النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٦) - بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٦٢٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٢٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ،
قَالَ: أَخْبَرَنِي(١) نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ
وَالْعِشَاءِ، بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهَ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ،
جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف
بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/ ٢.
٢ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام الجرح
والتعديل، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم
في «الإیمان)» ٢٢٢/٢٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) أي: اشتدّ، قاله صاحب ((المحكم))، وقال
عياض: جدّ به السير: أسرع، كذا قال، وكأنه نسب الإسراع إلى السير
توسّعاً(٢).
وقوله: (جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) قال
النوويّ تَُّ: هذا صريح في الجمع في وقت إحدى الصلاتين، وفيه إبطال
تأويل الحنفية في قولهم: إن المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها،
وتقديم الثانية إلى أول وقتها .
ومثله في حديث أنس به: ((إذا ارتحل قبل أن تَزِيغ الشمس أخّر الظهر
إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما))، وهو صريح في الجمع في وقت
-
(١) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٢) ((الفتح)) ٦٧٦/٢.

١٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
الثانية، والرواية الأخرى أوضح دلالةً، وهي قوله: ((إذا أراد أن يجمع بين
الصلاتين في السفر، أَخَّر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع
بينهما))، وفي الرواية الأخرى: ((ويؤخِّر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء،
حين يغيب الشفق)).
وإنما اقتصر ابن عمر على ذكر الجمع بين المغرب والعشاء؛ لأنه ذَكَره
جواباً لقضيّة جَرَت له، فإنه استُصْرِخ على زوجته، فَذَهَب مسرعاً، وجَمَع بين
المغرب والعشاء، فذكر ذلك بياناً لأنه فعله على وفق السنة، فلا دلالة فيه لعدم
الجمع بين الظهر والعصر، فقد رواه أنس، وابن عباس، وغيرهما من
الصحابة ﴿ه. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٢٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِهِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبٍ وَالْعِشَاءِ،
إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم
قبل بابين أيضاً .
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ،
نزيل الرَّقّة، ثقة حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١٣/٥ - ٢١٤.

١٨٣
(٦) - بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَامَيْنِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٦٢٤ - ١٦٢٥)
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ
حجةٌ إمام، من رؤوس [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله قريباً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٦٢٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِنَّهِ إِذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ، يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا
وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، وسالِمٌ، وأبوه ذُكرا في السند
الماضي.
وقوله: (فِي السَّفَرِ) متعلق بالفعل قبله، وأخرج به ما إذا أعجله السير في
الحضر، كأن يكون خارج البلد في بستان مثلاً، قاله في ((الفتح))(١).
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، ومسائله، قريباً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٢٥] (٧٠٤) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ، يَعْنِي ابْنَ
فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
(١) ((الفتح)) ٦٦٦/٢.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ، أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ، فَجَمَعَ
بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْمُفَضَّلُ بْنَ فَضَالَةَ) بن عُبيد بن ثُمامة بن مَزْيَد بن نَوْف الرُّعَينِيّ(١)،
ثم الْقِتْبانيّ(٢)، أبو معاوية المصريّ، قاضيها، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٨].
رَوَى عن يزيد بن أبي حبيب، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عياش
القِتْبانيّ، وعياش القتبانيّ، وعُقيل بن خالد الأيليّ، وربيعة بن سيف، وهشام بن
سعد، وابن جريج، ويونس بن يزيد، وغيرهم.
وروى عنه ابنه فَضالة، والوليد بن مسلم، وحسان بن عبد الله الواسطيّ،
ويزيد بن خالد بن مَوْهَب الرمليّ، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن رُمْح، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن
معين: رجل صدوق، وكان إذا جاء رجل قد انكسرت يده أو رجله جبرها،
وكان يصنع الأَرْحِية، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم، وابن
خِرَاش: صدوق في الحديث، وقال ابن يونس: ولي القضاء بمصر مرتين،
وكان من أهل الفضل والدين، ثقةً في الحديث، من أهل الورع، ذكره أحمد بن
شعيب يوماً وأنا حاضرٌ، فأحسن الثناء عليه، ووَثَّقه، وقال: سمعت قتيبة بن
سعيد يَذْكُر عنه فضلاً، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان مجاب الدعوة، ولم
يُحَدِّث عنه ابن وهب، وذلك أنه قضى عليه بقضية، وقال عبد الرحمن بن
عبد الله بن عبد الحكم: أخبرني بعض مشايخنا أن رجلاً لقي المفضَّل بن فَضَالة
بعد أن عُزِل عن القضاء، فقال له: حَسِيبك الله، قضيت عليّ بالباطل، فقال له
المفضَّل: لكن الذي قضينا له يُطِيب الثناء، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال عيسى بن حماد، زُغْبة: كان مجاب الدعوة طويل القيام، مع ضعف بدنه.
(١) بضمّ الراء، وفتح العين المهملة، مصغّراً: نسبة إلى ذي رُعين، وهو من أقيال
اليمن، نزل جماعة منهم مصر، قاله في ((اللباب)) ١/ ٣٨٠.
(٢) بكسر القاف، وسكون المثنّاة، بعدها موحّدة: نسبة إلى قِتبان، بطن من رُعين،
نزلوا مصر، قاله في ((اللباب)) ١٩٨/٢.

١٨٥
(٦) - بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٦٢٥)
وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة من أهل مصر، وقال: كان منكر
الحدیث .
قال الحافظ في ((التقريب)): أخطأ ابن سعد في هذا؛ أي: لأنه متّفقٌ على
توثيقه، فتنبه.
قال يحيى بن أبي بكير: وُلد سنة سبع ومائة، ومات سنة إحدى أو اثنتين
وثمانين ومائة، وكذا قال ابن يونس، لكن لم يقل: أو اثنتين، وقال البخاريّ:
مات في شوال سنة إحدى وثمانين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٧٠٤)
و(١٦٤٤) و(١٨٨٦).
٢ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، سكن
المدينة، ثم الشام، ثم مصر [٦] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨.
٣ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) ◌َُه تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظُّهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى عُقيل(١)، والباقيان مدنيّان.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبه أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا ارْتَحَلَ) أي:
ذهب (قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ) بزاي، ومعجمة: أي: تميل عن كَبِد السماء،
وزاغت: مالت، وذلك إذا قام الفيء (أَخَّرَ الظَّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ،
فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا) أي: في وقت العصر، وفي رواية جابر بن إسماعيل، عن عُقَيل
الآتية: ((يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى
٠٫٤٠
(١) فقتيبة سكن مصر، كما ذكرته في ((مقدمة)) ((المجتبى)) ١٦/١ وكذا عُقيل ممن
سکنها .

١٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق))، وفي رواية شَبَابَةَ عن عُقَيل التالية:
((حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما)).
(فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ) قال في
((الفتح)): كذا فيه - أي: في حديث أنس - ((الظهر)) فقط، وهو المحفوظ عن
عُقَيل في الكتب المشهورة، ومقتضاه أنه لا يَجْمَع بين الصلاتين إلا في وقت
الثانية منهما، وبه احتجّ من أَبَى جمع التقديم، ولكن رَوَى إسحاق ابن راهويه
هذا الحديث عن شَبَابة، فقال: ((كان إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلى
الظهر والعصر جميعاً، ثم ارتحل))، أخرجه الإسماعيليّ.
وَأْعِلَّ بتفرُّد إسحاق بذلك عن شَبَابة، ثم تفرُّد جعفر الفِرْيابيّ به عن
إسحاق .
قال الحافظ: وليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان.
وقد وقع نظيره في ((الأربعين))، للحاكم، قال: حدثنا محمد بن يعقوب،
هو الأصم، حدّثنا محمد بن إسحاق الصغاني، هو أحد شيوخ مسلم، قال:
حدّثنا محمد بن عبد الله الواسطيّ، فذكر الحديث، وفيه: ((فإن زاغت الشمس
قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر، ثم ركب)).
قال الحافظ صلاح الدين العلائيّ: هكذا وجدته بعد التتبع في نسخ كثيرة
من ((الأربعين)) للحاكم بزيادة العصر، وسند هذه الزيادة جيِّدٌ. انتهى.
قال الحافظ: وهي متابعة قويّة لرواية إسحاق ابن راهويه، إن كانت
ثابتة، لكن في ثبوتها نظر؛ لأن البيهقيّ أخرج هذا الحديث عن الحاكم بهذا
الإسناد مقروناً برواية أبي داود، عن قتيبة، وقال: إن لفظهما سواء، إلا أن في
رواية قتيبة: ((كان رسول الله وَلّ)) وفي رواية حسان: ((أن رسول الله (وَ لات).
والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وأحمد،
وابن حبّان، من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطُّفَيل، عن
عَبْه .
معاذ بن جبل
وقد أعلّه جماعة من أئمة الحديث بتفرّد قتيبة، عن الليث، وأشار
البخاريّ إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، حكاه الحاكم في ((علوم
الحديث))، وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل ظه، أخرجها أبو داود من

١٨٧
(٦) - بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٦٢٥)
رواية هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وهشامٌ مختلف فيه،
وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير، كمالك، والثوريّ، وقُرّة بن خالد،
وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقدیم.
وقد وَرَد في جمع التقديم حديث آخر، عن ابن عباس ظًّا، أخرجه
أحمد، وذكره أبو داود تعليقاً، والترمذيّ في بعض الروايات عنه، وفي إسناده
حسين بن عبد الله الهاشميّ، وهو ضعيف، لكن له شواهد من طريق حماد،
عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس حثها، لا أعلمه إلا مرفوعاً: ((أنه كان
إذا نزل منزلاً في السفر، فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم
يرتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ في السير، فسار حتى ينزل، فيجمع بين
الظهر والعصر))، أخرجه البيهقيّ، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه،
والمحفوظ أنه موقوف.
رصّها،
وقد أخرجه البيهقيّ من وجه آخر مجزوماً بوقفه على ابن عباس
ولفظه: ((إذا كنتم سائرين ... )) فذكر نحوه.
وفي حديث أنس ظُه هذا استحباب التفرقة في حال الجمع بين ما إذا
كان سائراً، أو نازلاً .
وقد استُدِلّ به على اختصاص الجمع بمن جَدَّ به السير، لكن وقع
التصريح في حديث معاذ بن جبل في ((الموطأ))، ولفظه: ((أن النبيّ وَّ أَخَّر
الصلاة في غزوة تبوك، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل، ثم
خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعاً)).
قال الشافعيّ ◌َّتُهُ في ((الأم)): قوله: ((دخل، ثم خرج)) لا يكون إلا وهو
نازل، فللمسافر أن يجمع نازلاً، ومسافراً.
وقال ابن عبد البرّ تَخَّْثُهُ: في هذا أوضح دليل على الرد على من قال: لا
يجمع إلا من جد به السير، وهو قاطع للالتباس.
وحَكَى بعضهم أن بعضهم أوَّل قوله: ((ثم دخل)) أي: في الطريق مسافراً،
((ثم خرج)) أي: عن الطريق للصلاة، ثم استبعده، ولا شك في بُعده.
وكأنه وَلّ فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته ما دلّ عليه حديث
أنس، والله أعلم.

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
ومن ثم قال الشافعية: ترك الجمع أفضل، وعن مالك أنه مكروه.
انتھی
(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: في كون ترك الجمع أفضل نظرٌ، وليس في
حديث أنس ما يدلّ عليه، وأما القول بالكراهة فلا وجه له أصلاً، فتبصر، والله
تعالى أعلم.
وفي هذا الحديث ونحوه من أحاديث الجمع تخصيصٌ لحديث الأوقات
التي بَيَّنَهَا جبريل لعلّ للنبيّ وَّ، وبيّنها النبيّ ◌َّ للأعرابي، حيث قال في
آخرها: ((الوقت ما بين هذين))، قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظبه هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٢٥/٦ و١٦٢٦ و١٦٢٧] (٧٠٤)، و(البخاريّ)
في ((تقصير الصلاة)) (١١١١ و١١١٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢١٨
و١٣١٩)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥٨٦ و٥٩٤)، و((الكبرى)) (١٥٦٢)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٥٦/٢ و٤٥٧)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٦٦٧)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٧/٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٩٦٩)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (١٤٥٦ و١٥٩٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٩١
و٢٣٩٢ و٢٣٩٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٨١ و١٥٨٢ و١٥٨٣)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٤/١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١/
٣٨٩ - ٣٩٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦١/٣ و١٦٢)، و(البغويّ) في
((شرح السنّة)) (١٠٤٠)، والله تعالى أعلم.
وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث ابن عمر ظًا أول الباب، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(١) ((الفتح)) ٢ /٦٧٩ - ٦٨٠.
(٢) ((الفتح)) ٦٧٩/٢ - ٦٨٠.

١٨٩
(٦) - بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٦٢٦ - ١٦٢٧)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٢٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي(١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ
الْمَدَايِنِيُّ، حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ،
قَالَ: كَانَ النَّبِّ وَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ، أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى
يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارِ الْمَدَايِنِيُّ) خراسانيّ الأصل، يقال: كان اسمه
مروان الفَزَاريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت٤ أو ٥ أو ٢٠٦)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠.
٢ - (لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المصريّ المشهور، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ) فيه بيان صريح في كون الجمع
حقيقيّاً في وقت الصلاة الثانية، وبهذا يظهر بطلان من أوّل أحاديث الجمع على
الجمع الصوريّ، فتبصّر.
والحديث قد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قريباً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٦٢٧] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ (٢)، يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ (٣)، فَيَجْمَعُ
بَيْنَهُمَا، وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ، حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ).
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).
(٢) وفي نسخة: ((إذا عَجِلَ عليه السير)).
(٣) وفي نسخة: ((إلى وقت العصر)).

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، سوى:
١ - (جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الْحَضْرميّ، أبي عبّاد المصريّ، مقبول [٨].
رَوَى عن عُقَيل بن خالد، وحُيَيّ بن عبد الله الْمَعَافريّ، ورَوى عنه ابن
وهب .
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج ابن خزيمة حديثه في (صحيحه))
مقروناً بابن لهيعة، وقال: ابن لَهيعة لا أحتجُّ به وإنما أخرجت هذا الحديث؛
لأن فیه جابر بن إسماعيل.
رَوَى له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ،
وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: قوله: (حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عُقَيْلٍ) قال النوويّ ◌َُّهُ:
هكذا ضبطناه، ووقع في رواياتنا، وروايات أهل بلادنا: ((جابر بن إسماعيل))
بالجيم والباء الموحدة، ووقع في بعض نسخ بلادنا: ((حاتم بن إسماعيل))،
وكذا وقع لبعض رواة المغاربة، وهو غلطً، والصواب باتفاقهم ((جابر)) بالجيم،
وهو جابر بن إسماعيل الحضرميّ المصريّ. انتهى(١).
وعبارة الحافظ الجيّانيّ تَُّ في ((التقييد)) بعد أن ساقه بلفظ: ((حدّثني
جابر بن إسماعيل، عن عُقيل)): هكذا روي هذا الإسناد مُجوّداً، وفي نسخة
أبي العلاء بن ماهان: ((أخبرنا ابن وهب، حدّثني إسماعيل، عن عُقيل))، وهذا
وهمٌ، إنما هو جابر بن إسماعيل، شيخٌ لابن وهب مصريّ، ووقع في بعض
النسخ أيضاً: ((ابن وهب، عن حاتم بن إسماعيل))، وليس بشيء. انتهى كلام
الجيّانيّ ◌َُّهُ(٢).
وقال القاضي عياض كَّتُهُ في ((الإكمال)): وروايتنا من طريق الجلوديّ:
حاتم بن إسماعيل، ومن طريق ابن ماهان: إسماعيل، كذا عند جميع شيوخنا
عن العذريّ، والسمرقنديّ، وابن الحذّاء، وسائر رواة الجلوديّ، وابن ماهان،
إلا أنه كان في كتاب شيخنا القاضي التميميّ رواية ابن الحذّاء بخطّ ابن
(١) ((شرح النووي)) ٢١٥/٥.
(٢) ((تقييد المهمل)) ٨٢٠/٣.

١٩١
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٢٨)
العسال: عن جابر بن إسماعيل بغير خلاف على الصواب، وفي كتاب شيخنا
أبي محمد الخشنيّ: حدّثنا ابن إسماعيل، دون اسم، فطرح الاسم لأجل
الوهم، وأبقى النسب الصحيح؛ ليَسْلَم من الوهم في اسم ابن إسماعيل،
والصواب جابر، كما حكى الشيخ، وكذا صوّبه الجيّانيّ، وأبو عليّ الحافظ،
وكذا ذكره الدمشقيّ، وأبو داود، والنسائيّ في حديث ابن شهاب، وقال
البخاريّ: جابر بن إسماعيل يُعدّ في المصريين عن عُقيل، رَوَى عنه ابن وهب.
انتھی(١).
وقوله: (إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ) هكذا هو الأصول: ((عَجِلَ عليه))، وهو
بمعنى عَجِل به في الروايات الباقية(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾.
(٧) - (بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٦٢٨] (٧٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: ((صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَاقٍ(٣)
الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعاً، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعاً، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ بَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل بابين.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
(١) ((إكمال المعلم)) ٣٨/٣ - ٣٩.
(٣) وفي نسخة: ((صلى لنا رسول الله وَلات).
(٢) «شرح النووي)) ٢١٥/٥.

١٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿ّ، تقدّم قبل بابين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزبير، عن سعيد.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ◌ُّ البحر الحبر، أحد العبادلة الأربعة،
والمكثرين السبعة .
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿يَا أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَلِ(١) الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ)
أي: صلاتهما (جَمِيعاً) أي: حال كونهما مجموعتين (وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) أي:
صلاتهما (جَمِيعاً، فِي غَيْرٍ خَوْفٍ) أي: من غير أن يخاف عدوّاً (وَلَا سَفَرٍ) أي:
من غير أن يكون مسافراً، وفي رواية سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ◌ُ ه
الآتية: ((جمع رسول الله وَلولي بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة،
في غير خوف ولا مطر))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٢٨/٧ و١٦٢٩ و١٦٣٠ و ١٦٣٣ و١٦٣٤
و ١٦٣٥ و١٦٣٦ و١٦٣٧] (٧٠٥)، و(البخاريّ) في ((المواقيت)) (٥٤٣ و٥٦٢)
و((التهجّد)) (١١٧٤)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٢١١)، و(الترمذيّ) في
((الصلاة)) (١٨٧)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥٨٩ و٥٩٠ و٦٠١ و٦٠٢
و٦٠٣) و((الكبرى)) (١٥٦٥ و١٥٧٣ و١٥٧٤)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (١/
(١) وفي نسخة: ((صلى لنا رسول الله وَليت)) .

١٩٣
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٢٨)
١٤٤)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (١١٨/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٤٤٣٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٣٧/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(٤٧١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٥٦/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/
٢٢٣ و٣٤٦ و٣٥١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٦٠/١)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٩٧ و ٢٣٩٨ و٢٣٩٩ و٢٤٠٠ و٢٤٠١ و ٢٤٠٢
و٢٤٠٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٨٤ و١٥٨٥ و١٥٨٦ و١٥٨٧)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٩٧٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٩٦)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٦/٣ و١٦٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٠٤٣
و١٠٤٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين الصلاتين في
الحضر :
قال الإمام أبو بكر بن المنذر كَّلُ: اخْتَلَفوا في الجمع بين الصلاتين في
الحضر، وفي الحالة التي يجوز أن يجمع بينهما :
فقالت طائفة: يجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، ولا يجمع
بين الظهر والعصر في حال المطر، هذا قول مالك، قال مالك: ويجمع بينهما
وإن لم يكن مطر، إذا كان طيناً وظلمة.
وكان أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه يريان الجمع بين المغرب
والعشاء في الليلة المطيرة، وممن رأى أن يجمع بين المغرب والعشاء في حال
المطر عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، ثم أخرج بسنده عن
نافع، قال: إذا كانت ليلة مطيرة كانت أمراؤهم يصلّون المغرب، ويصلّون
العشاء قبل أن يغيب الشفق، ويصلي معهم ابن عمر، لا يَعِيبُ ذلك.
وفعل ذلك أبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وأبو
بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن،
ومروان بن الحكم، وعمر بن عبد العزيز.
وقالت طائفة: يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في حال
المطر، إذا جمع بينهما، والمطر قائم، ولا يجمع بين الصلاتين إلا في حال
المطر، هكذا قال الشافعي، وأبو ثور.

١٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عمن جمع بين الصلاتين:
المغرب والعشاءِ في الليلة المطيرة؟ فقال: أهل المدينة يَجْمَعُون بينهما، ولم
يزل مَنْ قَبْلَنَا يصلّون كل صلاة في وقتها، قال: وسألت الليث بن سعد،
وسعيد بن عبد العزيز فقالا مثل ذلك، وكان عمر بن عبد العزيز يرى الجمع
بين الصلاتين في حال الريح والظلمة، وكان مالك يرى أن يجمع بينهما في
حال الطين والظلمة.
وقالت طائفة: الجمع بين الصلاتين مباح، وإن لم تكن عِلّة، قال: لأن
الأخبار قد ثبتت عن رسول الله وَلقر أنه جمع بين الصلاتين بالمدينة، ولم يثبت
عن النبيّ وَّر أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في حال المطر لأُدِّي
إلينا ذلك، كما أَدِّي إلينا جمعه بين الصلاتين، بل قد ثبت عن ابن عباس .
الراوي لحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر، لَمَّا سئل لِمَ فَعَلَ ذلك؟ قال:
أراد أن لا يُخْرِج أحداً من أمته .
ثم قد رَوَينا مع ذلك عن ابن عباس ﴿ه في العلة التي توهمها بعض
الناس، ثم أخرج بسنده عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، قال: ((جمع رسول الله وَّه بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء،
من غير خوف، ولا مطر، قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: لكي لا
يحرج أمته)).
وأخرج بسنده أيضاً عن أبي الزبير، عن سعيد، عن ابن عباس، قال:
((جمع رسول الله صل بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر، ولا خوف،
قال: قلت لابن عباس: ولم تراه فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحداً من
أمته)) .
قال أبو بكر: فإن تَكَلَّم متكلِّم في حديث حبيب، وقال: لا يصح، يعني
المطر، قيل: قد ثبت من حديث أبي الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس، قولُهُ لَمَّا قيل له: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته،
ولو كان ثَمَّ مطر من أجله جمع بينهما رسول الله وَّ لذكره ابن عباس عن
السبب الذي جمع بينهما، فلما لم يذكره، وأخبر بأنه أراد أن لا يحرج أمته،

١٩٥
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٢٨)
دلّ على أن جمعه كان في غير حال المطر، وغيرُ جائز دفع يقين ابن عباس -
مع حضوره - بشكّ مالك.
فإن قال قائل: فإن ابن عمر وغيره ممن ذكرنا قد جمعوا في حال المطر،
قيل: إذا ثبتت الرخصة في الجمع بين الصلاتين، جمع بينهما للمطر، والريح،
والظلمة، ولغير ذلك من الأمراض، وسائر العلل، وأحقّ الناس بأن يَقْبَلَ ما
قاله ابن عباس بغير شك مَنْ جَعَلَ قولَ ابن عباس لَمَّا ذَكَرَ ((أن النبيّ وَّ نَهَى
عن بيع الطعام حتى يُقْبَضَ))، فقال ابن عباس: وأحْسِبُ كلَّ شيء مثلَهُ، حجةً
بَنَى عليها المسائل، فمن استعمل شكّ ابن عباس، وبنى عليه المسائل، وامتنع
أن يقبل يقينه لَمَّا أخبر أن النبيّ ◌َّ أراد أن لا يحرج أمته، بعيد من الإنصاف.
انتهى كلام ابن المنذر بتغيير يسير (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر كَّتُهُ تحقيق نفيسٌ
جدّاً لمن أنصف واعتدل، واستعمل الأدلة على وجهها، ولم يتجمّد على
التقليد المحض، فإن الأحاديث المذكورة في الباب واضحة في ذلك، وتأويلها
بما يُخرجها عن ظواهرها إجحاف بها، وتعسّف، فتبصّر.
وقال النوويّ كَّتُهُ في ((شرحه)): هذه الروايات الثابتة في مسلم كما
تراها، وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب، وقد قال الترمذيّ في آخر كتابه: ليس
في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في
الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة
الرابعة، وهذا الذي قاله الترمذيّ في حديث شارب الخمر هو كما قاله، فهو
حديث منسوخٌ، دلَّ الإجماع على نسخه.
وأما حديث ابن عباس فلم يُجمِعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال:
منهم من تأوّله على أنه جَمَع بعذر المطر، وهذا مشهور عن جماعة من
الكبار المتقدمين، وهو ضعيف بالرواية الأخرى: ((من غير خوف ولا مطر)).
ومنهم من تأوّله على أنه كان في غيم، فصلى الظهر، ثم انكشف الغيم،
وبان أن وقت العصر دخل فصلّاها، وهذا أيضاً باطل؛ لأنه وإن كان فيه أدنى
(١) ((الأوسط)) لابن المنذر ٤٣٠/٢ - ٤٣٤.

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
احتمال في الظهر والعصر، لا احتمال فيه في المغرب والعشاء.
ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، فصلاها فيه، فلما
فرغ منها دخلت الثانية فصلاها، فصارت صلاته صورة جمع، وهذا أيضاً
ضعيف أو باطل؛ لأنه مخالف للظاهر مخالفةً لا تُحْتَمَلُ، وفِعْلُ ابن عباس
الذي ذكرناه حين خَطَب، واستدلاله بالحديث لتصويب فعله، وتصديق أبي
هريرة له، وعدم إنكاره صريح في ردّ هذا التأويل.
ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض، أو نحوه، مما
هو في معناه من الأعذار، وهذا قول أحمد بن حنبل، والقاضي حسين من
أصحابنا، واختاره الخطابيّ، والمتوليّ، والرويانيّ من أصحابنا، وهو المختار
في تأويله؛ لظاهر الحديث، ولفعل ابن عباس، وموافقة أبي هريرة ضيه، ولأن
المشقة فيه أشدّ من المطر.
وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر؛ للحاجة لمن لا
يتخذه عادةً، وهو قول ابن سيرين، وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه
الخطابيّ عن القفال، والشاشيّ الكبير من أصحاب الشافعيّ عن أبي إسحاق
المروزيّ، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر
قول ابن عباس ها: أراد أن لا يحرج أمته، فلم يعلله بمرض ولا غيره. انتهى
كلام النووي كَذَتْهُ(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أنصف النوويّ كَُّ وأجاد في هذا
التحقيق، مع مخالفته لمذهبه، وهكذا ينبغي لكلّ مسلم أن يحرص على العمل
بما اقتضاه الدليل، وإن خالف مذهبه، أو خالفه جلّ الناس؛ لأن الأدلة هي
المرجع والمفزع عند الاختلاف، قال الله رَى: ﴿فَإِن تَزَعْثُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ
وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، ولأن الله تعالى قد ضمن الهداية والفلاح في اتّباع
النصوص، فقال تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال:
﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال: ﴿قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ
وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/٥ - ٢١٩.

١٩٧
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٢٨)
والحاصل أن الأرجح هو القول بجواز الجمع بين الظهر والعصر،
والمغرب والعشاء في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادةً، كما هو حال
النبيّ ◌ََّ، فإنه لم يتخذ ذلك عادةً؛ لوضوح حجتّه، وقد أشبعت البحث بأكثر
مما هنا في (شرح النسائيّ)) (١)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة كَّهُ قد حقّق هذا الموضوع
تحقيقاً حسناً جدّاً، أحببت إيراده هنا، وإن كان فيه طولٌ، إلا أن فوائده نافعةٌ
جدّاً، وهذا الشرح ما وُضع إلا لاستيفاء المسائل المهمّة، ولو كان فيها طولٌ،
قال رَخْتُهُ :
وأما الجمع بالمدينة لأجل المطر أو غيره، فقد رَوَى مسلم وغيره من
حديث أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: صلى
رسول الله وَ﴿ الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، من غير خوف
ولا سفر.
وممن رواه عن أبي الزبير مالك في ((موطئِه))، وقال: أظنّ ذلك كان في
مطر .
قال البيهقيّ: وكذلك رواه زهير بن معاوية، وحماد بن سلمة، عن أبي
الزبير: ((في غير خوف، ولا سفر))، إلا أنهما لم يذكرا المغرب والعشاء،
وقالا: ((بالمدينة)).
ورواه أيضاً ابن عيينة، وهشام بن سعد، عن أبي الزبير، بمعنى رواية
مالك، وساق البيهقيّ طرقها. وحديث زهير رواه مسلم في ((صحيحه)): ثنا أبو
الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ((صلى رسول الله وَل الظهر
والعصر جميعاً بالمدينة، في غير خوف ولا سفر))، قال أبو الزبير: فسألت
سعيداً لِمَ فَعَل ذلك؟ قال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا
يُحرِج أحداً من أمته، قال: وقد خالفهم قُرّة في الحديث، فقال: ((في سفرة
سافرها إلى تبوك))، وقد رواه مسلم من حديث قُرّة، عن أبي الزبير، عن
(١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٧/ ٤٧٠ - ٤٧٨.

١٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله وَّل في سفرة سافرها في
غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقلت لابن عباس:
ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.
قال البيهقيّ: وكان قرة أراد حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن
معاذ، فهذا لفظ حديثه، ورَوَى سعيد بن جبير الحديثين جميعاً، فسمع قرة
أحدهما، ومن تقدم ذكره الآخرَ، قال: وهذا أشبه، فقد روى قرة حديث أبي
الطفيل أيضاً.
قلت: وكذا رواه مسلم، فروى هذا المتن من حديث معاذ، ومن حديث
ابن عباس، فإن قرة ثقة حافظ، وقد رَوَى الطحاويّ حديث قرة، عن أبي
الزبير، فجعله مثل حديث مالك عن أبي الزبير، حديث أبي الطفيل، وحديثه
هذا عن سعيد، فدلَّ ذلك على أن أبا الزبير حدّث بهذا وبهذا.
قال البيهقيّ: ورواه حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، فخالف أبا
الزبير في متنه، وذكره من حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول الله وَّه بين الظهر والعصر،
والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، قيل له: فما أراد بذلك؟
قال: أراد أن لا يُحرج أمته، وفى رواية وكيع: قال سعيد: قلت لابن عباس:
لِمَ فعل ذلك رسول الله وَّ؟ قال: كيلا يحرج أمته، ورواه مسلم في
(صحیحه)) .
قال البيهقيّ: ولم يخرجه البخاريّ، مع كون حبيب بن أبي ثابت من
شرطه، ولعله إنما أعرض عنه - والله أعلم - لما فيه من الاختلاف على سعيد بن
جبير، قال: ورواية الجماعة عن أبي الزبير أولى أن تكون محفوظةً، فقد رواه
عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس بقريب من معنى رواية مالك،
عن أبي الزبير.
قلت(١): تقديم رواية أبي الزبير على رواية حبيب بن أبي ثابت لا وجه
له، فإن حبيب بن أبي ثابت من رجال ((الصحيحين))، فهو أحقّ بالتقديم من أبي
(١) القائل هو شيخ الإسلام ابن تيميّة تَّتُهُ.

١٩٩
(٧) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ - حديث رقم (١٦٢٨)
الزبير، وأبو الزبير من أفراد مسلم، وأيضاً فأبو الزبير اختُلِف عنه عن سعيد بن
جبير في المتن، تارةً يجعل ذلك في السفر، كما رواه عنه قرة موافقةً لحديث
أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وتارة يجعل ذلك في المدينة، كما رواه الأكثرون
عنه، عن سعید.
فهذا أبو الزبير قد رُوي عنه ثلاثة أحاديث: حديث أبي الطفيل، عن معاذ
في جمع السفر، وحديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله، وحديث سعيد بن
جبير، عن ابن عباس الذي فيه جمع المدينة، ثم قد جعلوا هذا كله صحيحاً؛
لأن أبا الزبير حافظ، فلم لا يكون حديث حبيب بن أبي ثابت أيضاً ثابتاً عن
سعيد بن جبير؟ وحبيبٌ أوثق من أبي الزبير، وسائر أحاديث ابن عباس
الصحيحة تدلُّ على ما رواه حبيب، فإن الجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن
لأجل المطر، وأيضاً فقوله: ((بالمدينة)) يدل على أنه لم يكن في السفر، فقوله:
((جمع بالمدينة في غير خوف ولا مطر))، أولى بأن يقال: ((من غير خوف ولا
سفر))، ومن قال: أظنه في المطر، فظَنٌّ ظَنَّهُ، ليس هو في الحديث، بل مع
حفظ الرواة، فالجمع صحيح، قال: ((من غير خوف ولا مطر))، وقال: ((ولا
سفر))، والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن بهذا ولا بهذا.
وبهذا استَدَلَّ أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا
الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل،
فإنه إذا جمع لِيَرْفَع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج
الحاصل بهذه أولى أن يُرْفَعَ، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها.
ومما يبيّن أن ابن عباس لم يُرِد الجمع للمطر، وإن كان الجمع للمطر
أولى بالجواز، بما(١) رواه مسلم من حديث حماد بن زيد، عن الزُّبير بن
الْخِرِّيت، عن عبد الله بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر، حتى
غربت الشمس، وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال:
فجاء رجل من بني تيم، لا يفتُر: الصلاة الصلاة، فقال: أتعلّمني بالسنة؟ لا أُمّ
لك، ثم قال: رأيت رسول الله وَل يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب
(١) هكذا نسخة ((مجموع الفتاوى))، ولعلّ الصواب إسقاط الباء، فتأمل.

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها
والعشاء، قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا
هريرة، فسألته، فصدَّق مقالته.
ورواه مسلم أيضاً من حديث عمران بن حُدَير، عن ابن شقيق، قال: قال
رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا
أم لك، أتعلمنا بالصلاة؟ وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله وَله،
فهذا ابن عباس لم يكن في سفر، ولا في مطر، وقد استَدَلّ بما رواه على ما
فعله، فعُلِم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر، ولكن كان ابن عباس في
أمر مُهِمّ من أمور المسلمين، يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته، ورأى أنه إن
قطعه ونزل، فاتت مصلحته، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها
الجمع، فإن النبيّ ◌َّ ر كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة
تَعْرِض له، كما قال: أراد أن لا يحرج أمته.
ومعلوم أن جمع النبيّ وَله بعرفة ومزدلفة، لم يكن لخوف، ولا مطر،
ولا لسفر أيضاً، فإنه لو كان جمعه للسفر لجمع في الطريق، ولجمع بمكة،
كما كان يقصر بها، ولجمع لَمّا خرج من مكة إلى منى، وصلى بها الظهر
والعصر، والمغرب والعشاء والفجر، ولم يجمع بمنى قبل التعريف، ولا جمع
بها بعد التعريف أيام منى، بل صلى كل صلاة ركعتين، غير المغرب، ويصليها
في وقتها، ولا جمعه أيضاً كان للنسك، فإنه لو كان كذلك لجمع من حين
أحرم، فإنه من حينئذ صار محرماً، فعلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة، لم
يكن لمطر، ولا خوف، ولا لخصوص النسك، ولا لمجرد السفر، فهكذا
جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس ها، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن
أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا.
قال البيهقيّ: ليس في رواية ابن شقيق، عن ابن عباس من هذين
الوجهين الثابتين عنه نفي المطر، ولا نفي السفر، فهو محمول على أحدهما،
أو على ما أوّله عمرو بن دينار، وليس في روايتهما ما يمنع ذلك التأويل ..
فيقال: يا سبحان الله، ابن عباس كان يخطب بهم بالبصرة، فلم يكن
مسافراً، ولم يكن هناك مطر، وهو ذكر جمعاً يُحتَجّ به على مثل ما فعله، فلو