النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ (٥٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (١٥٠٧) (فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي الصَّلَاةِ) أي في ثوابها، فكأنه يصلّي بالفعل، وإن لم يدخل فيها، فله أجر المصلين، وليس المراد أنه في حكم الصلاة، حتى يمتنع عليه الكلام ونحوه(١). (مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ) ((ما)» مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة كون الصلاة، وقوله: (هِيَ) ضمير الفصل جيء به للتوكيد، وقوله: (تَحْبِسُهُ) خبر ((كانت))، وهو بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب، أي تمنعه عن الخروج من المسجد، والتصرّف في أشغاله الدنيويّة. وقال في ((المرعاة)): ((أي مدّة كون الصلاة حابسةً له، بأن كان جالساً لانتظار الصلاة، أما جلوسه بعد الصلاة لذكر، أو اعتكاف مثلاً، فلا يترتّب عليه خصوص هذا الثواب، وإن كان فيه ثوابٌ عظيمٌ)). انتهى (٢). وقال الطيبيّ كَّتُهُ: وفي قوله: ((ما كانت الصلاة تحبسه)) إشارة إلى النفس اللّامة التي تنهي استيفاء لذّاتها، واشتغالها بخلع العذار، والصلاة تنهاها عن هواها، وتَحبسها في بيت الله تعالى، كما كانت آمرةً بالمعروف في قوله: ((لا يُخرجه إلا الصلاة))، فإذا لزم مصلّاه، وانتظر الصلاة الأخرى اطمأنّت، وقيل لها: ﴿يَأَيُّهَا النَّفْسُ الْمُعْمَيِنَّةُ ﴾، فإذا طلبت الملائكة الغفران وَادْخُلِ ٢٩ ﴿﴿ فَادْخُلِ فِ عِبَدِى والرحمة لها قيل لها: ﴿أَرْجِيّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةٌ مَضِيَّةً (®)﴾، [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. انتهى(٣). جَنَّی (وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ) أي تدعو له بالخير، وتستغفر له من ذنوبه، وتطلب له الرحمة (عَلَى أَحَدِكُمْ) وفي رواية البخاريّ: ((فإذا صلّى لن تزال الملائكة تصلّي عليه ما دام في مصلاه))، قال ابن أبي جمرة تَُّهُ: قوله: ((فإذا صلى)): أي صلى صلاةً تامّةً؛ لأنه وَ ﴿ قال للمسيء صلاته: ((ارجع، فصلِّ، فإنك لم تصلِ)) (مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ) أي في مكانه الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد، وكأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد، مستمرّاً على نية انتظار الصلاة كان كذلك، قاله في ((الفتح)) (٤). (١) راجع: ((الفتح)) ٣٣٩/١. (٢) ((المرعاة)) ٤١٠/٢. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٩٣٤/٣ - ٩٣٥. (٤) ((الفتح)) ١٥٩/٢. ٣٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وروى الإمام مالك تَّثهُ في ((الموّأ)) عن نعيم بن عبد الله المجمر، أنه سمع أبا هريرة نظرته يقول: ((إذا صلى أحدكم، ثم جلس في مصلاه، لم تزل الملائكة تصلي عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإن قام من مصلاه، فجلس في المسجد ينتظر الصلاة، لم يزل في صلاة حتى يصلي)). قال الباجيّ تَخْشُهُ: المنتظر في غير مصلاه من المسجد يكون في صلاة، كالمنتظر في مصلاه، غير أن المنتظر في مصلاه يحصُّل له أنه في صلاة، وصلاة الملائكة عليه، بخلاف المنتظر في غير مصلاه (١). انتهى. وروى الحاكم في ((مستدركه)) من حديث داود بن صالح، قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أيّ شيء نزلت هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٢٠٠ [آل عمران: ٢٠٠]؟، قيل: لا، قال: إنه لم يكن في زمن رسول الله وَل غزو يُرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة. انتهى(٢). (يَقُولُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونهم قائلين (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) أي وفّقه للتوبة، وتقبّلها منه، أو ثبّته عليها . قال الطيبيّ تَخَّتُهُ: طلبت له الرحمة من عند الله تعالى بعد طلب الغفران؛ لأن صلاة الملائكة على العباد استغفار لهم. (مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة أيضاً، أي مدّة عدم إيذائه في ذلك المجلس. قال الطيبيّ كَّتُهُ: قوله: ((ما لم يؤذ)): أي ما لم يؤذ أحداً من المسلمين بلسانه ويده، فإنه كالحدث المعنويّ، ومن ثمّ أتبعه بالحديث الظاهريّ. انتهى. وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((ما لم يؤذ فيه)) أي ما لم يصدُر عنه ما يتأذَّى به بنو آدم والملائكة، قال: ويَحْتَمِل أن يكون قوله: ((ما لم يُحدث فيه)» بدلاً (١) ((المنتقى)) ٢٨٣/١. (٢) ((المستدرك)) ٣٠١/٢ وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ. ٣٤٣ (٥٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (١٥٠٧) من قوله: ((ما لم يؤذ فيه)). انتهى(١). وقال في ((المرعاة)): ما لم يؤذ أحداً من المسلمين بقوله، أو فعله، وقيل: ما لم يؤذ الملائكة، وإيذاؤه إياهم بالحدث في المسجد، وهو معنى قوله: (مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ))) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإحداث، والمراد خروج الريح منه، قال التوربشتيّ: هو: بتخفيف الدال، من الحدث، ومن شدّدها، فقد أخطأ. انتهى. وفي رواية حمّاد بن سلمة، عن ثابت الثالثة: ((قال: قلت: ما يُحدث؟، قال: يفسو، أو يضرِط)). وعند البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق همّام بن منبه، عن أبي هريرة نظراته: ((فقال رجل أعجميّ: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت، يعني الضَّرْطة)). انتهى. وعند الترمذيّ في ((جامعه)) من طريق همّام بن منبّه أيضاً: ((فقال رجلٌ من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ فقال: فُساءٌ، أو ضُرَاطٌ)). انتهى. قال في ((الفتح)): والظاهر أنه إنما خصهما بالذكر دون ما هو أشدّ منهما؛ لكونهما لا يخرج من المرء غالباً في المسجد غيرهما، فالظاهر أن السؤال وقع عن الحدث الخاصّ، وهو المعهود وقوعه غالباً في الصلاة. انتهى(٢). وقال الطيبيّ نَّتُهُ: ولعلّ الرجل إنما استفسره؛ لأن الإحداث يُستعمل على معنى إصابة الذنب، فاشتبه عليه المعنى. انتهى(٣). وقال في ((المرعاة)): قوله: ((ما لم يُحدث)) مِن أحدث: أي ما لم ينقُض وضوئه، وظاهره عموم النقض لغير الاختيار أيضاً، ويَحْتَمِل الخصوص، ولفظ البخاريّ: ((ما لم يؤذ، يُحْدِثْ فيه))، قال الحافظ: كذا للأكثر بالفعل المجزوم على البدلّة، ويجوز الرفع على الاستئناف، وللكشميهنيّ: ((ما لم يؤذ بحدث فيه)) بلفظ الجارّ والمجرور تعلّقاً بـ(يؤذ)). (١) ((المفهم)) ٢٩٠/٢. (٢) ((الفتح)) ٣٣٩/١ ((كتاب الوضوء)) رقم (١٧٦). (٣) ((الكاشف)) ٩٣٥/٣. ٣٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقال الكرمانيّ: وفي بعض النسخ: ((ما لم يُحدث فيه)) بطرح لفظ ((يؤذ))، أي ما لم ينقض الوضوء، فالمراد بالحدث الناقض للوضوء، يدلّ عليه ما رُوي أن أبا هريرة لَمّا روى هذا الحديث قال له أبو رافع: ما ((يُحدِثُ؟)) قال: يفسو أو يضرط . وقيل: يَحْتَمِلُ أن يكون المراد بالحدث هنا أعمّ من الحديث الناقض للوضوء، أي ما لم يُحدث سوءاً، ويدلّ عليه رواية أبي داود: ((ما يؤذ فيه، أو يُحدث فيه))؛ لأنه عطف قوله: ((أو يُحدث)) على قوله: ((لم يؤذ فيه)). قال المهلّب: معنى الحديث أن الحدث في المسجد خطيئة يُحرَم بها المحدث استغفار الملائكة، ودعاءهم المرجوّ بركته. وقيل: إخراج الريح من الدبر لا يحرُم، لكن الأولى اجتنابه؛ لأن الملائكة تتأذّى بما يتأذَّى منه بنو آدم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٠٧/٥٠ و١٥٠٨ و١٥٠٩ و١٥١٠ و١٥١١ و١٥١٢ و١٥١٣] (٦٤٩)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٧٧) و((الأذان)) (٦٤٧) و((البيوع)) (٢١١٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٥٥٩)، و(الترمذيّ) فيها (٦٠٣)، و(ابن ماجه) في ((الطهارة)) (٢٨١) وفي ((المساجد)) (٧٨٦)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٤١٢ و٢٤١٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٢/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٨٨/١ و٤/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٧٩ و١٤٨٠ و١٤٨١ و١٤٨٢ و١٤٨٣ و١٤٨٤ و١٤٨٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٤٩٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٤٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦١/٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل انتظار الصلاة في المسجد، وقد ورد في فضل (٥٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (١٥٠٧) ٣٤٥ الانتظار أحاديث، فقد أخرج الإمام أحمد، وصححه ابن خزيمة، والحاكم عن عقبة بن عامر الجهنيّ ظُه عن رسول الله وَله أنه قال: ((إذا تطهر الرجل، ثم مَرّ إلى المسجد، يَرْعَى الصلاة، كَتَب له كاتبه، أو كاتباه، بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات، والقاعدُ يرعى للصلاة كالقانت، ويُكْتَب من المصلين، من حين يخرج من بيته حتى يرجع))(١). وأخرج الإمام أحمد أيضاً بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿ه قال: صلينا مع النبيّ وَّ ذات ليلة، فعَقَّب مَن عَقَّب، ورجع من رجع، فجاء رسول الله وَ ﴿ قبل أن يثوب الناس لصلاة العشاء، فجاء، وقد حَفَزه النَّفَسُ رافعاً إصبعه هكذا، وعَقَدَ تسعاً وعشرين، وأشار بإصبعه السبابة إلى السماء، وهو يقول: أبشروا معشر المسلمين، هذا ربكم رَمك قد فتح باباً من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: ملائكتي انظروا إلى عبادي، أَذَّوا فريضة، وهم ينتظرون أخرى))(٢). ٢ - (ومنها): استُدِلّ به على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال؛ لما ذُكِرَ من صلاة الملائكة عليه، ودعائهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة. ٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه استحباب إحسان الوضوء بفعله على المأمور به، من غير مجاوزة فيه، ولا تقصير. ٤ - (ومنها): ما قيل: إن المسجد الأبعد للجماعة أفضل من القريب، ويُستثنى منه ما إذا تعطّل القريب لغيبته، أو إذا كان إمام البعيد مبتدعاً، قاله في ((الإعلام))(٣). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، لكن ورد النهي عن تتبّع المساجد، فقد أخرج الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) بإسناد صحيح، عن ابن عمر ط﴿يا قال: قال رسول الله وَلهو: ((لِيُصَلّ أحدكم في مسجده، ولا يتتبع المساجد)) (٤). (١) ((المسند)) ١٥٧/٤، و((صحيح ابن خزيمة)) ٣٧٢/٢ و((المستدرك)) ٢١١/١. (٢) ((المسند)) برقم (٦٧١١). (٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٧٣/٢. (٤) ((المعجم الكبير)) ١٢/ ٣٧٠ رقم (١٣٣٧٣). ٣٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ففيه النهيُ عن تتبّع المساجد، لكن هذا يُحمل على الكراهة؛ لما ثبت في ((الصحيح)) من أن الصحابة كانوا يتركون أحياناً مساجدهم، ويأتون يصلّون مع النبيّ وَّة، وأقرّهم عليه، وأمثلة ذلك كثيرة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن فيه أيضاً تكفير الذنوب، ورفع الدرجات، وصلاة الملائكة على من ينتظر الصلاة في المسجد. ٦ - (ومنها): أن من تعاطى أسباب الصلاة يُسمّى مصلّياً . ٧ - (ومنها): أنه ينبغي لمن خرج في طاعة، صلاة، أو غيرها أن لا یشرکها بشيء من أمور الدنيا. ٨ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على تفضيل صالحي الناس على الملائكة؛ لأنهم يكونون في تحصيل الدرجات بعبادتهم، والملائكة مشغولون بالاستغفار والدعاء لهم. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قالوا، ولا يظهر هذا الاستدلال، ومسألة تفضيل الملائكة على البشر، أو عكسه، قد استوفيت البحث عنها في غير هذا الموضع، وهي ليست من المسائل المهمّة التي ينبغي العناية بها، بل هي من فضول المسائل، فالأولى عدم الخوض فيها؛ لعدم ورود النصّ الصريح بها، وليست مما يتعلّق بالمعتقدات الدينيّة، فتنبّه لهذه الدقائق، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الحدث الأصغر وإن منع دعاء الملائكة لا يمنع جواز الجلوس في المسجد، كذا في ((المرقاة)). ١٠ - (ومنها): بيان أن الحدث في المسجد أشدّ من النخامة؛ لأن لها كفّارةً، وهو دفنها، ولم يذكر لهذا كفّارة، بل عومل صاحبه بحرمان استغفار الملائكة، مع أن دعاءهم مرجوّ الإجابة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ آَرْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. ١١ - (ومنها): أنه استِدّل به على أن الجماعة ليست شرطاً لصحة الصلاة؛ لأن قوله وَله: ((على صلاته في بيته وسوقه)) يقتضي صحة صلاته منفرداً؛ لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل التفاضل، فإن ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصح لا فضيلة فيه، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك. ٣٤٧ (٥٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (١٥٠٨) ١٢ - (ومنها): ما قيل: أنه يستدلّ به على تساوي الجماعات في الفضل، سواء كثرت الجماعة أم قَلَّت؛ لأن الحديث دلّ على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة، فيدخل فيه كل جماعة، كذا قال بعض المالكية، وقوَّاه بما رَوَى ابنُ أبي شيبة بإسناد صحيح، عن إبراهيم النخعيّ، قال: إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعةٌ، لهم التضعيف خمساً وعشرين. انتهى. قال الحافظ: وهو مسلّم في أصل الحصول، لكنه لا ينفي مزيد الفضل لِمَا كان أكثر، لا سيما مع وجود النصّ المصرِّح به، وهو ما رواه أحمد، وأصحاب ((السنن))، وصححه ابن خزيمة وغيره، من حديث أُبَيّ بن كعب مرفوعاً: ((صلاةُ الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كَثُرَ فهو أحب إلى الله))، وله شاهد قويّ في الطبرانيّ، من حديث قَبَاث بن أَشْيَم، وهو بفتح القاف، والموحدة، وبعد الألف مثلثة، وأبوه بالمعجمة، بعدها تحتانية، بوزن أحمر، ويترتب على الخلاف المذكور أن من قال بالتفاوت استَحَبَّ إعادة الجماعة مطلقاً؛ لتحصيل الأكثرية، ولم يَسْتَحِبّ ذلك الآخرون، ومنهم مَن فَصَّل، فقال: تعاد مع الأعلم، أو الأورع، أو في البقعة الفاضلة، ووافق مالك على الأخير، لكن قصره على المساجد الثلاثة، والمشهور عنه بالمسجدين المكيّ والمدنيّ، وكما أن الجماعة تتفاوت في الفضل بالقلّة والكثرة، وغير ذلك، مما ذُكِر كذلك يفوق بعضها بعضاً. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: القول باستحباب الإعادة إذا زادت الجماعة مطلقاً هو الأظهر عندي؛ لمزيد الفضل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ◌َّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥٠٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الْأَشْعَنِيُّ، أَخْبَرَنَا (٢) عَبْثَرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ (ح) وَحَدَّثَنَا (١) ((الفتح)) ١٦٠/٢. (٢) وفى نسخة: ((حدّثنا)). ٣٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، كُلَّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِ مَعْنَاهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو الأَشْعَشِيُّ) الكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م س) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤. ٢ - (عَبْثَر (١)) بن القاسم الزُّبَيديّ، أبو زُبيد الكوفيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٠٥/٤٨. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ (٢)) الهاشميّ مولاهم، أبو عبد الله البغداديّ الرُّصَافِيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٨) وله (٩٣) سنةً (مد) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٨/٣٠. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقانيّ، أبو زياد الكوفيّ، لقبه شَقُوصَا، صدوقٌ يخطئ قليلاً [٨] (ت ١٩٤) أو قبلها (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٢٧/٥. ٥ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. ٧ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم في الباب الماضي، وكذا ((الأعمش))، ذُكر في السند الماضي. وقوله: (كُلَّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ) أي كلّ هؤلاء الثلاثة: عَبْثَر بن القاسم، وإسماعيل بن زكريا، وشعبة حدّثوا عن الأعمش. وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) ((في)) بمعنى الباء، أي بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو: عن أبي صالح، عن أبي هريرة رقُته. وقوله: (بِمِثْلِ مَعْنَاهُ) متعلّق بحدّثوا، كما قدّرناه آنفاً، كالجارّين قبله. (١) بالباء الموحّدة، ثم الثاء المثلّثة المفتوحة. (٢) بالراء، والمثنّاة التحتانيّة المشدّدة. ٣٤٩ (٥٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (١٥٠٩) [تنبيه]: رواية شعبة التي أحالها المصنّف هنا على رواية أبي معاوية، فقد ساقها الترمذيّ ◌َّتُهُ، في ((جامعه))، فقال: (٥٤٨) حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة، عن الأعمش، سمع ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ّ﴿ قال: ((إذا توضأ الرجل، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة، لا يخرجه، أو قال: لا ينهزه إلا إياها، لم يَخْطُ خُطْوَةً، إلا رفعه الله بها درجةً، أو حَطّ عنه بها خطيئةً)). انتهى. وأما رواية عَبْثَر، وإسماعيل، فلم أجد من ساقهما بتمامهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥٠٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَى: ((إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ، مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَأَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ، مَا كَانَتِ الصَّلاَةُ(١) تَحْبِسُهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضاً. ٣ - (أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ) بن أبي تميمة كيسان، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٥. ٤ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ [٣] (ت١١٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٠٨. (١) وفي نسخة: ((ما دامت الصلاة)). ٣٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة و ((أبو هريرة)) رَُّّهَ ذُكر في السند الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل . وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥١٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: (لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ، مَا كَانَ فِيَّمُصَلََّهُ، يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، حَتَّى يَنْصَرِفَ، أَوْ يُحْدِثَ))، قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ؟(١) قَالَ: يَفْسُو، أَوْ يَضْرَطُ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ، [١٠] (ت٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤. ٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، تغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٨٠/٦. ٤ - (ثَابِت) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع (١٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٥ - (أَبُو رَافِع) نُفَيع الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، [٢] (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٦٢. و((أَبُو هُرَیْرَةَ)) ذكر قبله. (١) وفي نسخة: ((قلت: وما يُحدِث؟)). ٣٥١ (٥٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (١٥١١) وقوله: (قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ؟) وفي نسخة: ((وما يُحدث؟))، والقائل الظاهر أنه أبو رافع. وقوله: (قَالَ: يَفْسُو، أَوْ يَضْرَطُ) القائل هو أبو هريرة ◌َّهِ، و(يفسو)) من باب نصر، والاسم الْفُسَاء بالضمّ، والمدّ، وهو ريحُ يخرج بغير صوت (١) يُسمع(١). و(يضرَط)) من بابي تَعِبَ، وضَرَبَ، والاسم الضُّرَاط بالضمّ، وتخفيف الراء . قال القرطبيّ بعد ذكره تفسير أبي هريرة رضيبه هذا ما نصّه: وهو منه تمسّك بالعرف الشرعيّ، وقد فسّره غيره بأنه الحدث الذي يصرفه عن إحضار فضل انتظار الصلاة، ويَحْمِله على الإعراض عن ذلك، سواءٌ كان مُسَوَّغاً أو غير مُسَوَّغ، وهو تمسّك بأصل اللغة، وحَمَله بعضهم على إحداث مأثم. انتھی(٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، ومسائله قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥١١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ، مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلاةُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٧٣/٢. (٢) ((المفهم)) ٢٨٩/٢. ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣. و ((أبو هريرة)» ذکر قبله. وقوله: (تَحْبِسُهُ) بكسر الباء، من باب ضرب: أي تمنعه من الخروج من المسجد . وقوله: (أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ) أي يرجع إليهم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥١٢] ( .. ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَهِ قَالَ: ((أَحَدُكُمْ(١) مَا قَعَدَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فِي صَلَاةٍ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَدْعُو لَهُ الْمَلَائِكَةُ، اللَّهُمَّ(٢) اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ)). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٤٨) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤. والباقون تقدّموا قبل باب، غير الأعرج، وأبي هريرة ففي السند الماضي. وقوله: (أَحَدُكُمْ) وفي نسخة: ((إن أحدكم)). وقوله: (مَا قَعَدَ ... إلخ) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة قعوده. وقوله: (مَا قَعَدَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فِي صَلَاةٍ) هذا ظاهر في أن منتظر الصلاة في ثواب الصلاة مطلقاً، سواء كان في مجلسه الذي صلى فيه، أم تحوّل إلى مكان آخر من المسجد، ولا يُخالف ما سبق من قوله: ((ما دام في مصلّاه))؛ (١) وفي نسخة: ((إن أحدكم)). (٢) وفي نسخة: ((تقول: اللهم)). ٣٥٣ (٥٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (١٥١٣) لأن المراد من المصلّى المكان المعدّ للصلاة، وهو المسجد(١)، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (مَا لَمْ يُحْدِثْ) دليلٌ على أن الحدث يُبطل هذا الفضل، وإن استمرّ جالساً في المسجد. وقوله: (تَدْعُو لَهُ الْمَلَائِكَةُ) يَحتَمِل أن المراد بهم الحفَظَة، أو السيّارة، أو أعمّ من ذلك، وهو الأولى؛ لعموم ظاهر الحديث. والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥١٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا(٢) مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ بِنَحْوِ هَذَا). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّه) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. والباقون تقدّموا في الباب. وقوله: (بِنَحْوِ هَذَا) أي بنحو حديث الأعرج، عن أبي هريرة المتقدّم. [تنبيه]: رواية همّام بن منّه هذه ساقها الإمام الترمذيّ ◌َخْثُ في («جامعه»، فقال : (٣٠٢) حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن مُنَّبِّه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلا ير: ((لا يزال أحدكم في صلاةٍ، ما دام ينتظرها، ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم، ما دام في (١) راجع: ((الفتح)) ١/ ٦٤١. (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ٣٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة المسجد، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث))، فقال رجل من حضرموت: وما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُسَاءٌ، أو ضُرَاطٌ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ (٥١) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ) [١٥١٤] (٦٦٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْراً فِي الصَّلَاةِ، أَبْعَدُهُمْ إِلَيْهَا مَمْشَّى، فَأَبْعَدُهُمْ، وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ، أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ الَّذِي يُصَلِّيهَا، ثُمَّ يَنَامُ))، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ: ((حَتَّى يُصَلَّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ فِي جَمَاعَةٍ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعريّ، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٤ - (بُرَيْد) بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. ٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦/ ١٧١. ٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ بَُّله سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧١/١٦. المشهور، مات ٣٥٥ (٥١) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ - حديث رقم (١٥١٤) لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَّتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عبد الله بن بَرّاد، فتفرّد به هو وأبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكنى، غير بُريد. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، فأبو بُردة جدّ لِيُريد بن عبد الله، وكنيته أيضاً أبو بُردة، كجدّه. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ: أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِن ◌َّه : ((إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْراً) منصوب على التمييز (فِي الصَّلَاةِ) أي في أداء الصلاة جماعةً (أَبْعَدُهُمْ) بالفعل على الخبريّة لـ((إِنّ)) (إِلَيْهَا) متعلّق بـ(مَمْشَى) بفتح الميم الأولى، وسكون الثانية: مصدر ميميّ لـ((مَشَى))، منصوب على التمييز أيضاً، ويَحْتَمل أن يكون ظرف مكان، أي مكان مَشْي، والمعنى أبعدهم مسافةً إلى المسجد . وقوله: (فَأَبْعَدُهُمْ) قال الكرمانيّ: الفاء فيه للاستمرار، كما في قولهم: ((الأمثلُ فالأمثلُ)). وتعقّبه العينيّ، فقال: لم يذكر أحد من النحاة أن الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ولكن يمكن أن تكون الفاء ها هنا للترتيب مع تفاوت من بعض الوجوه، وقال الزمخشريّ: للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال: [أحدها]: أن تدلّ على ترتيب معانيها في الوجود، كقوله: فَالْغَانِمِ فَالْآَيِبِ يَا لَهْفَ زِيَابَةَ لِلْحَارِثِ الصَّابِحِ أي الذي صَبَّحَ، فغَنِمَ!، فآب. [والثاني]: أن تدلّ على ترتيبها في التفاوت من بعض الوجوه، نحو قولك: خذ الأكمل، فالأفضل، واعمَلِ الأحسن، فالأجمل. ٣٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة [والثالث]: أن تدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك، نحو رَحِمَ الله المحلقين، فالمقصرين. وقيل: تقع الفاء تارة بمعنى ((ثُمّ))، كما في قوله تعالى: ﴿ثُرَ خَلَقْنَاَ النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ لَحْمًا﴾ الآية [المؤمنون: ١٤]، فالفاآت فيها بمعنى ((ثُمَّ)) لتراخي معطوفاتها، فعلى هذا يجوز أن تكون الفاء ههنا بمعنى (ثُمّ))، بمعنى أبعدهم، ثم أبعدهم. انتهى(١). (وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّبَهَا مَعَ الْإِمَامِ، أَعْظَمُ أَجْراً مِنِ الَّذِي يُصَلِّيهَا) أعمّ من أن يكون مع جماعةٍ، أو وحده، ويُستفاد منه أن الجماعة تتفاوت كما تقدّم بيان ذلك، وقوله: (ثُمَّ يَنَامُ))) فائدة ذكره الإشارة إلى الاستراحة المقابلة للمشقّة التي في ضمن الانتظار، قاله الكرمانيّ تَخْذُ(٢). (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء شيخه الثاني ((حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ فِي جَمَاعَةٍ))) يعني أنه زاد قوله: ((في جماعة))، وهو من باب التوضيح، وإلا فقوله في رواية عبد الله بن بَرّاد: ((حتى يصلّيها مع الإمام)) يؤدّي هذا المعنى؛ لأن معنى الصلاة مع الإمام هو الصلاة جماعةً. قال الكرمانيّ رځّثهُ : [فإن قلت]: هذا التفضيل أمرٌ ظاهرٌ ضروريّ، فما الفائدة في ذكره؟. [قلت]: معناه أن الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام آخر الوقت، أعظم أجراً من الذي يصليها في وقت الاختيار وحده، أو الذي ينتظرها حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصليها أيضاً مع الإمام بدون انتظار، أي كما أنّ بُعد المكان مُؤَثِّرٌ في زيادة الأجر، كذلك طول الزمان؛ لأنهما يتضمنان لزيادة المشقة الواقعة مقدَّمةً للجماعة. قال العينيّ في ((العمدة)): قد عُلِم أن السبب في تحصيل هذا الأجر العظيم انتظار الصلاة، وإقامتها مع الإمام، فإن وُجِد أحدهما دون الأخر، فلا يحصل له ذلك، ويُعْلَم من هذا أيضاً أن تأخير الصلاة عن وقت الاختيار، لا يخلو عن أجر، كما في تأخير الظهر إلى أن يبرد الوقت عند اشتداد الحرّ، (١) ((عمدة القاري)) ٢٤٨/٥. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٤٩/٥. ٣٥٧ (٥١) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ - حديث رقم (١٥١٤) وتأخير العصر إلى ما قبل تغير قرص الشمس، وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل، وتأخير الصبح إلى وقت الإسفار(١). قال الجامع عفا الله عنه: أما قوله: ((كما تأخير الظهر ... إلخ، وكذا قوله: وتأخير العشاء إلى ثلث الليل))، فصحيحٌ، وأما قوله: ((وتأخير العصر ... إلخ))، وكذا قوله: ((وتأخير الصبح ... إلخ)) فهذا بناء على مذهبه؛ لأن الحنفيّة يستحبّون تأخير هاتين الصلاتين، والحقّ في هذا ما ذهب إليه الجمهور، من استحباب تعجيل العصر، وتغليس الصبح؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، وقد مضى تحقيقه في موضعه، فلا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ تُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥١٤/٥١] (٦٦٢)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٥١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٥٠١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٧٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٨٦)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣١٦٦)، والبيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٤/٣ و٧٧/١٠) و((الصغرى)) (٢٩٧/١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل كثرة الْخُطا إلى المساجد. ٢ - (ومنها): بيان فضل المسجد البعيد على القريب لأجل كثرة الخطا. ٣ - (ومنها): بيان أن الأجر يكثر، ويَعظُمُ بحسب بُعْد المكان عن المسجد. ٤ - (ومنها): بيان فضل السبق إلى المسجد في أول الوقت؛ لانتظار الصلاة . (١) ((عمدة القاري)) ٢٤٨/٥ - ٢٤٩. ٣٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٥ - (ومنها): أن فيه دليلاً على صحّة صلاة المنفرد، وهذا هو الحقّ، وهو لا ينافي القول بفرضيّة صلاة الجماعة عيناً على الرجال إلا لعذر، كما تقدّم تحقيقه في موضعه. ٦ - (ومنها): بيان فضل انتظار الصلاة حتى يصلي مع الإمام، وقد تقدّم مستوفّى في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥١٥] (٦٦٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ، لَا أَعْلَمُ رَجُلاًّ أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ، أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَاراً تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ، وَفِي الرَّمْضَاءِ، قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْثَر) بن القاسم، تقدّم أيضاً في الباب الماضي. ٣ - (سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ) هو: ابن طرخان، تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) عبد الرحمن بن مِلّ بن عَمْرو الكوفيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ مخضرمٌ عابدٌ، مشهورٌ بكنيته، من كبار [٢] (ت٩٥) أو بعدها، وعاش (١٣٠) سنة، وقيل: أكثر (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٥ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْب) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجّار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر الصحابيّ الشهير، سيّد القرّاء، ويُكنى أيضاً أبا الظُفيل، قيل: مات سنة (١٩) وقيل: (٣٢) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٦٦. ٣٥٩ (٥١) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ كَثْرَةِ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ - حديث رقم (١٥١٥) لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َخَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه . ٣ - (ومنها): أن عَبْثَراً لا يوجد له مشارك من الرواة في هذا الاسم. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة ﴿ه، قرأ عليه النبيّ ((سورة البيّنة))، فقد أخرج الشيخان عن أنس بن مالك نظرته قال: قال رسول الله ◌َ﴿ لأَبَيّ بن كعب: ((إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ [البينة: ١]»، قال: وسمّاني؟، قال: ((نعم))، فَبَكَى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) رَّهِ أَنه (قَالَ: كَانَ رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه، وفي رواية أحمد من طريق سفيان بن عيينة، عن عاصم الأحول: (( كان ابن عمّ لي شاسع الدار))، ففيه أنه ابن عمّ أُبيّ بن كعب ◌َظُه، والله تعالى أعلم. وذكر صاحب ((التنبيه)) أن الشيخ شهاب الدين الأقفهسيّ قال في ((كتاب المساجد)): إنه أَبيّ بن كعب. انتهى، قال: وظاهر الحديث الآتِي بعده أنه غيره، والظاهر أنه انتقال حفظ منه، وقد انتقل حفظه في هذا المؤلّف في عدّة أماكن، منها قال: روى مسلم: ((لا يوطّن أحدكم المساجد للصلاة، إلا تبشبش الله به ... )) الحديث، وهذا الحديث ليس هو في مسلم، إنما هو في ((مستدرك الحاكم))(١). انتھی. (لَا أَعْلَمُ رَجُلاً أَبْعَدَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ) أي من ذلك الرجل (وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ) أي لا تفوته صلاة من الصلوات الخمس، أي أداؤها في الجماعة مع النبيّ وَِّ (قَالَ) أَبِيّ ◌َبه (فَقِيلَ لَهُ) أي قال له قائلٌ (أَوْ) للشكّ من الراوي (١) ((المستدرك)) ٣٣٢/١. ٣٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (قُلْتُ لَهُ: لَوِ اشْتَرَيْتَ حِمَاراً) (لو)) هذه يَحتَمِل أن تكون شرطيّة، جوابها محذوف، أي لكان خيراً لك، ويَحْتَمِل أن تكون للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب (تَرْكَبُهُ فِي الظُّلْمَاءِ) بفتح الظاء المعجمة، وسكون النون، ممدوداً بمعنى الظلام، أو شديده، أي في الليلة الظَّلْماء، قال في ((القاموس)): والظُّلْمة بالضمّ، وبضمّتين، والظّلْماءُ، والظلام: ذَهَاب النور، وليلةٌ ظَلْمَةٌ على طرح الزائد، وظَلْمَاءُ: شديدة الظُّلْمة، وليلٌ ظَلْماءُ شاذٌّ، وقد أظلم، وظَلِمَ، كسَمِعَ، ويومٌ مُظلمٌ، كمُحْسِنٍ: كثيرُ شرّهُ، وأمرٌ مُظلِمٌ، ومِظْلامٌ: لا يُدرَى من أين يُؤتی. انتھی(١). وجملة ((تركبه)) في محلّ نصب نعتٌ لـ((حماراً)). (وَفِي الرَّمْضَاءِ) بوزن ما قبله، قال في ((المصباح)): الرَّمْضَاءُ: الحِجَارةُ الحاميةُ من حرّ الشمس، ورَمِضَ يومُنا رَمَضاً، من باب تَعِبَ: اشتدّ حرُّهُ. (٢) . انتھی (قَالَ) ذلك الرجل (مَا) نافيةٌ، أي لا (يَسُرُّنِي) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، يقال: سَرَّه الشيءُ يسرُّهُ، من باب نصر، سُرُوراً بالضمّ، والاسم السَّرُورُ بالفتح: إذا أفرحه، والْمَسَرّةُ منه، وهو ما يُسَرُّ به الإنسانُ، والجمع المسارّ، والسرّاءُ: الخير والفضل(٣). (أَنَّ مَنْزِلِي) بفتح ((أنّ))؛ لوقوعها موقع الفاعل (إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ) يعني أنه لا يفرح بقرب بيته من المسجد النبويّ، ثم ذكر علّة ذلك، فقال: (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوع الجملة موقع التعليل، ويَحْتَمِل إن ثبت روايةً فتحها؛ بتقدير حرف التعليل، أي لأني (أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي) بالبناء للمفعول (مَمْشَايَ) تقدّم أنه مصدر ميميّ، أي مشيي، أو هو ظرف مكان، أي مكان مشيي، وهو موضع قدمه، وهو مضاف إلى ياء المتكلّم، وعدم قلب ألفه إلى الياء مذهب جمهور العرب، إلا عند هُذيل، كما أشار إليه في ((الخلاصة)) بقوله: وَأَلِفاً سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ هُذَيْلِ انْقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ (١) ((القاموس المحيط)) ١٤٦/٤. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٧٤/١. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٣٨/١.