النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ (٥٥) - بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟ - حديث رقم (١٥٣١) رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الأحول، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتُ حافظٌ حجةٌ قُدوة، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥. ٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت١٩٠) أو قبلها وله بضع و(٧٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط بآخره [٦] (ت١٥٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧. ٤ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٨/ ١٣٧. ٥ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصري، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تَّقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٦ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و((قتادة)) ذُكر في السند الماضي. وقوله: (كُلَّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ) الضمير لشعبة، وسعيد بن أبي عَرُوبة، وهشام الدستوائيّ. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة السابق، وهو: عن أبي نضرة، عن ضىعنه. سعيد الخدريّ آبی وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل الحديث المذكور في رواية أبي عوانة، عن قتادة الماضي. [تنبيه]: رواية شعبة، وهشام كليهما، عن قتادة هذه ساقها الإمام أحمد رَخْذَتُ في ((مسنده))، فقال: (١٠٨٠٦) حدّثنا يحيى، حدّثنا هشام وشعبة، قالا: حدّثنا قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبيّ وَّ: ((إذا كانوا ثلاثةً فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)) . ٤٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وساق النسائيّ تَظْتُهُ رواية هشام، عن قتادة مفردةً في ((المجتبى)) (٧٧/٢) فقال : (٧٨٢) أخبرنا عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن هشام، قال: حدّثنا قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبيّ وَ لَر قال: ((إذا كانوا ثلاثةً، فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)). وأما رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، فساقها ابنُ أبي شيبة ◌َّتُهُ في ((مصنّقه)) (٣٠٢/١) فقال: (٣٤٥٢) حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَ له: ((إذا كانوا ثلاثةً، فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)). وساقها الإمام أحمد تَّتُهُ أيضاً في ((مسنده))، فقال: (١٠٩٠٥) حدّثنا محمد بن جعفر، وسئل عن الثلاثة يجتمعون، فتحضرهم الصلاة؟ قال: حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، أن رسول الله ﴿ قال: ((إذا اجتمع ثلاثةٌ، فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥٣٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ (ح) وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، جَمِيعاً عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّهِ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (سَالِمُ بْنُ نُوحٍ) بن أبي عطاء البصريّ الْجَزَريّ، أبو سعيد العطار، صدوقٌ، له أوهامٌ [٩]. ٤٢٣ (٥٥) - بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟ - حديث رقم (١٥٣٢) رَوَى عن سعيد بن إياس الْجُرَيريّ، وابن جريج، وابن أبي عروبة، وابن عون، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وعمرو بن عليّ، وقتيبة، وأبو موسى، وبندار، وأبو هشام الرِّفاعيّ، وعقبة بن مُكْرَم، ويزيد بن سنان القَزّاز، وعبد الرحمن بن منصور الحارثيّ، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما بحديثه بأس، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو زرعة: لا بأس به، صدوقٌ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، ولا يحتج به، وقال عمرو بن عليّ: قلت ليحيى بن سعيد: قال سالم بن نوح: ضاع مني كتاب يونس، يعني ابن عبيد، والجزريّ، فوجدتهما بعد أربعين سنة، قال يحيى: وما بأس بذلك، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: عنده غرائب، وأفراد، وأحاديثه مُحْتَمَلَةٌ، متقاربة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الساجيّ: صدوقٌ، ثقةٌ، وأهل البصرة أعلم به من ابن معين، وذكره ابن شاهين في ((الثقات))، وقال: قال ابن معين: ليس بحديثه بأسٌ، وقال الدارقطنيّ: ليس بالقويّ. وقال ابن قانع: مات سنة (٢٠٠)، وهو بصريّ ثقة، وقال البخاريّ عن الجراح بن مَخْلَد: مات بعد المائتين. أخرج البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث. ٣ - (حَسَنُ بْنُ عِيسَى) بن ماسَرْجِس (١)، أبو عليّ النيسابوريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (م د س) تقدم في ((المقدمة)) ١٠١/٦. ٤ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ الإمام الحافظ الفقيه الحجة المشهور، ذو المناقب الجمّة [٨] (ت١٨١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥. ٥ - (الْجُرَيْرِيُّ) - بضم الجيم، مصغّراً - سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠. (١) بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم، بعدها سين مهملة. ٤٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية الْجُرَيريّ، عن أبي نضرة هذه، ساقها ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٠٠/٣) فقال: (١٧٠١) أخبرنا أبو طاهر، نا أبو بكر (١)، نا محمد بن بشار، ثنا سالم بن نوح، أخبرنا الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ وَّل قال: ((إذا اجتمع ثلاثةٌ، أمّهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥٣٣] (٦٧٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَؤُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتََّبٍ (٢) اللّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءَ، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءَ، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْماً، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ، إِلَّا بِإِذْنِهِ))، قَالَ الْأَشَجُّ فِي رِوَايَتِهِ مَكَانَ سِلْماً: ((سِنَاً))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصین الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤. ٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان، تقدّم قبل بابين. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَجَاءٍ) بن ربيعة الزُّبَيديّ، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ، تكلّم فيه الأزديّ بلا حجة [٥] (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٦/٢٢. ٤ - (أَوْسُ بْنُ ضَمْعَج) - بفتح الضاد المعجمة، وسكون الميم، بعدها (١) هو ابن خزيمة صاحب ((الصحيح))، وأبو طاهر تلميذه. (٢) وفى نسخة: ((بكتاب الله)). ٤٢٥ (٥٥) - بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟ - حديث رقم (١٥٣٣) عينٌ مهملة مفتوحةٌ، ثم جيم، بوزن جَعْفَر - الكوفيّ الحضرميّ، ويقال: النخعيّ، ثقةٌ مخضرم، [٢]. رَوَى عن أبي مسعود الأنصاريّ، وسلمان الفارسيّ، وعائشة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه عمران، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وإسماعيل بن رجاء، وقال: كان من القراء الأُوَل، وذكر منه فَضْلاً، وقال شبابة: حدّثنا شعبة، وذُكِر عنده أوس بن ضَمْعَج، فقال: والله ما أراه إلا كان شيطاناً، يعني لجودة حديثه، ورَوَى الحسين بن الحسن الرازيّ، عن ابن معين: لا أعرفه، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: أدرك الجاهلية، وكان ثقةً، معروفاً، قليل الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). قال خليفة بن خياط: كان في ولاية بشر بن مروان سنة (٧٤). أخرج له مسلم والأربعة وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده. ٥ - (أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ) عُقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ الشهير، مات قبل (٤٠)، أو بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٨. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف ◌َظّمُهُ. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إسماعيل، عن أوس. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه اشتهر بأنه بدريّ نسبةً إلى بدر، قيل: لشهوده غزوة بدر، وهو الذي ذكره البخاريّ في ((صحيحه))، وقيل: إنه لم يشهدها، وإنما نُسب إليها لسكناه بها، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو البدريّ ◌َظُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ) خبر بمعنى الأمر، أي ليؤُمَّ ٤٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة القوم أقرؤهم، بدليل حديث عمرو بن سَلِمَةَ عند البخاريّ: ((ليؤمكم أكثركم قرآناً)). يعني أنه يجب أن يُقَدَّم الأقرأ لكتاب الله تعالى في الصلاة بالناس على غيره. وقد اختُلِف في المراد من الأقرأ، فقيل: المراد أحسنهم قراءة، وأعلمهم بأحكامها، وإن كان أقلهم حفظاً، وقيل: أكثرهم حفظاً للقرآن، ويدلّ عليه حديث عمرو بن سَلِمة المذكور، وقيل: المراد به الأفقه؛ لأنك إذا اعتَبَرت أحوال الصحابة وجدت أن أفقههم أقرؤهم، فيكون المراد من قوله وَل : ((أقرؤهم لكتاب الله))، أي أعلمهم به. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح تفسيره بالأكثر حفظاً للقرآن؛ لحديث عمرو بن سلِمة حظّه؛ فإن خيرَ ما فُسِّر به الحديث ما جاء في حديث آخر، كما قال في ((ألفية الحديث)): عَنِ الصَّحَابِيِّ وَرَاوٍ قَدْ حَكَوَا وَخَيْرُهُ مَا جَاءَ مِنْ طَرِيقٍ أوْ والله تعالى أعلم. وقال الإمام الخطابيّ تَّهُ: وهذا هو الصحيح المستقيم في الترتيب، وذلك أنه ◌َّ جعل مِلاك الإمامة القراءة، وجعلها مُقَدَّمةً على سائر الخصال المذكورة معها، والمعنى في ذلك أنهم كانوا قوماً أُمِّين، لا يقرؤون، فمن تَعَلَّم منهم شيئاً من القرآن كان أحق بالإمامة ممن لم يتعلم؛ لأنه لا صلاة إلا بقراءة، وإذا كانت القراءة من ضرورة الصلاة، وكانت ركناً من أركانها صارت مقدمة في الترتيب على الأشياء الخارجة عنها . ثم تلا القراءة العلم بالسنّة، وهي الفقه، ومعرفة أحكام الصلاة، وما سَنَّه رسولُ اللهِ وَّ فيها، وبيّنه من أمرها، فإن الإمام إذا كان جاهلاً بأحكام الصلاة، وبما يَعْرِض فيها من سهو، ويقع من زيادة ونقصان أفسدها، وأخدجها، فكان العالم بها، والفقيه فيها مُقَدَّماً على من لم يَجْمَع علمها، ولم يعرف أحكامها . ومعرفةُ السنّة، وإن كانت مؤخّرة في الذكر، وكانت القراءة مبدوءاً بذكرها، فإن الفقيه العالم بالسنّة إذا كان يقرأ من القرآن ما تجوز به الصلاة ٤٢٧ (٥٥) - بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟ - حديث رقم (١٥٣٣) أحقّ بالإمامة من الماهر بالقراءة إذا كان متخلفاً عن درجته في علم الفقه، ومعرفة السنّة. وإنما قُدم القارئ في الذكر؛ لأن عامة الصحابة إذا اعتَبَرْتَ أحوالَهُم وجدت أقرأهم أفقههم. وقال ابن مسعود به: كان أحدنا إذا حفظ سورة من القرآن لم يَخْرُج عنها إلى غيرها حتى يُحكِم علمها، أو يَعْرِف حلالها وحرامها، أو كما قال. فأما غيرهم ممن تأخر بهم الزمان، فإن أكثرهم يقرؤون القرآن، ولا يفقهون، فقراؤهم كثير، والفقهاء منهم قليل. انتهى كلام الخطابيّ تَُّ . وقال النوويّ تَخَّتُ: فيه دليل لمن يقول بتقديم الأقرأ على الأفقه، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد، وبعض أصحابنا، وقال مالك، والشافعيّ، وأصحابهما: الأفقه مُقَدَّمٌ على الأقرأ؛ لأن الذي يُحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يُحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، وقد يَعْرِض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه، قالوا: ولهذا قدم النبيّ أبا بكر ظبه في الصلاة على الباقين، مع أنه وَّ نَصَّ على أن غيره أقرأ منه. وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه، لكن في قوله: ((فإن كانوا في القراءة سواءً، فأعلمهم بالسنَّة)» دليل على تقديم الأقرأ مطلقاً . قال: ولنا وَجْهُ اختاره جماعة من أصحابنا، أن الأورع مُقَدَّم على الأفقه والأقرأ؛ لأن مقصود الإمامة يحصل من الأورع أكثر من غيره. انتهى كلام النوويّ(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاروه من تقديم الأورع على الأقرأ قول مخالف لهذا الحديث الصحيح الصريح، فلا ينبغي الالتفات إليه، فالحقّ ما ذهب إليه الإمامان: أبو حنيفة وأحمد - رحمهما الله تعالى - من تقديم الأقرأ مطلقاً، وسيأتي تحقيق ذلك بدليله في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً) ((سواءً)) خبر ((كان)) بمعنى مُسْتَوِين، أي إن (١) ((شرح النووي)) ١٧٢/٥ - ١٧٣. ٤٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة استووا في القدر المعتبر من القراءة؛ إما في حسنها، أو في كثرتها وقلتها على القولين . (فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ) أي فيؤم أكثرهم علماً بالسنَّة، قال السنديّ تَّتُ: حملوها على أحكام الصلاة. انتهى. وقال الشوكانيّ تَخُّْهُ: فيه أن مزية العلم مقدَّمةٌ على غيرها من المزايا الدينية . وقال الطيبيّ تَخْلَتُهُ: أراد بها الأحاديث، فالأعلم بها كان أفقه في عهد الصحابة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((في عهد الصحابة)) فيه نظرٌ؛ إذ الأعلم بالأحاديث هو الأفقه على الإطلاق في عهدهم وبعد عهدهم، فإن الفقه هو فهم الأحكام الشرعية التي أنزلها الله تعالى في كتابه، والأحاديثُ هي الْمُبَيِّنة لمعاني الكتاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فأهل الحديث هم الأفقهون، ولا التفات إلى ما يُهَوِّش به أعداء السنّة من تهوين أمر الحديث، وتخذيلهم الأغبياء عن الاهتمام بالحديث، وكأن الحديث عندهم ليس مصدراً للفقه ﴿سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَؤُ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. (فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءَ، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً) عطف على ((أعلمهم بالسنّة))، والفاء للترتيب، أي يؤم القوم أقدمهم في الهجرة، يعني أن الأسبق في الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، يكون أولى بالإمامة ممن تأخر في ذلك. وإنما قُدِّمَ؛ إما لأن القِدَم في الهجرة شرفٌ يقتضي التقديم، أو لأن من تقدمت هجرته لا يخلو غالباً عن كثرة العلم بالنسبة إلى من تأخر، قاله السنديّ. ثم إن الهجرة المقدَّم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره اَلر، بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة، كما وردت بذلك الأحاديث، وقال به الجمهور، وأما حديث: ((لا هجرة بعد الفتح))، متّفقٌ عليه، فالمراد به الهجرة من مكة إلى المدينة، أو لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح، وهذا لا بُدّ منه للجمع بين الأحاديث، قاله الشوكانيّ رَّتُهُ. وقال النوويّ كَخْتُهُ: قال أصحابنا - يعني الشافعية -: يدخل فيه طائفتان: ٤٢٩ (٥٥) - بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟ - حديث رقم (١٥٣٣) [أحدهما]: الذين يهاجرون اليوم من دار الكفر إلى دار الإسلام، فإن الهجرة باقية إلى يوم القيامة عندنا، وعند جمهور العلماء، وقوله وَله: ((لا هجرة بعد الفتح))؛ أي لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، أو لا هجرة فضلها كفضل الهجرة قبل الفتح. [الطائفة الثانية]: أولاد المهاجرين إلى رسول الله وَلو، فإذا استوى اثنان في الفقه والقراءة، وأحدهما من أولاد من تقدمت هجرته، والآخر من أولاد من تأخرت هجرته قدم الأول. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وفي الاستدلال بحديث الباب على الطائفة الثانية بُعْد لا يخفى، فتأمّله بإنصاف. وقال بعضهم: المعتبر اليوم الهجرة المعنوية، وهي هجرة المعاصي، فیکون الأورع أولى. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: تخصيصه باليوم فيه نظرٌ، بل الظاهر حمل الحديث على ما يعم الهجرتين مطلقاً، في أيّ زمن كان؛ لأن هجرة المعاصي هي الهجرة الحقيقية؛ لحديث عبد الله بن عمرو بالمتفق عليه مرفوعاً: ((والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)). فيكون المعنى أنه يُقَدَّم في الإمامة من كان أسبق للهجرة، أي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، أو أسبق لهجران المعاصي على من تأخر في ذلك، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: في رواية مسلم هنا تقديم الأعلم بالسنّة على الأقدم في الهجرة، وقد ساقه من رواية أبي خالد الأحمر، عن الأعمش، ثم من رواية أبي معاوية، وجرير، وابن فضيل، وسفيان كلهم عن الأعمش، وهكذا عند أبي داود، والترمذيّ، وأحمد في ((مسنده))، وابن خزيمة في ((صحيحه)). وقع عند النسائيّ تَخْتُ في ((المجتبى)) (٧٨٠/٣)، وفي ((الكبرى)) (٣/ ٨٥٥) من رواية فضيل بن عياض، عن الأعمش، تقديم الأقدم في الهجرة على الأعلم بالسنّة. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن ما وقع عند النسائيّ خطأ، والصواب ما عند هؤلاء، لاتفاق هؤلاء الحفاظ عليه، ومخالفة فضيل لهم، ٤٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقد حقّقت ذلك في ((شرح النسائيّ)) فراجعه(١) تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءٌ، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْماً) - بكسر السين المهملة، وسكون اللام - أي إسلاماً، وهذا لفضيلة السبق إلى الإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿وَالسَِّقُونَ السَّبِقُونَ [الواقعة: ١٠ - ١١]، وفي ·أُوْلَئِكَ الْمُقَرَُّنَ رواية الأشجّ: ((سِنّا)) مكان ((سِلْماً))، يعني أنه إن استوى القوم في الهجرة، فيؤمهم أقدمهم إسلاماً، أو أكبرهم سِنّاً . قال في ((النيل)): أي يقدَّم في الإمامة من كبر سنه في الإسلام؛ لأن تلك فضيلة يُرَجَّح بها، وجعل البَغَويّ أولاد من تقدَّم إسلامه أولى من أولاد من تأخر إسلامه، والحديث لا يدل عليه. انتهى(٢). وقال القاضي عياض نظُّ: وقد روي عن الزهريّ في هذا الحديث: ((فإن استووا في القراءة، فأفقههم في دين الله، فإن كانوا في الفقه سواءً، فأكبرهم سنّاً، فإن كانوا في السنّ سواءً، فأصبحهم وجهاً، فإن كانوا في الصباحة والحسن سواءً، فأكثرهم حسباً)). انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي روي عن الزهريّ مما لا دليل عليه، فإن التقديم بحسن الوجه وشرف الحسب، مما لم يرد في النصّ أصلاً، ومما يُتعجّب منه أن في كتب الفقهاء قد يوردون في هذا الترتيب أشياء لم يُنزل الله تعالی بها من سلطان. فعلى سبيل المثال استمع إلى ما كتبه صاحب ((الدرّ المختار)) وهو من أشهر كتب الفقه الحنفيّ، حيث قال بعد ذكر الأعلم، والأحسن تلاوة، والأورع: ثم الأحسنُ خُلُقاً، ثم الأحسن وجهاً، ثم الأشرف نسباً، ثم الأحسن صوتاً، ثم الأحسن زوجةً، ثم الأكثر مالاً، ثم الأكثر جاهاً، ثم الأنظف ثوباً، ثم الأكبر رأساً، والأصغر عضواً (٤)، يعني ذكراً، إلى آخر کلا مه . (١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ٣٤٦/٩ - ٣٤٧. (٢) (نيل الأوطار)) ٥٤/٤. (٣) ((إكمال المعلم)) ٦٥٢/٢ - ٦٥٣. (٤) راجع: ((الدرّ المختار)) مع حاشيته ((ردّ المحتار)) ٢٩٤/٢ - ٢٩٦. ٤٣١ (٥٥) - بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟ - حديث رقم (١٥٣٣) انظر إلى ماذا وصل بهم الجهل بالسنّة، والبعد عن اتباعها، ودراسة كتبها، أو التجاهل بها، أو التقليد الأعمى لكلّ ذي هوى، فلا حول ولا قوّة إلا بالله، فهل يصدر من أيّ عاقل فضلاً عن أهل العلم أن يسأل الحاضرين مَن أصغر منكم ذكراً؟، حتى يؤمّنا، أو يقول لشخص إنك أكبر ذكراً من الحاضرين فلا تؤمهم، إن هذه لهي الْوَقَاحة، بل هو ذهاب الحياء والمروءة بالكليّة، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، اللهم أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، اللهم آمين. (وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ) ((لا)) ناهية، والفعل مبنيّ؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وهو مبنيّ للفاعل، و((الرجل)) الأول مرفوع على الفاعليّة، والثاني منصوب على المفعولية، وفي رواية شعبة، عن إسماعيل بن رجاء الآتية: (ولا تؤمَّنَّ الرجل في أهله، ولا في سُلطانه))، وفي رواية الترمذيّ، والنسائيّ رحمهما الله: من طريق شعبة، عن إسماعيل أيضاً: ((ولا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا يُجلَسُ على تكرمته))، بالبناء للمفعول (فِي سُلْطَانِهِ) قال التوربشتيّ تَخْلُهُ: السلاطة: التمكّن من القهر، وهو من التسلّط، ومنه السلطان، والسلطان يقال في السلاطة، ولذي السلاطة، والمراد الأول، والمعنى: لا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في محلّ ولايته، ومظهر سلطانه، أو فيما يملكه، أو في محلٌّ يكون في حكمه، ويَعْضِد هذا التأويل الرواية الأخرى: ((في أهله))، وفي رواية أبي داود: ((في بيته، ولا في سلطانه))، ولذا كان ابن عمر ◌ّا يصلي خلف الحجاج، وصحّ عن ابن عمر أن إمام المسجد مقدم على غير السلطان. وتحريره أن الجماعة شُرِعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة، وتآلفهم، وتوادّهم، فإذا أمَّ الرجل الرجل في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة، وخلع رِبْقَة الطاعة، وكذلك إذا أمّه في قومه وأهله أدّى ذلك إلى التباغض، والتقاطع، وظهور الخلاف الذي شُرع لدفعه الاجتماع، فلا يتقدم رجل على ذي السلطنة، لا سيما في الأعياد والجمعات، ولا على إمام الحيّ، ورب البيت إلا بالإذن. انتهى(١). (١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١٥٢/٤ - ١١٥٣. ٤٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقال النوويّ كَخّْتُهُ: قوله وَله: ((ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه)): معناه ما ذكره أصحابنا - يعني الشافعية - وغيرُهم؛ أن صاحب البيت، والمجلس، وإمام المسجد، أحقّ من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه، وأقرأ، وأورع، وأفضل منه، وصاحب المكان أحقُّ، فإن شاء تقدم، وإن شاء قدَّم من يريده، وإن كان ذلك الذي يقدِّمه مفضولاً بالنسبة إلى باقي الحاضرين؛ لأنه سلطانه، فیتصرف فيه کیف شاء. قال أصحابنا: فإن حضر السلطان، أو نائبه، قُدِّم على صاحب البيت، وإمام المسجد، وغيرهما؛ لأن ولايته وسلطنته عامّة، قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه. انتهى كلام النوويّ دَّتُهُ(١). (وَلَا يَقْعُدْ) ((لا)) ناهية أيضاً، والفعل مجزوم بها. قال الجامع عفا الله عنه: هذا هو الظاهر، وذكر في ((المرعاة)) أنه قيل: بالرفع، فإن صحّ روايةً فـ((لا)) تكون نافية، والمراد بالنفي هو النهيُ، وإلا فالوجه هو الأول، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ) نهي للرجل أيضاً عن القعود على ما يُكرَمُ به الرجل في بيته من فراش أو نحوه، إلا بإذنه. و ((التكرمة)) : - بفتح التاء، وكسر الراء ــ هي في الأصل مصدر على تَفْعِلَة من كَرَّمَ المضغَّف، على قلة؛ لأن قياس مصدر فَعَّل المضاعف إذا كان صحيح اللام على تَفْعِيلِ، ككلّم تكليماً، وسلّم تسليماً، وندر مجيئه على تَفْعِلَةٍ، كَكَرَّمَ تَكْرِمَةً، وجَرّب تَجْرِبَةً، وإذا كان معتلّ اللام جاء على تفعِلَة، کزَّی تزکیة، وولّى تولية، وندر مجيئه على تفعيل، كقوله [من الرجز]: بَاتَتْ تُنَزِّي دَلْوَهَا تَنْزِيًّا كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيًّا وإلى هذا أشار ابن مالك في ((لامية الأفعال))، حيث قال [من البسيط]: وَفَعَّلَ اجْعَلْ لَهُ التَّفْعِيلَ حَيْثُ خَلَا لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالاً أَوْ مُفَاعَلَةٌ مِنْ لَام اعْتَلَّ لِلْحَاوِيهِ تَفْعِلَةً إِلْزَمْ وَلِلْعَارِ مِنْهُ رُبَّمَا بُذِلَا أُظْلِقَ هنا مجازاً على ما يُعَدُّ للرجل إكراماً له في منزله. (١) ((شرح النوويّ) ١٧٣/٥. ٤٣٣ (٥٥) - بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟ - حديث رقم (١٥٣٣) وفي ((صحيح ابن حبان)): قال شعبة: فقلت لإسماعيل بن رَجَاء: ما تكرمته؟ قال: فراشه. انتهى. وقال في ((اللسان)»: التَّكْرِمة: الموضع الخاصّ لجلوس الرجل، من فراش، أو سرير، مما يُعَدُّ لإكرامه، وهي تَفْعِلَةٌ من الكرامة. انتهى (١). وقال النوويّ، وابن رِسْلان: التكرمة: الفراش، ونحوه، مما يُبْسَط لصاحب المنزل، ويَختَصُّ به، دون أهله، وقيل: هي الوسادة، وفي معناها السرير ونحوه. وقال التوربشتيّ: ((تكرمته)) هي ما يُعدّ للرجل إكراماً له في منزله، من فراش، وسجّادة، ونحوهما، وقيل: ((تكرمته)) مائدته، ولا إسناد لهذا، ولا مأخذ يُعتدّ به، قال البيضاويّ: على هذا هو في الأصل مصدر كرّم تكريماً أُطلق على ما يُكْرَم به مجازاً. انتهى(٢). وإنما نُهِي عن القعود على تكرمة الرجل؛ لأن المكان الذي يجلس فيه صاحب الدار عادةً، ويَخُصّ به نفسه، يكون محلاً لأشياء لا يحب أن يَطَّلِعِ عليها غيره، أو يكون مشرفاً على داره كلها، أو على ما يريده هو، فيرى منه أحوال أهل بيته، ويبلغهم ما يريد، فإذا أذن لغيره بالجلوس، عُلِم أن المكان آمن من ذلك كله، والله تعالى أعلم. (إِلَّا بِإِذْنِهِ))) قيل: الاستثناء متعلِّق بكلا الفعلين، فيجوز أن يؤم الزائر صاحب البيت، ويجلس على تكرمته بإذنه، وقيل: متعلّق بالثاني فقط، والراجح الأول. قال الإمام أبو عيسى الترمذيّ تَّتُهُ: والعمل على هذا - يعني حديث أبي مسعود المذكور في الباب - عند أهل العلم، قالوا: أحقُّ الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله، وأعلمهم بالسنّة، وقالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة، وقال بعضهم: إذا أَذِن صاحب المنزل لغيره، فلا بأس أن يصلي بهم، وكرهه بعضهم، وقالوا: السنّة أن يصلي صاحب البيت. قال أحمد بن حنبل: وقول النبيّ وَّ: ((لا يُؤَمُّ الرجلُ في سلطانه، ولا (١) ((لسان العرب)) ٥١٥/١٢. (٢) راجع: ((الكاشف)» ٤/ ١١٥٣. ٤٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة يُجْلَس في بيته على تكرمته، إلا بإذنه))، فإذا أذن، فأرجو أن الإذن في الكلّ، ولم ير به بأساً إذا أذن له أن يصلي به. انتهى كلام الترمذيّ ◌َظُّهُ(١). وقوله: (قَالَ الْأَشَجُّ فِي رِوَايَتِهِ مَكَانَ سِلْماً: ((سِنّاً))) أشار به إلى الاختلاف بين شيخيه لفظة، وهو أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة قال في روايته: ((فأقدمهم سِلْماً)) باللام والميم، وقال شيخه أبو سعيد الأشجّ: ((فأقدمهم سنّاً)) بالنون المشدّدة، والمعنى متقارب، قال النوويّ كَّتُهُ: معناه: إذا استويا في الفقه، والقراءة، والهجرة، ورَجَحَ أحدهما بتقدُّم إسلامه، أو بكَبر سنه قُدِّم؛ لأنها فضيلة يُرَجَّح بها. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: رضُّه هذا من أفراد (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود الأنصاريّ المصنّف نَخْذَتهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٣٣/٥٥ و١٥٣٤ و١٥٣٥] (٦٧٣)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٥٨٤)، و(الترمذيّ) فيها (٢٣٥) وفي ((الأدب)) (٢٧٧٢)، و(النسائيّ) في ((الإمامة)) (٧٨٠ و٧٨٣)، و((الكبرى)) (٨٥٥ و٨٥٨)، و(عبد الرّزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٨٠٨ و٣٨٠٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٥٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٧٢/٥)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٥٠٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢١٢٧)، و(ابن الجارود) في (المنتقى)) (٣٠٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٠٠/١٧ و٦٠١ و٦٠٢ و٦٠٣ و٦٠٤ و٦٠٥ و٦٠٦ و٦٠٧ و٦٠٨ و٦٠٩ و٦١٠ و٦١٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١/ ٢٤٣)، و(الدار قطنيّ) في ((سننه)) (٢٨٠/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٥/٢ و٣٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٠٤ و١٥٠٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١) ((جامع الترمذيّ)) ٣٣/٢ - ٣٥ بنسخة ((تحفة الأحوذيّ)). (٢) ((شرح النوويّ)) ١٧٣/٥. ٤٣٥ (٥٥) - بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟ - حديث رقم (١٥٣٣) (٩٠/٣ و١١٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٨٣٢)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ: في ((الفتح)): مدار هذا الحديث على إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضَمْعَج، وليسا جميعاً من شرط البخاريّ، وقد نَقَلَ ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه أن شعبة كان يتوقف في صحة هذا الحديث، ولكن هو في الجملة يصلح للاحتجاج به عند البخاريّ، وقد عَلَّق منه طرفاً بصيغة الجزم، واستعمله هنا في الترجمة - أي حيث قال البخاريّ تَّتُهُ: ((بابٌ إذا استووا في القراءة، فليؤمّهم أكبرهم)). انتهى (١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مَن هو أحق الناس بالإمامة، فيقدم الأقرأ لكتاب الله، فإن استووا قدم الأعلم بالسنّة، فإن استووا قدم الأقدم في الهجرة، فإن استووا قُدِّم الأكبر في السن، أو في الإسلام. ٢ - (ومنها): أن إقامة الصلاة من مهمات الأمور الدينية، فلذا أمر الشارع أن يقدَّم لها الأكمل، فالأكمل. ٣ - (ومنها): أن السلطان، وصاحب البيت لا يجوز أن يتقدم عليهما غيرهما، إلا بإذنهما، فإذا أذنا جاز؛ على خلاف سنذكره في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٤ - (ومنها): أن المفضول يجوز أن يتقدم على الفاضل إذا أذن له. ٥ - (ومنها): أنه لا يجوز للشخص أن يجلس على تَكْرِمة غيره إلا بإذنه. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن خزيمة لكَُّ في ((صحيحه)) بعد روايته حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه السابق ما نصّه: في هذا الخبر، وخبر قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، وخبر أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود، دلالةٌ على أن العبيد إذا كانوا أقرأ من الأحرار، كانوا أحقَّ بالإمامة؛ إذ النبيّ وَّ لم يستثن في الخبر حُرّاً دون مملوك. انتهى. وسيأتي الكلام على إمامة العبد في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) راجع: ((الفتح)) ٢/ ٢٠٠. ٤٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في ترتيب الأحق بالإمامة: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ تَخْذُّهُ: هذه مسألة اخْتَلَف فيها السلف: فقال مالك: يؤم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة، وللسنّ حقٍّ، قيل له: فأکثرهم قرآناً؟ قال: لا، قد يقرأ من لا یکون فيه خير. وقال الثوريّ: يؤمهم أقرؤهم، فإن كانوا سواءً، فأعلمهم بالسنّة، فإن استووا، فأسنّهم. وقال الأوزاعيّ: يؤمهم أفقههم في دين الله. وقال أبو حنيفة: يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله، وأعلمهم للسنّة، فإن استووا في القراءة والعلم بالسنّة، فأكبرهم سنّاً، فإن استووا في القراءة، والفقه، والسن فأورعهم، قال محمد بن الحسن، وغيره: إنما قيل في الحديث: ((أقرؤهم)) لأنهم أسلموا رجالاً، فتفقهوا فيما عَلِمُوا من الكتاب والسنّة، أما اليوم فيتعلمون القرآن، وهم صبيان، لا فقه لهم. وقال الليث: يؤمهم أفضلهم، وخيرهم، ثم أقرأهم، ثم أسنهم إذا استووا. وقال الشافعيّ: يؤمهم أقرؤهم، وأفقههم، فإن لم يجتمع ذلك، قُدِّم أفقههم إذا كان يقرأ ما يكتفى به في صلاته، وإن قُدِّم أقرؤهم، وعَلِمَ ما يلزمه في الصلاة فحسن. وقال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: رجلان أحدهما أفضل من صاحبه، والآخر أقرأ منه؟ فقال: حديث أبي مسعود: ((يؤم القوم أقرؤهم))، قال: ألا ترى أن سالماً مولى أبي حذيفة كان مع خيار أصحاب رسول الله وَلقر، منهم عمر، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وكان يؤمهم؛ لأنه جمع القرآن، وحديث عمرو بن سَلِمَة: ((أفهم للقرآن))، فقلت له: حديث رسول الله وَله: ((مروا أبا بكر، فليصلّ بالناس)) أليس هو خلاف حديث أبي مسعود عن النبيّ وَّر: ((يؤم القوم أقرؤهم))؟، فقال: إنما قوله لأبي بكر: ((يصلي بالناس)) إنما أراد الخلافة، وكان لأبي بكر فضل بَيِّن على غيره، وإنما الأمر في الإمامة إلى القراءة، وأما قصة أبي بكر فإنما أراد الخلافة. انتهى كلام ابن عبد البرّ كَّتُهُ(١). (١) ((التمهيد)) ١٢٤/٢٢. - ٤٣٧ (٥٥) - بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟ - حديث رقم (١٥٣٣) وقال الحافظ تَّتُهُ: وقوله في حديث أبي مسعود: ((أقرؤهم)) قيل: المراد به الأفقه، وقيل: هو على ظاهره، وبحسب ذلك اختلف الفقهاء، قال النووي: قال أصحابنا: الأفقه مقدم على الأقرأ، فإن الذي يُحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يُحتاج إليه من الفقه غير مضبوط، فقد يعرض في الصلاة أمر، لا يقدر على مراعاة الصلاة فيه إلا كامل الفقه، ولهذا قَدَّم النبيّ وَّ أبا بكر في الصلاة على الباقين، مع أنه وَّ نَصَّ على أن غيره أقرأ منه، كأنه عنى حديث: ((أقرؤكم أَبَيّ))، قال: وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه. قال الحافظ: وهذا الجواب يلزم منه أن مَن نَصَّ النبيّ وَّه على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر، فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر كان لأنه الأفقه. ثم قال النوويّ بعد ذلك: إن قوله في حديث أبي مسعود: ((فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنّة، فإن كانوا في السنّة سواء فأقدمهم في الهجرة)) يدلُّ على تقديم الأقرأ مطلقاً. انتهى. قال الحافظ: وهو واضح للمغايرة، قال: ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفاً بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلاً بذلك، فلا يقدَّم اتفاقاً، والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم أهل اللسان، فالأقرأ منهم، بل القارئ كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاءوا بعدهم. انتهى كلام الحافظ تَظّهُ(١). وقال الحافظ أبو بكر بن المنذر تَّتُهُ بعد ذكر الأقوال المتقدِّمة ما نَصُّهُ: القول بظاهر خبر أبي مسعود ظُته يجب، فيُقَدِّم الناسُ على سبيل الوجوب ما قدَّمه رسول الله وََّ، لا يجاوَزُ ذلك، ولو قُدِّم إمام غير هذا المثال كانت الصلاة مجزية، ويكره خلافُ السنّة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر هو الرأي الصواب عَمَلاً بظاهر النصّ. (١) ((الفتح)) ٢٠١/٢. (٢) ((الأوسط)) ٤/ ١٥٠. ٤٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج . كتاب المساجد ومواضع الصلاة وحاصله أن الأئمة يُرَتَّبون كما رتبهم رسول الله وَّ في حديث أبي مسعود ◌َّه المذكور في الباب، فيقدم الأقرأ، فإن استووا، فالأعلم بالسنّة، فإن استووا، فالأقدم في الهجرة، فإن استووا فالأكبر سناً. فإن خالفوا ذلك جازت الصلاة مع الكراهة، وإنما قلنا بجوازها؛ لأن الأمر في قوله وَلير: ((يؤم القوم أقرؤهم)) ليس للوجوب، بدليل أنه مح له صلى خلف أبي بكر، وعبد الرحمن بن عوف ضيًا، وإنما قلنا بكراهتها؛ لمخالفة السنّة . ثم إن تقديم الأقرأ على الأعلم بالسنّة محله - كما سبق في كلام الحافظ - إذا كان عارفاً بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، وأما إذا كان جاهلاً بذلك فلا يجوز تقديمه بلا خلاف بين أهل العلم، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في إمامة غير البالغ: قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَّتُهُ: قد اختلف الناس في إمامة غير البالغ؛ فقالت طائفة بظاهر حديث عمرو بن سلمة(١)، ثم أخرج بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الأشعث قَدَّم غلاماً، فقيل له؟، فقال: إنما أقدم (١) هو ما أخرجه البخاريّ، عن عمرو بن سَلِمَة قال: كنا بماء مَمَرِّ الناس، وكان يمر بنا الرُّكْبان، فنسألهم ما للناس؟ ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام، وكأنما يُقَرُّ في صدري، وكانت العرب تَلَوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم، فهو نبيّ صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح، بادر كلُّ قوم بإسلامهم، وبَدَرَ أبي قومي بإسلامهم، فلما قَدِمَ قال: جئتكم والله من عند النبيّ وَّ حقّاً، فقال: ((صَلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً))، فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني؛ لما كنت أتلقى من الركبان، فقدَّموني بين أيديهم، وأنا ابن ست، أو سبع سنين، وكانت عليّ بُرْدَةٌ كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحيّ: ألا تُغَظُوا عنا است قارئكم، فاشتَرَوا، فقطعوا لي قميصاً، فما فَرِحت بشيء فرحي بذلك القميص. انتهى. ٤٣٩ (٥٥) - بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟ - حديث رقم (١٥٣٣) القرآن، وأخرج أيضاً عن عكرمة، عن عائشة رضيًّا أنها قالت: كنا نأخذ الصبيان من الكُتّاب، فنقدمهم يصلّون لنا شهر رمضان، ونعمل لهم القلية (١)، والخشكنان(٢). قال: وممن كان يرى ذلك جائزاً، الحسن البصري، وإسحاق، وأبو ثور، وقال الزهري: إن اضطرُّوا إليه أمّهم. وكَرِهَت طائفة إمامة من لم يبلغ، كَرِه ذلك عطاء، والشعبيّ، ومجاهد، ومالك، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وذُكر لأحمد حديث عمرو بن سَلِمَة؟ فقال: دَعْهُ، ليس هو شيءٍ بَيِّنٌ، حيث أنْ نقول فيه شيئاً، وقال الأوزاعي: لا يؤم الغلام في الصلاة المكتوبة حتى يحتلم، إلا أن يكونوا قوماً ليس معهم من القرآن شيء، فإنه يؤمهم الغلام المراهق. وقد رَوَينا عن ابن عباس أنه قال: لا يؤم الغلام حتى يحتلم. وفيه قول ثالث، وهو أن لا تجزئ الجمعة خلف الإمام الذي لم يحتلم، ويؤم في سائر الصلوات، هذا قول الشافعي آخر قوله، وكان يقول إذ هو بالعراق: ومن أجزأت إمامته في المكتوبة أجزأت إمامته في الْجُمَع، والأعياد، غير أني أكره في الْجُمَع والأعياد إمامة غير الوالي. قال ابن المنذر تَخُّْهُ: إمامة غير البالغ جائزة إذا عَقَل الصلاة، وقام بها، لدخوله في جملة قول النبيّ ◌َّر: ((يؤم القوم أقرؤهم ... ))، لم يذكر بالغاً، ولا غير بالغ، والأخبار على العموم، لا يجوز الاستثناء فيها إلا بحديث عن رسول الله وَل﴿، أو إجماع، لا أعلم شيئاً يوجب بدفع حديث عمرو بن سَلِمة، ويدخل في قول النبيّ وَالر: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ... )) تقديم الابن على الأب إذا كان أقرأ منه. انتهى كلام ابن المنذر ◌َُّهُ(٣). (١) (الْقَلِيّةُ)) كالعطيّة: والجمع قَلَايَا: مَرَقَةٌ تُتَّخَذ من لحوم الجزور، وأكبادها، أفاده في ((اللسان)) ١٩٨/١٥ - ١٩٩. (٢) ((الْخَشْكُنَان)): خبزة تُصنع من خالص دقيق الحنطة، وتُملأ بالسكّر واللوز، أو الْفُستُق، وتُقلى، فارسيّ، قاله في ((المعجم الوسيط)) ٢٣٦/١. (٣) ((الأوسط)) ١٥٠/٤ - ١٥٢. ٤٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختاره ابن المنذر لكَّثهُ من جواز إمامة الصبيّ المميز إذا كان عالماً بأحكام الصلاة هو المختار؛ لقوة دليله، وإمامة عمرو بن سَلِمة أوضح دليل عليه. وأما ما قيل: إنه ليس فيه اطلاع النبيّ وَّر، فأجيب بأن إمامته بهم كانت في حال نزول الوحي، ولا يقع في حاله التقرير لأحد من الصحابة على الخطأ، ولذا استدلّ أبو سعيد الخدريّ، وجابر ﴿ه على جواز العزل بمثل ذلك، فقالا: ((كنا نعزل، والقرآن ينزل)). قال العلامة الشوكانيّ كَثّلُهُ: وقد قيل: إن حديث عمرو المذكور كان في نافلة لا فريضة. وردّ بأن قوله: ((صلوا صلاة كذا في حين كذا))، يدل على أن ذلك كان في فريضة، وأيضاً قوله: ((فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكم أحدكم))، لا يَحْتَمِل غير الفريضة؛ لأن النافلة لا يُشْرَع لها الأذان. ومن جملة ما أجيب به عن حديث عمرو المذكور ما رُوي عن أحمد بن حنبل أنه كان يُضَعِّف أمر عمرو بن سَلِمة، رَوَى ذلك عنه الخطابي في ((المعالم))، ورُدّ بأن عمرو بن سلمة صحابيّ مشهور، قال في ((التقريب)): صحابيّ صغير نزل البصرة، وقد رُوي ما يدل على أنه وفد على النبيّ وأما القدح في الحديث بأن فيه كشف العورة في الصلاة، وهو لا يجوز، فهو من الغرائب، وقد ثبت أن الرجال كانوا يصلون عاقدي أزرهم، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً. زاد أبو داود: ((من ضيق الأزر)). انتهى. والحاصل أن المذهب الراجح هو جواز إمامة الغلام المميز؛ لوضوح حجّته، كما سبق تقريره آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في إمامة الأعمى: قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَخَّهُ: اختلفوا في إمامة الأعمى، فقال كثير منهم: يؤم الأعمى. فممن كان يؤم، وهو أعمى: ابن عباس، وعتبان بن مالك، وقتادة.