النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(١٠) - بَابُ الَّهْيِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّافِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٤٩)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي هذا القول أقرب إلى الصواب،
وذلك أن قوله وقلقه: ((أتصلي الصبح أربعاً؟)) ظاهر في كون الإنكار لكون
المتنفل جعل صلاة الصبح أربع ركعات، ويُفْهَم منه أيضاً أن النهي عامّ لمن
يصلي عند الإقامة، سواء ابتدأ بالنافلة قبل الإقامة، أو عندها، أو بعدها،
وسواء كان في المسجد، أو خارجها، والله تعالى أعلم.
وقال القاضي عياض تَّثهُ: والحكمة في النهي عن صلاة النافلة بعد
الإقامة أن لا يتطاول عليها الزمان، فيُظَنّ وجوبها، قال النوويّ تَخَُّ: وهذا
ضعيف، بل الصحيح أن الحكمة فيه أن يَتفرغ للفريضة من أولها، فيَشرَع فيها
عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض
مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها. انتهى (١).
وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار، عدم الفصل بين الفرض والنفل؛
لئلا يلتبسا، وإلى هذا جنح الطحاويّ، واحتجّ له بالأحاديث الواردة بالأمر
بذلك، ومقتضاه أنه لو كان في زاوية من المسجد لم يكره، وهو متعقَّب بما
ذُكِر؛ إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل، لم يحصل إنكار
أصلاً؛ لأن ابن بحينة سَلَّم من صلاته قطعاً (٢)، ثم دخل في الفرض.
ويدلّ على ذلك أيضاً حديث قيس بن عمرو الذي أخرجه أبو داود
وغيره: أنه صلى ركعتي الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح، فلما أخبر النبيّ وَلـ
حين سأله، لم ينكر عليه قضاءهما بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلاً بها،
فدلّ على أن الإنكار على ابن بحينة إنما كان للتنفل حال صلاة الفرض، وهو
موافق لعموم حديث: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)).
وقد فهم ابن عمر ﴿ما اختصاص المنع بمن يكون في المسجد، لا
خارجاً عنه، فصح عنه أنه كان يحصب مَن يتنفل في المسجد بعد الشروع في
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٣/٥.
(٢) قوله: ((سلّم قطعاً)) فيه نظر لا يخفى؛ لأنه يَحْتَمل أنه دخل بدون تسليم؛ إذ لم
يُنقل إلينا ذلك، فلو قال: لأن ابن بُحينة سيُسلّم من صلاته قطعاً، ثم يدخل في
الفرض لما أنكر عليه، لكان أولى، فتأمّله، والله تعالى أعلم.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
الإقامة، وصحّ عنه أنه قصد المسجد، فسمع الإقامة، فصلى ركعتي الفجر في
بيت حفصة ﴿يا، ثم دخل المسجد، فصلى مع الإمام.
قال ابن عبد البر وغيره: الحجة عند التنازع السنةُ، فمن أدلى بها، فقد
أفلح، وتركُ التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى
اتباع السنة، ويتأيد ذلك من حيثُ المعنى بأن قوله في الإقامة: ((حي على
الصلاة)) معناه هَلُمُّوا إلى الصلاة؛ أي: التي تقام لها، فأسعد الناس بامتثال
هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره، والله أعلم(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البر وغيره
من أن الحجة عند التنازع هي السنة هو التحقيق الصواب نقلاً وعقلاً، فإن الله
تعالى قال في محكم كتابه: ﴿فَإِن تَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمُ
تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الوافر]:
إِذا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْماً تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والحاصل أن المذهب الصحيح الذي تؤيِّده النصوص الصحيحة الصريحة
هو القول بالمنع عن التنفل عند الإقامة للصلاة مطلقاً، سواء كان بركعتي
الفجر، أم بغيرهما، وسواءٌ شرع فيه حال الإقامة، أم لا، كان في الصف، أم
بعيداً عنه، في المسجد، أم لا، وأن السنة أن يتدارك ما فاته من النافلة بعد
أداء المكتوبة جماعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قوله: (قَالَ الْقَعْنَبِيُّ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَالِكِ ابْنُ بُحَيْنَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أي:
بزيادة ((عن أبيه)).
وقوله: (قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ) صاحب الصحيح بياناً للخطأ الواقع في
السند: (وَقَوْلُهُ: ((عَنْ أَبِيهِ)) فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأْ) أي: لأن الحديث لمالك بن
عبد الله، لا لأبيه مالك.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله المصنّف تَخْشُهُ من توهيم القعنبيّ
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٧٠/٢ - ٣٧١.

٢٦٣
(١٠) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّافِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٤٩)
في زيادة: ((عن أبيه))، قاله أيضاً الإمام أحمد، وابن معين، وسليمان بن داود
الهاشميّ، وغيرهم (١).
وقال النوويّ تَّتُهُ: وهذا الذي قاله مسلم هو الصواب عند الجمهور،
وإنما هذا الحديث من رواية عبد الله، عن النبيّ وَّر، وهو عبد الله بن مالك بن
القِشْب - بكسر القاف، وبالشين المعجمة الساكنة - و((بُحينة)): أمُّ عبد الله،
والصواب في كتابته، وقراءته عبد الله بن مالكٍ ابنُ بحينة، بتنوين ((مالكٍ))،
وكتابة ((ابن)) بالألف؛ لأنه صفة لعبد الله، وقد سبق بيانه في ((سجود السهو)).
انتھی(٢).
وأشار الحافظ المزي في ((تحفة الأشراف)): إلى أن النسائيّ أخرجه عن
محمود بن غيلان، عن وهب بن جرير، عن شعبة بإسناده نحوه، وقال: هذا
خطأ، والصواب عبد الله بن مالك ابن بحينة. انتهى. والله تعالى أعلم.
وقال أبو مسعود الدمشقيّ كَّلُهُ: وهذا يخطئ فيه القعنبيّ بقوله: ((عن
أبيه))، وأسقط مسلم من أوله: ((عن أبيه))، ثم قال في عقبه: وقال القعنبي:
((عن أبيه)). وأهل العراق، منهم شعبة، وحماد بن سلمة، وأبو عوانة يقولون:
عن سعد، عن حفص، عن مالك ابن بحينة. وأهل الحجاز قالوا في نسبه:
عبد الله بن مالك ابن بحينة، وهو الأصحّ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن زيادة ((عن أبيه)) غلطٌ من
القعنبيّ، والصواب: عن عبد الله بن مالك نفسه، وليس عن أبيه، وأما بُحينة
فاسم أم عبد الله، ومن قال: إنها أم مالك والد عبد الله، كما ظنّه ابن
عبد البرّ(٤) فغلط، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) راجع: (فتح الباري)) لابن رجب تخذتُهُ ٦/ ٥٩.
(٢) ((شرح النووي)) ٢٣/٥.
(٣) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٤٧٦/٦ - ٤٧٧.
(٤) راجع: ((المفهم))، فإنه عزا ذلك لابن عبد البرّ.
٠٫٠٠

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٦٥٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعْدٍ بْنِ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَقْصٍ بْنِ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ،
فَرَأَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ رَجُلاً يُصَلِّ، وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ، فَقَالَ: ((أَتُصَلِّي الصُبْحَ
أَرْبَعاً؟))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله، تقدّم أيضاً قبل باب.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
شرح الحديث:
وقوله: (فَرَأَى رَسُولُ اللهِ وَلِ رَجُلاً يُصَلِّي) تقدّم أن الرجل هو عبد الله
ابن بُحينة الراوي نفسه.
وقوله: (وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل.
وقوله: (أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعاً؟) هو استفهام إنكار، ومعناه أنه لا يُشرَع
بعد الإقامة للصبح إلا الفريضة، فإذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة، ثم صلى
معهم الفريضة، صار في معنى من صلى الصبح أربعاً؛ لأنه صلى بعد الإقامة
أربعاً، قاله النوويّ تَخَذَتُهُ.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: هذا إنكار على الرجل الذي فَعَل ذلك، وهذا
الإنكارُ حجةٌ على من ذَهَب إلى جواز صلاة ركعتي الفجر في المسجد، والإمام
يُصلي، كما ذكرنا آنفاً، وعلى سدّ الذريعة التي يُخاف منها توهُّم الزيادة في
الفرائض، وقال في رواية أخرى ما ينُصّ على ذلك: ((يوشك أن يصلّي أحدكم
الصبح أربعاً))، وكذلك يُفهَم من قوله ◌َّ في الحديث الآخر: ((يا فلان بأي
الصلاتين اعتددتَ؟ بصلاتك وحدك، أو بصلاتك معنا؟))، ويزيد معنى آخر،
وهو أن فيه منعَ ما يؤدّي إلى الاختلاف على الإمام.
قال: ويُمكن أن يُستنبط من هذين الحديثين أن ركعتي الفجر إن وقعت

٢٦٥
(١٠) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي الَّافِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٥١)
في تلك الحال صحّت؛ لأنه وَلو لم يقطع عليهما مع تمكّنه من ذلك.
قال الجامع: بُعْدُ هذا الاستنباط مما لا يخفى على الفطن.
قال: وفي إنكاره ◌ّل على المصلّي مع كونه صلَّى في جانب المسجد ما
يدلّ على شدّة المنع من صلاتهما، والإمام في الصلاة، وإن كان في زاوية.
(١)
انتهى(١
٠
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبله، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٦٥١] (٧١٢) - (حَدَّثَنَا (٢) أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي
ابْنَ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، يَعْنِي ابْنَ
زِيَادٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عَاصِم(٣) (ح) وَحَدَّثَنِي
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَاصِمِ
الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: دَخَلَ رَجُلُ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ وَ فِيَّ
صَلَاةِ الْغَدَاةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ،
فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((يَا فُلَانُ، بِأَِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْتَ؟، أَبِصَلَاتِكَ
وَحْدَكَ، أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟))).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خت م دَ ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) ذُكر في الباب.
٣ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ
[١٠] (٢٣٣) (خ م) تقدم في «الطهارة)) ٦٤٩/٢٦.
(١) ((المفهم)) ٣٥١/٢.
(٣) وفي نسخة: ((عن عاصم الأحول)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثني)).

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٤ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٥ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٦ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب.
٧ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٨ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم
دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((الإيمان))
٨/ ١٣٨.
٩ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤]
مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
١٠ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَرْجِسَ) - بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر
الجيم، بعدها مهملة - المزنيّ، وقيل: المخزوميّ حَلِيفٌ لهم، صحابيٍّ سكن
البصرة .
رَوَى عن النبيّ ◌َّ، وعن عمر، وأبي هريرة، وروى عنه عاصم
الأحول، وقتادة، وعثمان بن حكيم بن عباد بن حُنيف، ومسلم بن أبي مريم،
وعبد الله بن عمران الطلحيّ، وقيل: بينهما عاصم الأحول.
وذكر البخاريّ في ((تاريخه))، وابن حبّان في التابعين من ((كتاب الثقات)):
عبد الله بن سَرْجِس يروي عن أبي هريرة، روى عنه عثمان بن حكيم.
قال الحافظ: ومفهوم هذا أن البخاريّ وابن حبان لم يذكرا عبد الله بن
سرجس في الصحابة، وليس كذلك، فقد ذكراه فيهم، لكنهما أفردا الذي روى
عن أبي هريرة بترجمة، فكأنهما عندهما اثنان، والله أعلم. انتهى.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط،
هذا برقم (٧١٢)، و(١٢٧٠) و(١٣٤٣) و(٢٣٤٦).
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ◌َخْذَلُهُ، وهو (١١١) من رباعيات

٢٦٧
(١٠) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّافِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٥١)
الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما تقدم غير مرة.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره، والله تعالى
أعلم.
٣ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب
الخمسة إلا نحو سبعة أحاديث، راجع: ((تحفة الأشراف))(١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ) نَُّه، زاد ابن حبّان: ((وكان قد أدرك
النبيّ وَ ﴿))، أنه (قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ) لم أجد من سمّاه، وليس هو عبد الله ابن
بُحينة؛ لأن هذا جاء من خارج المسجد، والنبيّ ◌َّ يُصلي الصبح بالناس؛
لأنه قال: ((دخل رجلٌ المسجد، ورسول الله رَّة في صلاة الغداة))، وفي رواية
ابن حبّان: ((أن رجلاً دخل المسجد بعدما أقيمت الصلاة، والنبيّ وَّ يصلّي،
فصلى ركعتين ... )) الحديث، فتبيّن أنه جاء من خارج المسجد، والنبيّ نَّ في
الصلاة، وأما ابن بُحينة، فإنما مرّ عليه النبيّ وَِّ، وهو يُصلّي، والمؤذّن يقيم،
فظهر بهذا أنه غيره، فتنبّه. (الْمَسْجِدَ) أي: النبويّ، فـ((أل)) فيه للعهد، وقوله:
(وَرَسُولُ اللهِنَّهِ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ) جملة في محل نصب على الحال من
الفاعل؛ أي: والحاصل أنه وَ﴿ يصلي صلاة الصبح، وفيه دليلٌ على إباحة
تسمية الصبح غداةً، وقد سبقت نظائره (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ) أي: سنة الفجر (فِي
جَانِبِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ﴾ أي: اقتدى به في صلاة الصبح
(فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴾ أي: من صلاة الصبح (قَالَ: ((يَا فُلَانُ) كنايةٌ عن اسم
ذلك الرجل الذي بدأ بأداء الركعتين قبل الاقتداء به، قال الفيوميّ تَخْتُ: فُلانٌ،
وفلانةٌ بغير ألف ولام: كنايةٌ عن الأنَاسيّ، وبهما كناية عن البهائم، فيقال:
ركبت الفلان، والفلانة. انتهى(٢).
(بِأَِّ الصَّلَاتَيْنِ) متعلّقٌ بـ(اعْتَدَدْتَ) أي: احتسبت، يقال: اعتددتُ
بالشيء، على افْتَعَلتُ: أي: أدخلته في العدّ والحِسَاب، فهو مُعتدّ به،
(١) ((تحفة الأشراف)) ٢٣٩/٤ - ٢٤٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٨١/٢.

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
محسوب، غيرُ ساقط، قاله الفيّوميّ(١). (أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ) الجارّ والمجرور
بدل من الجارّ والمجرور قبله (أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟))) وفي رواية أبي داود:
((أيتُهُما صلاتك))، وللنسائيّ: ((أيُّهما صلاتك))، وهو مبتدأ وخبر، و((أي))
استفهامية؛ أيْ: أيُّ الصلاتين صلاتُك التي قصدتَ، واعتمدت عليها، وجئت
لأجلها؟ التي صليتها معنا، أو التي صليت لنفسك؟، فهو استفهام إنكاريّ،
والغرض منه توبيخه على صلاته النافلة، والإمام في الفريضة، وفيه دليلٌ على
أنه لا يصلي بعد الإقامة نافلةً، وإن كان يدرك الصلاة مع الإمام، ورَدٌّ على من
قال: إن عَلِم أنه يدرك الركعة الأولى أو الثانية، يصلي النافلة؛ لأن هذا الرجل
قد أدرك مع النبيّ وَّر الصلاة، ومع ذلك أنكر عليه أشدّ الإنكار، فتبصّر، ولا
تكن أسير التقليد.
وقال السنديّ نَّتُهُ: قوله: ((أيهما صلاتك))؛ أي: التي جئت لأجلها إلى
المسجد، وقصدِ أدائها فيه، فإن كانت تلك الصلاة هي الفرض، فهل العاقل
يؤخّر مقصوده إذا وُجِدَ، ويُقَدِّم عليه غيره، وإن كانت هي السنة؟ فذاك عكس
المعقول؛ إذ البيت أولى من المسجد في حقّ السنة، وأيضاً السنة للفرض،
فكيف تُقْصَدُ هي دونه؟ والمقصود الزجر، واللوم على ما فعل. انتهى(٢).
وقال الخطابيّ تَخَّتُهُ: في هذا دليل على أنه إذا صادف الإمام في الفريضة
لم يشتغل بركعتي الفجر، وتَرَكَهُما إلى أن يقضيهما بعد الصلاة.
وقوله: ((أيتهما صلاتك)) مسألة إنكار، يريد بذلك تبكيته على فعله، وفيه
دلالة على أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك، وإن كان الوقت يتسع للفراغ منهما
قبل خروج الإمام من صلاته؛ لأن قوله: ((أو التي صليت معنا)) يدل على أنه
أدرك الصلاة مع رسول الله (ص18 بعد فراغه من الركعتين. انتهى(٣).
وفيه ردُّ على من قال: إن عَلِمَ أنه يدرك الإمام في الركعة الأولى، أو
الثانية يبدأ بسنة الصبح، وقالوا: إن إنكاره 38 على الرجل لوصله النافلة
(١) ((المصباح المنير)) ٣٩٦/٢.
(٢) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ١١٧/٢.
(٣) ((معالم السنن)) ٧٧/٢.

٢٦٩
(١٠) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّافِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٥١)
بالفريضة، وصلاتِهما في مكان واحد بلا فاصل بينهما غير السلام، وهذا كنهيه
من صلى الجمعة عن التطوع بعدها في مكانها حتى يتكلم، أو يتقدم.
واستدلُّوا على ما ذهبوا إليه بما رواه الطحاويّ من طريق يحيى بن أبي
كثير، عن محمد بن عبد الرحمن أن رسول الله وَلّ مرَّ بعبد الله بن مالك ابن
بحينة، وهو منتصب يصلي بين يدي نداء الصبح، فقال: ((لا تجعلوا هذه
الصلاة كصلاة قبل الظهر وبعدها، واجعلوا بينهما فصلاً)). انتهى.
فظهر بهذا الحديث أن الذي كرهه وقلقه لابن بحينة إنما هو وصله الفريضة
بالنافلة في مكان واحد من غير فصل بينهما .
وقالوا أيضاً: إن حديث الباب محمول على أن الرجل صلى ركعتي
الفجر مخالطاً للصفّ، فقد رَوَى ابن ماجه من طريق أبي معاوية، عن عاصم،
عن عبد الله بن سرجس دت أن النبي وَله رأى رجلاً يصلي الركعتين قبل صلاة
الغداة، وهو في الصلاة. انتهى.
فإن رؤيته ◌َّ إياه لا تتأتى إلا وهو في جانب المسجد في الصف
الأول.
وقالوا أيضاً: فيما ذهبنا إليه جمع بين الفضيلتين، فضيلة إدراك السنة
وفضيلة إدراك الجماعة.
وقد ثبت عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الدرداء أنهم
أَدَّوا سنة الصبح، والإمام في الفريضة، ويبعد أن يكون حديث الباب على
إطلاقه، ويفعل على خلافه هؤلاء الصحابة الأجلاء.
وفي هذا كله نظر لا يخفى؛ لأن ظاهر الحديث الإنكار على من دخل في
النافلة، والإمام في الفريضة، وحمل الإنكار على عدم الفصل بين النافلة
والفريضة بعيد، بل باطلٌ، يُبطله رواية المصنّف هنا بلفظ: ((دخل رجل المسجد،
ورسول الله ◌ٍَّ﴾ في صلاة الصبح، فصلى ركعتين في جانب المسجد ثم دخل مع
رسول الله ﴾ ... )) الحديث، وكذا في رواية البيهقيّ بلفظ: ((دخل رجل
المسجد، ورسول الله وقّله في صلاة الصبح، فصلى ركعتين قبل أن يصل إلى
الصف ... )) الحديث، فإنهما ظاهران في أنه صلى النافلة في غير مكان
الفريضة، فبطل ما زعموه من أنه ولو إنما أنكر عليه لكونه صلى مخالطاً للصفّ.

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وما ذكروه من أن ما ذهبوا إليه فيه الجمعُ بين الفضيلتين متعقب بأنه
يمكن الحصول على الجمع بين الفضيلتين بصلاة الركعتين بعد الفراغ من
الفريضة، كما ثبت إقراره ﴿ مَن صلاهما بعد الفريضة، ولم ينكر عليه.
وما ذكروه من الآثار معارَضٌ بالمثل، فقد ثبت عن عمر، وأبي هريرة،
وغيرهما أنهم كانوا يمنعون الشروع في النافلة بعد إقامة الصلاة، فقد رَوَى
البيهقيّ عن عمر بن الخطاب ﴿به، أنه كان إذا رأى رجلاً يصلي، وهو يسمع
الإقامة، ضربه، وروى ابن حزم عن أبي هريرة ظبه، قال: ((إذا أقيمت الصلاة
فلا صلاة إلا المكتوبة)).
وعلى تقدير عدم المعارض فهي لا تَقْوَى على معارضة الأحاديث
المرفوعة إلى النبيّ وَله، فإنه وَلُ هو الحجة وحده، لا فلان وفلان، كما تقدم
عن الحافظ أبي عمر بن عبد البر وغيره، أن الحجة عند التنازع السنةُ، فمن
أدلى بها، فقد أفلح.
جعلنا الله تعالى من المتمسكين بالسنة، والمُحَكِّمينَ لها فيما شجر بيننا،
والمُستسلمين لها، وجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتاً بمنّه وكرمه، آمين، إنه
وليّ ذلك، والقادر عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن سَرْجِس ◌ُه هذا من أفراد
المصنّف نَّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٥١/١٠] (٧١٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(١٢٦٥)، و(النسائيّ) في ((الإمامة)) (٨٦٨)، وفي ((الكبرى)) (٩٤٠)، و(ابن
ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١١٥٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٢/٥)، و(ابن
خزيمة) في (صحيحه)) (١١٢٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢١٩١)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١٣٦٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٦٠٥)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٤٨٢/٢)، والله تعالى أعلم.

٢٧١
(١١) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ - حديث رقم (١٦٥٢)
وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث عبد الله بن مالك ابن بُحينة
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١١) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ)
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للمصنّف أن يقدّم أحاديث هذه الأبواب
الثلاثة إلى ((كتاب المساجد))؛ لما لا يخفى من المناسبة، والله تعالى أعلم.
[١٦٥٢] (٧١٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا(١) سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ،
عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، أَوْ
عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقُل:
اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ)).
قَالَ مُسْلِمٍ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: كَتَبْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ كِتَابٍ
سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ (٢): بَلَغَنِي أَنَّ يَحْبَى الْحِمَّانِيَّ يَقُولُ: وَأَبِي أُسَيْدٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء
النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الأصحّ (خ م ت س) تقدم في
((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٣ - (رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) التيميّ مولاهم، أبو عثمان المدنيّ
المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فَرُّوخ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [٥].
رَوَى عن أنس، والسائب بن يزيد، ومحمد بن يحيى بن حَبّان، وابن
المسيِّب، والقاسم بن محمد، وابن أبي ليلى، والأعرج، ومكحول، وحنظلة بن
قيس الزُّرَقِيّ، وعبد الله بن يزيد مولى الْمُنْبَعِث، وغيرهم.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((وقال)).

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأخوه عبد ربه بن سعيد،
وسليمان التيميّ، وهم من أقرانه، ومالك، وشعبة، والسفيانان، وحماد بن
سلمة، والليث، وفُليح، والدَّرَاوَرْديّ، وسليمان بن بلال، وأبو ضمرة،
وغيرهم.
قال أبو زرعة الدمشقيّ، عن أحمد: ثقةٌ، وأبو الزناد أعلم منه، وقال
العجليّ، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: ثقةٌ ثبتٌ، أحد
مفتي المدينة، وقال مصعب الزُّبيريّ: أدرك بعض الصحابة، والأكابر من
التابعين، وكان صاحب الفتوى بالمدينة، وكان يجلس إليه وجوه الناس
بالمدينة، وكان يُحصَى في مجلسه أربعون مُعْتَمّاً، وعنه أخذ مالك، وقال
الليث، عن يحيى بن سعيد: ما رأيت أحداً أفطن منه، وقال الليث، عن
عبيد الله بن عُمَر: هو صاحب مُعْضِلاتنا، وأعلمنا، وأفضلنا، وقال معاذ بن
معاذ العنبريّ، عن سَوّار العنبريّ: ما رأيت أحداً أعلم منه، قلت: ولا الحسن
وابن سيرين؟ قال: ولا الحسن وابن سيرين، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يا
أهل العراق تقولون: ربيعة الرأي، والله ما رأيت أحداً أحفظ للسنة منه، وقال
مُطَرِّف: سمعت مالكاً يقول: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة، وقال
الحميديّ أبو بكر: كان حافظاً، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: قلت لربيعة في
مرضه الذي مات فيه: إنا قد تعلمنا منك، وربما جاءنا من يستفتينا في الشيء،
لم نسمع فيه شيئاً، فنرى أن رأينا خير له من رأيه لنفسه، فنفتيه، قال: فقال:
اقْعدوا، ثم قال: ويحك يا عبد العزيز؛ لأن تموت جاهلاً خير من أن تقول في
شيء بغير علم، لا لا، ثلاث مرات، وقال أبو داود: قال أحمد: وأَيْشٍ عند
ربيعة من العلم؟.
وقال ابن سعد: تُؤُفّي سنة (١٣٦) بالمدينة فيما أخبرني الواقديّ، وكان
ثقةً، كثير الحديث، وكانوا يتَّقونه لموضع الرأي، وقال يحيى بن معين، وأبو
داود: تُؤُفّي بالأنبار، واتفقوا كلهم على سنة وفاته، وقال ابن حبان في
((الثقات)): تُوُقِّي سنة (١٣٣)، وقال الباجيّ في ((رجال البخاريّ)) عنه: تُوفي
سنة (١٤٢) وجَرَت له محنةٌ، قال أبو داود: كان الذي بين أبي الزناد وربيعة

٢٧٣
(١١) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ - حديث رقم (١٦٥٢)
متباعداً، وكان أبو الزناد وجيهاً عند السلطان، فأعان على ربيعة، فضُرِب،
وحُلِقت نصف لحيته، فحَلَقَ هو النصف الآخر.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم
(٧١٣) و(٧٤٤) و(١٠٧٥) و(١٤٣٨) و(١٥٠٤) و(١٥٤٧) وأعاده بعده،
و(١٧٢٢) وكرّرہ ثلاث مرّات، و(٢٣٤٧).
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدٍ) بن سُوَيد الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي أُسيد، أو أبي حُميد، وقيل: عن أبي أُسيد وأبي حميد،
وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد.
وروى عنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وبكير بن عبد الله بن الأشج.
قال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وله رواية عن أبيه مذكورةٌ في الطبرانيّ وغيره، واستُشْهِد
أبوه بأُحُد، فكانت روايته عنه مرسلة، ولا يبعد أن يكون لعبد الملك رؤيةٌ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عند
المصنّف والنسائيّ إلا هذا الحديث فقط، وله عند أبي داود حديثان: أحدهما
هذا، والآخر في قبلة الصائم، وعند ابن ماجه حديثان أيضاً: أحدهما هذا،
والآخر: ((أجملوا في طلب الدنيا، فإن كلاَّ ميسَّرٌ لما خُلق له)).
٥ - (أَبُو حُمَيْدٍ) الساعديّ اسمه المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن
مالك، وقيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: عمرو، الصحابيّ المشهور، شَهِد
أُحُداً وما بعدها، وعاش إلى خلافة يزيد بن معاوية سنة ستين (ع) تقدم في
((الصلاة)) ٩١٦/١٧.
٦ - (أَبُو أُسَيْدٍ) - بضمّ الهمزة - الساعديّ، اسمه مالك بن ربيعة بن الْبَدَن - بفتح
الموحّدة، والدال المهملة، بعدها نون - ابن عمرو بن عوف بن حارثة ابن عمرو بن
الخزرج بن ساعدة بن كعب، الصحابيّ المشهور، شَهِد بدراً، والمشاهد كلها .
رَوَى عن النبيّ وَّو، وعنه أولاده: حمزة، والزبير، والمنذر، ومولاه:
عليّ بن عبيد، وأنس بن مالك، وعباس بن سهل بن سعد، وعبد الملك بن
سعيد بن سُويد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم بن سلمة بن طلحة،
وقُرّةُ بن أبي قُرّة، ويزيد بن زياد المدنيّ، مولى بني ساعدة، مات نظُّه سنة

٢٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
ستين، وهو آخر من مات من البدريين، فيما ذكر المدائنيّ، وقال الواقديّ،
وخليفة: مات سنة ثلاثين، قال ابن عبد البرّ: هذا اختلاف متباين، وقال غيره:
مات سنة أربعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧١٣)
وحديث (٢٥١١) وكرّره ثلاث مرّات.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه، وعبد الملك بن سعيد، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، إلا شيخه، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي: ربيعة، عن عبد الملك.
٥ - (ومنها): أن عبد الملك ليس له عند المصنّف إلا هذا الحديث فقط،
وأبو أُسيد له حديثان فقط، وأما أبو حميد، فله نحو ستة أحاديث، وقد تقدّم
في ترجمته في ((الصلاة)) ٩١٦/١٧، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ) الساعديّ المنذر بن سعد بن المنذر ◌َظُه، وقيل: غيره
(أَوْ) للشكّ من الراوي، وهكذا هو عند أبي داود، ووقع عند النسائيّ: ((سمعت
أبا حميد، وأبا أُسيد)) بالواو، وكذا هو عند ابن ماجه في رواية، وفي رواية
له: ((عن أبي حُميد))، ولم يذكر أبا أُسيد، وسيأتي كلام المصنّف قريباً.
(عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ) بالضم مصغّراً، مالك بن ربيعة ظُه أنه (قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ) الظاهر أنه يقول هذا الذكر مع
دخوله، فيكون المعنى: إذا شَرَع في الدخول، ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: أي
أراد الدخول (فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) وعند أبي داود من رواية
عبد العزيز الدَّرَاوَرْديّ، عن ربيعة، زيادة السلام على النبيّ وَّ، ولفظه: ((إذا
دخل أحدكم المسجد، فليُسَلُّم على النبيّ وَّر، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب
رحمتك، فإذا خرج، فليقل: اللَّهم إني أسألك من فضلك)).

٢٧٥
(١١) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ - حديث رقم (١٦٥٢)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر من الأمر في قوله: ((فليقل))
الوجوب؛ إذ لا صارف له إلى الاستحباب، ولم أر من نَبَّه عليه، والله تعالى
أعلم.
(وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ))) أي: من رزقك
الحلال، وخُصَّت الرحمة بالدخول، والفضل بالخروج؛ لأن المسجد محل
رحمة الله ومغفرته، وخارج المسجد محل طلب الرزق، فشُرِع لكلِّ أن يدعو
ربه بما يناسب حاله، والله تعالى أعلم.
وقال ولِيُّ الله الدهلويّ تَخُّْ في ((حجة الله البالغة)): الحكمة في تخصيص
الداخل بالرحمة، والخارج بالفضل أن الرحمة في كتاب الله أريد بها النِّعَم
النفسانية، والأخروية، كالولاية والنبوة، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا
يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، والفضل على النعم الدنيوية، قال تعالى: ﴿لَيْسَ
عَلَيْكُمْ بُنَاحُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقال تعالى:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِى الْأَرْضِ وَأَبْتَغُواْ مِن فَضْلِ الَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، ومن
دخل المسجد إنما يطلب القرب من الله تعالى، والخروج وقت ابتغاء الرزق.
انتھی .
وقال ابن رسلان رَّتُهُ: سؤال الفضل عند الخروج موافق لقوله تعالى:
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الضَلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِي الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ يعني الرزق
الحلال، وقيل: ﴿وَأَبْثَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ هو طلب العلم، والوجهان متقاربان؛
فإن العلم من رزق الله تعالى؛ لأن الرزق لا يختص بقوت البدن، بل يدخل فيه
قوت الأرواح، والأسماع، وغيرها، وقيل: فضل الله عيادة المريض، وزيارة
أخ صالح(١).
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) هو: ابن الحجّاجِ، صاحب الكتاب (سَمِعْتُ يَحْيَى
ابْنَ يَحْيَى) شيخه المذكور في السند (يَقُولُ: كَتَبْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ كِتَابٍ
سُلَيْمَانَ بْنٍ بِلَالٍ) أي: بلفظ: ((عن أبي حميد، أو أبي أُسيد)) بالشكّ (قَالَ)
(١) ((المنهل العذب)) ٣/ ٧٤ - ٧٥.

٢٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
يحيى بن يحيى: (بَلَغَنِي أَنَّ يَحْيَى الْحِمَّانِيَّ) - بكسر الحاء المهملة، وتشديد
الميم - هو: يحيى بن عبد الحميد بن عبد الله بن ميمون بن عبد الرحمن، أبو
زكريا الكوفيّ، لقبُ جدّه بَشْمِين - بفتح الموحّدة، وسكون الشين المعجمة -
حافظٌ، إلا أنه اتُّهِم بسرقة الحديث، من صغار [٩].
رَوَى عن أبيه، وسليمان بن بلال، وقيس بن الربيع، وعبد الرحمن بن
زيد بن أسلم، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الله بن المبارك، وحماد بن زيد،
وجعفر بن سلیمان، وغيرهم.
وروى عنه أبو حاتم، ومُطَيَّن، وموسى بن هارون، ومحمد بن أيوب بن
الضريس، وموسى بن إسحاق الأنصاريّ، وأبو قلابة الرَّقَاشيّ، وابن أبي
الدنيا، وغيرهم.
قال الساجيّ، عن أحمد بن محمد، هو ابن محرز، عن القعنبيّ: رأيت
شابّاً طويلاً في مجلس ابن عيينة، فقال: من يسأل لأهل الكوفة؟، ثم قال:
أين ابن الحمانيّ؟، فقام، وعن إبراهيم بن بشار، قال: رأيت عند ابن عيينة
جماعة من البصريين، يذاكرون الحديث، قال: فتحرك سفيان للكوفية، فقال:
أين ابن الحمانيّ؟ وقال محمد بن عبد الرحمن الشاميّ: سئل أحمد عنه؟ فلم
يقل شيئاً، وقال الميمونيّ: ذُكر يحيى الحمانيّ عند أحمد، فقال: ليس بأبي
غسان بأس، وقال مرةً: ثنا عبد الحميد الحمانيّ، وكان صدوقاً، قلت: فابنه؟
قال: لا أدري، ونفض يده، وقال مطين: سألت أحمد عنه؟ فقلت: لك به
علم؟ قال: كنت لا أعرفه، قلت: كان ثقة؟ قال: أنتم أعرف بمشايخكم،
وقال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجيّ: ثنا يحيى الحمانيّ، ثنا أحمد بن حنبل، قال
البُوشنجيّ: وحدثناه أحمد بن حنبل، ثنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن
بيان، عن قيس، عن المغيرة حديث: ((أبردوا بالصلاة))، وقال حنبل: قلت
لأحمد: إن ابن الحمانيّ حدثنا عنك بهذا الحديث، قال: ما أعلم أني حدثته
به، ولا أدري، لعله على المذاكرة حفظه، وأنكر أن يكون حدّثه به، وقال
المرُّوذيّ: قلت لأحمد: إن ابن الحمانيّ روى عنك حديث الأوزاعي، وزعم
أنه سمعه منك على باب ابن عُلَيّة، فأنكر أن يكون سمعه، وقال: ليس من

٢٧٧
(١١) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ - حديث رقم (١٦٥٢)
رأسي، قلت: ادَّعَى أن هذا على المذاكرة، قال: وأنا علمت في أيام إسماعيل
أن هذا الحديث عندي، يعني إنما أخرجه بآخره، وقال: قولوا لهارون
الحمال: يضرب على حديث الحمانيّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: حدَّث
يحيى بن عبد الحميد، عن أحمد بحديث إسحاق الأزرق، فأنكره أحمد، وقال
يحيى: ثنا به على باب إسماعيل ابن عُلَيّة، فقال أحمد: ما سمعناه من إسحاق
إلا بعد موت إسماعيل، قال أبو داود: كان يحيى حافظاً، وسألت أحمد عنه؟
فقال: ألم تره؟ قلت: بلى، قال: إنك إذا رأيته عرفته، وقال الآجريّ أيضاً:
قلت لأبي داود: أكان يتشيع؟ قال: سألته عن حديث لعثمان، فقال: أَوَ تحب
عثمان؟، وقال البخاريّ: كان أحمد وعليّ يتكلمان في يحيى الحمانيّ، وقال
في موضع آخر: رماه أحمد وابن نمير، وقال يعقوب بن سفيان: وأما ابن
الحمانيّ، فإن أحمد سيّىء الرأي فيه، فأحمد مُتَحَرٍّ في مذهبه، مذهبُهُ أحمدُ
من مذهب غيره، وقال أحمد بن يوسف السلميّ عن ابن المدينيّ: أدركت ثلاثة
يحدثون بما لا يحفظون، فذكره فيهم، وقال ابن عديّ: قال لنا عبدان: قال
ابن نمير: الحماني كذّاب، قيل لعبدان: سمعته من ابن نمير؟ قال: لم أسمعه
منه، وقال ابن عمار: قد سقط حديثه، قيل له: فما علّته؟ قال: لم يكن لأهل
الكوفة حديث جيد غريب، ولا لأهل المدينة، ولا لأهل بلد حديث جيد
غريب إلا رواه، فهذا يكون هكذا، وقال إبراهيم الْجُوزجانيّ: يحيى الحمانيّ
ساقطٌ، مُتَلَوِّنٌ، تُرِك حديثه، فلا ينبعث، وقال ابن خزيمة: سمعت محمد بن
يحيى، وذكر يحيى بن عبد الحميد، فقال: ذَهَب كأمس الذاهب، قال الذهليّ:
ما أستحل الرواية عنه، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال في موضع آخر: ليس
بثقة، وقال عثمان الدارميّ: سمعت ابن معين يقول: ابن الحماني صدوقٌ،
مشهور بالكوفة، مثل ابن الحماني ما يقال فيه من حسد، قال عثمان: وكان
ابن الحماني شيخاً فيه غفلة، لم يكن يقدر أن يصون نفسه، وقال ابن أبي
خيثمة، عن ابن معين: ابن الحماني ثقة، وبالكوفة رجل يحفظ معه؟، وهؤلاء
يحسدونه، وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت ابن معين عنه؟ فأجمل القول فيه،
وقال: كان أحد المحدثين، وقال عبد الخالق بن منصور: سئل يحيى بن معين
عن الحمانيّ؟ فقال: صدوق ثقةٌ، وهكذا قال الدُّوريّ، ومحمد بن عثمان بن

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
أبي شيبة، والبغويّ، وابن الدَّوْرَقيّ، ومُطَيِّنٌ، وجماعة عن ابن معين، زاد
الدُّوريّ: لم يزل ابن معين على هذا حتى مات، وقال العقيليّ عن علي بن
عبد العزيز: سمعت يحيى الحماني يقول لقوم غُرَباء عنده: لا تسمعوا كلام
أهل الكوفة فِيَّ، فإنهم يحسدونني؛ لأني أول من جمع ((المسند))، وقد
تقدمتهم في غير شيء، وقال علي بن حكيم: ما رأيت أحفظ لحديث شريك
منه، وقال أبو حاتم: لم أر من المحدثين من يحفظ، ويأتي بالحديث على
لفظ واحد، لا يغيّره سوى يحيى الحماني في حديث شريك، وذكر جماعة،
وقال ابن عديّ: وليحيى مسند صالح، ويقال: إنه أول من صنف ((المسند))
بالكوفة، ثم ذكر قصة الدارميّ إلى أن قال: ولم أر في ((مسنده)) وأحاديثه
منكراً، وأرجو أنه لا بأس به، وقال الخليليّ: يحيى بن عبد الحميد حافظٌ
رَضِيَهُ يحيى بن معين، وضعّفه غيره، قال مطين: مات في رمضان سنة ثمان
وعشرين ومائتين.
انفرد به المصنّف، له ذكرٌ في هذا الموضع بلا رواية.
(يَقُولُ: وَأَبِي أُسَيْدٍ) أي: بالواو العطفة، لا بـ((أو)) التي للشكّ.
[تنبيه]: ظاهر قول المصنّف ◌َخَّتُهُ عن شيخه يحيى أن الحمّانيّ انفرد
بروايته بواو العطف، وليس كذلك، قال الحافظ تَّتُهُ في ((نتائج الأفكار)): ولم
ينفرد الْحِمّاني بذلك، فقد أخرجه أحمد، عن أبي عامر الْعَقَديّ، عن سليمان
بواو العطف أيضاً، وكذا أخرجه النسائيّ، وأبو يعلى، وابن حبّان من رواية
سليمان، ولم ينفرد به سليمان أيضاً، بل جاء من رواية عُمارة بن غَزِيّة أيضاً،
أخرجه الطبراني في ((الدعاء)»، عن زكريا الساجيّ، عن أحمد بن سعيد، عن
عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عُمارة بن غَزِيّة، عن
ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الملك بن سعيد، يقول: سمعت
أبا حميد، وأبا أسيد تها يقولان: قال رسول الله وَله ... الحديث.
وأخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) عن يونس بن عبد الأعلى، عن
عبد الله بن وهب. انتهى.
وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن عثمان الدمشقيّ، عن الدَّرَاوَرْديّ،
عن ربيعة بإسناده، وتقدم لفظه.

٢٧٩
(١١) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ - حديث رقم (١٦٥٢)
وأخرجه ابن ماجه فيه عن عمرو بن عثمان الحمصيّ، وعبد الوهاب بن
الضحاك، كلاهما عن إسماعيل بن عياش، عن عُمارة بن غَزِيّة، لكن قال: عن
أبي حميد، ولم يذكر أبا أسيد، بلفظ أبي داود المتقدم(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي حميد، أو أبي أسيد طه هذا من أفراد
المصنّف تَخَذُلُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٥٢/١١ و١٦٥٣] (٧١٣)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٤٦٥)، و(النسائيّ) في ((المساجد)) (٧٢٩)، و ((الكبرى)) في ((الصلاة))
(٨٠٨)، وفي ((عمل اليوم والليلة)) (١٧٧)، و(ابن ماجه) في ((المساجد))
(٧٧٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٦٦٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٩٧/٣
و٤٢٥/٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٤/١ و٢٩٣/٢)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (١٢٣٤ و١٢٣٥ و١٢٣٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٦٠٦
و١٦٠٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٤٨ و٢٠٤٩)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٤٤١/٢ و٤٤٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
يستفاد من حديث الباب مشروعية طلب الرحمة من الله تعالى عند دخول
المسجد، وطلب الفضل منه عند الخروج منه، وقد وردت أحاديث فيما يقال
في دخول المسجد والخروج منه.
[فمنها]: حديث الباب، وزاد في رواية أبي داود - كما تقدّم - في أوله:
((فليسلم، ثم ليقل ... ))، ولفظ الطبراني: ((إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلّم
على النبيّ وَّ﴾، ثم ليقل: اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج من
المسجد، فليسلّم على النبيّ وَّه، ثم ليقل: اللَّهم افتح لي أبواب فضلك)).
(١) ((نتائج الأفكار)) للحافظ ٢٧٦/١ - ٢٧٧.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وأخرجه أيضاً أبو عوانة في ((صحيحه)) عن يونس بن عبد الأعلى، عن
عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عُمارة بن غَزِيّة، بإسناد
الطبراني، كما تقدم، وأخرجه أيضاً أبو عوانة من رواية عبد العزيز بن عبد الله
الأويسي، عن الدَّرَاوَرْديّ، فقال في روايته، عن أبي حميد: أن النبيّ وَّ كان
يقول، إذا دخل المسجد: ((اللَّهم افتح لي أبواب رحمتك، وسهِّل لي أبواب
رزقك)).
[ومنها]: حديث أبي هريرة ظله، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا دخل
أحدكم المسجد، فليسلّم على النبيّ وَّ، ثم ليقل: اللَّهم افتح لي أبواب
رحمتك، وإذا خرج من المسجد، فليسلم على النبيّ وَّة، وليقل: اللهم
اعصمني من الشيطان الرجيم))، أخرجه النسائيّ في ((اليوم والليلة))، وابن ماجه،
وابن خزيمة، وابن حبان، وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرط
الشيخين، وأقره الذهبيّ.
ووقع في رواية النسائي: ((باعدني))، وفي نسخة: ((أعذني))، وفي رواية ابن
خزيمة، وابن حبان: ((أجرني))، ورجال هذا الحديث من رجال الصحيح، لكن أعله
النسائي، فأخرجه من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة،
عن كعب الأحبار، أنه قال له: أوصيك باثنين ... ، فذكر هذا الحديث بنحوه.
ومن طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ، عن
أبيه، عن أبي هريرة، عن كعب كذلك، قال النسائي: ابن أبي ذئب أثبت عندنا
من الضحاك بن عثمان، ومن محمد بن عجلان، وحديثه أولى بالصواب.
قال الحافظ: ورواية ابن عجلان أخرجها عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في
(مصنّفيهما)) كذلك، وأخرجه عبد الرزاق، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري
أن كعباً قال لأبي هريرة، فذكره، فهؤلاء ثلاثة خالفوا الضحاك في رفعه، وزاد
ابن أبي ذئب في السند راوياً، وخفيت هذه العلة على مَن صَحَّح الحديث من
طريق الضحاك.
وفي الجملة هو حسنٌ لشواهده، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
(١) ((نتائج الأفكار)) ٢٧٩/١ - ٢٨٠.