النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(٥٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْىٍ إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٥)
الغدّو المضيّ من بُكرة النهار، والرواح بعد الزوال، ثم قد يُستعملان في كلّ
ذهاب، ورجوع؛ توسّعاً. انتهى (١).
وقال ابن رجب تَّقُ: ((الغدُوّ): يكون من أول النهار، و((الرواح)): يكون
من آخره بعد الزوال، وقد يُعبّر بهما(٢) عن الخروج والمشي، سواء كان قبل
الزوال، أو بعده، كما في قوله ويسير: ((من راح في الساعة الأولى، فكأنما قرّب
بدنة ... )) على ما حمله عليه جمهور العلماء. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ كَّثُ: أصل ((غَدَا)) خرج بغَدْوٍ، أي أتى مبكّراً، و((راحَ))
رجع بعشيّ، ثم قد يُستعملان في الخروج، والرجوع مطلقاً؛ توسّعاً، وهذا
الحديث يصلح أن يُحْمَل على الأصل، وعلى التوسّع به. انتهى (٤).
(إِلَى الْمَسْجِدِ) متعلّق بـ«غدا»، وقوله: (أَوْ رَاحَ) حُذف متعلّقه؛ لدلالة ما
قبله عليه، أي إليه (أَعَدَّ اللهُ لَهُ) أي هيّأ له، ومنه قوله [من المتقارب]:
وَأَعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أَوْزَارَهَا رِمَاحاً طِوَالاً وَخَيْلاً ذُكُورًا
(فِي الْجَنَّةِ) وفي رواية البخاريّ: ((من الجنّة)) (نُزُلاً) بضمّتين، أو بضمّ،
فسكون: ما يُهيّأ للضيف من الكرامة.
وفي رواية للبخاريّ: (نُزُلَه)) بالإضافة، قال في ((الفتح)): و((النُّزُلُ)) بضمّ
النون والزاي: المكان الذي يُهيّأ للنزول فيه، وبسكون الزاي: ما يُهيّأ للقادم
من الضيافة ونحوها، فعلى هذا ((من)) في قوله: ((من الجنّة))، - أي رواية
البخاريّ - للتبعيض على الأول، وللتبيين على الثاني، قال: ورواه مسلم، وابن
خزيمة، وأحمد بلفظ: ((نُزُلاً في الجنّة)) وهو مُحْتَمِلٌ للمعنيين. انتهى (٥).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره في الفتح من التفرقة بين النُّزُل
بضمتين، والنُّزْل بضم، فسكون محلّ نظر؛ لأن الذي ذكره أصحاب اللغة يفيد
أن الساكن والمضموم بمعنى واحد، ودونك عبارة ((القاموس)): و((النُّزل))
(١) ((الفتح)) ١٧٤/٢.
(٢) وقع في النسخة: ((بأحدهما)) ولعل الصواب ((بهما)) كما هو في كتب اللغة.
(٣) ((فتح الباري)) لابن رجب تَّتمُ ٥٣/٦.
(٤) ((المفهم)) ٢٩٤/٢.
(٥) ((الفتح)) ١٧٤/٢.

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
بضمّتين: المنزل، وما هُيّء للضيف أن يَنْزل عليه، كالنُّزل - أي بالسكون -
جمعه أَنْزَالٌ، والطعام ذو البركة، كالنزيل، والفضلُ، والعطاءُ، والبركة. انتهى
باختصار(١).
وقال في ((المصباح)): والنُّزُلُ بضمّتين: طعام النزيل الذي يُهيّأ له، وفي
(٢)
[الواقعة: ٥٦]. انتهى".
(٥٦)
التنزيل: ﴿هَذَا نُهُمْ يَوْمَ الِدِينِ
وقال في ((المختار)): النُّزْلُ بوزن القُفْل: ما يُهيّأ للنزيل، والجمع: أَنْزَال.
(٣)
انتھی(٣).
وقال في ((اللسان)): والنُّزُلُ - بضمّتين - والنُّزْلُ - بضمّ، فسكون: ما هُيّئ
للضيف إذا نزل عليه، وقال أيضاً: النُّزْلُ في الأصل: قِرَى الضيف، وتُضمّ
زايه. انتهى باختصار (٤).
فتبيّن بما ذُكر من كلام هؤلاء اللغويين، أنه لا فرق بين النُّزُل بضمّتين،
والنُّزل بضمّ، فسكون، بل هما بمعنى واحد، وهو ما هيّئ للضيف من الضيافة
ونحوها، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ))) أي بكل غدوة أو روحة.
والمعنى: أن الله تعالى هيّأ له في الجنّة نعيماً خاصّاً، يُستقبل به بقدر
غُدوّه ورواحه إلى المسجد، وبقدر ما يَبذُلُ من خطواته، ويتحمّل من مشاق
المشي إليه.
وظاهر الحديث حصول الفضل لمن أتى المسجد مطلقاً، لكن المقصود
منه اختصاصه بمن يأتيه للعبادة، والصلاةُ رأسها، قاله في ((الفتح))(٥)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّقُ بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رصُّبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((القاموس المحيط)) ٥٦/٤.
(٣) ((مختار الصحاح)) (ص٢٩٧).
(٢) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٠١.
(٤) ((لسان العرب) ١١/ ٦٥٨.
(٥) ٢ / ١٧٤.

٤٠٣
(٥٢) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الْمَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ تُمْحَى بِهِ الْخَطَايَا، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٥)
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٢٥/٥٢] (٦٦٩)، و(البخاريّ) في ((الأذان))
(٦٦٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٠٨/٢ و٥٠٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(١٤٩٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٣٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١١٢١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٩٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٤٦٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل التردّد إلى المسجد كلَّ غدوّ ورواح.
٢ - (ومنها): بيان سعة فضل الله تعالى وكرمه لأهل طاعته، حيث
﴾ [فصلت: ٣٢]، والنزل: هُوَ مَا
يُكرمهم ويُعدّ لهم ﴿نُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ()
يُعَدُّ للضيف عِنْدَ نزوله من الكرامة والُّحْفَّة.
٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أن من خرج إلى المسجد للصلاة فإنه زائر الله
تعالى، والله يُعِدّ لَهُ نُزُلاً من المسجد، كُلَّمَا انطلق إلى المسجد، سواء كَانَ فِي
أول النهار أو في آخره.
قَالَ الحافظ أبو موسى المديني: وزيد فِيهِ فِي غيره هذه الرواية: ((كما لَوْ
أن أحدكم زاره مَن يُحِبّ زيارته لاجتهد في إكرامه)).
وأخرج من طريق الطبراني بإسناده، عَن سَعِيد بْن زَرْبِي، عَن ثابت، عَن
أَبِي عُثْمَان، عَن سلمان، عَنِ النَّبِيّ ◌ََِّ، قَالَ: ((من توضأ، فأحسن الوضوء،
ثُمَّ أتى المسجد، فهو زائر الله، وحَقّ عَلَى المزور أن يكرم الزائر))(١).
قَالَ أبو موسى: ورواه سُلَيْمَان التيميّ وداود بْن أَبِي هند وعوف، عَن أَبِي
عُثْمَان، عَن سلمان، موقوفاً، لا مرفوعاً.
وسعيد بن زَرْبِي، فِيهِ ضعف، بل في ((التقريب)): منكر الحديث(٢).
(١) رواه الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) ٢٥٣/٦ - ٢٥٤، وصححه الشيخ الألبانيّ تَذُّهُ.
راجع: ((السلسلة الصحيحة)) ١٥٧/٣.
(٢) قال في ((التقريب)): سعيد بن زَرْبي بفتح الزاي، وسكون الراء، بعدها موحّدة
مكسورة، الخزاعيّ البصريّ العبادانيّ، أبو عبيدة، أو أبو معاوية منكر الحديث من
السابعة. انتهى.
..

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وأخرج - أيضاً - من طريق الطبراني بإسناده، عَن يَحْيَى بْن الحارث، عَن
الْقَاسِم، عَن أَبِي أمامة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله وَّهِ: «الغدوُّ والرواح إلى
المساجد من الجهاد في سبيل الله))(١).
وذكر مَالِك فِي ((الموطأ)) عَن سمي مَوْلَى أَبِي بَكْر، أن أبا بَكْر بْن عَبْد
الرحمن كَانَ يَقُول: من غدا أو راح إلى المسجد لا يريد غيره؛ ليعلم خيراً أو
يتعلمه، ثُمَّ رجع إلى بيته؛ كَانَ كالمجاهد في سبيل الله(٢).
قال ابن رجب تَّتُهُ بعد ذكره ما سبق ما نصّه: ومما يُسْتَدلّ بِهِ عَلَى أن
قصد المساجد للصلاة فيها زيارة لله رمت: مَا أخرجه ابن ماجه بإسنادٍ فِيهِ
ضعف، من حَدِيْث أَبِي الدرداء، عَن النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: ((إن أحسن مَا زرتم بِهِ الله
فِي قبوركم ومساجدكم البياض))(٣). انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: لكن الحديث في سنده مروان بن سالم،
متروك، بل رماه الساجيّ وغيره بالوضع، وحكم بعضهم على هذا الحديث بأنه
موضوع، فما كان ينبغي لابن رجب تَّتُ أن يورد مثله على وجه الاستدلال،
فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٥٣) - (بَابُ فَضْلِ الْجُلُوسِ فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ،
وَفَضْلِ الْمَسَاجِدِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٢٦] (٦٧٠) - (حَدَّثَنَا(٥) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ،
حَدَّثْنَا سِمَاٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ،
(١) ((المعجم الكبير)) ٢٥٥/٦. قال الشيخ الألباني كثّفُ: موضوع. ((الضعيفة)) ٢٠/٥.
(٢) ((الموطأ)) (ص١١٨).
(٣) ((سنن ابن ماجه)) (٣٥٦٨). قال الشيخ الألبانيّ كَّهُ: موضوع.
(٤) ((فتح الباري)) لابن رجب ٦/ ٥٣ - ٥٤.
(٥) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٤٠٥
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الْجُلُوسِ فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّنْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٦)
عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: أَكُنْتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ وَ؟
قَالَ: نَعَمْ كَثِيراً، كَانَ(١) لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ، أَوِ الْغَدَاةَ،
حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرٍ
الْجَاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ (٢).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ الْيَرْبوعيّ، أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦.
٢ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا
النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج، أَبُو خَيْئَمَةَ المذكور في السند التالي
الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٦٢.
٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْب) بن أوس بن خالد الذَّهليّ البكريّ، أبو المغيرة
الكوفيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوَائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
◌ُزِقًا،
نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وهو (٩٣) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، ويحيى، وإن كان نيسابوريّاً، إلا أنه
دخل الكوفة؛ للأخذ من أهلها .
٣ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ◌َّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ): أنه (قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ◌ِوَهَا (أَكُنْتَ
(١) وفي نسخة: ((فكان)).
(٢) وفي نسخة: ((وتبسّم)).

٤٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
تُجَالِسُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ؟) أي تجلس معه (قَالَ) جابر ◌َّهُ (نَعَمْ) أي كنتُ
أجالسه، وقوله: (كَثِيراً) نعتٌ لمصدر محذوف، أي جلوساً كثيراً، أو هو
منصوب على الظرفيّة، والأصل وقتاً كثيراً (كَانَ) ◌ِّ، وفي بعض النسخ:
((فكان)) (لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّهُ) أي من موضع صلاته (الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ، أَوٍ)
للشكّ من الراوي (الْغَدَاةَ) أي صلاة الغَدَاة، و((الْغَدَاة)) بفتح الغين المعجمة،
وتخفيف الدال: الْبُكْرةُ، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، كالْغُدْوة
بالضمّ، والْغَدِيّة، أفاده في ((القاموس))(١).
وهذا لا يعارِضُ ما جاء عن عائشة عنها أنها قالت: كان رسول الله وَله
إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: ((اللَّهم أنت السلام ومنك السلام،
تباركت، يا ذا الجلال والإكرام))، رواه مسلم.
لإمكان الجمع بحمل هذا الحديث على أن المراد لم يقعد مستقبل
القبلة، إلا المقدار المذكور، ثم يَلْتَفت يمنةً، أو يسرةً، أو يستقبل المأمومين.
وقيل: المراد: أنه لم يقعد في الصلاة التي بعدها راتبة، وأما التي لا
راتبة بعدها، كصلاة الصبح فكان يقعد، والأول أقرب، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) يقال: طلعت الشمس طُلُوعاً، من باب قعَدَ،
ومَظْلَعاً بفتح اللام وكسرها: ظَهَرَت، وكلّ ما بدا لك من عُلُوّ فقد طلع
عليك(٢).
زاد في الرواية التالية قوله: ((حسناً)) أي طلوعاً حسناً، بأن ترتفع، ويخرج
وقت النهي عن الصلاة.
وفيه فضل هذا الوقت، وقد أخرج الترمذيّ في ((جامعه)) عن أنس.
قال: قال رسول الله وَله: ((من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى
تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجة وعمرة))، قال
رسول الله رَ﴾: ((تامة تامّة تامّة))، وفي سنده أبو ظِلال القَسْملي ضعّفه
الأكثرون، لكن الحديث صحيحٌ بشواهده.
(١) راجع: (القاموس المحيط)) ٣٦٨/٤ - ٣٦٩.
(٢) أفاده في ((المصباح)) ٣٧٥/٢، و((القاموس)) ٥٩/٣.

٤٠٧
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الْجُلُوسِ فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٦)
وأخرج أبو داود في (سننه)) عن أنس ظُه أيضاً، قال: قال رسول الله وَله:
((لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحبّ إليّ
من أن أُعتق أربعةً من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة
العصر إلى أن تغرب الشمس أحبّ إليّ من أن أعتق أربعة))، قال الحافظ
العراقي رَّتُهُ: إسناده حسن.
(فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ) النبيّ ◌َّهِ إلى بيته، أو محلّ حاجته.
(وَكَانُوا) أي الصحابة الذين كانوا معه في ذلك الوقت (يَتَحَدَّثُونَ،
فَيَأْخُذُونَ) أي يشرعون (فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ) وفي رواية النسائيّ: ((يذكرون حديث
الجاهليّة)»، أي يذكرون الأعمال التي كانوا يعملونها في أيام كونهم غير
مسلمين، وإنما كانوا يذكرونها، استقباحاً لها، وشُكراً لما هداهم الله رَك إليه
من الدين الحنيف، وأبدلهم أعمالاً صالحة، تنفعهم في الدنيا والآخرة.
زاد في رواية النسائيّ: ((ويُنشدون الشعر)) بضم الياء، من الإنشاد، وهو
القراءة .
و ((الشعر)): هو الكلام المُقَفَّى الموزون بأوزان مخصوصة قصداً، فلا
يُسَمَّى ما وقع اتفاقاً شعراً، ولا قائله شاعراً، كقوله ◌َالّ :
هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعْ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ
قال السنديّ تَخُّْ: ولعله الشعر الْمُشْتَمِل على النصائح، أو غير المشتمِل
على القبائح. انتهى.
(فَيَضْحَكُونَ) تعجّباً مما سلف لهم في أيام الجاهليّة، يقال: ضَحِكَ من
زيد، وضَحِكَ به يضحَكُ ضَحِكاً، وضَحْكاً، مثلُ كَلِم وَكَلْم: إذا سَخِرَ منه، أو
عَجِبَ، فهو ضاحكٌ، وضَحّاكٌ مبالغةٌ(١). (وَيَتَبَسَّمُ) وفّ نسخة: ((وتبسّم))
بصيغة الماضي، يقال: بَسَمَ بَسْماً، من باب ضرب: ضَحِك قليلاً من غير
صوت، وابتسم، وتَبَسَّمَ كذلك، ويقال: هو دون الضَّحِك، قاله في
((المصباح))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٥٨/٢.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة ها هذا من أفراد المصنّف نَّهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف هنا [١٥٢٦/٥٣ و١٥٢٧ و١٥٢٨] (٦٧٠)، و(أبو
داود) في ((الصلاة)) (١٢٩٤)، و(الترمذيّ) فيها (٥٨٥)، و(النسائيّ) في ((السهو))
(١٣٥٧ و١٣٥٨) و((الكبرى)) (١٢٨٠ و١٢٨١) وفي ((عمل اليوم الليلة)) (١٧٠)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٢٠٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩١/٥ و١٠٠
و١٠١ و١٠٥ و١٠٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٥٧)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٠٢٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٨٨٥ و١٨٨٨ و١٩١٣ و١٩٢٧
و١٩٦٠ و٢٠٠٦ و٢٠١٣ و٢٠١٩ و٢٠٤٥) وفي ((الصغير)) (١١٨٩)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١٣٢١ و١٣٢٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٩٦
و١٤٩٧ و١٤٩٨ و١٤٩٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٦/٢)، و(البغويّ) في
(شرح السنّة)) (٧٠٩ و٧١١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب جلوس المصلّي في مصلّاه بعد الصبح، قال
القرطبيّ تَخْتُ: هذا الفعل منه وَّ يدلّ على استحباب لزوم موضع صلاة الصبح
للذكر والدعاء إلى طلوع الشمس؛ لأن ذلك الوقت وقتٌ لا يُصلّى فيه، وهو
بعد صلاةٍ مشهودةٍ، وأَشغالُ اليوم بَعْدُ لم تأتِ، فيقع الذكر والدعاء على فراغ
قلبٍ وحضور فَهْم، فيُرتجى فيه قبول الدعاء، وسماع الأذكار.
قال: وقال بعض علمائنا: يُكره الحديث حينئذ، واعتَذَرَ عن قوله:
((وكانوا يتحدّثون في أمر الجاهليّة، فيضحكون، ويتبسّم)) بأن هذا فَضْلٌ آخر من
سِيرة أُخرى في وقت آخر، وَصَلَهُ بالحديث الأول.
قال القرطبيّ: وهذا فيه نظرٌ، بل يُمكن أن يقال: إنهم في ذلك الوقت
كانوا يتكلّمون؛ لأن الكلام فيه جائزٌ غير ممنوع؛ إذ لم يَرِدْ في ذلك منعٌ،
وغاية ما هنالك أن الإقبال في ذلك الوقت على ذكر الله تعالى أفضلُ وأولى،
ولا يلزم من ذلك أن يكون الكلام مطلوب الترك في ذلك الوقت، والله تعالى
أعلم. انتهى كلام القرطبيّ كَّلُهُ .

٤٠٩
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الْجُلُوسِ فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٦)
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد القرطبيّ تَخُّْ في الرد على هذا القول،
فإنه مردودٌ، وتأويل الحديث على الوجه الذي ذكره، من حمل تحدّثهم في أمر
الجاهليّة على غير ذلك الوقت باطلٌ، يُبطله سياق الحديث، ولا سيّما سياق
النسائيّ، ولفظه: ((كان رسول الله ◌َّ إذا صلى الفجر، جلس في مصلاه حتى
تطلع الشمس، فيتحدث أصحابه، يذكرون حديث الجاهلية ... )) الحديث،
فتعبيره بالفاء في قوله: ((فيتحدّثون ... إلخ)) يبطل هذا التأويل فتأمّله
بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
٢ - (ومنها): بيان فضل ما بعد صلاة الصبح من الوقت، حيث كان وعَل
يخصّه بذكر الله تعالى.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَلّ من مكارم الأخلاق، ولين
جانبه، حيث كان يجالس أصحابه، ويستمع إلى حديثهم وحكاياتهم التي كانوا
يفعلونها في جاهليّتهم، ويتبسّم منها، وهذا مصداق قول رَّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم: ٤]، و﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمَّ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الآية.
٤ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ وَ الر من امتلاء قلبه من جلال الله رَك،
والخوف منه، ولذا كان لا يستغرق في الضحك، بل كان ضحكه التبسّمَ، كما
قالت عائشة يا، فقد أخرج الشيخان عنها أنها قالت: ((ما رأيت النبيّ وَل
مستجمعاً قطّ ضاحكاً، حتى أرى منه لَهَوَاتِهِ إنما كان يتبسم))، وفي رواية عنها:
قالت: ما رأيت رسول الله ﴿ ضاحكاً حتى أرى منه لَهَوَاته، إنما كان يتبسم،
قالت: وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً، عُرٍف في وجهه، قالت: يا رسول الله،
إن الناس إذا رأوا الغيم فَرِحُوا؛ رَجَاءَ أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته
عُرِف في وجهك الكراهية؟ فقال: ((يا عائشة، ما يُؤَمِّنّ أن يكون فيه عذابٌ،
عُذِّبَ قومٌ بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ تُطِرْناً﴾
[الأحقاف: ٢٤])).
٥ - (ومنها): جواز الحديث، وذكر أيام الجاهلية في المسجد.
٦ - (ومنها): جواز إنشاد الشعر المباح في المسجد، وقد أخرج
الشيخان، عن سعيد بن المسيِّب، قال: مَرّ عمر في المسجد، وحسان يُنْشِدُ،
فقال: كنت أُنشِد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال:

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أنشدك بالله، أسمعت رسول الله صل﴾ يقول: ((أجب عني، اللهم أيده بروح
القدس))؟، قال: نعم.
وأخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن يحيى بن عبد الرحمن، قال: مَرّ
عمر ظُه على حسان، وهو يُنشد الشعر في المسجد، فقال: في مسجد
رسول الله وَ له تُنشد الشعر؟ قال: كنت أنشد، وفيه من هو خير منك.
٧ - (ومنها): جواز الضحك، والتبسّم، ولا يعارض هذا ما أخرجه ابن ماجه
بإسناد صحيح، عن أبي هريرة ◌ُبه قال: قال رسول الله وَ ليقول: ((لا تكثروا
الضَّحِكَ، فإن كثرة الضحك تميت القلب))؛ لأن الممنوع كثرته، لا أصله، فتفطّن،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٢٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ
سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ،
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَِّهِ، كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ، جَلَسَ فِي مُصَلَّهُ، حَتَّى
تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَناً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
حافظٌ فقيهٌ حجةٌ إمام، من رؤوس [٧] (١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْر) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
٥ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، وقيل: غيره، الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو
يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يدلّس [٦] (ت٧ أو٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان))
٤٤٩/٨٣.
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٤١١
(٥٣) - بَابُ فَضْلِ الْجُلُوسِ فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٢٨)
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) هو أبو بكر بن أبي شيبة المذكور أول السند.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ) ضمير التثنية لسفيان الثوريّ، وزكريا بن أبي
زائدة .
وقوله: (حَسَناً) أي طلوعاً حسناً، فهو نعت لمصدر محذوف، ويعني
بذلك أنه كان يستديم الذكر والْمُقام بمجلسه إلى أن يدخل الوقت الذي تجوز
فيه الصلاة، قاله في ((المفهم))(١)، وتمام شرح الحديث تقدّم في الذي قبله،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج دَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٢٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو
الْأَخْوَصِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَقُولًا: حَسَناً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو الْأَخْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [٧]
(ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤.
٣ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، أبو موسى العَنَزِيّ، تقدم قبل باب.
٤ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار بن عثمان الْعَبْديّ، أبو بكر
البصريّ، المعروف ببُنْدار، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة))
٢/٢.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، غُندر، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكِرَا في السند الماضي.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكٍ) ضمير التثنية لأبي الأحوص، وشعبة.
(١) ((المفهم)) ٢٩٦/٢.

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد سماك السابق، وهو: عن جابر بن
سَمُرة
وقوله: (وَلَمْ يَقُولًا: حَسَناً) ضمير التثنية لأبي الأحوص، وشعبة أيضاً.
[تنبيه]: السند الأول من رباعيّات المصنّف تَّتُهُ، وهو (٩٤) من
رباعيّات الكتاب، فتنبّه.
[تنبيه آخر]: رواية أبي الأحوص هذه ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه))
(٢٦٣/٢) فقال:
(١٤٩٨) حدّثنا عبد الله بن يحيى، ثنا عبيد الله بن غنام، ثنا أبو بكر بن
أبي شيبة، ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمُرة، قال: ((كان
رسول الله ﴿﴿ إذا صلى الفجر، جلس في مجلسه، حتى تطلع الشمس)).
وساق أيضاً رواية شعبة، فقال:
(١٤٩٩) أخبرنا عبد الله بن جعفر، ثنا یونس، ثنا أبو داود (ح)، وحدّثنا
أبو علي بن الصواف، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر،
قالا: ثنا شعبة، عن سماك، أنه قال: سألت جابر بن سمرة، كيف كان يصنع
رسول الله وَل﴿ إذا صلى الصبح؟ قال: ((كان يقعد في مقعده، حتى تطلع
الشمس)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ .
(٥٤) - (بَابُ بَيَانِ أَيُّ الْبِقَاعِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ رَّ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٥٢٩] (٦٧١) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى
الْأَنْصَارِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنِي (١) ابْنُ أَبِي ذُبَابٍ، فِي رِوَايَةٍ
هَارُونَ، وَفِي حَدِيثِ الْأَنْصَارِيِّ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ،
(١) وفي نسخة: ((أخبرني))، وفي أخرى: ((حدّثنا)).

٤١٣
(٥٤) - بَابُ بَيَانِ أَيُّ الْبِقَاعِ أَحَبُّ إِلَى اللّهِ رَكَ - حديث رقم (١٥٢٩)
مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ: قَالَ: ((أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ
مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاتُهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) أبو عليّ الخزّاز الضرير المروزيّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣١) وله (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٠/٦٣.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) الْخَطْميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي
نيسابور، ثقةٌ متقنٌّ [١٠] (٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٢/٤٣.
٣ - (أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) بن ضَمرة، أبو عبد الرحمن، أو أبو ضمرة
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
٤ - (الْحَارِثُ بْنُ أَبِي ذُبَابٍ) هو: الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن
سعد وقيل: المغيرة بن أبي ذُبَاب - بضمّ المعجمة، وبموحّدتين - الدَّوْسيّ -
بفتح الدال ـ المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٥].
رَوَى عن أبيه، وعن عمه، يقال: اسمه الحارث أيضاً، وذكره ابن منده
في ((الصحابة))، وسمّاه عياضاً، وسعيد بن المسيب، ويزيد بن هرمز، ومجاهد،
وبسر بن سعيد، والأعرج، وجماعة، وأرسل عن طلحة.
ورَوَى عنه ابن جريج، وإسماعيل بن أمية، وأبو ضمرة، وأبو خالد
الأحمر، وصفوان بن عيسى، وغيرهم.
قال ابن معين: مشهورٌ، وقال أبو حاتم: يروي عنه الدَّرَاوَرْدِيّ أحاديث
منكرة، ليس بالقويّ، وقال أبو زرعة: ليس به بأس، وقال الساجيّ: حدّث عنه
أهل المدينة، ولم يُحَدِّث عنه مالك، وذكر علي ابن المدينيّ في ((العلل)) حديثاً
عن عاصم بن عبد العزيز الأشجعيّ، عن الحارث، عن سليمان بن يسار
وغيره، قال عاصم: حدثنيه مالك، قال: أُخْبِرت عن سليمان بن يسار، فذكره،
قال ابن المدينيّ: أُرَى مالكاً سمعه من الحارث، ولم يُسَمِّه، وما رأيت في
کتب مالك عنه شيئاً. انتهى.
قال الحافظ: وهذه عادة مالك فيمن لا يَعْتَمِد عليه لا يسميه، وقال ابن
سعد: كان قليل الحديث.

٤١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان من المتقنين، مات سنة
(١٤٦)، وكذا قال ابن قانع في تاريخ وفاته.
أخرج له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد)»، والمصنّف، وأبو داود في
((المراسيل))، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة
أحاديث فقط برقم (٦٧١) و(٩٨٥) و(٢٦٥٢) و(٢٦٧٩) و(٢٧٥١).
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِهْرَانَ، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) ويقال: مولى مزينة،
ويقال: مولى أبي هريرة، ومولى الأزد، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ(١) [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وأبي مروان الأسلميّ، وعنه أبو محمد،
والحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُبَاب، وسعيد المقبريّ، وسعيد الْجُرَيريّ،
ونافع بن سلمان، والولید بن کثیر.
قال أبو حاتم: صالحٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال أبو الفتح
الأزديّ: مجهول، وقال الْبَرْقانيّ، عن الدارقطنيّ: شيخٌ مدنيّ، يُعْتَبَرُ به.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، له عند المصنّف هذا الحديث فقط، وعند
النسائي في قول الميت إذا وُضِع على سريره.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُله تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه شيخان قرن
بینھما .
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه هارون فمروزيّ، ثم
بغداديّ.
٣ - (ومنها): أن فيه قوله: ((حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذُبَابٍ))، فِي رِوَايَةِ هَارُونَ،
وَفِي حَدِيثِ الْأَنْصَارِيِّ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ)) فيه بيان اختلاف شيخيه في شيخهما،
(١) وقوله في ((التقريب)): ((مقبول)) غير مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، وقال أبو حاتم:
صالح، ووثقه ابن حبّان، وقال الدارقطنيّ: شيخٌ يُعتبر به، وأخرج له مسلم في
الأصول، فمثل هذا الحقّ أنه صدوق، ولا يؤثّر فيه قول الأزديّ: مجهول؛ لأنه
عرفه غيره، فلا يضرّه جهل الأزديّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.

٤١٥
(٥٤) - بَابُ بَيَانِ أَيُّ الْبِقَاعِ أَحَبُّ إِلَى اللّهِ رَّ - حديث رقم (١٥٢٩)
فشيخه هارون قال في روايته: ((حدّثني ابن أبي ذُباب))، فكناه، وأما شيخه
إسحاق بن موسى، فقال في روايته: ((حدّثني الحارث))، فسمّاه، وهو ابن أبي
ذُباب نفسه، فتنبّه لهذه الدقائق، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة ◌َظُبه، سيّد
الحفّاظ .
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) لم أجد من ذكر سبب
تسميته بهذا، ولعلّه للزومه له، وقد سبق أنه يقال له: مولى مزينة، ومولى
الأزد، والله تعالى أعلم. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّةِ: قَالَ:
((أَحَبُّ الْبِلَادِ) أي أحبّ بيوت البلاد، أو بقاعها (إِلَى اللّهِ) رَتْ (مَسَاجِدُهَا) أي
لأنها بيوت الطاعات، وأساسها على التقوى (وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا)))
أي لأنها محلّ الغشّ، والخِدَاع، والربا، والأيمان الكاذبة، وإخلاف الوعد،
والإعراض عن ذكر الله تعالى، وغير ذلك مما في معناه.
قال النوويّ: والحبّ والبغض من الله تعالى إرادته الخير والشرّ، أو فعله
ذلك بمن أسعده وأشقاه، والمساجد محلّ نزول الرحمة، والأسواق ضدّها.
(١) .
.
انتھی (١
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق في ((كتاب الإيمان)) أن تفسير الحبّ
والبغض في صفة الله تعالى بالإرادة، ونحوه ليس تفسيراً صحيحاً؛ لأنه تفسير
باللازم، والحقّ أن الحبّ والبغض من صفات الله تعالى الثابتة له بالكتاب
والسنّة على ظاهرهما كما يليق بجلاله رَك، ولا يؤوّلان بالإرادة ولا بغير
ذلك، بل نثبتهما له تعالى، كما أثبتهما لنفسه، وأثبته النبيّ وَّ له في هذا
الحديث، على ما يليق بجلاله تعالى، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله
تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: جاء بمعنى حديث أبي هريرة ظه هذا حديثُ جبير بن مطعم،
(١) ((شرح النووي)) ١٧١/٥.

٤١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فقد أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه،
أن رجلاً أتى النبيّ وَّه، فقال: يا رسول الله، أيُّ البلدان شرّ؟ قال: فقال:
((لا أدري))، فلما أتاه جبريل ظلَّلُ قال: ((يا جبريل، أيُّ البلدان شرّ؟)) قال: لا
أدري حتى أسأل ربي ◌َ، فانطلق جبريل ظلّا، ثم مَكَثَ ما شاء الله أن
يمكث، ثم جاء، فقال: يا محمد، إنك سألتني أيُّ البلدان شرّ؟ فقلت: لا
أدري، وإني سألت ربي رَ أيُّ البلدان شرّ؟ فقال: أسواقها(١).
وفي سنده(٢) عبد الله بن محمد بن عقيل، متكلّم في حفظه، لكن
الحديث التالي وحديث الباب يشهدان له فيتقوّى بذلك، فتنبه.
وأخرجه ابن حبّان في (صحيحه)) من حديث ابن عمر ﴿ًا، ولفظه: أن
رجلاً سأل النبيّ وَّرَ أيُّ البقاع شرّ؟ قال: ((لا أدري حتى أسأل جبريل))، فسأل
جبريل، فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فجاء، فقال: ((خير البقاع
المساجد، وشرّها الأسواق))(٣).
وفي سنده عطاء بن السائب، وقد اختلط في آخره، والراوي عنه جرير بن
عبد الحميد سمع منه بعد اختلاطه، لكن الحديث حسنٌ، بشواهده كما قال
بعضهم، فقد يشهد له حديث أبي هريرة رضي المذكور في الباب، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد المصنّف تخذلهُ .
الله ؛
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٢٩/٥٤] (٦٧١)، و(البزّار) في ((مسنده))
(١) راجع: ((المسند)) ٨١/٤ رقم (١٦٧٩٠).
(٢) وفي سنده أيضاً زهير بن محمد، لكن الراوي عنه أبو عامر العقديّ، وهو بصريّ،
وقد قال الإمام أحمد وغيره: ما روى عنه البصريون مستقيم، وذكر منهم
عبد الرحمن بن مهدي، وأبا عامر هذا، وإنما تكلموا في رواية الشاميين عنه،
فتنبه .
(٣) ((صحيح ابن حبان)) ٤٧٦/٤ رقم (١٥٩٩).

٤١٧
(٥٤) - بَابُ بَيَانِ أَيُّ الْبِقَاعِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ رَك - حديث رقم (١٥٢٩)
(٤٠٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٢٩٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(١٦٠٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٥٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٥٠٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٥/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٤٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أحبّ البلاد إلى الله تعالى، وهي المساجد، وأبغضها،
وهي الأسواق، قال القرطبيّ تَخُّْ: إنما كانت المساجد أحبّ البلاد إلى الله؛
لما خُصّت به من العبادات والأذكار، واجتماع المؤمنین، وظهور شعائر الدين،
وحضور الملائكة، وإنما كانت الأسواق أبغض البلاد إلى الله تعالى؛ لأنها
مخصوصة بطلب الديْن، ومطالبٍ العباد، والإعراض عن ذكر الله، ولأنها مكان
الأيمان الفاجرة، وهي معركة الشيطان، وبها يَرْكُز رايته. انتهى(١).
٢ - (ومنها): أن فيه تنبيهاً على تفاوت البقاع في الخير والشرّ، فبعضها
يكون مجلبةً للخير، ومعيناً عليه، كالمساجد، وبعضها يكون مجلبة للشرّ،
وداعياً إليه، كالأسواق، وعلى ذلك يدلّ قصّة الرجل الذي قَتَل تسعة وتسعين
نفساً، ثم سأل راهباً هل من توبة؟ فقال: لا، فقتله، وكَمَّل به المائة، ثم سأل
عالماً هل له من توبة؟، فقال له: نعم، ائت قرية كذا وكذا، فإن بها أناساً
يعبدون الله، فاعبد معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء ...
الحديث، وهو في ((الصحيحين)) وغيرهما، فقد أرشد هذا العالمُ الرجلَ على أن
أرضه أرض سوء تدعوه إلى الشرّ، فلا بدّ من مفارقتها إلى أرض فيها قوم
صالحون حتى تكمل توبته، ويكون صالحاً مثلهم.
قال في ((الفتح)) معلّقاً على هذا الحديث: فيه فضلُ التحوّل من الأرض
التي يُصيب الإنسان فيها المعصية؛ لِمَا يغلب بحكم العادة على مثل ذلك، إما
لتذكّره لأفعاله الصادرة قبل ذلك، والفتنة بها، وإما لوجود من كان يُعينه على
ذلك، ويحضّه عليه .
وقال دََّتُهُ أيضاً: وفيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي
(١) ((المفهم)) ٢٩٤/٢ - ٢٩٥.

٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
اعتادها في زمن المعصية، والتحوّل منها كلّها، والاشتغال بغيرها (١)، والله
تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على لزوم المساجد، وكثرة التردّد إليها؛ طلباً
لمحبّة الله تعالى ومرضاته، وعلى تقليل التردّد إلى الأسواق، إلا للحاجة؛ بُعداً
عن بغض الله رَ، وتجنّباً عن الوقوع في أسباب المقت والعذاب، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ .
(٥٥) - (بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٥٣٠] (٦٧٢) - (حَدَّثَنَا (٢) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا كَانُوا
ثَلَاثَةً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧]
(ت٥ أو١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السُّدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس،
رأس [٤] (١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْدِيّ الْعَوَفيّ البصريّ، ثقة
[٣] (ت٨ أو١٠٩) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٧/٦.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الأنصاريّ
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٩٨/٦ ((كتاب أحاديث الأنبياء)) رقم (٣٤٧٠).
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٤١٩
(٥٥) - بَابُ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالإِمَامَةِ؟ - حديث رقم (١٥٣٠)
الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿يَّه، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، وأبو نضرة علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين بغلانيّ، وهو قتيبة، وواسطيّ، وهو أبو عوانة،
وبصريين، وهما قتادة، وأبو نضرة، ومدنيّ، وهو الصحابيّ رپته.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: قتادة، عن أبي نضرة.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى
(١١٧٠) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك ◌ِّهَا أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ:
(إِذَا كَانُوا) أي الناس المجتمون في مكان واحد (ثَلاثَةً) وفي رواية ابن حبّان
من طريق شعبة وهشام الدستوائيّ، عن قتادة: ((إذا كنتم ثلاثة في سفر)).
قال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((ثلاثة)) ليس له مفهوم خطاب؛ لأنه إذا كانا
اثنين أَمَّهما أحدهما، كما يأتي في حديث مالك بن الحويرث ◌َظُه الآتي حيث
قال النبيّ وَّ﴾ له ولصاحبه: ((إذا حضرت الصلاة، فأذّنا، وأقيما، وليؤمّكما
أكبركما))، وإنما خصّ الثلاثة بالذكر لأنه سئل عنهم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا جزم بأنه سئل عنهم، وهو محلُّ نظر،
والله تعالى أعلم.
(فَلْيَؤُمَّهُمْ) أي فليُصلّ بهم إماماً (أَحَدُهُمْ) ثم بيّن الأحقّ بأن يؤمّهم،
فقال: (وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ))) أي أكثرهم قرآناً، كما قال في حديث
عَمْرو بن سَلِمة: ((ويؤمّكم أكثركم قرآناً))، رواه البخاريّ(٢).
قال القرطبيّ تَخْذَتُهُ: ومَحْمِلُهُ أنه إذا اجتَمَع جماعة صالحون للإمامة،
(١) ((المفهم)) ٢٩٦/٢.
(٢) (صحيح البخاريّ)) رقم (٤٣٠٢).

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فكان أحدهم أكثر قرآناً، كان أحقّهم بالإمامة؛ للمزيّة الحاصلة فيه، فلو كانوا
قد استظهروا القرآن كلّه، فيُرجّح من كان أتقنهم قراءةً، وأضبط لها، وأحسن
ترتيلاً، فهو الأقرأ بالنسبة إلى هؤلاء. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه هذا من أفراد
المصنّف رَحْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٣٠/٥٥ و١٥٣١ و١٥٣٢) (٦٧٢)،
و(النسائيّ) في ((الإمامة)) (٧٨٢) و((الكبرى)) (٨٥٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢١٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٤٣/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/
٣٤ و٤٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٦/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(١٥٠٨)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢١٣٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١/
٣٥٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥٠١ و١٥٠٢ و١٥٠٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١١٩/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٨٣٦)، وبقيّة المسائل تأتي
قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٥٣١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
أَبِي عَرُوبَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي (٢) أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامِ،
حَدَّثَنِي أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
(١) (المفهم)) ٢٩٧/٢.
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).