النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ (١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٠) أربعاً، فقد صلى من لا بأس به، وإن صليت ركعتين، فقد صلى من لا بأس به. وقد روينا عن عائشة أنها كانت تتم في السفر. انتهى كلام ابن المنذر باختصار(١). وقال العلامة الشوكانيّ تَخْذَلُهُ بعد ذكر نحو ما تقدّم من الاختلاف ما حاصله: واحتجّ القائلون بوجوب القصر بحجج: الأولى: ملازمة النبيّ وَّر للقصر في جميع أسفاره، كما في حديث ابن عمر ◌ّ المذكور في الباب، ولم يثبت عنه ◌َّ أنه أتمّ الرباعية في السفر البتة، كما قال ابن القيِّم. وأما حديث عائشة ﴿ّا: ((كان يقصر في السفر، ويُتمّ))، فلا يصحّ مرفوعاً(٢) . ويُجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدلّ على الوجوب، كما ذهب إلى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم. والحجة الثانية: حديث عائشة ظّا المتفق عليه بألفاظ: (منها): ((فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر))، وهو دليل ناهض على الوجوب؛ لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها، كما أنه لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر. وقد أجيب عن هذه الحجة بأجوبة: (منها): أن الحديث من قول عائشة ◌ّ غير مرفوع، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، وأنه لو كان ثابتاً لنُقل تواتراً، قال: وهذا فيه نظرٌ لا يخفى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تُعُقّب هذا بأنه مما لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع، وعلى تقدير تسليم أنها لم تُدرك القصة يكون مرسلَ صحابي، (١) ((الأوسط)) ٣٣٢/٤ - ٣٣٥. (٢) راجع: ((إرواء الغليل)) للشيخ الألبانيّ تغذَفُ ٦/٣ - ٩ فقد أشبع الكلام على هذا الحدیث. ٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وهو حجة؛ لأنه يَحْتَمل أن تكون أخذته عن النبيّ وَلّ، أو عن صحابي آخر أدرك ذلك. ونقل التواتر في مثل هذا غير لازم، فليس من شرط صحّة الحديث أن يُنْقَلَ نقل تواتر، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (ومنها): أن المراد بقولها: ((فرضت)) أي: قدّرت، قال: وهو خلاف الظاهر. (ومنها): ما قاله النوويّ: إن المراد بـ((فرضت)) أي: لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار عليهما، وهو تأويل متعسّف لا يُعوّل على مثله. (ومنها): المعارضة لحديث عائشة ﴿يّا بأدلتهم التي تمسكوا بها في عدم وجوب القصر، وستأتي، ويأتي الجواب عنها . والحجة الثالثة: ما في ((صحيح مسلم)) عن ابن عباس طها، أنه قال: ((إن الله رَبَّك فرض الصلاة على لسان نبيكم ولّ على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعاً، والخوف ركعة))، فهذا الصحابي الجليل قد حَكَى عن الله رَّ أنه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى لله، وأخشى من أن يحكي أن الله فرض ذلك بلا برهان. والحجة الرابعة: حديث عمر ظله عند النسائيّ وغيره: ((صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان محمد مَلآ»، وهو حديث صحيح. وهو يدلّ على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر، وأنها لم تكن أربعاً، ثم قُصِرت، وقوله: ((على لسان محمد وَّ)) تصريح بثبوت ذلك من قوله گلله . . والحجة الخامسة: حديث ابن عمر ◌ًا عند النسائيّ: ((إن رسول الله وله أتانا، ونحن ضُلّال، فعلّمنا، فكان فيما علّمنا أن الله ريك أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر)»، وهو حديث صحيح. ٢٣ (١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٠) واحتجّ القائلون بأن القصر رخصة، والتمام أفضل بحُجَج: الأولى: منها قول الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ونفي الجناح لا يدلّ على العزيمة، بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه. وأجيب: بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما عُلم من تقدّم شرعية قصر العدد. قال في ((الهدي)) - وما أحسن ما قال -: وقد يقال: إن الآية اقتضت قصراً يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيّد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجد الأمران أبيح القصران، فيصلّون صلاة خوف مقصوراً عددها، وأركانها، وإن انتفى الأمران، وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلون صلاة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإن وُجد الخوف، والإقامة، قصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وُجد السفر، والأمن قُصر العدد، واستوفيت الأركان، وصليت صلاة أمن، وهذا أيضاً نوع قصر، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامّةً باعتبار تمام أركانها، وإنها لم تدخل في قصر الآية. انتهى. الحجة الثانية: قوله ◌َ* في حديث الباب: ((صدقة تصدّق الله بها عليكم))، فإن الظاهر من قوله: ((صدقة)) أن القصر رخصة فقط. وأجيب: بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا مَحيص عنها، وهو المطلوب. الحجة الثالثة: ما في ((صحيح مسلم)) وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله وَّر، فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض. وتُعُقّب بأنه لا يوجد في ((صحيح مسلم)) قوله: ((فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ))، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار. وعلى تقدير ثبوت ذلك، فليس فيه أن النبيّ وَ﴿ اطَلَع على ذلك، وقرّرهم ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها عليه، وقد نادت أقواله، وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرّر أن إجماع الصحابة في عصره وَلا ليس بحجة، والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته، وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لمّا أتمّ بمنى، وتأولوا له تأويلات. قال ابن القيّم تَُّهُ: أحسنها (١) أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة أتمّ، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: أيها الناس لما قدمت منى تأهلت بها، وإني سمعت رسول الله وَلمه يقول: ((إذا تأهل رجل ببلد، فليصلّ به صلاة مقيم))، ورواه أيضاً عبد الله بن الزبير الحميديّ في ((مسنده))، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، وتضعيفه عكرمة بن إبراهیم، وسيأتي الكلام علیه. الحجة الرابعة: حديث عائشة خيّا: ((كان يقصر في السفر، ويتمّ)). وتُعُقّب بأنه حديث لا يصحّ(٢). هذا هو حاصل النزاع في وجوب القصر وعدمه، وقد لاح من مجموع ما تقدّم رجحان القول بوجوب القصر. وأما دعوى أن الإتمام أفضل، فمما لا وجه له، ويردّه ملازمة النبيّ ◌َل للقصر في جميع أسفاره، وعدم صدور الإتمام عنه، ويبعد أن يلازم وَل طول عمره المفضول، ويَدَعَ الفاضل(٣). وقال الإمام أبو بكر بن المنذر كَّتُهُ بعدما ذكر اختلاف العلماء في المسألة ما نصّه: ومن حجة من رأى أن صلاة المسافر ركعتان حديث عمر بن الخطّاب وظه، ثم أخرج بسنده من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال عمر: ((صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، (١) سيأتي تضعيف هذا التأويل - إن شاء الله تعالى -. (٢) هذا الحديث، وإن قال الدارقطنيّ: إسناده صحيح، إلا أن الإمام أحمد كَّ فُ استنكره، وقال ابن تيميّة: هو كذبٌ على رسول الله وَله، انظر: ((نيل الأوطار)) ٤/ ١١٩، وقد أشبع الكلام على هذا الحديث الشيخ الألبانيّ كَثُ في ((إروائه)) ٦/٣ - ٩ فراجعه تستفد. (٣) راجع: نيل الأوطار)) ٢٣٩/٣ - ٢٤١ وهو منقول بتصرّف، فتنبّه. ٢٥ (١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٠) وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبێکم، وقد خاب من افتری)، حديث صحيح. قالوا: فهذا الخبر يُصرّح بأن الركعتين في السفر تمامٌ غير قصر، وهو خبر ثابتٌ، وغير جائز أن يُقابل هذا الخبر خبر مغيرة بن زياد، وطلحة بن عمرو، ولو كان الحديث الذي أتى به المغيرة بن زياد في حديث من هو أجلّ منه أسقط حديثه من أجله، وذلك أن النبيّ وَّر قد سافر أسفاراً كثيرةً، ومعه أصحابه، أو من كان معه منهم، وقد حَفِظُوا عنه صلاته ومواقيتها، وجمعه بين الصلاتين حيث جمع بينهما، وتطوّعه الذي تطوّع به في أسفاره في ليله ونهاره، وصلاته على راحلته، والوتر عليها، ونزوله عنها للمكتوبة، وغير ذلك من أحكام صلاته، وحفظوا عنه صومه وإفطاره في سفره، ولو كان المسافر مخيّراً بين الإتمام والقصر لبيّن ذلك النبيّ وَّ ه لأصحابه؛ لأنه المبيّن عن الله تعالى ما أنزل عليه من الكتاب. قالوا: ففيما ذكرناه دليلٌ وبيان على أن أصل فرض صلاته ركعتان، وأنه غير مخيّر في القصر والإتمام. ومن الدليل على صحّة هذا القول خبر ابن عبّاس ﴿هَا: «فَرَضَ الله رَتْ الصلاة على لسان نبيّكم وَ ﴿ في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين))، مع قول جابر ظُه: إن الركعتين في السفر ليستا بقصر، وقول ابن عمر ظه: إنها ليست بقصر، ولكنها تمام سنة الركعتين في السفر، وقال ابن عبّاس ﴿هالرجل قال له: ((ما تطيب نفسي أن أصلّي بمكة ركعتين))، قال: فتطيب نفسك أن تصلي الصبح أربعاً؟ فإنه كذلك. وأجمع أهل العلم على أن من صلّى في السفر الذي للمسافر أن يقصر في مثله الصلاة ركعتين أنه مؤدٍّ ما فُرِض عليه، وقد اختلف فيمن صلّى أربعاً، هل أدّى فرضاً أم لا؟ فالفرض ساقط عمن صلى ركعتين؛ لإجماعهم، ولا يسقط الفرض عمن صلى أربعاً؛ لاختلافهم. انتهى كلام ابن المنذر تَخْذَتهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من أقوال العلماء، وبيان (١) ((الأوسط)) ٣٣٥/٤ - ٣٣٦. ٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها أدلّتهم أن أرجح الأقوال قول من قال بوجوب القصر؛ لأمره و 18 بذلك، وهو للوجوب، مع ما ثبت عنه من ملازمته القصر في جميع أسفاره؛ إذ لم يصحّ عنه أنه أتمّ صلاته في السفر قطّ، وأما ما ثبت من إتمام عثمان، وعائشة، وغيرهما من الصحابة ﴿ فمن باب الاجتهاد، وقد خالفهم غيرهم من الصحابة، وإذا وقع الاختلاف بينهم، فليس قول أحد منهم حجة، بل يجب الرجوع إلى النصوص؛ لقوله رَك: ﴿فَإِن تَنَزَعْثُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، فإذا رجعنا إليها، فقد توافقت النصوص القوليّة والفعليّة على القصر لا على الإتمام، فوجب القول به، وقد كنت رجّحت في ((شرح النسائيّ)) القول بالجواز، ثم مِلت إلى هذا؛ لما ذكرته، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه]: ثم إن قولنا بوجوب القصر لا يستلزم بطلان صلاة من أتمّ، وإن كان تركَ الواجب، بدليل اتفاق الصحابة الذين حجّوا مع عثمان طه على صحة صلاة عثمان رظه، ومن صلى معه، حتى إن الذين أنكروا عليه الإتمام لمخالفته السنة صلَّوا معه، واعتدُّوا بتلك الصلاة، كابن مسعود، وابن عمر ية، فلو كانت صلاة عثمان ومن معه باطلة لم يُصلَّوا معه، فتنبّه لهذا الدقيق، فإنه مهمٌّ. ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قرّر نحو هذا الذي قلته، فقال تَّتُهُ ما حاصله: وأما صلاة عثمان رُه فقد عُرِف إنكار أئمة الصحابة ظُّ عليه، ومع هذا فكانوا يصلون خلفه، بل كان ابن مسعود يصلي أربعاً، وإن انفرد، ويقول: الخلاف شَرّ، وكان ابن عمر إذا انفرد صلى ركعتين، وهذا دليلٌ على أن صلاة السفر أربعاً مكروهة عندهم، ومخالِفَةٌ للسنة، ومع ذلك فلا إعادة على من فعلها، وإذا فعلها الإمام اتُّبِعَ فيها، وهذا لأن صلاة المسافر ليست كصلاة الفجر، بل هي من جنس الجمعة والعيدين، ولهذا قرن عمر بن الخطاب في السنة التي نقلها بين الأربع، فقال: ((صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة المسافر ركعتان، تمامٌ غيرُ قصر، على لسان نبيكم ◌َِّ، وقد خاب من افترى))، رواه أحمد، والنسائي. انتهى كلامه تَخُّهُ(١). (١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ١٠٠/٢٤. ٢٧ (١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٠) والحاصل أن قصر الصلاة للمسافر واجبٌ، وإن أتمّ جاز مع الكراهة؛ لمخالفة السنة، وإنما جاز؛ لفعل عثمان رظته، وصلاة الصحابة ﴿ه خلفه، مع إنكارهم لإتمامه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في المسافة التي يجوز فيها القصر : قال ابن رُشد نَّقُهُ: اختلفوا في ذلك اختلافاً كثيراً، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجماعة كثيرة إلى أن الصلاة تقصر في أربعة بُرُد، وذلك مسيرة يوم بالسير الوسط. وقال أبو حنيفة، وأصحابه والكوفيون: أقل ما تُقْصَر فيه الصلاة ثلاثة أيام، وإن القصر إنما هو لمن سار من أُفُق إلى أُفُق، وقال أهل الظاهر: القصر في كل سفر قريباً كان أو بعيداً. والسبب في اختلافهم معارضة المعنى المعقول من ذلك اللفظَ، وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر أنه لمكان المشقة الموجودة فيه، مثل تأثيره في الصوم، وإذا كان الأمر على ذلك، فيجب القصر حيث المشقة، وأما من لا يراعي في ذلك إلا اللفظ فقط، فقال: قد قال النبيّ وَّيقول: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة))، فكل مَن انطلق عليه اسم مسافر جاز له القصر والفطر، وأيدوا ذلك بما رواه مسلم(١)، عن عمر بن الخطاب ظلاله أن النبيّ ◌َّ كان يقصر في نحو السبعة عشر ميلاً. وذهب قوم إلى خامس كما قلنا وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١]، وقد قيل: إنه مذهب عائشة رضيها، وقالوا: إن النبيّ وَّ إنما قصر؛ لأنه كان خائفاً. وأما اختلاف أولئك الذين اعتبروا المشقة، فسببه اختلاف الصحابة في ذلك، وذلك أن مذهب الأربعة بُرُد مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس، ورواه (١) هذا وهمٌ فليس هذا الأثر عن عمر رَظُه في ((صحيح مسلم))، راجع: تخريج الغماري للبداية ٣٢٢/٣. ٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها مالك، ومذهب الثلاثة أيام مَرويّ أيضاً عن ابن مسعود، وعثمان، وغيرهما. انتهى كلام ابن رشد نَّهُ(١). وقال الإمام ابن المنذر تَّثُهُ: أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفراً تكون مسافته مثل ما بين المدينة إلى مكة أن يقصر الصلاة. واختلفوا فيمن سافر أقلّ من هذه المسافة، فقالت طائفة: من سافر أربعة بُرُد، فله أن يقصر الصلاة، كذلك قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بالأخبار التي رويت عن ابن عمر، وابن عباس من ذلك أن ابن عمر ﴿ها ركب إلى رِيم(٢) فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة بُرُد، وأن ابن عباس ◌ّ سئل أيقصر إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى عُسفان، وإلى ◌ُدّة، وإلى الطائف، ورُوي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما كانا يصليان ركعتين، ويُفطران في أربع بُرُد، فما فوق ذلك. وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحَكَى أبو ثور ذلك عن مالك، والشافعي، وبه قال الليث بن سعد في بعض الصلاة، وكذا قال عبد الملك الماجشون. وقالت طائفة: يقصر الصلاة في مسير يومين، ولم يذكر مقدار ذلك بالبرد والأميال، هذا قول الحسن البصريّ، والزهريّ، وقد كان الشافعي يقول إذ هو بالعراق: يقصر في مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك إذا جاوز السير أربعين ميلاً بالهاشميّ، ثم قال بمصر: للمرء عندي أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي، ولا يقصر فيما دونهما، وأُحِبّ أنا أن لا أقصر في أقل من ثلاث؛ احتياطاً على نفسي، وإن ترك القصر مباح لي. - طريقاً كان وقالت طائفة: يقصر في مسيرة اليوم التامّ، ثبت أن ابن عمر . (١) ((بداية المجتهد)) ١٦٧/١ - ١٦٨. (٢) أصله رِثْمٌ، بكسر الراء، وسكون الهمزة، واحد الآرام، وهي الظباء الخالصة البياض، ثم سُمّي به وادٍ لمزينة قُربَ المدينة، قاله في (معجم البلدان)) ١١٤/٣. ٢٩ (١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٠) يقصر في اليوم التامّ، وخرج إلى أرض اشتراها من ابن بجينة(١)، فقصر الصلاة إليها، وهي ثلاثون ميلاً، وقال الزهريّ: يقصر في مسيرة يوم تامّ، ثلاثون ميلاً، وثابت عن ابن عباس أنه قال: يقصر في اليوم، ولا يقصر فيما دون اليوم. وقالت طائفة: من سافر ثلاثاً قصر، رَوَينا هذا القول عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير، والنخعي، وسُويد بن غَفَلَة، وبه قال الثوريّ، والنعمان، ومحمد بن الحسن، قال النعمان: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل، ومشي الأقدام. وفيه قول خامس: رَوَينا عن علي بن أبي طالب ظُه أنه خرج إلى الثُّمَيلة(٢)، فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، فقال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم وَلـ ورَوَينا عن ابن عمر ◌ًَّا، أنه قال: إني لأسافر الساعة من النهار، فأَقصُر، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: اقصُرْ بعرفة. قال ابن المنذر تَخُّْ: أما قول جابر هذا، فأحسبه مثل قول مَن قال لأهل مكة: اقصروا الصلاة بمنى وعرفة. وعن الأوزاعي، قال: كان أنس بن مالك يقصر الصلاة فيما بينه وبين خمسة فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلاً. قال الأوزاعي: وعامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تامّ، وبهذا نأخذ. انتهى كلام ابن المنذر باختصار(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لَمّا لم يوجد نصٌّ قاطع في تحديد مسافة القصر، حتى يُرجَع إليها، وكانت أقوال الصحابة ﴿ه، فمن بعدهم مضطربة في هذا الباب، حتى تكون المسألة إجماعية، لزم الرجوع إلى مَعْنَى السفر (١) هكذا نسخة ((الأوسط)) بالجيم، ولُيُنظر. (٢) ((النُّمَيلة)): قرية لبني قيس بن ثعلبة، رهط الأعشى باليمامة، قاله في ((معجم البلدان)) ٣٠٦/٥. (٣) ((الأوسط)) ٣٤٦/٤ - ٣٥١. ٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها شرعاً، فوجدنا النبيّ سَمّى ثلاثة أيام سفراً، وسمى اليومين سفراً، وسمى اليوم سفراً، وسمى البريد أيضاً سفراً، فأقلّ ما ثبت عنه من تسمية بعض المسافات سفراً هو البريد، فثبت كون البريد سفراً بالنصّ، لكن لمّا صح حديث أنس في ((صحيح مسلم)) وغيره، من طريق شعبة، عن يحيى بن يزيد الْهُنَائي، قال: سألت أنساً عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول الله وَلو إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين - شعبة الشاّ - ورواه أيضاً أحمد، وأبو داود. عَلِمنا من هذا النصّ أن ثلاثة فراسخ هي أقلّ ما صحّ من تحديد المسافة مرفوعاً، وإنما لم نعتبر الثلاثة أميال، مع كونها أقل منها؛ لوقوع الشك فيها، فاعتبرنا الفراسخ احتياطاً، فتبيّن من هذا أن أقل المسافات التي صحّ التحديد به هي ثلاثة فراسخ. قال في ((الفتح)): وهو أصحّ حديث ورد في بيان ذلك، وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يُبتدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بُعد هذا الحمل، مع أن البيهقيّ ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس، قال: سألت أنساً عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة - يعني من البصرة - فأصلي ركعتين حتى أرجع؟ فقال أنس ... فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منه. انتهى (١). تحديداً فتبيّن بما قاله في ((الفتح)) أن هذا الحديث ذكره أنس ( للمسافة التي كان النبيّ وَّ إذا خرج إليها قصر الصلاة. والحاصل أن الفراسخ الثلاثة هي أقل المسافة التي يثبت بها حكم السفر من القصر وغيره، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيهان]: (الأول): ذكر الفرّاء أن الفرسخ فارسي معرّب، وهو ثلاثة (١) ((الفتح)) ٢٧٦/٣. ٣١ (١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٠) أميال، والميل من الأرض منتهى مَدّ البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يَفْنَى إدراكه، وبذلك جزم الجوهريّ، وقيل: حده أن ينظر إلى شخص في أرض مسطحة، فلا يدري أهو رجل، أو امرأة، أو ذاهب، أو آت. وقال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعاً معترضة معتدلة، والإصبع ست شعيرات معترضة معتدلة. انتهى. وهذا الذي قاله هو الأشهر، ومنهم من عبّر عن ذلك باثني عشر ألف قَدَم بقدم الإنسان، وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب ((البيان))، وقيل: خمسمائة، صححه ابن عبد البرّ، وقيل: ألفا ذراع، ومنهم من عبّر عن ذلك بألف خطوة للجَمَل. قال الحافظ تَّهُ: ثم إن الذراع الذي ذكر النووي تحديده قد حرّره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثُّمُن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعاً، وهذه فائدة نفيسة قلّ من (١) نبّه عليها . انتهى وقد نظم بعضهم معنى الميل، والفرسخ، والبريد، بقوله (من الكامل]: وَلِفَرْسَخْ فَثَلَاثَ أَمْيَالٍ ضَعُوا إِنَّ الْبَرِيدَ مِنَ الْفَرَاسِخِ أَرْبَعٌ وَالْبَاعُ أَرْبَعُ أَذْرُعِ فَتَتَبَّعُوا وَالْمِيلُ أَلْفٌ أَيْ مِنَ الْبَاعَاتِ قُلْ مِنْ بَعْدِهَا الْعِشْرُوَّنَ ثُمَّ الإِصْبَعُ ثُمَّ الذِّرَاعُ مِنَ الأَصَابِعِ أَرْبَعٌ مِنْهَا إِلَى بَظْنٍ لأُخْرَى تُوضَعُ سِتّ شَعِيرَاتٌ فَظَهْرُ شَعِيرَةٍ مِنْ ذَيْلِ بَغْلٍ لَيْسَ عَنْ ذَا مَرْجَعُ(٢) ثُمَّ الشَّعِيرَةُ سِتُّ شَعْرَاتٍ فَقَظْ واختُلِف في معنى الفَرْسخ، فقيل: هو السكون، ذكره ابن سِيدَهْ، وقيل: السَّعَةُ، وقيل: المكانُ الذي لا فُرْجة فيه، وقيل: الشيء الطويل، ذكره في ((الفتح)(٣). (١) ((الفتح)) ٢٧٦/٣. (٢) ((حاشية الطحطاويّ على مراقي الفلاح)) (ص١١٤). (٣) ((الفتح)) ١٧٦/٣ - ١٧٧. ٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها (التنبيه الثاني): مقدار الميل بالتحديد المعاصر (كيلو متر ونصف كيلو متر) فيكون الفرسخ ثمانية عشر كيلو متراً، وعليه فتكون مسافة القصر أربعاً وخمسين كيلو متراً تقريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف العلماء في السفر الذي يبيح القصر: قال الإمام ابن المنذر تَّتُهُ: أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم على أن لمن سافر سفراً يُقصَر في مثله الصلاة، وكان سفره في حج، أو عمرة، أو غزو أن له أن يقصر الصلاة ما دام مسافراً. واختلفوا فيمن خرج لمباح التجارة، أو مطالعة مال له، أو أبيح له الخروج إليه، فقال أكثر مَن نَحْفَظ عنه من علماء الأمصار: له إذا خرج إلى ما أبيح له أن يقصر الصلاة، هذا قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو مذهب أهل المدينة، وأهل الكوفة، وعوامّ أهل العلم من علماء الأمصار. وفيه قول ثان، قال عبد الله بن مسعود نظافه: لا يقصر إلا في حج، أو قال: إنما يقصر الصلاة من كان جهاد، وروينا عن عمران بن حصين . شاخصاً (١)، أو يحضره العدو. ثم أخرج ابن المنذر بسنده عن أبي المهلَّب، أن عثمان بن عفان ضُرُعَيْه كتب: إنه بلغني أن رجالاً يخرجون إما لجباية، وإما لتجارة، وإما لحشر(٢)، ثم لا يُتمون الصلاة، فلا تفعلوا ذلك، فإنما يقصر الصلاة من كان شاخصاً، أو يحضره عدوّ. وقال عطاء: أرى أن لا تقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، من أجل أن إمام المتقين لم يقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، حج، أو عمرة، أو غزو، والأئمة بعده أيهم كان يضرب في الأرض يبتغي الدنيا؟ وقد كان قبلُ لا يقول بهذا القول، يقول: يقصر في كل ذلك. (١) كتب في هامش البيهقيّ: يعني رسولاً في حاجة. (٢) الحشر هم القوم الذين يخرجون بدوابّهم إلى المرعى، قاله البيهقيّ. ((السنن الكبرى)) ١٣٧/٣. ٣٣ (١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٠) واختلفوا فيمن سافر في معصية الله، ففي قول للشافعي، وأحمد: عليه أن يُتمّ، وليس له أن يقصر ما دام في سفره، قال الشافعي: وذلك في مثل أن يخرج باغياً على مسلم، أو معاهد، أو يقطع طريقاً، أو بما في هذا المعنى، قال: ولا يمسح على الخفين، ولا يجمع الصلاة، ولا يصلي نافلة إلى غير القبلة، مسافراً في معصية. وكان الأوزاعي يقول في الرجل يخرج في بعثة إلى بعض المسلمين: يقصر الصلاة، ويفطر في شهر رمضان في مسيره، وافق ذلك طاعة، أو معصية . وحكي عن النعمان أنه قال: المسافر يقصر في حلال خرج، أو في حرام. انتهى كلام ابن المنذر كَّلُهُ(١). وقال العلامة صديق حسن القنّوجيّ دَّهُ: والظاهر من الأدلة في القصر والإفطار عدم الفرق بين من سفره في طاعة، ومن سفره في معصية، لا سيما القصر؛ لأن صلاة المسافر شرعها الله كذلك، فكما شرع للمقيم صلاة التمام من غير فرق بين من كان مطيعاً، ومن كان عاصياً بلا خلاف، كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير فرق، وأدلة القصر متناولة للعاصي تناولاً زائداً على تناول أدلة الإفطار له؛ لأن القصر عزيمة، وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي، بل مشروعة لهما جميعاً بخلاف الإفطار، فإنه رخصة للمسافر، والرخصة تكون لهذا دون هذا في الأصل، وإن كانت هنا عامّةً، وإنما المراد بطلان القياس. انتھی(٢) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي قول من قال بمشروعية القصر لكل مسافر، مطيعاً كان، أو عاصياً؛ لعموم الأدلة، كما استظهره القنوجيّ دَّثُ . ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة قد أجاد في تحقيق هذه المسألة، وأفاد، ودونك نصّه : قال رَخْذَلُ بعد ذكر الاختلافات: والحجة مع من جعل القصر والفطر (١) ((الأوسط)) ٣٤٣/٤ - ٣٤٦. (٢) ((الروضة النديّة)) ١٥٠/١. ٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها مشروعاً في جنس السفر، ولم يخص سفراً من سفر، وهذا القول هو الصحيح، فإن الكتاب والسنة قد أطلقا السفر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ [البقرة: ١٨٤]، كما قال في آية التيمم: ﴿وَإِن كُم قَرْضَّ أَوْ عَى سَفَرٍ﴾ الآية [النساء: ٤٣]، وكما تقدمت النصوص الدالة على أن المسافر يصلي ركعتين، ولم يَنْقُل قط أحد عن النبيّ ◌َّهِ أنه خَصّ سفراً من سفر، مع علمه بأن السفر يكون حراماً ومباحاً، ولو كان هذا مما يختص بنوع من السفر، لكان بيان هذا من الواجبات، ولو بَيَّن ذلك لنقلته الأمة، وما علمتُ عن الصحابة في ذلك شيئاً . وقد عَلّق الله تعالى ورسوله وَليه أحكاماً بالسفر، كقوله تعالى في التيمم: ﴿وَإِن كُنْتُمْ تَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وقوله في الصوم: ﴿فَمَن كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبُّ فِ اُلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنّ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١]، وقول النبيّ وَّ: ((يَمْسَح المسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ))، وقوله: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تسافر إلا مع زوج، أو ذي محرم))، وقوله: ((إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة))، ولم يُذْكَر قط في شيء من نصوص الكتاب والسنة تقييد السفر بنوع دون نوع، فكيف يجوز أن يكون الحكم معلقاً بأحد نوعي السفر، ولا يبيّن الله ورسوله وَله ذلك؟ بل يكون بيان الله ورسوله وَ الله متناولاً للنوعين. وهكذا في تقسيم السفر إلى طويل وقصير، وتقسيم الطلاق بعد الدخول إلى بائنٍ ورجعيّ، وتقسيم الأيمان إلى يمين مكفَّرة، وغير مكفَّرة، وأمثال ذلك مما علَّق الله ورسوله وَل# الحكم فيه بالجنس المشترك العامّ، فجعله بعض الناس نوعين: نوعاً يتعلق به ذلك الحكم، ونوعاً لا يتعلق من غير دلالةٍ على ذلك من كتاب، ولا سنة، لا نصّاً، ولا استنباطاً . والذين قالوا: لا يثبت ذلك في السفر المحرَّم عمدتهم قوله تعالى في الميتة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقد ذهب طائفة من المفسرين إلى أن الباغي هو الباغي على الإمام الذي يجوز قتاله، والعادي هو العادي على المسلمين، وهم المحاربون قُطّاع الطريق. قالوا: فإذا ثبت أن الميتة لا تحل لهم، فسائر الرُّخَص أولى، وقالوا: ٣٥ (١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٠) إذا اضطرّ العاصي بسفره أمرناه أن يتوب ويأكل، ولا نبيح له إتلاف نفسه، وهذا القول معروف عن أصحاب الشافعيّ وأحمد، وأما أحمد ومالك فجوَّزا له أكل الميتة دون القصر والفطر. قالوا: ولأن السفر المحرَّم معصية، والرخص للمسافر إعانة على ذلك، فلا تجوز الإعانة على المعصية. وهذه حُجَجْ ضعيفةٌ، أما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي الذي يبغي المحرَّم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب دون الأول؛ لأن الله أنزل هذا في السور المكية: الأنعام، والنحل، وفي المدنية؛ ليبيّن ما يَحِلّ وما يَحُرُم من الأكل، والضرورةُ لا تختص بسفر، ولو كانت في سفر، فليس السفر المحرَّم مختصّاً بقطع الطريق، والخروج على الإمام، ولم يكن على عهد النبيّ وَّ إمام يُخْرَج عليه، ولا من شرط الخارج أن يكون مسافراً، والبغاة الذين أمر الله بقتالهم في القرآن لا يشترط فيهم أن يكونوا مسافرين، ولا كان الذين نزلت الآية فيهم أوّلاً مسافرين، بل كانوا من أهل العوالي مقيمين، واقتتلوا بالنعال والجريد، فكيف يجوز أن تفسر الآية بما لا يختصّ بالسفر، وليس فيها كلُّ سفر محرَّم، فالمذكور في الآية لو كان كما قيل، لم يكن مطابقاً للسفر المحرَّم فإنه قد يكون بلا سفر، وقد يكون السفر المحرَّم بدونه. وأيضاً فقوله: ﴿غَيْرَ بَاغِ﴾ حال من ﴿أَضْطُرَ﴾، فيجب أن يكون حال اضطراره، وأكله الذي يأكل فيه غير باغ ولا عاد، فإنه قال: ﴿فَلَاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ومعلوم أن الإثم إنما يُنْفَى عن الأكل الذي هو الفعل، لا عن نفس الحاجة إليه، فمعنى الآية: فمن اضطُرّ، فأكل غير باغ ولا عاد، وهذا يبين أن المقصود أنه لا يبغي في أكله، ولا يَتَعَذَّى. والله تعالى يَقْرُن بين البغي والعدوان، فالبغي ما جنسه ظلم، والعدوان مجاوزة القدر المباح، كما قَرَن بين الإثم والعدوان، في قوله: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالثَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: ٢]، فالإثم جنس الشرّ، والعدوان مجاوزة القدر المباح، فالبغي من جنس الإثم، قال تعالى: ﴿وَمَا أُخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًّا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى: ٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها ﴿فَمَنْ خَافَ مِن تُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِنْمَا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهٍ﴾ [البقرة: ١٨٢]، فالإثم جنس لظلم الورثة إذا كان مع العمد، وأما الْجَنَف فهو الجنف عليهم بعمد وبغير عمد، لكن قال كثير من المفسرين: الجنف الخطأ، والإثم العمد؛ لأنه لَمّا خَصّ الإثم بالذكر، وهو العمد، بقي الداخل في الجنف الخطأ، ولفظ العدوان من باب تعدي الحدود، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]، ونحو ذلك. ومما يشبه هذا قوله: ﴿رَبَّنَا أُغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىَّ أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧]، والإسراف مجاوزة الحدّ المباح، وأما الذنوب فما كان جنسه شرّ (١) وإثم(١). وأما قولهم: إن هذا إعانة على المعصية فغلط؛ لأن المسافر مأمور بأن يصلي ركعتين، كما هو مأمور أن يصلى بالتيمم، وإذا عَدِمَ الماء في السفر المحرَّم كان عليه أن يتيمم ويصلي، وما زاد على الركعتين ليست طاعةً، ولا مأموراً بها أحدٌ من المسافرين، وإذا فعلها المسافر كان قد فعل منهيّاً عنه، فصار صلاة الركعتين مثل أن يصلي المسافر الجمعة خلف مستوطنٍ، فهل يصليها إلا ركعتين، وإن كان عاصياً بسفره، وإن كان إذا صلى وحده صلى أربعاً، وكذلك صومه في السفر ليس برّاً، ولا مأموراً به، فإن النبيّ وَلّ ثبت عنه أنه قال: ((ليس من البر الصيام في السفر))، وصومه إذا كان مقيماً أحب إلى الله من صيامه في سفر محرَّم، ولو أراد أن يتطوع على الراحلة في السفر المحرَّم لم يمنع من ذلك، وإذا اشتبهت عليه القبلة أَمَا كان يتحرى ويصلي، ولو أُخِذت ثيابه أَمَا كان يصلي عرياناً . فإن قيل: هذا لا يمكنه إلا هذا، قيل: والمسافر لم يؤمر إلا بركعتين، والمشروع في حقه أن لا يصوم، وقد اختَلَف الناس لو صام هل يَسقُط الفرض عنه، واتفقوا على أنه إذا صام بعد رمضان أجزأه، وهذه المسألة ليس فيها احتياط، فإن طائفة يقولون: من صلى أربعاً، أو صام رمضان في السفر المحرَّم لم يجزئه ذلك، كما لو فعل ذلك في السفر المباح عندهم، وطائفة يقولون: لا (١) هكذا النسخة، ولعله ((شرّا وإثما)) أو على لغة ربيعة. ٣٧ (١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٠) يجزيه إلا صلاة أربع، وصوم رمضان، وكذلك أكل الميتة واجب على المضطرّ، سواءً كان في السفر أو الحضر، وسواء كانت ضرورته بسبب مباح أو محرَّم، فلو ألقى ماله في البحر، واضطَرَّ إلى أكل الميتة كان عليه أن يأكلها، ولو سافر سفراً محرَّماً، فأتعبه حتى عجز عن القيام صلى قاعداً، ولو قاتل قتالاً محرَّماً حتى أعجزته الجراح عن القيام صلى قاعداً. فإن قيل: فلو قاتل قتالاً محرماً، هل يصلي صلاة الخوف؟. قيل: يجب عليه أن يصلي، ولا يقاتل، فإن كان لا يدع القتال المحرَّم فلا نبيح له ترك الصلاة، بل إذا صلى صلاة خائف كان خيراً من ترك الصلاة بالكلية، ثم هل يعيد؟ هذا فيه نزاع، ثم إن أمكن فعلها بدون هذه الأفعال المبطلة في الوقت، وجب ذلك عليه؛ لأنه مأمور بها، وأما إن خرج الوقت ولم يفعل ذلك، ففي صحتها وقبولها بعد ذلك نزاعٌ. انتهى كلام شيخ الإسلام تَخْلُهُ(١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر أقوال العلماء في هذه المسألة، والنظر في أدلّتهم أن الراجح قول من قال: إن المسافر له القصر في السفر مطلقاً، سواء كان سفره سفر طاعة، أم سفر معصية؛ لقوّة أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في الموضع الذي يبدأ المسافر بقصر الصلاة فيه: قال ابن رُشد كَخْتُهُ: قال مالك تَخْتُهُ في ((الموطأ)): لا يقصر الصلاة الذي يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية، ولا يتم حتى يدخل أول بيوتها، وقد رُوي عنه أنه لا يقصر إذا كانت قرية جامعةً حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال، وذلك عنده أقصى ما تجب فيه الجمعة على من كان خارج المصر في إحدى الروايتين عنه، وبالقول الأول قال الجمهور. والسبب في هذا الاختلاف معارضة مفهوم الاسم لدليل الفعل، وذلك أنه إذا شَرَع في السفر، فقد انطلق عليه اسم مسافر، فمن راعى مفهوم الاسم، (١) ((مجموع الفتاوى)) ١٠٩/٢٤ - ١١٤. ٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها قال: إذا خرج من بيوت القرية قَصَرَ، ومَن راعى دليل الفعل أعني فعله وَل قال: لا يقصر إلا إذا خرج من بيوت القرية بثلاثة أميال؛ لِمَا صَحَّ من حديث أنس رضي به قال: كان النبيّ ◌َله إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاكُّ - صلى ركعتين، رواه مسلم. انتهى (١). وقال الإمام أبو بكر بن المنذر كَثْلُهُ: قد أجمع كلُّ من نَحْفظ عنه من أهل العلم على أن للذي يريد السفر أن يقصر الصلاة إذا خرج عن جميع بيوت القرية التي منها يخرج، واختلفوا في تقصير الصلاة قبل الخروج عن البيوت، فقال كثير من أهل العلم: لا يقصر الصلاة حتى يخرُج من بيوت القرية، رَوَينا حديثاً فيه أنهم خرجوا مع عليّ بن أبي طالب، قال الراوي: فقصرنا الصلاة، ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا، فقصرنا، ونحن نرى البيوت، وروينا عنه أنه خرج من البصرة، فرأى خُصّاً، فقال: لولا هذا الخصّ (٢) لقصرنا، وكان ابن عمر يقصُرُ الصلاة، وهو ينظر إلى المدينة. قال: وروينا عن علقمة، وعمرو بن ميمون، وأبي فاختة (٣) أنهم قصروا حين خرجوا من البيوت، وبه قال النخعيّ، وقال قتادة: إذا جاوز الجِسر، أو الخندق يصلي ركعتين، وممن قال: إنه يقصر إذا خرج من بيوت القرية: مالكٌ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وفيه قولٌ ثالثٌ، روينا عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفراً، فصلّى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب عبد الله، وقال عطاء بن أبي رباح: إذا خرج الرجل حاجّاً، فلم يخرج من بيوت القرية حتى حضرت الصلاة، فإن شاء قصر، وإن شاء أوفى، وقال سليمان بن موسى: إذا خرج الرجل من بيته ذاهباً لوجهه، فلم يخرج من القرية (١) ((بداية المجتهد)) ١٦٨/١ - ١٦٩. (٢) ((الْخُصّ)) بالضمّ: بيتٌ يُعمل من الخشب والقصب، وجمعه خُصاص، وأخصاص، وسُمّي به؛ لما فيه من الخُصاص، وهي الْفُرَجُ والأنقاب. انتهى. ((النهاية)) ٣٧/٢. (٣) هو سعيد بن علاقة الهاشميّ الكوفيّ، مولى أم هانىء بنت أبي طالب، وثقه جماعة، وتوفّي في ولاية عبد الملك، أو الوليد بن عبد الملك. ٣٩ (١) - بَابُ قَصْرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ - حديث رقم (١٥٧٠) حتى حانت الصلاة، فليقصُر، وكذلك إذا دخل القرية راجعاً من سفره، ثم حانت الصلاة، فليقصُرها حتى يدخل بيته. قال: وقد روينا عن مجاهد قولاً ثالثاً، لا أعلم أحداً قال به، روينا عنه أنه قال: إذا خرجت مسافراً، فلا تقصُر الصلاة يومك حتى الليل، وإن رجعت، أو خرجت ليلاً طويلاً، فلا تقصر الصلاة حتى تُصبح. قال ابن المنذر كَخَّتُهُ: يلزم المقيم ما دام مقيماً إتمام الصلاة، فإذا عزم على السفر، وخرج من منزله، ولم يبرُز عن قريته، واختلفوا في أمره، فعليه الإتمام على أصل ما كان عليه حتى يبرُز عن بيوت القرية، فإذا برز عنها قصر إذا كان سفره يقصر في مثله الصلاة؛ إذ لا أعلم أحداً يمنعه من ذلك، ولا نعلم النبيّ وَّ قصر في شيء من أسفاره إلا بعد خروجه عن المدينة، فأما ما رُوي عن مجاهد، فقد تُكُلّم في إسناده، والسنّة تدلّ على خلافه، صلّى النبيّ وَ ﴿ بذي الْحُليفة ركعتين، وليس بينها وبين المدينة يوم، ولا نصف يوم. انتهى كلام ابن المنذر رَّتُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً. والحاصل أن من أراد سفراً، فخرج من بيوت القرية قصر، سواء كان قريباً أم بعيداً، وإلا فلا يقصر؛ لأنه ◌َّ ما قصر إلا بعد خروجه من المدينة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في حدّ الإقامة التي يجب على المسافر إتمام الصلاة بها : قال الإمام ابن المنذر تَخّْتُهُ: اختلفوا في القدر الذي يجب على المسافر إذا أقام ذلك المقدار إتمام الصلاة: فقالت طائفة: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتمّ الصلاةَ، وروينا هذا القول عن ابن عمر، وبه قال سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: إذا أزمع إقامة اثنتي عشرة أتمّ الصلاة، هذا قول عبد الله بن عمر بن الخطاب، آخر أقواله، كما ذكره نافع، وبنحوه قال الأوزاعي. (١) ((الأوسط)) ٣٥١/٤ - ٣٥٤. ٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب صلاة المسافرين وقصرها وقالت طائفة: إذا عزم على مقام عشر ليال أتم الصلاة، وهذا قول الحسن بن صالح، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وليس ذلك بثابت عنهما، وبه قال محمد بن عليّ. وقالت طائفة: إذا أقمت أكثر من خمس عشرة، فأتم الصلاة، روي هذا عن سعيد بن جُبير، وعبد الله بن عُتبة، وبه قال الليث بن سعد. الخامس: أن من أقام أربعاً صلى أربعاً، هكذا قال مالك، وأبو ثور، واحتجّ أبو ثور بأنهم لما أجمعوا على ما دون الأربع أنه يقصر كان ذلك له، فلما اختلفوا في الأربع كان عليه أن يُتمّ، وذلك أن الفروض لا تزال باختلاف. السادس: قول ابن عباس ﴿ها: إذا سافرنا تسع عشرة نقصر الصلاة. السابع: قول أحمد بن حنبل: إذا أجمع لعشرين صلاةً مكتوبة قصر، فإذا عزم على أن يُقيم أكثر من ذلك أتمّ (١) . واحتجّ بحديث جابر، وابن عباس ﴿ه أن النبيّ ◌َّ قَدِمَ لصبح رابعة، قال: فأقام النبيّ وَّر الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، فإذا أجمع أن يُقيم كما أقام النبيّ ◌َِّ قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ. الثامن: قول سعيد بن المسيب: إذا وطنت نفسك بأرض أكثر من ثلاث، فأتمّ الصلاة. التاسع: قوله أيضاً: إن المسافر إذا أقام ثلاثاً أتمّ. قال ابن المنذر: هذان قولان لا نعلم أحداً قال بهما . وله قول آخر، كقول الثوريّ، وآخر كقول مالك. العاشر: ذكره إسحاق ابن راهويه، قال: وقد قال آخرون، وهم الأقلون من أهل العلم: صلاة المسافر ما لم ترجع إلى أهلك إلا أن تُقيم ببلدة لك بها (١) لكن المشهور عن الإمام أحمد كَفُ كما يأتي قريباً أنه إذا عزم على إحدى وعشرين صلاةً قَصَر، وإن كان أكثر أتمّ.