصمعيّ: أي: ولن تَقْضِيَ، وأجزأت الشاة بالهمز: بمعنى قَضَت لغةٌ، حكاها
ابن القَطّاع، وأما أجزأ بالألف والهمز، فبمعنى أغنى.
قال الأزهريّ: والفقهاء يقولون فيه: أجزى من غير همز، ولم أجده
لأحد من أئمة اللغة، ولكن إن همز أجزأ، فهو بمعنى كَفَى، هذا لفظه، وفيه
نظرٌ؛ لأنه إن أراد امتناع التسهيل، فقد توقَّف في موضع التوقُّف، فإن تسهيل
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٣٩٦/٢.
(٢) ((شرح مسلم)) ٢٣٤/٥.

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
همزة الطَّرَف في الفعل المزيد، وتسهيل الهمزة الساكنة قياسيّ، فيقال: أرجأت
الأمرَ، وأرجيته، وأنسأت، وأنسيت، وأخطأت، وأخطيت، وأشطأ الزرعُ: إذا
أخرج شطأه، وهو أولاده، وأشطى، وتوضأت، وتوضيت، وأجزأت السكين:
إذا جعلت له نِصَاباً، وأجزيته، وهو كثير، فالفقهاء جَرَى على ألسنتهم
التخفيف.
وإن أراد الامتناع من وقوع أجزأ موقع جزى، فقد نقلهما الأخفش
لغتين، كيف، وقد نَصَّ النُّحاة على أن الفعلين إذا تقارب معناهما، جاز وضع
أحدهما موضع الآخر، وفي هذا مَقْنَعٌ لو لم يوجد نقلٌ.
وأجزأ الشيءُ مَجْزَأَ غيرِهِ: كَفَى وأغنى عنه، واجتزأت بالشيء: اكتفيت.
(١).
انتھی
وقوله: (مِنْ ذَلِكَ) متعلّق بـ((يجزي)) (رَكْعَتَانٍ) بالرفع على الفاعليّة
((يجزىء)) (يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى))) قال القرطبيُّ: أي: يكفي من هذه الصدقات
عن هذه الأعضاء ركعتان، فإن الصلاة عَمَلٌ لجميع أعضاء الجسد، فإذا صلّى،
فقد قام كلُّ عضو بوظيفته التي عليه في الأصل الذي ذُكر فيه الحديث المتقدّم،
يعني: ((خُلق كل إنسان على ستين وثلاثمائة مفصل ... ))، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ظُه هذا من أفراد المصنّف ◌َّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٧١/١٤] (٧٢٠) وسيأتي مطوّلاً في ((كتاب
الزكاة)) رقم (١٠٠٦)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥٢٤٣ و٥٢٤٤)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (١٦٧/٥ و١٦٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٨٣٨)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٢١٢١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٦٢٧)، والله
تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ١٠٠/١ - ١٠١.

٣٥٩
(١٤) - بَابُ اسْتِخْبَابٍ صَلَاةِ الضُّحَى، وَأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٧٢)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل ركعتي الضحى، حيث إنها قامت مقام ثلاثمائة
وستين صدقةً يصّدّق بها العبد شكراً لما أولاه الله تعالى من نعم السُّلامى.
٢ - (ومنها): بيان أن أدنى عدد صلاة الضحى ركعتان، وقد تمَّ البحث
فیه مستوفی قریباً.
٣ - (ومنها): بيان عظيم فضل الله تعالى على الإنسان، حيث خفّف عنه
شكر ما أولاه من نعمه، بإجزاء ركعتي الضحى عن جميع ما عليه من أنواع
الصدقات والبرّ، سبحانك ما أجزل فضلك، والله ذو الفضل العظيم، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٧٢] (٧٢١) - (حَدَّثَنَا (١) شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا
أَبُو التَّيَّاحِ، حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ◌َّلـ
بِثَلَاثٍ: بِصِيَامٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ
أَرْقُدَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو التََّّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت١٢٨)
(ع) ٢ تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٩/٢٧.
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرحمن بن مَلّ - مثّث الميم، ومشدّد اللام
- الكوفيّ، ثم البصريّ، مخضرمُ ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٢] (ت٩٥) أو بعدها، عن
(١٣٠) سنةً، وقيل: أكثر (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َبه تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا في الباب، و((عبد الوارث)): هو ابن سعيد.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٣٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخيه، فالأول بلخيّ، والثاني
مروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﴿به أكثر من روى الحديث في دهره،
روى (٥٣٧٤) حديثاً. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ أنه (قَالَ: أَوْصَانِي) أي: عَهِد إليّ، وأمرني أمراً
مؤكّداً (خَلِيلِي وََّ) الخليلُ: الصَّدِيقِ الخالص الذي تخلّلت محبّته القلبَ،
فصارت في خِلاله؛ أي: في باطنه، واختُلف هل الخُلّة أرفع من المحبّة، أو
بالعكس؟ .
وقول أبي هريرة ظله هذا لا يعارضه قوله وَله: ((لو كنت متخذاً خليلاً
غير ربي لاتخذت أبا بكر ... ))؛ لأن الممتنع هو أن يتخذ النبيّ وَّطلال غيره تعالى
خليلاً، ولا يمتنع اتخاذ الصحابي وغيره النبيَّ وَّ خليلاً.
ولا يقال: إن المخاللة لا تتمّ حتى تكون من الجانبين؛ لأنا نقول: إنما
نظر الصحابي إلى أحد الجانبين، فأطلق ذلك، أو لعله أراد مجرّد الصحبة، أو
المحبّة، قاله في ((الفتح))(١) .
وعبارة القرطبيّ تَّثهُ: وقد عاب بعض الطاعنين على أبي هريرة
قوله: ((خليلي)) في النبيّ بَّ؛ بناءً على أن النبيّ وَّ لم يتّخذه ولا أحداً من
الخلق خليلاً، وهذا إنما وقع فيه قائله ظنّاً أن خليلاً بمعنى مُخالل، من
المخاللة التي لا تكون إلا من اثنين، وليس الأمر كذلك، فإن خليلاً مثلُ
حبيب، لا يلزم فيه من المفاعلة شيءٌ؛ إذ قد يُحَبُّ الكاره. انتهى(٢).
(١) ((الفتح)) ٦٧/٣.
(٢) ((المفهم)) ٣٦٠/٢.