النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ (٣) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى - حديث رقم (١٥٩٨) ٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد السبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابد، اختلط بآخره، ويدلس [٣] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. ٥ - (حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ) الْخُزَاعِيّ، أخو عُبيد الله بن عمر لأمه، واسم أمه كلثوم بنت جَرْوَل بن المسيَّب الخزاعية، صحابيّ نزل الكوفة، رَوَى عن النبيّ وَّه، وعن جُنْدُب الخير الأزديّ، قاتل الساحر، وحفصة بنت عمر، ورَوَى عنه معبد بن خالد، وأبو إسحاق السَّبِيعِيّ، والمسيَّب بن رافع. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦٩٦) وأعاده بعده، و(١٠١١) و(٢٢٩٨) و(٢٨٥٣) وأعاده بعده. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف نَّلهُ، كلاحقه، وهو (١٠٤) من رباعيات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغلانيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا نحو خمسة أحاديث فقط(١). شرح الحدیث: (عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ) الْخُزَاعِيّ ◌َبه، أنه (قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّه بِمِنَّى) وفي رواية الطبرانيّ: ((صليتُ مع رسول الله وَّه بمكة، وبمنَّى ركعتين))، في حديث ابن عباس ◌ًّا عند الترمذيّ، وصححه، والنسائيّ بلفظ: ((خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله يصلي ركعتين)) (آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنٍ) قال أبو البقاء ◌َُّهُ: ((آمن))، و((أكثر)) منصوبان نصبَ الظرف، (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٦١٢/٢ - ٦١٥. ١٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها والتقدير: زمنَ آمن ما كان الناس، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، قال: وضمير ((أكثره)) عائد إلى جنس الناس، وهو مفرد. قال السندي: وهذا غلط، وإنما هو عائد إلى ما كان الناس، بناء على أن ((ما)) مصدرية، و((كان)) تامّة، و((الناس)) بالرفع فاعله، ألا ترى أنه كان في الأصل آمن ما كان الناس، وأكثر ما كان الناس، وحاصل المعنى: في زمن كان الناس فيه أكثر أمناً، وعدداً، والله تعالى أعلم. انتهى. ووقع في رواية للبخاريّ في ((الحجّ)) بلفظ: ((صلى بنا النبيّ ◌َّ، ونحن أكثر ما كنا قطّ، وآمنه بمنى ركعتين)). قال الطيبيّ: ((ما)) مصدريّة، ومعناه الجمع؛ لأن ما أضيف إليه ((أَفْعَلُ)) يكون جمعاً، والمعنى: صلى بنا والحال أنّا أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمناً، وكلمة ((قط)) متعلقة بمحذوف، تقديره: ونحن ما كنا أكثر منّا في ذلك الوقت، ولا أكثر أَمْناً، وهذا يُستَدرَك به على ابن مالك حيث قال: استعمال ((قط)) غير مسبوقة بالنفي مما يخفى على كثير من النحويين، وقد جاء في هذا الحديث بدون النفي، وقال الكرمانيّ: قوله: ((وآمنه)) بالرفع، ويجوز النصب بأن يكون فعلاً ماضياً، وفاعله: الله، وضمير المفعول للنبيّ وَّ﴾، والتقدير: وآمن الله نبيّه وَّله حينئذ، ولا يخفى بُعد هذا الإعراب. وفي هذا الحديث ردّ على من زعم أن القصر مختصّ بالخوف، والذي قال ذلك تمسّك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم، فقيل: لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب، وقيل: هو من الأشياء التي شُرع الحكم فيها بسبب، ثم زال السبب، وبقي الحكم، كالرَّمَل، وقيل: المراد بالقصر في الآية قصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، وفيه نظرٌ؛ لحديث يعلى بن أمية في سؤاله عمر رضيًا، وقد تقدم قبل باب، فإنه ظاهر في أن الصحابة فَهِمُوا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقاً، لا قصرها في الخوف خاصّةً، وفي جواب عمر ظُه إشارة إلى القول الثاني، ١٢٣ (٣) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ بِمِنَى - حديث رقم (١٥٩٩) أفاده في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حارثة بن وهب الخزاعيّ رَظُه هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٩٨/٣ و١٥٩٩] (٦٩٦)، و(البخاريّ) في ((تقصير الصلاة)) (١٠٨٣)، و((الحجّ)) (١٦٥٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٩٦٥)، و(الترمذيّ) فيها (٨٨٢)، و(النسائيّ) في ((تقصير الصلاة)) (١٤٤٥ و١٤٤٦)، و((الكبرى)» (١٩٠٣ و١٩٠٤)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٠٦/٤)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٧٠٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٥٦ و٢٧٥٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٤٨ و٢٣٤٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٥٨ و١٥٥٩)، و(الطبرانيّ) في ((الکبیر» (٣٢٤١/٣ و٣٢٤٢ و ٣٢٤٣ و٣٢٤٤ و٣٢٤٥ و٣٢٤٦ و٣٢٤٧ و ٣٢٤٨ و٣٢٤٩ و٣٢٥٠ و٣٢٥٢ و٣٢٥٣ و٣٢٥٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي(٢) حَارِثَةُ بْنُ وَهْبِ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: صَلَّبْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِمِنَّى، وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. قَالَ مُسْلِمٍ: حَارِثَةُ بْنُ وَهْبِ الْخُزَاعِيُّ، هُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. (١) ((الفتح)) ٦٥٦/٢ - ٦٥٧. (٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ١٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الْجَزيرة، إلا أن سماعة من أبي إسحاق بآخره [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذُّهُ، كسابقه، وهو (١٠٥) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، وبالتحديث. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم رواية زهير، عن أبي إسحاق، وإنما سمع منه بعد اختلاطه، كما أسلفته آنفاً؟ . [قلت]: لم ينفرد زهير بالرواية عنه، بل تابعه أبو الأحوص، كما في السند الماضي، وشعبة، فقد أخرجه البخاريّ من رواية شعبة، عن أبي إسحاق، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا) ((الناس)): مبتدأ، و((أكثر)) خبره، و((ما)) مصدريّة؛ أي: أكثر أكوانهم. وقوله: (قَالَ مُسْلِم) هو ابن الحجّاج، صاحب الكتاب تَُّهُ. وقوله: (حَارِثَةُ بْنُ وَهْبِ الْخُزَاعِيُّ، هُوَ أَخُو عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّهِ) قال النوويّ تَتُهُ: هكذا ضبطناه ((أخو عبيد الله)) بضم العين مُصَغّراً، ووقع في بعض الأصول ((أخو عبد الله)) بفتح العين، مكبراً، وهو خطأ، والصواب الأول، وكذا نقله القاضي تَظُّ عن أكثر رواة ((صحيح مسلم))، وكذا ذكره البخاري في ((تاريخه))، وابن أبي حاتم، وابن عبد البرّ، وخلائق لا يُحْصَون كلهم يقولون بأنه أخو عُبيد الله مصغراً، وأمه مُليكة بنت جَرْوَل الْخُزاعيّ، تزوجها عمر بن الخطاب ﴿ه، فأولدها ابنه عبيد الله، وأما عبد الله بن عمر، وأخته حفصة، فأمهما زينب بنت مظعون. انتهى(١). وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٥/٥. ١٢٥ (٤) - بَابُ الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ فِي الْمَطَرِ - حديث رقم (١٦٠٠) (٤) - (بَابُ الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ فِي الْمَطَرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٦٠٠] (٦٩٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ، أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، فَقَالَ: أَا صَلُّوا فِي الرِّحَّالِ، ثُمَّ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ، ذَاتُ مَطَرٍ، يَقُولُ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) ﴿يَا، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَتُهُ، وهو (١٠٦) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضاً، فإنه نيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء، وشيخه كان إمام أهل نيسابور في الحديث والفقه. ٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ الأسانيد مطلقاً، كما نُقل عن الإمام البخاريّ تَخْلُ، فقد روى الخطيب في ((الكفاية)) عن يحيى بن بكير أنه قال لأبي زرعة الرازي: يا أبا زرعة، ليس ذا زَعْزَعَة، عن زَوْبَعَةٍ إنما ترفع الستر، فتنظر ١٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها إلى النبيّ وَّر والصحابة ◌ُّه: حدّثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر. انتهى(١). ٦ - (ومنها): أن ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة من الصحابة ، رَوَى (٢٦٣٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (أَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ (عَنْ نَافِعِ) مولى ابن عمر (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) بَرْدٍ وَرِيحٍ، فَقَالُ: أَلَا صَلَّوا فِي الرِّحَالِ) قال السنديّ تَخْتُهُ في ((شرح النسائيّ)): الظاهر أنه أتم الأذان، وقال بعد الفراغ منه: ((ألا صلوا))، ويَحْتَمِلُ أنه قال ذلك بعد ((حيّ على الفلاح))، وعلى الأول، يقال: كان هذا القول أحياناً في الوسط، وأحياناً بعد الفراغ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني تردّه رواية البخاريّ، ونصّها: ((أَذَّنَ ابن عمر في ليلة باردة بضَجْنَان، ثم قال: ((صلوا في رحالكم))، فأخبرنا أن رسول ◌َ﴿ كان يأمر مؤذناً ثم يقول على إِثْرِهِ: ألا صلوا في الرحال ... )) الحديث. قال في ((الفتح)): قوله: ثم يقول على إثره، صريح في أن القول المذكور كان بعد الفراغ، وقال القرطبيّ كَُّ لَمّا ذَكَر رواية مسلم بلفظ: ((يقول في آخر ندائه)): يَحْتَمِلُ أن يكون المراد في آخره قُبيل الفراغ منه؛ جمعاً بينه وبين حديث ابن عباس الآتي في هذا الباب. انتهى. وقد بَوَّب ابنُ خزيمة، وتبعه ابنُ حِبّان، ثم المحبّ الطبريّ: ((حَذْفُ حيّ على الصلاة في يوم المطر))؛ نظراً إلى المعنى؛ لأن معنى ((حَيّ على الصلاة)): هَلُمُّوا إلى الصلاة، ومعنى ((الصلاةُ في الرِّحال)): تأخّروا عن المجيء إليها، فلا يتناسب سبب إيراد اللفظين معاً؛ لأن أحدهما نقيض الآخر. قال الحافظ تَُّهُ: ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى ((الصلاة في الرِّحال)) رخصةً لمن أراد أن يترخص، ومعنى: هَلُمُّوا إلى الصلاة نَذْبٌ لمن أراد أن يستكمل الفضيلة، ولو تحمّل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر ظُه الآتي بعد هذا بلفظ: ((ليصلِّ من شاء منكم في رحله)). انتهى. (١) انظر: ((تدريب الراوي)) ٧٨/١. ١٢٧ (٤) - بَابُ الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ فِي الْمَطَرِ - حديث رقم (١٦٠٠) (ثُمَّ قَالَ) ابن عمر رِّه («كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ) بالرفع فاعل ((كان))، وهي تامّةٌ لا تحتاج إلى خبر، كما ابن مالك ◌َُّهُ في ((الخلاصة)): وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي وقال الحريريّ تَخْلَثُ في ((ملحة الإعراب)): وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمُ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ ويَحْتَمِلُ أن تكون ناقصةً، حُذِفَ اسمها، و((ليلةً)) بالنصب خبرها؛ أي: إن كانت الليلةُ ليلةً. (ذَاتُ مَطَرٍ) أي: صاحبة مطر، وفي الرواية التالية: ((إذا كانت ليلةٌ باردةٌ، أو ذات مطر))، وفي رواية البخاريّ: ((في الليلة الباردة أو المطيرة))، قال في ((الفتح)): وقوله: ((أو) للتنويع، لا للشك، وفي ((صحيح أبي عوانة)): ((ليلةٌ باردةٌ، أو ذات مطر، أو ذات ريح))، ودلَّ ذلك على أن كلّاً من الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة. ونقل ابن بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط، وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، لكن في السنن من طريق ابن إسحاق، عن نافع في هذا الحديث: ((في الليلة المطيرة، والغداة القُرَّة))، وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي الْمَلِيح، عن أبيه: ((أنهم مُطِرُوا يوماً، فَرَخَّص لهم)). قال الحافظ تَُّ: ولم أَرَ في شيء من الأحاديث الترخيص بعذر الريح في النهار صريحاً، لكن القياس يقتضي إلحاقه، وقد نقله ابن الرفعة وجهاً. انتهى(١). (يَقُولُ) فعل مضارع مرفوع، صلة (أن)) مقدَّرةً، وحذف ((أن)) ورفع الفعل قياسيّ على الراجح، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيِكُمُ الْبَقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وقوله: ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوَّنِّ أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤]، برفع (يُرِي))، و((أَعْبُدُ))، وأنْ وصلتها مجرور بحرف جرّ مقدَّر قياساً؛ أي: بالقول، وهو متعلق بـ(يأمر)). (أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ))) مقول القول؛ أي: كان يأمر المؤذِّن أن يقول في (١) ((الفتح)) ٢/ ١٣٤. ١٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها الأذان: ((ألا صلوا في الرحال))، و(الرِّحَال)) - بالكسر - جمع رَحْلٍ، وهو مسكن الرجل، وما فيه من أثاثه، وقال ابن الأثير تَظُّ: يعني الدُّورَ، والمساكن، والمنازل، يقال لمنزل الإنسان، ومسكنه: رحله، وانتهينا إلى رحالنا: أي: منازلنا. انتهى(١). قال النوويّ كَّتُهُ في حديث ابن عباس ظّها الآتي: فيه أن هذه الكلمة تقال في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر رضيها أنها تقال بعده، قال: والأمران جائزان، كما نصّ عليه الشافعيّ كَّتُهُ، لكن بعده أحسن؛ ليتم نظم الأذان، قال: ومن أصحابنا من يقول: لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهو ضعيف مخالف لصریح حديث ابن عباس وقًا. انتهى. قال الحافظ تَّتُهُ: وكلامه يدلّ على أنها تزاد مطلقاً إما في أثنائه، وإما بعده، لا أنها بدل من ((حَيَّ على الصلاة))، وقد تقدم عن ابن خزيمة ما يخالفه، وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر أخرجه عبد الرزاق، وغيره بإسناد صحيح، عن نُعَيم بن النّحّام، قال: ((أَذَّن مؤذن النبيّ وَّ للصبح في ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قَعَدَ فلا حرج، فلما قال: ((الصلاة خير من (٢) النوم))، قالها)). انتهى ٠ قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيَّن بما ذُكِر من حديثي ابن عمر، وابن عباس ◌ّ أن المؤذن مُخَيَّر في قوله: ((ألا صلوا في الرحال)) بين قولها أثناء الأذان، وقولها بعد الأذان، وإن شاء قالها بدل حيّ على الصلاة، كما دلّ عليه حديث ابن عباس ظّ ففيه: ((إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صَلَّوا في بيوتكم))، فهذا صريح في أنه يقولها بدل ((حيّ على الصلاة)). والحاصل أنه مخيّر بين ثلاثة أمور: قولها في أثناء الأذان، وقولها بعده، وقولها بدل ((حيّ على الصلاة))، فالأمر في ذلك واسعٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((النهاية)) ٢٠٩/٢. (٢) ((الفتح)) ١١٧/٢. ١٢٩ (٤) - بَابُ الصَّلَاةِ فِي الرَّحَالِ فِي الْمَطَرِ - حديث رقم (١٦٠١) مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ضخّا هذا مُتَّفَقٌّ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٠٠/٤ و١٦٠١ و١٦٠٢] (٦٩٧)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٣٢ و٦٦٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٠٦٣)، و(النسائيّ) في ((الأذان)) (٦٥٤)، و((الكبرى)) (١٦١٨)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٨٣/١)، و(الشافعيّ) في ((الأمّ)) (١٥٥/١)، و((المسند)) (١٢٥/١ - ١٢٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مسنده)) (٢٣٣/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/٢ و١٠ و٥٣ و١٠٣)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٠٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٣٧٩ و٢٣٨٠ و٢٣٨١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٦٠ و١٥٦١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٩٢/١)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٦٥٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٧٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٠/٣ و٧١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٧٩٧ و٧٩٨ و٧٩٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار، وقد تقدّم بيان الأعذار التي تُسقط فرض الجماعة، في بابه. ٢ - (ومنها): بيان أن صلاة الجماعة متأكدة إذا لم يحصل للإنسان عذر. ٣ - (ومنها): مشروعية حضور الجماعة لمن تكلّف الإتيان إليها، وتحمل المشقة؛ لقوله في الرواية الثانية: ((ليصلِّ من شاء في رحله)). ٤ - (ومنها): بيان مشروعية الجماعة في السفر. ٥ - (ومنها): أن الأذان مشروع في السفر، وأنه إذا حصل برد شديد، أو مطر استُحبّ أن يقول: ((صلَّوا في رحالكم))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : ٠٠٠٩ [١٦٠١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتٍ بَرْدٍ وَرِبحٍ ١٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وَمَطَرٍ، فَقَالَ فِي آخِرٍ نِدَائِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ، إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ، أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ، أَنْ يَقُولَ: ((أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير، تقدّم أيضاً قبل باب. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا في السند الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٠٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ بِضَجْنَانَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ، وَقَالَ: ((أَلَا صَلُّوا فِي رِ حَالِكُمْ))، وَلَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً: ((أَلَا صَلَّوا فِي الرِّحَالِ)) مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِضَجْنَانَ) - بفتح الضاد المعجمة، وبالجيم بعدها نون -: جبل على بريد من مكة، وقال الزمخشريّ: بينه وبين مكة خمسة عشر ميلاً، وبينه وبين وادي مريسعة أميال، وهو على وزن فعلان غير منصرف، قاله في ((العمدة))(١). (١) ((عمدة القاري)) ٢١٣/٥. ١٣١ (٤) - بَابُ الصَّلاَةِ فِي الرِّحَالِ فِي الْمَطَرِ - حديث رقم (١٦٠٣) وقال في ((القاموس)): ((ضَجْنَانُ)) كسَكْرَانَ: جبلٌ قُربَ مكة، وجبلٌ آخر بالبادية. انتهى(١). وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ) فاعل ((ذَكَر)) ضمير لأبي أُسامة. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي: بمثل حديث عبد الله بن نمير، عن عبيد الله. وقوله: (وَلَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً) من الإعادة؛ أي: لم يذكر الجملة الثانية، وهي قوله: ((أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ)). وقوله: (مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ) متعلّق بـ(يُعِد)). [تنبيه]: رواية أبي أسامة، عن عبيد الله هذه ساقها أبو نعيم في (مستخرجه)) (٢/ ٢٨٧) فقال: (١٥٦١) حدّثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا الحارث بن أبي أسامة، ثنا يونس بن محمد المؤدِّب، ثنا حماد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر (ح) وحدّثنا أبو بكر الطلحيّ، ثنا عبيد الله بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو أسامة، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أنه نادى بالصلاة بضجنان في ليلة ذات برد وريح، فقال في آخر أذانه: ((ألا صلوا في الرحال))، ثم قال: ألا إن رسول الله ◌َ﴿ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة، أو ذات مطر في سفر، يقول: ((ألا صلوا في رحالكم))، لفظ أبي أسامة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٦٠٣] (٦٩٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا(٢) أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَذَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابٍِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فِي سَفَرٍ، فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: (لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور قبل حدیثین. (١) ((القاموس المحيط)) ٢٤٣/٤. (٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ١٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس المذكور في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو خَيْئَمَةَ) زُهير بن معاوية المذكور في الباب الماضي أيضاً. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَمَيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ه، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف نَّثُهُ، وهو (١٠٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرٍ) بن عبد الله ﴿يَا أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ فِي سَفَرٍ) لم أجد من عيّن هذا السفر، ويَحْتَمل أن يكون في الغزوةَ التي وقع فيها بيع جمل جابر ه للنبيّ وَّ، وهي غزوة ذات الرِّقَاعِ، وقيل: غزوة تبوك، والأول أصحّ، والله تعالى أعلم. (فَمُطِرْنَا) بالبناء للمفعول، يقال: مَطَرَت السماءُ تَمْظُرُ مَطَراً، من باب طَلَبَ، فهي ماطرةٌ في الرحمة، وأمطرت بالألف أيضاً لغةٌ، قال الأزهريّ: يقال: نَبَتَ الْبَقْلُ، وأنبتَ، كما يقال: مَطَرت السماءُ، وأمطرت، وأمطرت بالألف لا غير في العذاب، ثم سُمّي القَطْرُ بالمصدر، وجمعه أمطار، مثلُ سبب وأسباب(١). (فَقَالَ) ◌ِ ((لِيُصَلِّ) بكسر اللام، وهي لام الأمر، والفعل مجزوم بها (مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ) مفعوله محذوف؛ (١) ((المصباح المنير)) ٥٧٥/٢. ١٣٣ (٤) - بَابُ الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ فِي الْمَطَرِ - حديث رقم (١٦٠٣) أي: الصلاةَ (فِي رَحْلِهِ))) - بفتح الراء، وسكون الحاء المهملة -: قال أهل اللغة: هو المنزل، سواء كان من حجر، أو مدر، أو خشب، أو شَعْرٍ، أو صوف، أو وَبَرٍ، أو غيرها، جمعه رِحَالٌ. وهذا فيه دلالة على أن الأمر في قوله وّل: (صلّوا في رحالكم)) في الروايات السابقة للإباحة، والمعنى: أن من شاء منكم أن يصلّي في رحله، فليفعل، ومن تحمّل المشقّة، وأتى الجماعة، فقد استكمل الفضيلة(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر طلبه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ. [تنبيه]: هذا الحديث مما رواه أبو الزبير عن جابر تظ له معنعناً، وهو مدلّسٌ، وليس الراوي عنه ليث بن سعد، فإنه لم يرو عنه إلا ما سمعه من جابر، فكيف أخرجه مسلم هنا؟. [قلت]: يُجاب عن هذا بأن هذا مما صحّ لدى مسلم سماع أبي الزبير له من جابر ظُه، فإنه يَعلَم تدليس أبي الزبير، فلولا صحّة سماعه لديه لَما أخرجه، ومما يؤيّد هذا أن ابن حبّان أخرج الحديث في ((صحيحه)) بنفس الطريق (٤٣٧/٥) وهو قد بيّن في ((خطبة ((صحيحه)) أنه لا يُخرج عن المدلّسين إلا ما ثبت سماعهم له، ودونك نصّه: قال ◌َخْلُهُ: وأما المدلسون الذين هم ثقاتٌ وعدول، فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بيّنوا السماع فيما رووا، مثل الثوريّ، والأعمش، وأبي إسحاق، وأضرابهم من الأئمة المتقين، وأهل الورع في الدين. إلى أن قال: فإذا صح عندي خبر من رواية مدلس، أنه بَيَّن السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق (٢) آخر. انتهى(٢). (١) راجع: ((المنهل العذب المورود)) ٢٠٦/٦ - ٢٠٧. (٢) ((صحيح ابن حبان)) ١/ ١٦١ - ١٦٢. ١٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وهذا هو منهج كلّ من التزم الصحّة، فإنه لا يُخرج عن المدلس إلا ما ثبت سماعه له من شيخه، من طريق آخر، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦٠٣/٤] (٦٩٨)، (وأبو داود) في ((الصلاة)) (١٠٦٥)، و(الترمذيّ) فيها (٤٠٩)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٧٣٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣١٢/٣ و٣٢٧ و٣٩٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٦٥٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٨٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣/ ٧١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٦٠٤] (٦٩٩) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، صَاحِبِ الزِّيَادِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ، فِي يَوْم مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ: ((أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ»، فَلَا تَقُلُّ: ((حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ»، قُلْ: ((صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ))، قَالَ: فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَاكَ (١)، فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟ قَدْ فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُخْرِ جَكُمْ (٢)، فَتَمْشُوا فِي الطَّيْنِ وَالدَّحْضِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم المعروف بابن عُليّة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ، صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ) هو: عبد الحميد بن دينار، هو ابنُ (١) وفي نسخة: ((ذلك)). (٢) وفي نسخة: ((أن أخرجكم)) بالخاء المعجمة. ١٣٥ (٤) - بَابُ الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ فِي الْمَطَرِ - حديث رقم (١٦٠٤) كُرْديد، وقيل: ابن واصل البصريّ، صاحب الزياديّ، ومنهم من جعلهما اثنين، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أنس، وأبي رجاء الْعُطَارديّ، وثابت البنانيّ، والحسن البصريّ، وأبي الوليد، عبد الله بن الحارث البصريّ، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، ومهدي بن ميمون، وحماد بن زيد، وإسماعيل ابن عُلَيَّة، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال الحافظ تَخْذُ: ذكره ابن حبّان في أتباع التابعين، كأنه لم يصحّ عنده لُقِيُّهُ لأنس، وفَرَّق بين ابن دينار، وابن كُرْديد؛ تبعاً للبخاريّ، وكذا فعل ابن أبي حاتم. انتهى. روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٩٩) وحديث (٢٧٩٦): ((قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحقّ ... )). [تنبيه]: لم أجد سبب تلقيب عبد الحميد هذا بصاحب الزياديّ، والله تعالى أعلم. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ) الأنصاريّ، أبو الوليد البصريّ، ابن عمّ ابن سيرين، وزوج ابنته، ثقة [٣] (ع) تقدم في ((المساجد)) ١٣٣٨/٢٦. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) ◌ًَّا المتوفّى سنة (٦٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٠١٢٤/٦ لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فمروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من صغار التابعين، كما قاله في ((الفتح))(١). (١) (الفتح)) ١١٦/٢. ١٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ٤ - (ومنها): أن صحابيّه نظر له أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورین بالفتوى. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ◌َِّا (أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه(١). (فِي يَوْم مَطِيرٍ) أي: كثير المطر، وفي الرواية التالية: ((خطبنا عبد الله بن عبّاسَ في يوم ذي رَدْغ))، و(الردغ)): الْوَحْلُ (إِذَا قُلْتَ: ((أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ)، فَلَا تَقُلْ: ((حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ)) أي: لأن فيه تكليف السامعين بالحضور إلى الصلاة، ولكن (قُلْ: ((صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ)) وفي رواية البخاريّ: ((فأمره أن ينادي: الصلاة في الرحال)) (قَالَ) عبد الله بن الحارث (فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا) أي: أنكروا عليه، السين والتاء زائدتان للتأكيد، وفي رواية للبخاريّ: ((كأنهم أنكروا ذلك)) (ذَاكَ) وفي نسخة: ((ذلك)) أي: أمره المؤذِّن بما ذُكر (فَقَالَ) ابن عبّاس ◌ِّمَا (أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟) أي: من قولي المذكور (قَدْ فَعَلَ ذَا) أي: الذي استنكرتموه (مَنْ) موصولة؛ أي: الذي (هُوَ خَيْرٌ مِنِّي) يعني: النبيّ ◌ََّ، وفي رواية البخاريّ: ((فَعَلَ هذا من هو خير منه))، وللكشميهنيّ: ((منهم))، وللحجبيّ: ((مني يعني: النبيّ ◌َّ))، قال في ((الفتح)): كذا في أصل الرواية، ومعنى رواية الباب: من هو خير من المؤذن، يعني فَعَلَه مؤذن رسول الله بَّر، وهو خير من هذا المؤذن، وأما رواية الكشميهنيّ ففيها نظرٌ، ولعلّ من أَذَّن كانوا جماعة، إن كانت محفوظةً، أو أراد جنس المؤذنين، أو أراد: خيرٌ من المنكرين. انتهى(٢). وتعقّب العينيّ على الحافظ، فقال: في نظره نظرٌ، وتأويله بالوجهين غير صحيح، أما الأول فلم يثبت أن مَن أَذَّن كانوا جماعةً، وهذا احتمال بعيدٌ؛ لأن الأذان بالجماعة مُحْدَثٌ، وأما الثاني فلأن الألف واللام في ((المؤذن)) للعهد، فكيف يجوز أن يراد الجنس؟. انتهى (٣). (١) راجع: ((تنبيه المعلم بمهمات صحيح مسلم)) (ص١٥١). (٢) ((الفتح)) ١١٧/٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٠١٨٧/٥ ٢. ١٣٧ (٤) - بَابُ الصَّلاَةِ فِي الرِّحَالِ فِي الْمَطَرِ - حديث رقم (١٦٠٤) (إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ) - بسكون الزاي - ضدُّ الرخصة؛ أي: واجبة متحتّمةٌ، فلو قال المؤذِّن: ((حيّ على الصلاة))، لكُلِّفتم المجيءَ إليها، ولَحِقتكم المشقّة (وَإِنِّي كَرِهْتُ) بكسر الراء، يقال: كَرِهتُ الشيءَ أَكْرَهُهُ مِن باب تَعِبَ، كَرْهاً، بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ أحببته، فهو مكروهٌ(١). (أَنْ أُخْرِجَكُمْ) أي: أَشُقّ، وأضيّق عليكم، وقال النوويّ ◌َّتُهُ: هو بالحاء المهملة، من الْحَرَج، وهو المشقّة، هكذا ضبطناه، وكذا نقله القاضي عياض عن رواياتهم. انتهى(٢). وقال القرطبيّ تَخْلَتُهُ: الرواية فيه بالحاء المهملة، وهو من الحرج والمشقّة، ومنه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحجّ: ٧٨]. انتهى (٣). وقال في ((الفتح)): وفي رواية الحجبيّ، من طريق عاصم: ((إني أُؤَتِّمُكُم))، وهي تُرَجِّح رواية من روى (أُحْرِجكم)) بالحاء المهملة، وفي رواية جرير، عن عاصم، عند ابن خزيمة: ((أن أخرج الناس، وأُكَلِّفهم أن يَحْمِلوا الخبث من طُرُقهم إلى مسجدكم)). انتهى. وقال في ((العمدة)): قوله: ((أن أُحرجكم))؛ أي: كرهت أن أشُقّ عليكم بإلزامكم السعي إلى الجمعة في الطين والمطر، ويُرْوَى: ((أن أخرجكم)) بالخاء المعجمة، من الإخراج، ويُرْوَى: ((كَرِهْتُ أن أُؤَثِّمَكُم)) أي: أكون سبباً لاكتسابكم الإثم عند ضِيقِ صدوركم. انتهى بتصرّف (٤). (فَتَمْشُوا) معطوف على ((أُخرِج)) منصوب بحذف النون (فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ) - بفتح الدال المهملة، وسكون الحاء المهملة، وتُفْتح، آخره ضادٌ معجمة - قال في ((القاموس)): مكانٌ دَحْضٌ، ويُحرَّكُ، ودَخُوضٌ: زَلِقٌ، جمعه دِخَاضٌ - بالكسر - والْمَدْحَضَةُ: الْمَزَلّةُ. انتهى(٥). وقال النوويّ تَخَّثُهُ: قوله: ((في الطين والدَّخْض)) بإسكان الحاء المهملة، وبعدها ضاد معجمة، وفي الرواية الأخيرة: الدَّخْض والزلل، هكذا هو باللامين، والدَّخْض والزلل والزَّلَق والرَّدْغ - بفتح الراء، وإسكان الدال (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٣١/٢ - ٥٣٢. (٣) ((المفهم)) ٣٣٩/٢. (٢) ((شرح مسلم)) ٢٠٧/٥. (٤) ((عمدة القاري)) ١٨٧/٥. (٥) ((القاموس المحيط)) ٣٣٠/٢. ١٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها المهملة، وبالغين المعجمة - كله بمعنى واحد، ورواه بعض رواة مسلم ((رَزْغ)) بالزاي بدل الدال ـ بفتحها، وإسكانها - وهو الصحيح، وهو بمعنى الرَّڈغ، وقيل: هو المطر الذي يَبُلُّ وجه الأرض. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عبّاس ◌ًَّا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤ / ١٦٠٤ و١٦٠٥ و١٦٠٦ و١٦٠٧ و ١٦٠٨ و١٦٠٩] (٦٩٩)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦١٦ و٦٦٨)، و((الجمعة)) (٩٠١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٠٦٦)، و(ابن ماجه) فيها (٩٣٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٦٣ و١٥٦٤ و١٥٦٥ و١٥٦٦ و١٥٦٧ و١٥٦٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار. ٢ - (ومنها): بيان أنها متأكدة إذا لم يكن للشخص هناك عذر. ٣ - (ومنها): بيان أنها مشروعة لمن تكلف الإتيان إليها، وتحمّل المشقة؛ لقوله في الرواية الثانية: ((ليصلّ من شاء في رحله)). ٤ - (ومنها): بيان أن الجماعة مشروعة في السفر، وكذلك الأذان مشروع في السفر. ٥ - (ومنها): أن حديث ابن عباس ◌ً هذا يدلّ على أن المؤذّن يقول: ((ألا صلوا في رحالكم)) في نفس الأذان، وفي حديث ابن عمر ظها الماضي أنه يقول في آخر ندائه، قال النوويّ كَُّهُ: والأمران جائزان، نَصَّ عليهما الشافعيّ تَّتُهُ في ((الأُمّ)) في ((كتاب الأذان))، وتابعه جمهور أصحابنا في ذلك، فيجوز بعد الأذان، وفي أثنائه؛ لثبوت السنة فيهما، لكن كونه بعده أحسن؛ (١) ((شرح النووي)) ٢٠٧/٥. ١٣٩ (٤) - بَابُ الصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ فِي الْمَطَرِ - حديث رقم (١٦٠٥) ليبقى نظم الأذان على وضعه، ومن أصحابنا من قال: لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهذا ضعيفٌ، مخالف لصريح حديث ابن عباس رضيًّا، ولا منافاة بينه وبين حديث ابن عمر ظًّا الماضي؛ لأن هذا جَرَى في وقت، وذلك في وقت، وكلاهما صحيح. انتهى(١). ٦ - (ومنها): أنه استدلّ بهذا الحديث من رخّص الكلام في الأذان، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل، وحَكَى ابن المنذر الجواز مطلقاً عن عروة، وعطاء، والحسن، وقتادة، وعن النخعيّ، وابن سيرين، والأوزاعيّ: الكراهةُ، وعن الثوريّ: المنعُ، وعن أبي حنيفة وصاحبيه: خلافُ الأولى، وعليه يدلّ كلام الشافعيّ، ومالك، وعن إسحاق ابن راهويه: يُكره إلا إن كان يتعلق بالصلاة، واختاره ابن المنذر، قاله في ((العمدة))(٢). ٧ - (ومنها): أن فيه دلالةً على فرضية الجمعة، وأبعد بعض المالكية، حيث قال: إن الجمعة ليست بفرض، وإنما الفرض الظهر، أو ما ينوب منابه(٣)، وهذا إن صحّ عن قائله، فبطلانه واضح؛ لمصادمته للنصوص الكثيرة الدالّة على فرضيّة الجمعة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٦٠٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ (٤) أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي يَوْمِ ذِي رَدْغ (٥)، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمُعَةَ، وَقَّالَ: قَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، يَعْنِي النَّبِيَّ ◌َ، وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عَاصِم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، بِنَحْوِهِ). (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/٥. (٣) راجع: ((عمدة القاري)) ١٨٧/٥. (٢) ((عمدة القاري)) ١٨٧/٥. (٤) وفي نسخة: ((وحدّثني)). (٥) وفي نسخة: ((ذي رزغ)). ١٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خت م دَ ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (فِي يَوْمِ ذِي رَدْغٍ) - بفتح الراء، وسكون الدال المهملة، وبالغين المعجمة - ووقع في بعض النسّخ: ((رزغ)) بالزاي موضع الدال. قال القرطبيّ تَخْتُ: الرواية المشهورة فيه بدال مهملة ساكنة، وغين معجمة، ووقع في رواية أبي الفتح السمرقنديّ: ((رَزِغْ)) بالزاي، وكلاهما: الذي يُزْلَقُ فيه، وقال أيضاً: والصواب الفتح، يعني فتح الدال، فإنه اسم، وبالسكون مصدر . وقال صاحب ((التلويح)): ((الردغ)) بدال مهملة ساكنة، وغين معجمة، رواه العذريّ، وبعض رواة مسلم، وكذا لابن السكن والقابسيّ، إلا أنهما فتحا الدال، وهي روايتنا من طريق أبي الوقت، ورواية الأصيليّ، والسمرقنديّ: (رَزَغْ)) بزاي مفتوحة، بعدها غين معجمة. وقال السفاقسيّ: رويناه بفتح الزاي، وهو في اللغة بسكونها، قال الداوديّ: ((الرزغ)): الغيم البارد. وفي ((المحكم)): الرزغ: الماء القليل في الثِّمَاد، و((الرزغة)): أقل من ((الردغة))، و((الرزغة)) بالفتح: الطين الرقيق. وفي ((الصحاح)): ((الرَّزَغَة)) بالتحريك الْوَحْلِ، وكذلك ((الرَّدَغَة)) بالتحريك. وفي كتاب أبي موسى: ((الرَّدْغَة)) بسكون الدال وفتحها: طينٌ، ووَحْلٌ كثير، والجمع رِدَاعٌ، وقد يقال: ارتدع بالعين المهملة: تلطخ، والصحيح الأول. ووقع عند البخاريّ بلفظ: ((في يوم رَدْغ)) بالإضافة، أو بالتنوين على