النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
(٩) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ يَمِينِ الإِمَامِ - حديث رقم (١٦٤٢)
ويحيى بن أبي زائدة عند المصنّف هنا أيضاً، وابن خزيمة، وابن المبارك عند
النسائيّ، وأبو أحمد الزبيري عند ابن خزيمة، فقالوا: عن مسعر، عن ثابت بن
عبيد، عن ابن البراء، عن البراء بن عازب ﴿ًا، فأبهموه.
وأما أبو أحمد الزبيريّ من رواية محمد بن رافع عنه عند أبي داود،
فقال: عن مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن عُبيد بن البراء، عن أبيه، فسماه
عبيداً .
وأما وكيع عند أحمد، وسفيانُ عند ابن خزيمة، فقالا: عن مسعر، عن
ثابت بن عبيد، عن يزيد بن البراء، عن أبيه، فسمياه (یزید)).
وممن أسقطه: أبو أحمد الزبيريّ في رواية محمد بن بشار عنه عند ابن
خزيمة، ووكيع في رواية سلم بن جنادة عنه، عند ابن خزيمة أيضاً، كلاهما
عن مِسْعَر، عن ثابت بن عبيد، عن البراء بن عازب، فأسقطوه.
والحاصل أن الأكثرين على إثبات الواسطة، ثم الأكثرون منهم على
إبهامه، لكن هذا الاختلاف لا يضرّ؛ لإمكان حمله على أن ثابتاً سمعه عن
البراء نفسه، وعن ابنه عنه، وكذا لا يضرّ إبهام ابنه؛ لأنه سمي في الروايات
الأخرى، وكذا الاختلاف في تسميته عُبيداً، ويزيد لا يضرّ أيضاً؛ لأن كلّاً
منهما ثقة، والله تعالى أعلم بالصواب.
(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازِب ◌ًُّا أنه (قَالَ: كُنَّا) يعني: معاشر الصحابة
(إِذَا صَلَّيْنَا) أي: إذا أردنا الصلاة (خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَحْبَيْنَا أَنْ نَكُونَ) وفي
رواية النسائيّ: ((أحببت أن أكون)) بضمير المتكلم الواحد (عَنْ يَمِينِهِ) أي: جهة
يمين النبيّ، وقوله (يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ) جملة تعليليّة؛ أي: وإنما أحببنا أن نكون
عن يمينه؛ لأنه وَلّه يُقبل علينا بوجهه الشريف.
وفي رواية ابن خزيمة في (صحيحه)) من رواية يزيد بن البراء، عن أبيه،
قال: ((كان يعجبنا أن نصلي مما يلي يمين رسول الله وَالر؛ لأنه كان يبدأ
بالسلام علی یمینه)).
قال القاضي عياض ◌َّتُهُ: يَحْتَمِل أن يكون التيامن عند التسليم، وهو
الأظهر؛ لأن عادته ◌َ﴿ إذا انصرف أن يستقبل جميعهم بوجهه، قال: وإقباله وَله
يَحْتَمِل أن يكون بعد قيامه من الصلاة، أو يكون حين ينفتل. انتهى.

٢٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقال القرطبيّ تَخْتُ: يَحتَمِل أن يكون هذا الإقبال منه وَّ في حال سلامه
من الصلاة، فإنه كان يبدأ السلام بيمينه، والأظهر أنه كان حين انصرافه من
الصلاة، ويكون هذا حين كان يُكثر أن ينصرف عن يمينه، كما قاله أنس
انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: كون هذا الإقبال في حال سلامه هو الأظهر؛
لرواية ابن خزيمة المذكورة آنفاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) البراء ◌َظُهُ (فَسَمِعْتُهُ) وَلِ (يَقُولُ: ((رَبِّ) بحذف حرف النداء، كما
قال في ((ملحة الإعراب)):
وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي))
(قِنِي) أمر من وَقَى يَقِي، يقال: وقاه الله السُّوءَ يَقِيه وِقَايةً بالكسر:
حَفِظه، والْوِقَاءُ، مثلُ كتاب: كلُّ ما وقَيتَ به شيئاً، ورَوَى أبو عُبيد عن
الكسائيّ الفتح في الْوَقَاية، والْوَقَاء أيضاً، قاله الفيّوميّ (١). (عَذَابَكَ، يَوْمَ
تَبْعَثُ))) ظرف ((قِنِي))، و((تبعث)) بفتح أوله، وثالثه، من باب فتح (أَوْ) للشكّ
من الراوي ((تَجْمَعُ عِبَادَكَ))) أي: يوم القيامة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء بنظُبه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٤٢/٩ و١٦٤٣] (٧٠٩)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٦١٥)، و(النسائيّ) في ((الإمامة)) (٨٢٢) وفي ((الكبرى)) (٨٩٦)،
و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٠٠٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩٠/٤
و٣٠٤)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٥٦٣ و١٥٦٤ و١٥٦٥)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٢٠٩٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٩٧)، والله تعالى
أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ٦٦٩/٢.

٢٤٣
(٩) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ يَمِينِ الإِمَامِ - حديث رقم (١٦٤٣)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الوقوف عن يمين الإمام، ووجه دلالة
ـّ لذلك، ومسابقتهم إليه كان بعلم من
الحديث عليه أن محبة الصحابة
النبيّ ◌َ﴿، فلو كان الفضل في غير اليمين لبيّنه لهم، ولا سيّما وقد ثبت
قوله مقاله: ((إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف))، رواه أبو داود بإسناد
(١)
حسن، كما قاله الحافظ
.
فى ((الفتح))
وأما قول بعضهم باستحباب وسط الصفّ مستدلّاً بحديث: ((وَسِّطُوا
الإمام)) رواه أبو داود، فغير صحيح؛ إذ الحديث ضعيف؛ لجهالة بعض رواته،
وكذا ما أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر ها قال: قيل للنبيّ وَّ: إن ميسرة
المسجد تعطلت، فقال: ((من عَمَّر ميسرة المسجد كُتب له كفلان من الأجر))،
فضعيف أيضاً؛ لأن في إسناده عمرو بن عثمان الكلابيّ، وهو ضعيف، وليث بن
أبي سُليم، وهو متروك، ويُحْمَل على تقدير صحته على ما إذا أدَّى إلى تعطيل
الميسرة، والله تعالى أعلم.
من شدّة محبّتهم للنبيّ ◌َّ،
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة
فكانوا يتسابقون في القيام عن يمينه ◌ّ# في الصلاة؛ حتى يشاهدوا طلعته،
ويقع بصره عليهم قبل غيرهم ممن وقف في غير اليمين.
٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة تقديم اليمين في التسليم من الصلاة، وقد تمَّ
البحث فيه في موضعه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٤٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
وَكِيعُ، عَنْ مِسْعَرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ))).
(١) راجع: ((الفتح)) ٢/ ٤٥٠.

٢٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا، فشيخه، ومسعر، ذُكرا في السند الماضي، والباقيان
تقدّموا في السند الذي قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد مِسْعر الماضي، وهو: عن ثابت بن
عُبيد، عن ابن البراء، عن البراء
رضىعنه .
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها الإمام أحمد نَّهُ في ((مسنده))، فقال:
(١٨٢٣٦) حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن ابن
البراء، عن البراء، قال: كنا إذا صلينا مع رسول الله وَ﴿ مما أُحِبّ، أو نُحِبّ
أن نقوم عن يمينه، وسمعته يقول: ((ربّ قني عذابك يوم تجمع عبادك))، أو
((تبعث عبادك)).
وقال أيضاً:
(١٨٠٨٢) حدّثنا وكيع، حدّثنا مسعر، عن ثابت بن عبيد، عن يزيد بن
البراء بن عازب، عن البراء بن عازب، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله وَله
مما أُحِبّ، أو مما يُحِبُّ أن يقوم عن يمينه، قال: وسمعته يقول: ((رب قني
عذابك يوم تبعث عبادك))، أو ((تجمع عبادك)).
حدّثناه أبو نعيم، بإسناده ومعناه، إلا أنه قال ثابت: عن ابن البراء، عن
البراء. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١٠) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّفِلَةِ
بَعْدَ شُرُوعِ الْمُؤَذِّنِ فِي الإِقَامَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّلُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٤٤] (٧١٠) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَّاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً،

٢٤٥
(١٠) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّفِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٤٤)
عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ (١): ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إِلَّ الْمَكْتُوبَةُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد
الشيبانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة، الثقة الحافظ الفقيه
الحجة، رأس [١٠] (٢٤١) (ع) تقدم في ((الإيمان) ٨٠/ ٤٢٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب
[٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد العَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ،
ثم البصريّ الإمام الثقة الثبت الحجة الناقد [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص ٣٨١.
٤ - (وَرْقَاءُ) بن عُمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، ثقةٌ في
غير منصور بن المعتمر [٧] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩٩٩/٣١.
٥ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) تقدّم قبل بابين.
٦ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ
فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت٩٤) أو بعد ذلك (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَله مات سنة (٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم من رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن عطاء بن
يسار.
٤ - (ومنها): أن أبا هريرة له رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤)
حديثاً، والله تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((أنه قال)).

٢٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) .
(عَنِ النَّبِيِّ وََّ) أنه (قَالَ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) أي:
USr
إذا شَرَع المؤذّن في الإقامة، كما صرّح بذلك محمد بن جُحادة، عن عمرو بن
دينار، فيما أخرجه ابن حبّان بلفظ: ((إذا أخذ المؤذِّن في الإقامة)) (فَلَا صَلَاةَ)
قال القرطبيّ تَخْتُ: ظاهره أنه لا تنعقد صلاة التطوّع في وقت إقامة الفريضة،
وبه قال أبو هريرة ﴿ه، وأهل الظاهر، ورأوا أنه يقطع إذا أُقيمت عليه
المكتوبة، ورُوي عن عمر بن الخطاب ظبه أنه كان يضرب على صلاة
الركعتين بعد الإقامة. انتهى (١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((فلا صلاة)): أي: صحيحة، أو كاملة، قال:
والتقدير الأول أولى؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة، لكن لما لم يقطع النبيّ وَلـ
صلاة المصلي، واقتصر على الإنكار دلّ على أن المراد نفي الكمال.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لكن ... إلخ)) فيه نظرٌ لا يخفى، ومن
أين له القطع بأنه لم يقطع عليه، وأنه أتمّ تلك الصلاة، بعد هذا الإنكار
الشديد؟ ولا سيّما وقد ورد بصيغة النهي، ومعلوم أن النهي للفساد، فتبصّر،
والله تعالى أعلم.
قال: ويَحْتَمِل أن يكون النفي بمعنى النهي؛ أي: فلا تصلُّوا حينئذ،
ويؤيده ما رواه البخاري في ((التاريخ))، والبزار، وغيرهما من رواية محمد بن
عمار، عن شريك بن أبي نَمِر، عن أنس ◌َُّه، مرفوعاً، وفيه: ((ونهى أن
يُصَلَّيًا إذا أقيمت الصلاة)).
وورد بصيغة النهي أيضاً فيما رواه أحمد من وجه آخر، عن ابن بُحَينة في
قصته الآتية، فقال: ((لا تجعلوا هذه الصلاة مثل الظهر، واجعلوا بينهما
فصلاً))، والنهي المذكور للتنزيه؛ لما تقدم من كونه لم يقطع صلاته. انتهى
كلام الحافظ تَُّهُ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في حمله النهي على التنزيه نظر؛ إذ عدم النقل
بقطع الصلاة ليس نصّاً في عدم قطعها، كما أسلفته، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٣٤٩/٢ - ٣٥٠.

٢٤٧
(١٠) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّافِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٤٤)
وقال العلامة الشوكانيّ كَّتُهُ: قوله: ((فلا صلاة)) يَحْتَمِل أن يتوجه النفي
إلى الصحة، أو إلى الكمال، والظاهر توجهه إلى الصحة؛ لأنها أقرب
المجازَين إلى الحقيقة، فلا تنعقد صلاة التطوع بعد إقامة الصلاة المكتوبة، كما
نقل عن أبي هريرة نظُه، وأهل الظاهر.
قال العراقيّ كَّتُهُ: إن قوله: ((فلا صلاة)) يَحْتَمِل أن يراد: فلا يَشرَع
حينئذ في صلاة عند إقامة الصلاة، ويَحْتَمِل أن يراد: فلا يشتغل بصلاة، وإن
كان قد شَرَع فيها قبل الإقامة، بل يقطعها المصلي لإدراك فضيلة التحريم، أو
أنها تبطل بنفسها، وإن لم يقطعها المصلي، يَحْتَمِل كُلاَّ من الأمرين.
وقد بالغ أهل الظاهرية، فقالوا: إذا دخل في ركعتي الفجر، أو غيرهما
من النوافل، فأقيمت الفريضة، بطلت الركعتان، ولا فائدة له في أن يسلّم
منهما، ولو لم يبق عليه منهما غير التسليم، بل يدخل كما هو بابتداء التكبير
في صلاة الفريضة، فإذا أتمّ الفريضة، فإن شاء ركعهما، وإن شاء لم يركعهما،
قال: وهذا غلوّ منهم في صورة ما إذا لم يبق عليه غير السلام، فليت شعري
أيهما أطول زمناً: مدّة السلام، أو مدة إقامة الصلاة؟ بل يمكنه أن يتهيأ بعد
السلام لتحصيل أكمل الأحوال في الاقتداء قبل تمام الإقامة.
نعم، قال الشيخ أبو حامد من الشافعية: إن الأفضل، خروجه من النافلة
إذا أدّاه إتمامها إلى فوات فضيلة التحريم، وهذا واضح. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما نُقِلَ عن أبي هريرة ◌َظُه،
وأهل الظاهر، هو الذي يكون موافقاً لظاهر النص، ففيما قاله العراقيّ في الردّ
عليهم نظر لا يخفى، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ))) الألف واللام ليست لعموم المكتوبات، وإنما هي راجعة
إلى الصلاة التي أقيمت، فقد ورد التصريح بذلك في رواية لأحمد بلفظ: ((فلا
صلاة إلا التي أقيمت))، وكذلك في رواية لأبي هريرة نظر ته، ذكرها ابن عبد البر
في ((التمهيد)).
وقال في ((الفتح)) : فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة، سواء
كانت راتبة أم لا؛ لأن المراد بالمكتوبة: المفروضة، وزاد مسلم بن خالد، عن
عمرو بن دينار في هذا الحديث: قيل: يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر؟ قال:

٢٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
((ولا ركعتي الفجر))، أخرجه ابن عديّ في ترجمة يحيى بن نصر بن الحاجب،
وإسناده حسن.
والمفروضة تشمل الحاضرة والفائتة، لكن المراد الحاضرة، وصرّح بذلك
أحمد، والطحاويّ، من طريق أخرى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة
عنه
بلفظ: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا التي أقيمت)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث الباب يدلّ على أنه لا يجوز الشروع في
النافلة عند إقامة الصلاة، من غير فرق بين ركعتي الفجر وغيرهما، وأن من
أقيمت الصلاة، وهو في النافلة يقطعها، وبه قال أبو حامد وغيره من الشافعيّة،
كما قاله في ((الفتح))، وخصّ آخرون النهي بمن أنشأ النافلة؛ عملاً بعموم قوله
تعالى: ﴿وَلَ نُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، والقول الأول هو الصواب، وأما
الثاني فليس بشيء، والاستدلال بالآية غير صحيح؛ إذ هي نهت عن إبطال
الأعمال، وهذه الصلاة بطلت بنفسها، حيث نفى الشارع صحّتها عند الإقامة
بقوله: ((فلا صلاة إلا المكتوبة))، فلا دَخْلَ للمصلي في إبطالها حتى تشمله
الآية، وسيأتي البحث فيه مستوفَّى في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف تَخَذَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٤٤/١٠ و١٦٤٥ و١٦٤٦ و١٦٤٧ و١٦٤٨]
(٧١٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢٦٦)، و(الترمذيّ) فيها (٤٢١)،
و(النسائيّ) في ((الإمامة)) (٨٥٦ و٨٦٥)، وفي ((الكبرى)) (٩٣٧ و٩٣٨)، و(ابن
ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١١٥١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣١/٢ و٤٥٥
و٥١٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٣٨/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(١١٢٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢١٩٠ و٢١٩٣)، و(الطبرانيّ) في
((الصغير)) (٢١ و٥٢٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣٧١/١)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٥٦ و١٣٥٧ و١٣٥٨ و١٣٥٩)، و(أبو نُعيم) في

٢٤٩
(١٠) - بَابُ النَّهْيٍ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّافِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٤٤)
(مستخرجه)) (١٥٩٨ و١٥٩٩ و١٦٠٠ و١٦٠١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/
٤٨٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٨٠٤)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث مما اختلف في رفعه، ووقفه، وقد رجّح
المصنّف نَّتُ رفعه، ولذا أخرجه هنا في الأصول، وكذا رجّح الترمذيّ دَُّهُ
رفعه أيضاً، حيث قال في ((الجامع)) بعد إخراجه الحديث مرفوعاً ما نصّه:
وهكذا رَوَى أيوب، ووَرْقاء بن عمر، وزياد بن سعد، وإسماعيل بن مسلم،
ومحمد بن جُحادة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي
هريرة نظريته، عن النبيّ وَّه .
ورَوَى حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، فلم يرفعاه،
والحديث المرفوع أصحّ عندنا. انتهى كلام الترمذيّ تَخْذَلُ .
وقال في ((الفتح)) في شرح قول البخاريّ تَخْتُ: ((بابٌ إذا أُقيمت الصلاة
فلا صلاة إلا المكتوبة)): هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم، وأصحاب
السنن، وابنُ خزيمة، وابن حبان، من رواية عمرو بن دينار، عن عطاء بن
يسار، عن أبي هريرة، واختُلِف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه، وقيل: إن
ذلك هو السبب في كون البخاريّ لم يُخرجه، ولما كان الحكم صحيحاً ذكره
في الترجمة، وأخرج في الباب ما يغني عنه. انتهى(١).
وقال الحافظ ابن رجب كَّهُ في ((شرح البخاريّ)) عند قوله: ((بابٌ إذا
أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) ما نصّه: بَوَّب عَلَى هذه الترجمة، ولم
يُخَرِّجِ الحَدِيْثِ الَّذِي بلفظها، وقد خرّجه مُسْلِمٍ من حَدِيْث عَمْرِو بْن دينار، عَن
عَطَاء بْن يسار، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌َ، قَالَ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا
صلاة إلا المكتوبة))، وخرَّجه أبو داود موقوفاً.
وقد اختُلِف فِي رفعه ووقفه، واختَلَف الأئمة فِي الترجيح، فرجّح
الترمذيّ رفعه، وكذلك خرّجه مُسْلِم فِي ((صحيحه))، وإليه ميل الإمام أحمد،
ورجّح أبو زُرْعَة وقفه، وتوقف فِيهِ يَحْيَى بْن معين، وإنما لَمْ يُخَرِّجه البخاريّ؛
لتوقفه، أو لترجيحه وقفه، والله أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٧٤/٢.

٢٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقد خرّجه الطبراني من رِوَايَة زياد بْن عَبْد الله، عَن مُحَمَّد بْن جُحادة،
عَن عَمْرٍو، عَن عَطَاء، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ ◌ََّ، قَالَ: ((إذا أخذ المؤذن
في الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة))، وهذا لفظ غريبٌ.
وقد روي من وجوه أُخَر عَن أَبِي هُرَيْرَةً نُله.
وخرّجه الإمام أحمد من رِوَايَة ابن لهيعة: ثنا عياش بْن عباسٍ، عَن أَبِي
تميم الزُّهْرِيّ، عن أبي هريرة، عَن النَّبِيّ وََّ، قَالَ: ((إذا أقيمت الصلاة فلا
صلاة إلا الَّتِيْ أقيمت)).
وخرّجه الطبراني بهذا اللفظ - أيضاً - من رِوَايَة أَبِي صالح: ثنا الليث،
عن عَبْد الله بْن عياش بْن عَبَّاس القتباني، عَن أبيه، عَن أَبِي تميم، عَن أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ وَِّ. انتهى كلام ابن رجب كَذَّقُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن ما ذهب إليه المصنّف رَُّ
من ترجيح رفع هذا الحديث هو الحقّ، وهو أيضاً رأي الترمذيّ، وإليه ميل
الإمام أحمد؛ لأن الذين رفعوا جماعة، ومعهم زيادة علم، فتُقبل زيادتهم،
فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة النافلة عند إقامة
الصلاة :
(اعلم): أنه قد اختلف الصحابة، والتابعون، ومن بعدهم في ذلك على
تسعة أقوال :
[أحدها]: الكراهة، وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب، وابنه
عبد الله بن عمر، على خلاف في ذلك، وأبو هريرة
ومن التابعين: عروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعيّ،
وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومسلم بن عقيل، وسعيد بن جبير.
ومن الأئمة: سفيان الثوريّ، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد،
وإسحاق، وأبو ثور، ومحمد بن جرير، هكذا أطلق الترمذيّ الرواية عن
الثوريّ، وروى عنه ابن عبد البر، والنوويّ تفصيلاً، وهو أنه إذا خَشِي فوت
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب كذشه ٦ /٥٥ - ٥٦.

٢٥١
(١٠) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّافِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٤٤)
ركعة من صلاة الفجر، دخل معهم، وترك سنة الفجر، وإلا صلاها، وسيأتي.
[القول الثاني]: أنه لا يجوز صلاة شيء من النوافل إذا كانت المكتوبة
قد قامت، من غير فرق بين ركعتي الفجر، وغيرهما، قاله ابن عبد البر في
((التمهيد))، وهذا القول هو الحقّ، كما سيأتي.
[القول الثالث]: أنه لا بأس بصلاة سنة الصبح، والإمام في الفريضة،
حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، ومسروق، والحسن البصريّ، ومجاهد،
ومكحول، وحماد بن أبي سليمان، وهو قول الحسن بن حيّ، ففرّق هؤلاء بين
سنة الفجر وغيرها .
واستدلوا بما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة ظه، أن رسول الله وعليه
قال: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة، إلا ركعتي الصبح)).
وأجيب عن ذلك بأن البيهقيّ قال: هذه الزيادة لا أصل لها، وفي
إسنادها حجّاج بن نُصَير، وعباد بن كثير، وهما ضعيفان، على أنه قد روى
البيهقي عن أبي هريرة به، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا أقيمت الصلاة،
فلا صلاة إلا المكتوبة))، قيل: يا سول الله، ولا ركعتي الفجر؟، قال: ((ولا
ركعتي الفجر))، وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي، وهو متكلم فيه، وقد وثقه
ابن حبان، واحتج به في ((صحیحه)).
[القول الرابع]: التفرقة بين أن يكون في المسجد، أو خارجه، وبين أن
يخاف فوت الركعة الأولى مع الإمام، أو لا، وهو قول مالك، فقال: إذا كان
قد دخل المسجد، فليدخل مع الإمام، ولا يركعهما - يعني ركعتي الفجر - وإن
لم يدخل المسجد، فإن لم يخف أن يفوته الإمام بركعة، فليركع خارج
المسجد، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى مع الإمام، فليدخل وليصلّ معه.
[القول الخامس]: أنه إن خَشِيَ فوت الركعتين معاً، وأنه لا يُدرك الإمام
قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه، وإلا فليركعهما - يعني ركعتي الفجر
- خارج المسجد، ثم يدخل مع الإمام، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، كما
حكاه ابن عبد البرّ، وحُكي عنه أيضاً نحو قول مالك، وهو الذي حكاه
الخطابي، وهو موافق لما حكاه عنه أصحابه، وحكى النوويّ عنه مثل قول
الأوزاعيّ الآتي ذكره.

٢٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمامے مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
[القول السادس]: أنه يركعهما في المسجد، إلا أن يخاف فوت الركعة
الأخيرة، فأما الركعة الأولى فليركع، وإن فاتته، وهو قول الأوزاعيّ، وسعيد بن
عبد العزيز، وحكاه النوويّ عن أبي حنيفة، وأصحابه.
[القول السابع]: يركعهما في المسجد وغيره، إلا أن يخاف فوت الركعة
الأولى، وهو قول سفيان الثوريّ، حَكَى ذلك عنه ابن عبد البرّ، وهو مخالف
لما رواه الترمذيّ عنه.
[القول الثامن]: أن يصليهما، وإن فاتته صلاة الإمام، إذا كان الوقت
واسعاً، قاله ابن الجلاب من المالكية.
[القول التاسع]: أنه إذا سمع الإقامة لم يَحِلّ له الدخول في ركعتي
الفجر، ولا في غيرهما من النوافل، سواء كان في المسجد أو خارجه، فإن
فعل فقد عَصَى، وهو قول أهل الظاهر، ونقله ابن حزم عن الشافعيّ، وعن
جمهور السلف، وكذا قال الخطابيّ. وحُكِي الكراهة عن الشافعيّ، وأحمد.
وحَكَى القرطبيّ في ((المفهم)) عن أبي هريرة ظُه، وأهل الظاهر أنها لا
تنعقد صلاة تطوع في وقت إقامة الفريضة.
قال العلامة الشوكانيّ تَخَّلهُ: وهذا القول هو الظاهر، إن كان المراد
بإقامة الصلاة التي يقولها المؤذن عند إرادة الصلاة، وهو المعنى المتعارف.
قال العراقيّ: وهو المتبادر إلى الأذهان من هذا الحديث، والأحاديثُ
المذكورةُ في شرح الحديث الذي بعد هذا - يعني حديث عبد الله ابن بحينة
الآتي - تدلّ على ذلك، إلا إذا كان المراد بإقامة الصلاة فعلها كما هو المعنى
الحقيقيّ، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ﴾ [البقرة: ٣]،
فإنه لا كراهة في فعل النافلة عند إقامة المؤذّن قبل الشروع في الصلاة، وإذا
كان المراد المعنى الأول، فهل المراد به الفراغ من الإقامة؛ لأنه حينئذ يشرع
في فعل الصلاة، أو المراد شروع المؤذن في الإقامة؟ قال العراقيّ: يحتمل أن
يراد كل من الأمرين، والظاهر أن المراد شروعه في الإقامة، ليتهيأ المأمومون
لإدراك التحريم مع الإمام.
ومما يدلّ على ذلك، قوله في حديث أبي موسى ظله عند الطبرانيّ: إن
النبيّ ◌َ ﴿ رأى رجلاً صلى ركعتي الفجر حين أخذ المؤذن يقيم، قال العراقيّ:

٢٥٣
(١٠) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّفِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٤٥)
وإسناده جيد، ومثله حديث ابن عباس ها عند أبي داود الطيالسيّ، قال: كنت
أصلي، وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني نبي الله وَّر، وقال: ((أتصلي الصبح
أربعاً؟))، ورواه أيضاً البيهقي، والبزار، وأبو يعلى، وابن حبان في ((صحيحه))،
والحاكم في ((المستدرك))، وقال: إنه على شرط الشيخين، والطبرانيّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال أهل
العلم في هذه المسألة أن القول بتحريم التنفل وقت إقامة الصلاة هو الأرجح؛
لظهور أدلته، فمن ابتدأ بالنافلة، ثم أقيمت الصلاة وهو فيها يقطعها، ويقتدي
بالإمام، ولا حجة لمن يقول: إن فيه إبطال الصلاة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا
تُبْطِلُواْ أَعْمَلَكُمْ﴾ الآية؛ لأنه ما أبطل عمله بنفسه، وإنما أبطلها الشارع، حيث
قال: ((إذا أُقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة))، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن
أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا
ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٤٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَابْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
شَبَابَةُ، حَدَّثَنِي وَرْقَاءُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ (١)).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، صدوقٌ فاضل، ربما وَهِمَ
[١٠] (ت٢٣٥) (م د) تقدمَ في ((الإيمان)) ١٠٤/١.
٢ - (ابْنُ رَافِع) هو: محمد، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ حافظٌ
عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (شَبَابَةُ) بن سوّار، تقدّم قبل بابين، و((ورقاء)) ذُكر في السند
الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) وفي نسخة: ((بهذا الإسناد مثله))؛ أي: بإسناد
(١) وفي نسخة: ((بهذا الإسناد مثله)).

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
ورقاء الماضي، وهو: عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي
عنه
هريرة
[تنبيه]: رواية شبابة هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا
زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، يَقُولُ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا
الْمَكْتُوبَةُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْبَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء بن حسّان القَيسيّ، أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ، رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٧/ ١٣٠.
والباقون ذُكروا قبله، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٦٤٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في
((الإيمان)) ٧/ ١٣١.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الحميريّ مولاهم، أبو بكر
الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف، عَمِيَ، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.

٢٥٥
(١٠) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّافِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٤٨)
و(زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ)) ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد زكريّا الماضي، وهو: عن
عمرو بن دينار، قال: سمعت عطاء بن يسار، يقول عن أبي هريرة نظ ◌ُته.
[تنبيه]: رواية عبد الرزّاق، عن زكريّا هذه ساقها أبو داود ◌َّتُهُ في
((سننه))، فقال :
(١٢٦٦) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدّثنا حماد بن سلمة (ح) وحدّثنا
أحمد بن حنبل، حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن ورقاء (ح) وحدّثنا
الحسن بن عليّ، حدّثنا أبو عاصم، عن ابن جريج (ح) وحدّثنا الحسن بن
عليّ، حدّثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن زيد، عن أيوب (ح) وحدّثنا
محمد بن المتوكل، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا زكريا بن إسحاق، كلهم عن
عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليه :
((إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة)). انتهى. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ◌َُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٤٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ بِمِثْلِهِ، قَالَ حَمَّدٌ: ثُمَّ لَقِيتُ عَمْراً، فَحَدَّثَنِي بِهِ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ).
١ - (حَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظُ، له
تصانيفُ [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ن ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ
عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ،
من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٥.

٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَرْفَعْهُ) قال النوويّ تَخْلَتُهُ: هذا الكلام لا يقدح في صحة
الحديث ورفعه؛ لأن أكثر الرواة رفعوه، قال الترمذيّ: ورواية الرفع أصحّ،
وقد قدمنا في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب، أن الرفع مقدَّم على الوقف
على المذهب الصحيح، وإن كان عدد الرفع أقلّ، فكيف إذا كان أكثر؟.
(١)
انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: كون الرفع هنا أرجح هو الحقّ كما قال، وقد
أسلفنا تحقيقه، وأما مسألة تقديم الرفع على الوقف مطلقاً، فقد تقدّم مناقشة
النوويّ فيها، وأن الصواب أنه ليس على إطلاقه، بل لا بدّ من الترجيح حسب
القرائن، فإذا وُجدت رُجّح الرفع على الوقف، وكذا العكس، فتنبّه بهذه
المسألة الدقيقة، وارجع إلى ((شرح المقدّمة))، تجد ما يشفي غليلك، وبالله
تعالى التوفيق.
[تنبيه]: رواية أيوب، عن عمرو هذه ساقها ابن حبّان تَظُّ في ((صحيحه))
(٢٢٢/٦) فقال:
(٢٤٧٠) أخبرنا محمد بن سفيان الصفار بالْمِصِّيصة، قال: حدّثنا ابن
علية، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله وَلي: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة)).
انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٤٩] (٧١١) - (حَدَّثَنَا(٢) عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ
ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ مَرَّ بِرَجُلِ يُصَلِّ، وَقَدْ أُقِيّمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ، لَا
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٣/٥.
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٢٥٧
(١٠) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّفِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٤٩)
نَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا (١)، نَقُولُ: مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ وَِ؟، قَالَ:
قَالَ لِي: ((يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعاً)).
قال الَقَعْنَبِيُّ: عَبْدُ اللهِ بْنُ مَالِكِ ابنُ بُحَيْنَةَ، عَنْ أَبِهِ.
قال أبُو الحُسَيْنِ مُسْلِمٌ: وَقَوْلُهُ: (عَنْ أَبِهِ) فِي هَذَا الحَدِيث خَطَأْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ،
مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة (خ م
د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
٣ - (أَبُوهُ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ
القاضي، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت١٢٥) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٤ - (حَفْصُ بْنُ عَاصِم) بن عمر بن الخطّاب العمريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٧/٣.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَالِكِ ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: عبد الله بن مالك بن الْقِشْب
الأزديّ، أبو محمد المعروف بابن بُحينة بموحّدة، مصغّراً، وهي أمه، صحابيّ
مشهور، مات تظ ◌ُه بعد الخمسين (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١١١٠/٤٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف تَخْدَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه وإن كان بصريّاً، إلا أنه
مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، كما أسلفناه آنفاً .
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن، عن أبيه: إبراهيم، عن سعد بن
إبراهيم، وتابعيّ، عن تابعيّ؛ سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، والله
تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((أحطنا به)).

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) ووقع عند البخاريّ من طريق شعبة،
عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت حفص بن عاصم، قال: سمعت رجلاً من
الأزد، يقال له: مالك ابن بحينة. قال في ((الفتح)) : هكذا يقول شعبة في
الصحابيّ، وتابعه على ذلك أبو عوانة، وحماد بن سلمة، وحكم الحفاظ:
يحيى بن معين، وأحمد، والبخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، والإسماعيلي، وابن
الشرقي، والدارقطني، وأبو مسعود، وآخرون عليهم بالوهم فيه في موضعين :
[أحدهما]: أن بُحينة والدة عبد الله، لا مالك.
[وثانيهما]: أن الصحبة، والرواية لعبد الله، لا لمالك، وهو: عبد الله بن
مالك بن القِشْب - بكسر القاف، وسكون المعجمة، بعدها موحدة - وهو لقب
جندب بن نَضْلة بن عبد الله.
قال ابن سعد: قَدِمَ مالك بن القشب مكة - يعني في الجاهلية - فحالف
بني المطلب بن عبد مناف، وتزوج بُحَينة بنت الحارث بن المطلب، واسمها
عبدة، وبُحينة لقب، وأدركت بحينة الإسلام، فأسلمت، وصحبت، وأسلم ابنها
عبد الله قديماً، ولم يذكر أحد مالكاً في الصحابة، إلا بعض من تلقاه من هذا
الإسناد ممن لا تمييز له، وكذا أغرب الداوديّ الشارح، فقال: هذا الاختلاف
لا يضرّ، فأي الرجلین کان فهو صحابيّ.
وحَكَى ابن عبد البر اختلافاً في بُحينة، هل هي أمُّ عبد الله، أو أمُّ
مالك؟ والصواب أنها أم عبد الله، كما تقدم، فينبغي أن يكتب ابن بحينة بزيادة
ألف (١)، ويُعْرَب إعراب عبد الله، كما في عبد الله بن أُبَيِّ ابن سَلُولَ،
(١) وكذا يثبت تنوين مالك؛ إذ ليس ((ابن)) صفة له؛ لأن القاعدة أنه إذا وقع ((ابن))
صفةً بين علمين، وكان الثاني أباً للأول، حُذف من العَلم الأول التنوين، وحُذفت
همزة الوصل من ((ابن)) خطّاً، وإن لم يكن كذلك بأن لم يقع صفة بين علمين، أو
كان غير أب للأول، بأن كان جدّاً، أو أمّاً، كعيسى ابن مريم، فلا يُحذف التنوين
من الأول، ولا همزة الوصل من ((ابن))، راجع المسألة في: شروح ((ألفية ابن
مالك)) في ((باب النداء))، والله تعالى أعلم.

٢٥٩
(١٠) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الشُّرُوعِ فِي النَّافِلَةِ ... إلخ - حديث رقم (١٦٤٩)
ومحمد بن عليٍّ ابن الحنفية. انتهى(١).
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ مَرَّ بِرَجُلٍ) هو عبد الله الراوي، كما رواه أحمد من
طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثُوبان عنه، أن النبيّ وَّ مَرَّ به، وهو يصلي،
وفي رواية أخرى له: ((خَرَجَ، وابن القشب يصلي))، ووقع لبعض الرواة هنا
((ابن أبي القشب))، وهو خطأ كما بيّنه في ((الإصابة)).
ووقع نحو هذه القصة أيضاً لابن عباس ﴿ها، قال: كنت أصلي، وأخذ
المؤذِّن في الإقامة، فجذبني النبيّ وَّر، وقال: ((أتصلي الصبح أربعاً؟!))،
أخرجه ابن خزيمة، وابن حبّان، والبزار، والحاكم، وغيرهم، فَيُحْمَل على
تعدد القصة .
(يُصَلِّي) وقوله: (وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ) جملة في محلّ نصب على
الحال من الفاعل، وفي رواية أبي عوانة التالية: ((أقيمت صلاة الصبح، فرأى
رسول الله وَّ﴿ رجلاً يصلّي، والمؤذن يقيم)) (فَكَلَّمَهُ) أي: كلّم النبيّ وَّ ذلك
الرجل (بِشَيْءٍ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ) أي: لم نعلم أيُّ شي ذلك الشيء الذي كلّمه
به (فَلَمَّا انْصَرَفْنَا) أي: سلّمنا من الصلاة (أَحَطْنَا) قال النوويّ تَخُّْهُ: هكذا هو
في الأصول: ((أحطنا نقول))، وهو صحيح، وفيه محذوفٌ، تقديره: ((أحطنا
به)». انتهى. وأشار في هامش بعض النسخ أنه وقع في بعض النسخ بلفظ:
((أحطنا به)).
وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم: ((أن
رسول الله وَ﴾ رأى رجلاً، وقد أقيمت الصلاة، يصلي ركعتين، فلما انصرف
رسول الله * لاث به الناس(٢)، فقال له رسول الله وسلم: ((الصبح أربعاً؟
الصبح أربعاً؟».
وظاهر رواية شعبة هذه تقتضي أنه ◌ّ كلم الرجل بعد الفراغ من
الصلاة، بخلاف رواية إبراهيم بن سعد، فإنها تقتضي أنه كلمه، وهو يصلي.
ويمكن الجمع بينهما بأنه كلّمه أوّلاً سرّاً، فلهذا احتاجوا أن يسألوه، ثم
كلمه ثانياً جهراً، فسمعوه، قاله في ((الفتح)).
(١) ((الفتح)) ٣٦٩/٢.
(٢) أي أحاطوا به.

٢٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقوله: (نَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل ((أحطنا)) (مَاذَا)
أي: أيَّ شيءٍ (قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ وَلِ؟، قَالَ) الرجل (قَالَ لِي) وَّ: ((يُوشِلُكُ)
أي: يقرُب (أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعاً))) وفي رواية أبي عوانة، عن سعد بن
إبراهيم التالية: ((فقال: أتصلّي الصبح أربعاً))، بهمزة الاستفهام، وهو للإنكار
والتوبيخ.
وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة المذكورة: ((الصبحَ أربعاً؟، الصبحَ
أربعاً؟))، قال في ((الفتح)): بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو
استفهام إنكاريّ، وأعاده تأكيداً للإنكار، و((الصبحَ)) بالنصب بإضمار فعل
تقديره: أتصلي الصبح؟، و((أربعاً)) منصوب على الحال، قاله ابن مالك، وقال
الكرمانيّ: على البدلية، قال: ويجوز رفع ((الصبح))؛ أي: الصبحُ تُصَلَّى أربعاً،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مالك ابن بُحَينة هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٤٩/١٠ و١٦٥٠] (٧١١)، و(البخاريّ) في
((الأذان)) (٦٦٣)، و(النسائيّ) في ((الإمامة)) (٨٦٧)، وفي ((الكبرى)) (٩٣٩)،
و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١١٥٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٥/٥)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال في ((الفتح)): واختلف في حكمة هذا الإنكار -
يعني إنكار النبيّ ◌َّلهم على من يصلي النافلة عند الإقامة للصلاة -، فقال القاضي
عياض وغيره: لئلا يتطاول الزمان، فيُظَنّ وجوبها، ويؤيده قوله في رواية
إبراهيم بن سعد: ((يوشك أحدكم))، وعلى هذا، إذا حصل الأمن، لا يُكره
ذلك.
وتُعُقِّب بعموم قوله: ((فلا صلاة إلا المكتوبة)).
وقيل: لئلا تلتبس صلاة الفرض بالنفل.