النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ (٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٢) عليها عمرو بن قيس بن زيد بن سَوّاد الأنصاريّ، كذا قال، والصحيح العكس، فقد قال غير واحد: إنها خرجت مع زوجها عُبادة في بعض غزوات البحر، وماتت في غَزَاتها، وَقَصَتها بغلتها عندما قفلوا، وذلك أول ما ركب المسلمون في البحر، في زمن معاوية، في خلافة عثمان ﴿ه، زاد أبو نعيم الأصبهانيّ: وقُبِرَت بقُبْرُص، وزاد الإسماعيليّ في (مستخرجه)) عن الحسن بن سفيان، عن هشام بن عمار، قال: رأيت قبرها، ووَقَّفتُ عليه بِقُبْرص، جزيرة عظيمة من جزائر الروم. أخرج لها البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، ولها في هذا الكتاب حديث واحد سيأتي في ((كتاب الإمارة)) برقم (١٩١٢) حديث: ((أُريتُ قوماً من أمتي يركبون ظهر هذا البحر ... )). (فَقَالَ) وَهِ (قُومُوا، فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ))) تقدّم إعراب هذه الجملة، وشرحها في حديث أنس ◌َُّه المذكور أولَ الباب، وقوله: (فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ) متعلّق بـ((قال))، أو متعلّق بخبر لمبتدأ محذوف، تقديره: وذلك كائنٌ في غير وقت صلاة، وأراد بذلك أن الوقت قال فيه ذلك كان غيرٍ وقت صلاة مفروضة، وليس المراد أنه صلى بهم في أوقات النهي (فَصَلَّى بِنَا) تقدّم في رواية البخاريّ: ((ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلّى غير المكتوبة))، وفي رواية عند أحمد، من طريق ثابت، عن أنس: ((ثم صلّى ركعتين تطوّعاً، فأقام أم حرام، وأمّ سُليم خلفنا، وأقامني عن يمينه)). (فَقَالَ رَجُلٌ) وفي رواية أبي نعيم في ((مستخرجه)): ((فقال رجلٌ من القوم))، ولا يُعرف هذا الرجل القائل، كما قاله صاحب ((التنبيه)) (١). (لِثَابِتٍ) البنانيّ (أَيْنَ جَعَلَ أَنَساً مِنْهُ؟) بَّ، أي على أي جهة منه أقامه؟ (قَالَ) ثابتٌ (جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ) أي جهة يمين النبيّ وَّر، وفيه أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام (ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ) بنصب ((أهلَ)) على الاختصاص، كما قال في ((الخلاصة)): الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءِ دُونَ ((يَا)) كَـ((أَيُّهَا الْفَتَى)) بِإِثْرِ ((ارْجُونِيَا)) (١) قال في ((تنبيه المعلم)) (ص١٤٨): لا أعرفه. ٣٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وَقَدْ يُرَ ذَا دُونَ ((أَيِّ)) تِلْوَ ((أَلْ)) كَمِثْلِ «نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ)) ويَحْتَمِل أن يكون مفعولاً لفعل مقدّر، أي أعني أهل البيت، أي أهل بیت أنس رقڅته . (بِكُلِّ خَيْرٍ) متعلّق بـ(دعا)) (مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) هذا الدعاء لعموم أهل بيت أنس، غير الدعاء الخاصّ به الذي ذكره بقوله: (فَقَالَتْ أُمِّي) أمّ سُليم ظٌّْا (يَا رَسُولَ اللهِ، خُوَيْدِمُكَ) تصغير خادم، صغّرته على معنى التلظُف، لا التحقير، يقال: خَدَمه يَخْدُمه، ويَخْدِمه، من بابي نصر، وضرب، خَدْمةً، فهو خادم غلاماً كان، أو جاريةً، والخادمة بالهاء في المونّث قليلٌ، والجمع خَدَم، بفتحتين، وخُدّام(١) . فـ(خُويدمك)) مبتدأ، خبره قوله: ((ادع الله له)). وفي رواية البخاريّ المتقدّمة: فدعا لأم سُليم وأهل بيتها، فقالت أم سُليم: يا رسول الله إن لي خُوَيِصّةً، قال: ((ما هي؟)) قالت: خادمك أنسُ ... ، وفي رواية أحمد: ((إن لي خُوَيصّة، خُويدمك أنسٌ، ادع الله له)). (ادْعُ اللهَ لَهُ) أي مكافأة لإحسانه إليك بالخدمة زمناً طويلاً، فقد أخرج البخاريّ كَُّ في ((صحيحه))، عن أنس بن مالك نظُّله: ((أنه كان ابن عشر سنين مَقْدَم رسول الله وَّهُ المدينةَ، فكان أمهاتي يواظبنني على خدمة النبيّ وَّه فخدمته عشر سنين، وتوفي النبيّ وَطّر، وأنا ابن عشرين سنة ... )) الحديث. وأخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) عن ثابت، قال أنس: ما شَمِمْت شيئاً عنبراً قطّ، ولا مسكاً قطّ، ولا شيئاً قطّ أطيب من ريح رسول الله وَّر، ولا مَسَسْتُ شيئاً قطّ ديباجاً، ولا حريراً، ألين مَسّاً من رسول الله وَ له. قال ثابت: فقلت: يا أبا حمزة، ألست كأنك تنظر إلى رسول الله ومستر، وكأنك تسمع إلى نَغَمَته؟ فقال: بلى والله، إني لأرجو أن ألقاه يوم القيامة، فأقول: يا رسول الله خُويدمك، قال: خدمته عشر سنين بالمدينة، وأنا غلام، ليس كل أمري كما يَشْتَهِي صاحبي أن يكون، ما قال لي فيها: أُفّ، ولا قال لي: لم فعلت هذا؟ وألا فعلت هذا؟. (١) راجع: ((المصباح المنير)) ١٦٥/١، و((القاموس المحيط)) ١٠٣/٤. ٣٢٣ (٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَةِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٢) (فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرِ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ) هذا محبّة (قَالَ) أنس يدلّ على أن النبيّ ◌ََّ دعا لأنس ◌َظُهُ بدعوات كثيرة، غير هذا (أَنْ قَالَ) ((أَنْ)) بفتح الهمزة مصدريّة، والمصدر المؤوّل اسم ((كان)) مؤخّراً، أي كان قوله: ((اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِْ لَهُ) وقوله: (فِيهِ))) وكذا هو في رواية البخاريّ المتقدّمة بالإفراد؛ نظراً إلى اللفظ، ولأحمد: ((فيهم))؛ نظراً إلى المعنى، وللبخاريّ في ((الدعوات))، من طريق قتادة، عن أنس: ((وبارك له فيما أعطيته)). ولم يقع في هذه الرواية التصريح بما دعا له من خير الآخرة؛ لأن المال والولد من خير الدنيا، وكأن بعض الرواة اختصره. وسيأتي لمسلم في ((الفضائل)) من طريق الجعد، أبي عثمان، قال: حدّثنا أنس بن مالك ظته، قال: مَرّ رسول الله وَلر، فسمعت أمي، أم سليم صوته، فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله، أنيسٌ، فدعا لي رسول الله وَلّ ثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة. ولم يبيّن هذه الثالثة، وهي المغفرة كما بيّنها سنان بن ربيعة بزيادة، وذلك فيما رواه ابن سعد، بإسناد صحيح عنه، عن أنس نظُه قال: ((اللهم أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس رظُلُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٠٢/٤٩ و١٥٠٣ و١٥٠٤] (٦٦٠) وفي ((فضائل الصحابة)) (٢٤٨١)، و(البخاريّ) في ((الصوم)) (١٩٨٢) و((الدعوات)) (٦٣٣٤ و ٦٣٤٤ و٦٣٧٨ و٦٣٨٠) وفي «الأدب المفرد)» (٨٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة))، و(ابن ماجه) فيها (٩٧٥)، و(النسائيّ) في ((الإمامة)) (٨٠٢ و٨٠٣ و٨٠٤)، وفي ((الكبرى)) (٨٧٧ و٨٧٨ و٨٧٩)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٠٢٧)، و(أحمد) (١) راجع: ((الفتح)) ٢٦٩/٤ (كتاب الصوم)) رقم (١٩٨٢). ٣٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة في ((مسنده)) (١٩٣/٣ و١٩٤ و٢١٧ و٢٥٨ و٢٦١)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٢٦٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٥٢٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٢٠٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده(١): ١ - (منها): بيان جواز الجماعة في النافلة. ٢ - (ومنها): مشروعيّة الدعاء للخادم؛ مكافأة على إحسانه، فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، عن ابن عمر ظ﴿ه قال: قال رسول الله وَله: ((من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفاً، فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له، حتى تعلموا أن قد كافأتموه)). ٣ - (ومنها): جواز التصغير على معنى التلطّف لا التحقير. ٤ - (ومنها): تحفة الزائر بما حضر بغير تكلُّف. ٥ - (ومنها): جواز ردّ الهدية إذا لم يَشُقّ ذلك على المهدي، وأن أخذ من رد عليه ذلك له ليس من العود في الهبة. ٦ - (ومنها): حفظ الطعام وترك التفريط فيه، وجبر خاطر المزور إذا لم یؤکل عنده بالدعاء له. ٧ - (ومنها): مشروعية الدعاء عقب الصلاة، وتقديم الصلاة أمام طلب الحاجة. ٨ - (ومنها): استحباب الدعاء بخير الدنيا والآخرة؛ لأن كلّ ذلك بيد الله رَّ، وقد رغّب الله تعالى في ذلك حيث قال: ﴿وَمِنْهُم مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَئِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِىِ الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيِعُ الْحِسَابِ [البقرة: ٢٠١، ٢٠٢]، وقال رحمت: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَّوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ﴾ [النساء: (١) المراد فوائد الحديث بجميع رواياته المختلفة التي أوردتها في الشرح، لا خصوص سياق المصنّف هنا، فتنبّه. ٣٢٥ (٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّفِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٢) ٩ - (ومنها): جواز الدعاء بكثرة المال والولد، وأن ذلك لا ينافي الخير الأخرويّ، وأنّ فَضْلَ التقلل من الدنيا يختلف باختلاف الأشخاص. ١٠ - (ومنها): زيارة الإمام بعض رعيته. ١١ - (ومنها): جواز دخول بيت الرجل في غيبته؛ لأنه لم يُنقَل في طرق هذه القصّة أن أبا طلحة ظبه كان حاضراً. ١٢ - (ومنها): إيثار الولد على النفس، وحسن التلطف في السؤال. ١٣ - (ومنها): أن كثرة الموت في الأولاد لا ينافي إجابة الدعاء بطلب كثرتهم، ولا طلب البركة فيهم؛ لما يحصل من المصيبة بموتهم، والصبرِ على ذلك من الثواب. ١٤ - (ومنها): التحدث بنعم الله تعالى، وبمعجزات النبيّ وَّ لما في إجابة دعوته من الأمر النادر، وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد، وكون بستان المدعوّ له صار يثمر مرتين في السنة دون غيره. ١٥ - (ومنها): أن فيه التاريخ بالأمر الشهير، ولا يَتَوَقَّف ذلك على صلاح المؤرّخ به. ١٦ - (ومنها): أنه إنما دعا النبيّ وَلّر الأنس بالبركة في ماله؛ لأن مجرّد كثرة المال لا ينفع صاحبه إلا إذا بارك الله تعالى له فيه، فقام بواجبه، وإلا يكون وبالاً عليه، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي ذرّ ◌َُّه، مرفوعاً: ((إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه، وقليلٌ ما هم))، وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة ظُه، عن النبيّ وَّر قال: ((إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، وقليلٌ ما هم، عن يمينه، وعن شماله، وبین یدیه، ووراءه)). ١٧ - (ومنها): أن الله تعالى أكرم نبيّه وَ لّ حيث استجاب دعاءه لأنس ظُبه، فكان أكثر الناس مالاً وولداً، وطال عمره. أما كثرة ماله، وولده، فقد أخرج مسلم في ((فضائل الصحابة)) من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس رضيبه، قال: جاءت بي أمي، أم أنس إلى رسول الله وَّة، وقد أَزَّرَتني بنصف خمارها، ورَدّتني بنصفه، فقالت: ٣٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة يا رسول الله، هذا أُنيس ابني أتيتك به يخدُمك، فادع الله له، فقال: ((اللهم أكثر ماله وولده))، قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادُّون على نحو المائة اليوم. وفي ((كتاب الصوم)) من ((صحيح البخاريّ)): قال أنس: وحدّثتني ابنتي أمينة أنه دُفِن لصلبي مَقْدَم الحجاج البصرة(١) بضع وعشرون ومائة(٢). وقال النوويّ تَخْتُهُ: كان أكثر الصحابة أولاداً، وقد قال ابن قُتيبة في ((المعارف)): كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كلُّ واحد منهم من ولده مائةَ ذكر لصلبه: أبو بكرة، وأنس، وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعاً، وهو المهلَّب بن أبي صُفْرة. وأخرج الترمذيّ، عن أبي العالية في ذكر أنس: وكان له بستان يأتي في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك، ورجاله ثقات. (١) قوله: ((مقدم الحجاج البصرة)) بالنصب على نزع الخافض: أي من أول ما مات لي من الأولاد إلى أن قدمها الحجاج، ووقع ذلك صريحاً في رواية ابن أبي عديّ، ولفظه: وذَكَر أن ابنته الكبرى أمينة أخبرته أنه دُفن لصلبه إلى مقدم الحجاج، وكان قدوم الحجاج البصرة سنة خمس وسبعين، وعمر أنس حينئذ نيف وثمانون سنة، وقد عاش أنس بعد ذلك إلى سنة ثلاث، ويقال: اثنتين، ويقال: إحدى وتسعين، وقد قارب المائة، قاله في ((الفتح)) ١٦٩/٤ ((كتاب الصوم)) رقم (١٩٨٢). (٢) قوله: ((بضع وعشرون ومائة)) في رواية ابن أبي عديّ: ((نيف على عشرين ومائة))، وفي رواية الأنصاريّ، عن حميد، عند البيهقي في ((الدلائل)): ((تسع وعشرون ومائة))، وهو عند الخطيب في ((رواية الآباء عن الأبناء))، من هذا الوجه، بلفظ: («ثلاث وعشرون ومائة))، وفي رواية حفصة بنت سيرين: ((ولقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة))، وفي ((الحلية)) أيضاً من طريق عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: ((دفنت مائة لا سِقْطاً ولا ولد ولد))، ولعل هذا الاختلاف سبب العدول إلى البضع والنيف، وفي ذكر هذا دلالة على كثرة ما جاءه من الولد، فإن هذا القدر هو الذي مات منهم، وأما الذين بَقُوا ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس، عند مسلم: ((وإن ولدي وولد ولدي ليتعادُّون على نحو المائة))، ذكره في ((الفتح)) ٤/ ٢٧٠. ٣٢٧ (٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٣) ولأبي نعيم في ((الحلية)) من طريق حفصة بنت سيرين، عن أنس، قال: ((وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين، وما في البلد شيء يُثمر مرتين غيرها))(١). وأما طول عمره ظُه، فقد ثبت في ((الصحيح)) أنه كان في الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل، وقيل: سنة ثلاث، وله مائة وثلاث سنين، قاله خليفة، وهو المعتمد، وأكثر ما قيل في سنّه أنه بلغ مائة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه: تسعاً وتسعين سنةً، أفاده في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٠٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُخْتَارِ، سَمِعَ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ صَلَّى بِهِ، وَبِأُمِّهِ، أَوْ خَالَتِهِ، قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ : ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (ح م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد البصير العابد، أمير المؤمنين في الحديث، وأول من فتّشَ بالعراق عن الرجال، وذبّ عن السنّة [٧] (١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٨١. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُخْتَارِ) البصريّ، ثقة(٣) [٧]. (١) ((الفتح)) ٢٦٩/٤ ((كتاب الصوم)) رقم (١٩٨٢). (٢) راجع: ((الفتح)) ١٤٩/١١ ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٤٤). (٣) قال في ((التقريب)): لا بأس به، والحقّ أنه ثقةٌ؛ لأنه روى عنه جماعة، ومنهم شعبة، والحمادان، وغيرهم، ووثقه ابن معين، والنسائيّ، وغيرهم، وأخرج له= ٣٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة رَوَى عن زياد بن عِلاقة، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن زياد الْجُمَحِيّ، وسعيد الْجُريريّ، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وموسى بن أنس بن مالك، وغيرهم. ورَوَى عنه إسرائيل، والحمادان، وشعبة، وشيبان بن عبد الرحمن، وشريك، وغيرهم. قال ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وكذا ابن خلفون، وقال شعبة: كان من فتياننا، وكان أحدث مني سنّاً. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في ((الشمائل))، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٦٠)، وحديث (١٨٥٢): ((إنه ستكون هنات وهنات ... )) الحديث. ٥ - (مُوسَى بْنُ أَنَس) بن مالك الأنصاريّ، قاضي البصرة، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أبيه، وابن عمه عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة، وعبد الله بن عباس. وروى عنه ابنه حمزة، وعطاء بن أبي رباح، وهو أكبر منه، ومكحول الشاميّ، وهو من أقرانه، وحميد الطويل، وعبد الله بن عون، وداود بن أبي هند، وعبد الله بن المختار، وشعبة، وسليمان بن بلال، وآخرون. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات بعد أخيه النضر بن أنس. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦٦٠) و(٦٧٧) و(٢٣١٢) و(٢٣٥٩) وأعاده بعده. و((أَنَسُ بْنُ مَالِك» ذُكر قبله. وقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ صَلَّى بِهِ، وَبِأُمِّهِ، أَوْ خَالَتِهِ ... إلخ) ((أو)) فيه = مسلم، ولم يتكلم فيه أحد، وإنما قال أبو حاتم وحده: لا بأس به، فتنبّه، راجع ترجمته في ((تهذيب الكمال)) ١١١/١٦ - ١١٢، والله تعالى أعلم. ٣٢٩ (٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٤) للشكّ، وفي رواية النسائيّ من طريق يحيى القطّان، عن شعبة: ((صلّى بي رسول الله وَ﴾، وبامرأة من أهلي، فأقامني عن يمينه، والمرأة خلفنا)). [تنبيه]: أورد ابن حبّان ◌ََّثُ حديث موسى بن أنس هذا في ((صحيحه)) (٥٨٣/٥) رقم (٢٢٠٦) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة، ولفظه: ((عن أنس بن مالك، أنه كان هو ورسول الله وَهالر، وأمه وخالته، فصلّى بهم رسول الله وَله، فجعل أنساً عن يمينه، وأمه وخالته خلفهما)). والظاهر أن قوله: ((وخالته)) بالواو غلط، والصواب ((أو خالته)) بـ(أو))، كما هو في رواية المصنّف هنا، ومما يؤيّد هذا أن مسلماً تَقْتُ ساق رواية محمد بن جعفر، عن شعبة بعد هذا، ثم أحالها على رواية معاذ بن معاذ هذه، فلو كان بين الروايتين مخالفة لنّه عليها، كعادته في ذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم. والحديث أخرجه (المصنّف) هنا [١٥٠٣/٤٩ و١٥٠٤] (٦٦٠)، و(النسائيّ) في ((الإمامة)) (٨٠٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٠٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، المعروف بالزَّمِنِ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٣٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٨. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد شعبة السابق، وهو: عن عبد الله بن المختار، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك عنْه . [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة، ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه)) (٢٥٦/٢) فقال: (١٤٧٦) حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى بن منده، ثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن جعفر غندر، ثنا شعبة بإسناده: ((أنه كان هو ورسول الله وَله، وامرأة وخالته (١)، فصلى بهم رسول الله وَلقول، فجعل أنساً عن يمينه، وأمه أو خالته خلفه)). انتهى. وأما رواية ابن مهديّ، فلم أجد من ساقها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٠٥] (٥١٣ مكرّر) - (حَدَّثَنَا(٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنْنِي مَيْمُونَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الهِ نَّهِ يُصَلِّي، وَأَنَا حِذَاءَهُ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ، وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَةٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم أول الباب. ٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٨/ ٤٠٧. (١) هكذا النسخة: ((وخالته)) بالواو، والظاهر أنه بـ((أو))، كما هو عند المصنّف، ويدلّ عليه أيضاً آخر الحديث. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ- حديث رقم (١٥٠٥) ٣٣١ ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل باب. ٤ - (عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّام) بن عمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٩/٨٣. ٥ - (الشَّيْيَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٩/٣٨. ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّاد) بن الهاد الليثيّ، أبو الوليد المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٢] قُتِل بالكوفة سنة (٨١) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الحيض)) ١/ ٦٨٧. ٧ - (مَيْمُونَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ ◌ِهِ) مَّا، ماتت سنة (٥١) (ع) تقدّمت في ((الحيض)) ١/ ٦٨٧. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في ((الصلاة)) [٥٣/ ١١٥١] (٥١٣)، وبقي الكلام على قوله: (وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَةٍ). و((الخمرة)) - بضم الخاء، وسكون الميم -: وزان غُرْفة، قال الطبريّ ◌َُّهُ: هو مصَلَّى صغير يُعْمَل من سَعَفِ النخل، سُمِّيت بذلك؛ لسترها الوجه والكفين من حَرّ الأرض وبردها، فإن كانت كبيرة سميت حصيراً، وكذا قال الأزهري في ((التهذيب))، وصاحبه أبو عبيد الهرويّ، وجماعة بعدهم، قاله في ((الفتح))(١) . وقال ابن منظور تَخْتُ: الخُمْرة: حَصِيرةٌ أو سَجَّادة صغيرة، تُنْسَج من سَعَف النخل وتُرَمَّلُ بالخيوط، وقيل: حَصِيرة أصغر من المُصَلَّى، وقيل: الخمرة: الحصير الصغير الذي يُسجَدُ عليه. قال الزجاج: سُمِّيت خمرةً؛ لأنها تستر الوجه من الأرض. انتهى(٢). وقال ابن الأثير تَخْتُهُ: هي مقدار ما يَضَعُ الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير، أو نَسِيج خُوص، ونحوه، من النبات، قال: ولا تكون خُمْرة إلا في هذا المقدار، وسُمِّيت خمرة؛ لأن خيوطها مستورة بسعَفِها، وقد تكررت في الحديث، هكذا فسرت. وقد جاء في ((سنن أبي داود))، عن ابن عباس طيها، قال: ((جاءت فأرة، (١) ١/ ٥٧٢. (٢) ((لسان)) ١٢٦١/٢. ٣٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة فأخذت تَجُرُّ الفَتِيلة، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول الله وَّر على الخمرة التي كان قاعداً عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم))، وهذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن المراد هنا الكبيرة؛ إذ لو كانت صغيرة لقالت: ((كان يسجد على خمرة)). وفي ((المنهل)): أن الخمرة يجعلها المصلي تحت جبهته؛ لتَقِيه من الحر، والبرد، وتُظْلَق أيضاً على الكبير من نوعها، وهو المراد في الحديث. (٢) انتھی(٢) . وفيه دلالة على جواز الصلاة على الخمرة، قال ابن بطال: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة على الخمرة، إلا ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يؤتى بالتراب، فيوضع على الخمرة، فيسجد عليه، ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع، والخشوع، فلا يكون فيه مخالفة للجماعة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مثل هذا الفعل لا ينبغي الاقتداء به، وإن كان عمر بن عبد العزيز عَمِلَ به مبالغة في التواضع، فالنبيّ وَّ أشدّ تواضعاً منه، وهو القدوة الحسنة، قال الله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فلا ينبغي العدول عما ثبت عنه؛ لأن الله تعالى ضَمِنَ الهداية في اتباعه فقط، قال الله تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٠٦] (٦٦١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، جَمِيعاً عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ (١) ((النهاية)) ٧٧/٢ - ٧٨. (٢) ((المنهل العذب المورود)) ٤٦/٥. ٣٣٣ (٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٦) يُونُسَ، حَذَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَوَجَدَهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ، يَسْجُدُ عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) المذكور في السن الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في (الإيمان)) ٤ / ١١٧. ٤ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْهَرَويّ الأصل، ثم الْحَدثانيّ، صدوقٌ، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن، من قدماء [١٠] (ت١٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في ((المقدمة)) ٨٧/٦. ٠ ٥ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٦ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ورع، إلا أنه يُدلس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٢٩٧. ٧ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٨ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطاً، ثقةٌ مأمون [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٩ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧. ١٠ - (جَابِر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ ، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ١١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًا، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٨٥. ٣٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقوله: (يُصَلِّ عَلَى حَصِيرٍ، يَسْجُدُ عَلَيْهِ) - بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين -: الذي يُبسط في البيوت، وقد تقدّم تفسيره مستوفّى، وكذا بيان اختلاف العلماء في حكم الصلاة عليه في شرح حديث أنس ظته المذكور أوّل الباب. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف نَّهُ، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في ((باب الصلاة في الثوب الواحد)) برقم [١١٦١/٥٤] (٥١٩) فراجعه هناك تستفد علماً جمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ . (٥٠) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٥٠٧] (٦٤٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ (١): حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ، تَزِيدُ عَلَّى صَلَائِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، بِضْعاً وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّ الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ(٢) خَطْوَةً، إِلَّ رُفِعَ لَهُ(٣) بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي الصَّلَاةِ، مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ، مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ یُحدِثْ فِیهِ)). (١) وفى نسخة: ((قال أبو بكر)). (٣) وفي نسخة: ((إلا رفع الله له)). (٢) وفي نسخة: ((لم يَخطُ)). (٥٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (١٥٠٧) ٣٣٥ رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٣. ٢ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُله مات سنة (٧ أو٨ أو ٥٩) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٤/٢. والباقون تقدّموا في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَّثُ، وله فيه شيخان قرن بینھما . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذي. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابي، وأبي صالح، فمدنيّان. ٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة بظلاله أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَله أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((صَلَاةُ الرَّجُلِ) مبتدأ، والمضاف محذوفٌ، أي ثواب صلاته، والضمير في ((تزيد)) راجع إليه(١) . قال ابن الملقّن تََّثُهُ: قوله: ((صلاة الرجل)) هو في المرأة كذلك حيث يُشرع لها الخروج إلى المسجد؛ لأن وصف الرجوليّة بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبرة شرعاً، وهو مثل قوله وَالر: ((من أعتق شركاً له في عبد ... )) (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٩٣٤/٣. ٣٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الحديث، متّفقٌ عليه، وكقوله: من صلى كذا، من فعل كذا فله كذا، كلّه يتساوى فيه الرجال والنساء من غير نزاع، نبّه على ذلك ابن دقيق العيد تَخْذَُّهُ، فتكون (أل)) في الرجل ليست لتعريف ماهيّة الرجوليّة، بل للعموم من حيث المعنى، كما عمّ ((قوم)) الرجال والنساء في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوح الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وإن كان لفظ ((قوم)) خاصّاً بالرجال دون النساء، كما قاله الماورديّ. نعم قال الرويانيّ من الشافعيّة: هل تكون جماعة النساء في الفضل، والاستحباب كجماعة الرجال؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، فتفضل على صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة. وأظهرهما: أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهنّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَ لِرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. انتهى(١) . (فِي جَمَاعَةٍ) أي معهم (تَزِيدُ عَلَى صَلَائِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ) قال النوويّ ◌َّتُهُ: المراد صلاته في بيته وسوقه منفرداً هذا هو الصواب، وقيل فيه غير هذا، وهو قول باطلٌ، نبّهت عليه؛ لئلا يُغترّ به. انتهى(٢). قال ابن الملقّن: ومن ذلك قول ابن التين في ((شرح البخاريّ)): لو صلّ في سوقه جماعةً كان الفذّ؛ أخذاً بظاهر الحديث، أو لأن السوق مأوى الشياطين، وهذا وَاوٍ جدّاً، نعم رفع الدرجات، وحطّ الخطيئات مشروط بالمشي إلى المسجد، فمن فعل ذلك حصلا له، وإلا فلا. انتهى(٣). وقال الطيبيّ تَظْتُ: في تخصيص ذكر السوق والبيت إشعارٌ بأن مضاعفة الثواب على غيرهما من الأماكن التي لم تلزمه لزومهما لا يكون أكثر مضاعفةً منهما. انتهى(٤). وقال في ((الفتح)): مقتضاه أن الصلاة في المسجد جماعةً تزيد على (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٦٢/٢ - ٣٦٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٥/٥. (٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٢/ ٣٦٤. (٤) ((الكاشف)) ٣/ ٩٣٤. ٣٣٧ (٥٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (١٥٠٧) الصلاة في البيت وفي السوق جماعةً وفُرَادى، قاله ابن دقيق العيد نَّتُهُ، قال: والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفرداً، لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفرداً . قال: وبهذا يرتفع الاشكال عمن استَشْكَل تسوية الصلاة في البيت والسوق. انتهى. قال الحافظ: ولا يَلْزَم من حمل الحديث على ظاهره التسويةُ المذكورة إذ لا يلزم من استوائهما في المفضولية عن المسجد أن لا يكون أحدهما أفضل من الآخر، وكذا لا يلزم منه أن كون الصلاة جماعة في البيت أو السوق لا فضل فيها على الصلاة منفرداً، بل الظاهر أن التضعيف المذكور مختصّ بالجماعة في المسجد، والصلاة في البيت مطلقاً أولى منها في السوق؛ لما ورد من كون الأسواق موضع الشياطين، والصلاة جماعةً في البيت، وفي السوق أولى من الانفراد. وقد جاء عن بعض الصحابة قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع، وفي المسجد العامّ مع تقرير الفضل في غيره. ورَوَى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أوس الْمَعَافريّ أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلى في بيته؟ قال: حَسَنٌ جَمِيلٌ، قال: فإن صلى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاةً، قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة، فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون. انتهى. وأخرج حميد بن زنجويه في ((كتاب الترغيب)) نحوه، من حديث واثلة، وخَصّ الخمس والعشرين بمسجد القبائل، قال: وصلاته في المسجد الذي يُجَمَّع فيه - أي الجمعة - بخمسمائة، وسنده ضعيف، ذكره في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نُقل عن عبد الله بن عمرو، وواثلة إن صحّ مرفوعاً فذاك، وإلا فما دلّ عليه ظاهر ما في ((الصحيحين)) من كون التضعيف يعم أنواع صلاة الجماعة هو الأقرب، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ١٥٩/٢. ٣٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (بِضْعاً وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) البضع بكسر الباء، وفتحها، وهو من الثلاثة إلى العشرة، هذا هو الصحيح، والمراد هنا خمس وعشرون درجةً، كما جاء مفسّراً في الروايات الأخرى، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفَّى في ((باب فضل صلاة الجماعة)) [١٤٧٤/٤٣] فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (وَذَلِكَ) إشارة إلى ما دلّ عليه قوله: ((يزيد))، يعني أن سبب الزيادة المذكورة أنه إذا توضّأ ... إلخ. وقال الطيبيّ: قوله: ((وذلك)) الجملة كالتعليل للحكم، كأنه لَمّا أضاف الصلاة إلى الرجل، والتعريف فيه للجنس أفاد أن صلاة الرجل الكامل الذي لا يُلهيه أمر دنيويّ عن ذكر الله في بيت الله يضعّف أضعافاً؛ لأن مثل هذا الرجل لا يقصّر في شرائطها، وأركانها، وآدابها، فإذا توضّأ أحسن الوضوء، وإذا خرج إلى الصلاة لا يشوبه شيء مما يُكذّرها، فإذا صلّى لم يتعجّل للخروج، ومَنْ شأنه هذا فجديرٌ بأن يضعّف ثواب صلاته. انتهى (١). (أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ) شَمِل الوضوء المجدّد وغيره، وقد يقال: إن قوله: ((توضّأ)) ليس للتقييد بالفعل، وإنما خرج مخرج الغالب، أو ضرب المثال، قاله ابن الملقّن(٢). وقال في ((الفتح)): هذا ظاهر في أن الأمور المذكورة علّة للتضعيف المذكور؛ إذ التقدير: وذلك لأنه، فكأنه يقول: التضعيف المذكور سببه كيت وكيت، وإذا كان كذلك، فما رُتِّب على موضوعات متعددة لا يوجد بوجود بعضها، إلا إذا دلّ الدليل على إلغاء ما ليس معتبراً، أو ليس مقصوداً لذاته، وهذه الزيادة التي في حديث أبي هريرة ظبه معقولة المعنى، فالأخذ بها متوجّه، والروايات المطلقة لا تنافيها، بل يُحْمَل مطلقها على هذه المقيدة، والذين قالوا بوجوب الجماعة على الكفاية، ذهب كثير منهم إلى أن الحرج لا يسقط بإقامة الجماعة في البيوت، وكذا رُوي عن أحمد في فرض العين، ووجَّهوه بأن أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد، وهو وصف معتبر، لا ينبغي إلغاؤه، فيختص به المسجد، ويُلْحَق به ما في معناه مما يَحْصُل به إظهار الشعار. انتهى(٣). (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٩٣٤/٣. (٣) ((الفتح)) ١٥٩/٢. (٢) ((الإعلام)) ٣٦٤/٢. (٥٠) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ - حديث رقم (١٥٠٧) ٣٣٩ (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أي بإكمال الفرض ومراعاة الآداب كمّاً وكيفاً (ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ) هذا لا يستلزم الفوريّة، نعم البِدَار أولى فيما يظهر؛ لعموم قوله [المؤمنون: ٦١]. تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُسَرِعُونَ فِى الْخَيََّتِ وَهُمْ لَا سَِقُونَ (لَا يَنْهَزُهُ إِلَّ الصَّلَاةُ) بفتح أوله، والهاء، وبالزاي: أي لا يُحرّكه، ولا يُقيمه إلا إرادة الصلاة، ومنه انتَهَزَ الفُرْصة: أي تحرّك لها، وحصَّلها، قاله القرطبيّ تَخْتُ(١). وقال ابن الملقّن تَخْذَتُهُ: ظاهره ترتيب المذكور من رفع الدرجات، وحطّ الخطيئات على اشتراط الخروج لها فقط، لا لأمر آخر من غير العبادات، ونظيره حجُّ من خَلَطَ به التجارة، أو غيرها من الأسباب الدنيويّة، فإنه ليس كمن محّضَ الخروج للحجّ، وكذا سائر العبادات، من الجهاد وغيره. وأَسْنَد الفعل إلى الصلاة، وجعلها هي المحرّكة والمخرجة له، كأنه لفَرْط محافظته عليها، ورجاء ثوابها مُجْبَرٌ على خروجه إليها، وأنّ الصلاة هي الفاعلة للخروج، لا هو. انتهى(٢). (لَا يُرِيدُ إِلَّ الصَّلَاةَ) أي لا يقصد إلا أداء الصلاة في جماعة فـ((أل)) في ((الصلاة)) للعهد، والجملة حال مؤكّدة لما قبلها، والمضارع المنفيّ إذا وقع حالاً يجوز فيه الواو وتركه(٣). (فَلَمْ يَخْطُ) بفتح أوله وضم الطاء، من خطا يخطو خَطُواً: إذا فتح ما بين قدميه، ومشى (خَطْوَةً) قال في ((الفتح)): ضبطناه بضم أوله، ويجوز الفتح، قال الجوهريّ: الخطوة بالضم: ما بين القدمين، وبالفتح المرة الواحدة، وجزم اليعمريّ أنها هنا بالفتح، وقال القرطبيّ: إنها في روايات مسلم بالضم. انتهى(٤). وقال ابن الملقّن بعد ذكره نحو ما تقدّم: وقال غيرهم من المتأخّرين: كأن القياس أن يجيء في ((خطوة)) ثلاثة أوجه: الضمّ، والكسر، والفتح، كما هو في ((جذوة))، وأشباهها، وقد قُرئ بالأوجه الثلاثة في ﴿حَذْوَةٍ﴾ [القصص: ٢٩] في السبع على ما أَصَّله أهل اللغة، من أن كلَّ ما كان على ((فَعْلَةِ)) لامه (١) ((المفهم)) ٢٨٩/٢. (٣) راجع: ((المرعاة)) ٤٠٩/٢. (٢) ((الإعلام)) ٣٦٥/٢. (٤) ((الفتح)) ١٥٩/٢. ٣٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة واو، بعدها تاء التأنيث جاء فيه ثلاثة أوجه. انتهى(١). (إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ) ببناء الفعل للمفعول، و((درجةٌ)) بالرفع على أنه نائب الفاعل، وفي بعض النسخ: ((إلا رفع الله له بها درجةً))، وعليه فالفعل مبنيّ للفاعل، و((درجةً)) منصوب على المفعوليّة، وكذا ما بعده، والله تعالى أعلم. وقال ابن الملقّن تَخْتُ: ((الدرجة)) واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب، و((الدُّرَجَة)) بضمّ الدال، مثالُ الْهُمَزَة لغة في الدَّرَجة، وهي المرقاة، قاله الجوهريّ. وهل هذه الدرجة محسوسة، أو معنويّةٌ؟ بمعنى ارتفعت رُتبته، الله أعلم بذلك. وأما حّ الخطيئة، فالظاهر أنه محوها من صحيفة السيّئات حقيقةً. (٢) انتھی (وَحُطَّ عَنْهُ) أي أزال عنه (بِهَا) أي بتلك الخطوة (خَطِيئَةٌ) أي إثماً (حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ) غاية للرفع والحطّ. قال الداوديّ: إن كانت له ذنوب حُطّت عنه، وإلا رُفعت له درجات، قال: وهذا يقتضي أن الحاصل بالخطوة درجةٌ واحدةٌ، إما الحطّ، وإما الرفع، أي وتكون الواو بمعنى ((أو))، لا بمعنى العطف، وخالف غيره، فقال: بل الحاصل بالخطوة الواحدة ثلاثة أشياء؛ لقوله في الحديث الآخر: ((كتب الله له بكلّ خطوة حسنةً، ويَرفعه بها درجةً، ويَحُطّ بها عنه سيّئَةً))(٣). انتهى (٤). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الخطوة الواحدة فيها ثلاث درجات: كتابة الحسنة، ورفع الدرجة، وحطّ السيّئة، كما نصّ الحديث الأخير، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((الإعلام)) ٣٦٥/٢ - ٣٦٦. (٢) ((الإعلام)) ٣٦٦/٢. (٣) تقدّم الحديث مطوّلاً للمصنّف ((باب بيان كون صلاة الجماعة من سنن الهدى)) [١٤٨٩]. (٤) ((المفهم)) ٢/ ٢٩٠، و((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣٦٦/٢ - ٣٦٧.