النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ (٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٧) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: ((لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ) أي القول بأنه منافقٌ (أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (تَرَاهُ قَدْ قَالَ) وللطيالسيّ: ((أما يقول)): (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وفي رواية أنس الماضية في ((الإيمان)): ((أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله))، وقوله: (يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ؟))) وفي نسخة: ((يبتغي بذلك وجه الله))، أراد به أنه مخلص في إيمانه، وهذا شهادة من النبيّ وَّ للرجل بإيمانه باطناً، وبراءته من النفاق، قاله في ((العمدة))(١). وقال في ((الفتح)): وكأنهم فَهِمُوا من هذا الاستفهام أن لا جزم بذلك، ولولا ذلك لم يقولوا في جوابه: «إنه ليقول ذلك، وما هو في قلبه)»، كما وقع عند مسلم، في ((الإيمان)) من طريق أنس، عن عتبان. انتهى. (قَالَ) عتبان (قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) أي بحقيقة ذلك، وموافقة شهادته بلسانه لما في قلبه من التصديق (قَالَ) عتبان: قالوا أيضاً (فَإِنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ) أي توجهه (وَنَصِيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ) وفي رواية البخاريّ: ((ونصيحته إلى المنافقين)) بـ((إلى)) بدل اللام، فقال الكرمانيّ: فإن قلت: يقال: نصحت له، لا إليه، ثم أجاب عنه بقوله: قد ضُمِّنَ معنى الانتهاء، وقال الحافظ: كذا قال، والظاهر أن قوله: ((إلى المنافقين)) متعلق بقوله: ((وجهه))، فهو الذي يتعدى بـ((إلى))، وأما متعلق ((نصیحته)) فمحذوف؛ للعلم به. انتهى. وتعقّب العينيّ كلام الكرمانيّ والحافظ المذكور بما هو راجع إلى ما قالاه(٢)، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قَالَ) عتبان (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَإِنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ) المراد من التحريم هنا تحريم التخليد؛ جمعاً بينه وبين ما ورد من دخول أهل المعصية فيها، وتوفيقاً بين الأدلة (مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ) أي مع ((محمد رسول الله))، من باب الاكتفاء، وقد تقدّم في ((كتاب الإيمان)) مصرّحاً به، ولفظه: ((لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فيدخلَ النار)) (يَبْتَغِي) أي يطلب (بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ))) فيه ردّ على المرجئة الغُلاة القائلين بأنه يكفي في الإيمان النطق فقط، من غير اعتقاد. (١) ((عمدة القاري)) ٤/ ٢٥٠. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٤/ ٢٥٠. ٢٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقال ابن رجب تَُّ: وقد رَوَى أسد بن موسى: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بَهْدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رجلاً من الأنصار أرسل إلى رسول الله وَّر في داره، فأتاه النبي ◌َّز، واجتمع قومه، وتغيّب رجل منهم، فقال النبي ◌َّر: ((أين فلان؟))، فغمزه رجل منهم، فقال: إنه، وإنه! فقال رسول الله وَر: ((أليس قد شهد بدراً؟)) قالوا: بلى. قال: ((فلعل الله قد اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم))(١). (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ بالإسناد الماضي، ووَهِمَ من قال: إنه تعليق، قاله في ((الفتح)) (ثُمَّ سَأَلْتُ) زاد في رواية الكشميهني: ((بعد ذلك)) (الْحُصَيْنَ) - بضمّ الحاء المهملة، وبالصاد المهملة المفتوحة - وهكذا ضبطه جميع الرواة، إلا القابسيّ، فإنه ضبطه بالضاد المعجمة، ((وغَلَّطوه في ذلك))(٢). (ابْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ) المدنيّ، من ثقات التابعين (وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِم، وَهُوَ) أي الحصين بن محمد (مِنْ سَرَاتِهِمْ) أي من سراة بني سالم، و((السَّرَاقُاً - بفتح المهملة -: أي خيارهم، وهو جمع سَرِيّ، قال أبو عبيد: هو المرتفع القدرِ، من سَرُوَ الرجلُ يَسْرُو: إذا كان رفيع القدر، وأصله من السَّرَاة، وهو أرفع المواضع من ظهر الدابة، وقيل: هو رأسها، وهو أرفع الجسم، وفي ((الصحاح)): وجمع السَّرِيّ سَرَاةٌ، وهو جمع عزيز، أن يُجْمَع فَعِيل على فَعَلَة، ولا يُعرَف غيره. انتهى(٣). (عَنْ حَدِيثٍ مَحْمُودٍ بْنِ الرَّبِيعِ) متعلّق بـ((سألتُ)) (فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ) أي بالحديث المذكور، وهذا يَحْتَمِل أنَ يكون الحصين سمعه أيضاً من عتبان، ويَحْتَمِل أن يكون حمله عن صحابي آخر. [تنبيه]: ليس للحصين بن محمد هذا، ولا لعتبان بن مالك في ((الصحيحين)) (٤) سوى هذا الحديث، وقد سمعه من عتبان أيضاً أنس بن مالك، (١) ((فتح الباري)) لابن رجب تَظَهُ ١٨٩/٣. (٢) ((عمدة القاري)) ٤/ ٢٥٠. (٣) راجع: ((عمدة القاري)) ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١. (٤) وقد أخرجه البخاريّ في أكثر من عشرة مواضع مطولاً، ومختصراً، وأما المصنّف، فأخرجه في ((الإيمان))، و((الصلاة))، فتنبّه. ٢٨٣ (٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٧) وقد تقدّم لمسلم في ((كتاب الإيمان))، وسمعه أبو بكر بن أنس مع أبيه من عتبان، أخرجه الطبرانيّ، أفاده في ((الفتح)) (١). قال الجامع عفا الله عنه: حديث عتبان بن مالك ◌َ﴿به هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان مسائله، في ((كتاب الإيمان))(٢)، وإنما أذكر مسألتين: (المسألة الأولى): في إتمام الفوائد التي تتعلّق بهذا الحديث التي تقدّم ذكر معظمها في ((كتاب الإيمان)): ١ - (فمنها): أن في هذا الحديث بيان ما كان عليه رسول الله وَ ل من حسن الخلق، وجميل الأدب في إجابته كلَّ من دعاه إلى ما دعاه إليه، ما لم يكن إثماً(٣). ٢ - (ومنها): أنه يُستحبّ لمن قال: سأفعل كذا أن يقول: ((إن شاء الله))؛ الآية: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿ إِلَّا أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ الآية، ولهذا الحديث. ٣ - (ومنها): مشروعيّة الاستئذان على الرجل في منزله، وإن كان صاحبه قد تقدّم منه استدعاء. ٤ - (ومنها): أنه يُستحبّ لأهل المحلّة وجيرانهم إذا ورد رجل عالم إلى منزل بعضهم أن يجتمعوا إليه، ويحضروا مجلسه؛ لزيارته وإكرامه، والاستفادة منه . ٥ - (ومنها): بيان أنه لا يُخلَّد في النار من مات على التوحيد(٤). ٦ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب تخلّتُهُ في هذا الحديث: استحباب اتخاذ آثار النبيّ وَ لقر ومواضع صلواته مصلى يصلى فيه، وقد ذكر ابن سعد، عن الواقديّ، أن بيت عتبان الذي صلى فيه النبيّ وَ لا يصلي فيه الناس بالمدينة إلى يومه ذاك. ويشهد لهذا المعنى - أيضاً -: قول عمر بنظله للنبي وَله: ألا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ فَنَزَلت: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلَى﴾ [البقرة: ١٢٥]. (١) ((الفتح)) ١/ ٦٢٢. (٣) ((الاستذكار)) ٣٦٢/٢. (٢) راجع: ٦٨٦/١ - ٦٨٩. (٤) ((شرح النووي)) ١٦١/٥. ٢٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقد نَقَل أحمد بن القاسم وسِنديّ الخواتيميّ، عن الإمام أحمد، أنه سئل عن إتيان هذه المساجد؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم(١): أنه سأل النبي وير أن يصلي في بيته فيتخذه مصلى، وعلى ما كان يفعل ابن عمر يتبع مواضع النبي ◌ّ﴿ وأثره، فلا بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا، وأكثروا فيه. وفي رواية ابن القاسم: أن أحمد ذكر قبر الحسين، وما يفعل الناس عنده - يعني: من الأمور المكروهة المحدثة. وهذا فيه إشارة إلى أن الإفراط في تتبع مثل هذه الآثار يُخشَى منه الفتنة، كما كُره اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وقد زاد الأمر في ذلك عند الناس حتى وقفوا عنده، واعتقدوا أنه كافٍ لهم، واطّرَحُوا ما لا ينجيهم غيره، وهو طاعة الله تعالى ورسوله وله . وقد رأى الحسن قوماً يزدحمون على حمل نعش بعض الموتى الصالحين، فقال: في عمله فتنافسوا . يشير إلى أن المقصود الأعظم متابعته في عمله، لا مجرد الازدحام على حمل نعشه. وكذلك من يبالغ في تزيين المصحف وتحسينه، وهو مُصِرّ على مخالفة أوامره وارتكاب مناهیه. وقد رُوي عن عمر ظُه ما يدل على كراهة ذلك - أيضاً -: فرُوي عن المعرور بن سويد، قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها، فلما انصرف رأى الناسُ مسجداً فبادروه، فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه النبي ◌َله. فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً، مَن عَرَضَت له فيه صلاة فليصلّ، ومن لم تعرض له صلاة فليمض. وقال نافع: كان الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله وَل﴿ تحتها بيعة الرضوان، فيصلّون عندها، فبلغ ذلك عمر فأوعدهم فيها، وأمر بها فقطعت. (١) هكذا وقع ابن أم مكتوم، والصواب أنه عتبان بن مالك، كما هو واضح من روايات ((الصحيحين))، وغيرهما، وسيأتي التنبيه عليه في كلام ابن رجب تَّقُ. ٢٨٥ (٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِمُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٧) وقال ابن عبد البر: كَرِه مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان؛ وذلك - والله أعلم - مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى فِي مثل ذَلِكَ، ذكره فِي ((الاستذكار)) فِي الكلام عَلَى حَدِيْث: ((اشتَدّ غضب الله عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). وقال: ذكر مالك بإثر هذا الحديث حديث عتبان بن مالك؛ ليبيّن لك أن معنى هذا الحديث مخالفٌ للذي قبله. قال: والتبرك والتأسي بأفعال رسول الله ﴿ ﴿ إيمانٌ به وتصديقٌ، وحبُّ في الله وفي رسوله وَّهِ. انتهى(١). ٧ - (ومنها): أن فيه دليلاً على أن المطر والسيول عذر يباح له التخلف عن الصلاة في المسجد. وقد روي: أن النبي ◌َّ لم يرخص له. قال الإمام أحمد: ثنا سفيان، عن الزهري، فسئل سفيان: عمن هو؟ قال: هو محمود - إن شاء الله -، أن عتبان بن مالك كان رجلاً محجوب البصر، وإنه ذكر للنبي وَل﴿ التخلف عن الصلاة، فقال: ((هل تسمع النداء؟)) قال: نعم. فلم يرخص له، وكذا رواه محمد بن سعد، عن سفيان، وهو يدل على أن سفيان شكّ في إسناده، ولم يحفظه. وقال الشافعي: أنبا سفيان بن عيينة: سمعت الزهري يحدث، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك، قال: قلت: يا رسول الله، إني محجوب البصر، وإن السيول تحول بيني وبين المسجد، فهل لي من عذر؟ فقال رسول الله وَر: ((هل تسمع النداء؟)) قال: نعم. فقال له النبي ولو: ((لا أجد لك من عذر إذا سمعت النداء))، قال سفيان: وفيه قضيّة لم أحفظها . قال الشافعي: هكذا حدثنا سفيان، وكان يتوقّاه، ويُعَرِّف أنه لم يضبطه. قال: وقد أوهم فيه - فيما نرى -، والدلالة على ذلك: ما أنبا مالك، عن ابن شهاب - ثم ذكر حديث عتبان المذكور في الباب، على ما رواه الجماعة عن الزهري. (١) ((الاستذكار)) ٣٦١/٢. ٢٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال البيهقي: اللفظ الذي رواه ابن عيينة في هذا الإسناد إنما هو في قصّة ابن أم مكتوم الأعمى. قال ابن رجب تَخُّْهُ: وقد اشتبهت القصتان على غير واحد، وقد سبق عن الإمام أحمد أنه ذكر أن ابن أم مكتوم سأل النبي ◌ّ# أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى، وإنما هو عتبان بن مالك. وقد اشتبه على بعض الرواة محمود بن الربيع الراوي له عن عتبان، فسماه محمود بن لبيد، وهو - أيضاً - وَهَمٌ، وقد وقع فيه بعض الرواة للحديث عن مالك. وقال يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن محمود بن الربيع ۔ أو الربيع بن محمود - شك یزید. وقد روي عن ابن عيينة بإسناد آخر: أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد))، من طريق عبيد الله بن محمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة - إن شاء الله -، عن عتبان بن مالك، أنه سأل رسول الله وَ لجرد عن التخلف عن الصلاة، فقال: ((أتسمع النداء؟)) قَالَ: نَعَمْ. فَلَمْ يرخص لَهُ. وهذا الإسناد غير محفوظ، ولهذا شك فيه الراوي - إما عن سفيان أو غيره -، وقال: ((إن شاء الله))، وإنما أراد حديث محمود بن الربيع. وأما ابن أم مكتوم، فقد خرّجه مسلم من رواية يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: أتى النبي ◌َ ﴿ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، أنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. فسأل رسول الله و 18 أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: ((هل تسمع النداء بالصلاة؟)) قال: نعم. قال: ((فأجب)). وأخرج الإمام أحمد وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد الله، قال: أتى ابن أم مكتوم إلى النبي وَّهر، فقال: يا رسول الله، منزلي شاسع، وأنا مكفوف البصر، وأنا أسمع؟ قال: ((فإن سمعت الأذان فأجب، ولو حبواً، ولو زحفاً)). وعیسی بن جارية، تُكُلِّم فيه. وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة في ٢٨٧ (٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٧) ((صحيحه))، والحاكم، من حديث عاصم بن بَهْدَلة، عن أبي رَزِين، عن ابن أم مكتوم، أنه سأل النبي ونَ﴾، فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: ((هل تسمع النداء؟)) قال: نعم. قال: ((لا أجد لك رخصة)). وفي إسناده اختلاف على عاصم، وروي عنه، عن أبي رزين مرسلاً، ورواه أبو سنان سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي رزين، عن أبي هريرة، وأبو سنان، قال أحمد: ليس بالقوي. وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، من حديث عبد الرحمن بن عابس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن أم مكتوم، أنه قال: يا رسول الله، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع. فقال النبي ◌َّ: ((تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟))، قال: نعم. قال: ((فحيهلا)). وأخرج الإمام أحمد من حديث عبد العزيز بن مسلم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن شداد، عن ابن أم مكتوم؛ أن رسول الله وَ ل ل أتى المسجد فرأى في القوم رِقَّةً، فقال: ((إني لأهمّ أن أجعل للناس إماماً، ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه))، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، إن بيني وبين المسجد نخلاً وشجراً، ولا أقدر على قائد كلَّ ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؟ قال: ((أتسمع الإقامة؟)) قال: نعم. قال: ((فَأُتِها)). وأخرجه ابن خزيمة، والحاكم من رواية أبي جعفر الرازي، عن حصين، به - بنحوه. وقد روي هذا الحديث من رواية البراء بن عازب وأبي أمامة وكعب بن عجرة. وفي أسانيدها ضعف. والله أعلم. وقد أشكل وجه الجمع بين حديث ابن أم مكتوم وحديث عتبان بن مالك، حيث جعل لعتبان رخصةً، ولم يجعل لابن أم مكتوم رخصة: فمن الناس: من جمع بينهما بأن عتبان ذكر أن السيول تحول بينه وبين مسجد قومه، وهذا عذر واضح؛ لأنه يتعذر معه الوصول إلى المسجد، وابن أم مكتوم لم يذكر مثل ذلك، وإنما ذكر مشقة المشي عليه، وفي هذا ضعف؛ فإن ٢٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة السيول لا تدوم، وقد رَخَّص له في الصلاة في بيته بكل حال، ولم يخصه بحالة وجود السيل، وابن أم مكتوم قد ذكر أن المدينة كثيرة الهوام والسباع، وذلك يقوم مقام السيل المخوف. وقيل: إن ابن أم مكتوم كان قريباً من المسجد، بخلاف عتبان، ولهذا ورد في بعض طرق حديث ابن أم مكتوم: أنه كان يسمع الإقامة، ولكن في بعض الروايات أنه أخبر أن منزله شاسع كما تقدم. ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان، فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد. وقد أشار الجُوُزَجاني إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد بظاهره. يعني: أن هذا لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم. وقيل: إن النبي * إنما أراد أنه لا يجد لابن أم مكتوم رخصة في حصول فضيلة الجماعة مع تخلفه وصلاته في بيته. قال الجامع عفا الله عنه: قد قدّمت أن هذا الوجه من الجمع هو الأقرب عندي، والله تعالى أعلم. قال: واستَدَلّ بعض من نصر ذلك - وهو: البيهقي - بما خرّجه في ((سننه)) من طريق أبي شهاب الحناط، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن ابن أم مكتوم، قال: قلت: يا رسول الله، إن لي قائداً لا يلائمني في هاتين الصلاتين؟ قَالَ: ((أيُّ الصلاتين؟)) قلت: العشاء والصبح، فقال النبي ◌َّل: (لو يعلم القاعد عنهما ما فيهما لأتاهما ولو حبواً)). وحديث ابن أم مكتوم يدل على أن العمى ليس بعذر في ترك الجماعة، إذا كان قادراً على إتيانها، وهو مذهب أصحابنا . ولو لم يمكنه المجيء إلا بقائد ووجد قائداً متبرعاً له، فهل يجب عليه حضور المسجد؟ على وجهين، ذكرهما ابن حامد من أصحابنا . وهذا بناء على قول أحمد: إن حضور المسجد للجماعة فرض عين. وقد يُستَدَلّ بحديث عتبان على أن الجماعة في البيت تكفي من حضور المسجد خصوصاً للأعذار. ٢٨٩ (٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٧) ويَحْتَمِل أن يكون عتبان جعل موضع صلاة النبي وَّ من بيته مسجداً يؤذن فيه، ويقيم، ويصلي بجماعة أهل داره ومن قرب منه، فتكون صلاته حينئذ في مسجد: إما مسجد جماعة، أو مسجد بيت يُجَمَّع فيه، وأما ابن أم مكتوم فإنه استأذن في صلاته في بيته منفرداً، فلم يأذن له، وهذا أقرب ما جُمِع به بين الحديثين، والله أعلم. لكن في ((سنن البيهقيّ)) من حديث كعب بن عجرة، أن رجلاً أعمى أتى رسول الله وَّ، فقال: إني أسمع النداء، ولعلي لا أجد قائداً، أفأتخذ مسجداً في داري؟ فقال له رسول الله وير: ((تسمع النداء؟)) قال: نعم. قال: ((فإذا سمعت النداء فاخرج)). وفي إسناده اختلاف، وقد قال أبو حاتم فيه: أنه منكر. ومع هذا؛ فلا دلالة فيه على أنه أراد أن يصلي في بيته جماعة، إنما فيه أنه أراد أن يجعل في داره مسجداً لصلاته في نفسه. ٨ - (ومنها): أن فيه دليلاً على جواز إمامة الأعمى، وجواز الجماعة في صلاة التطوع - أحياناً - وجواز إمامة الزائر بإذن المزور في بيته. ٩ - (ومنها): أن قولَهُ: ((وحبسناه على خزيرة صنعناها له)) يَدُلّ على أن الزائر وإن كان صاحب المنزل قد استدعاه إلى بيته لحاجة له، فإنه يستحب له أن يُضِيفه، وإن حبسه لذلك في بيته بعد انقضاء حاجته لم يضرّ ذلك، بشرط ألا يكون على الزائر فيه مشقة. ١٠ - (ومنها): أن في قول النبي ◌َّ: ((لا تقل ذلك)) نَهْيٌ أن يُرْمَى أحدٌ بالنفاق؛ لقرائن تظهر عليه، وقد كان النبيّ وَّ يجري على المنافقين أحكام المسلمين في الظاهر، مع علمه بنفاق بعضهم، فكيف بمسلم يرمي بذلك بمجرد قرينة؟ . ١١ - (ومنها): أن مَن رَمَى أحداً بنفاق، وذَكَرَ سوء عمله، فإنه ينبغي أن تُرَدّ عليه غيبتُهُ، ويُذْكَرَ صالحُ عمله؛ ولهذا ذكر النبيّ وَلّر أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ولا يُلْتَفَتُ إلى قول من قال: إنما يقولها تَقِيّةً ونفاقاً . ١٢ - (ومنها): أنه إنما لم يأمر النبيّ وَّهُ بِهَجْر مالك بن الدُّخْشُن؛ لأنه ٢٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة لم يُعْرَف عنده بما يُخْشَى عليه من النفاق، ولم يَثُبت ذلك ببينة، وإنما رُمِي بذلك، بخلاف الثلاثة الذين خُلِّفوا؛ فإنهم اعترفوا بما يُخْشَى عليهم منه النفاق؛ ولهذا عَذَرَ المعتذرين ووَكَلَهم إلى الله، وكان كثيرٌ منهم كاذباً. انتهى ملخّصاً مما كتبه ابن رجب ◌َّفُ(١) في ((شرح البخاريّ))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان الأعذار التي تُبيح التخلّف عن فرض صلاة الجماعة : (اعلم): أنه ذَكَر الإمام الحافظ أبو حاتم بن حبان ◌َُّ الأعذار التي تسقط فرض الجماعة، فقال: وأما العذر الذي يكون المتخلف عن إتيان الجماعات به معذوراً، فقد تتبعته في السنن كلها، فوجدتها تدل على أن العذر عشرة أشياء، ثم ذكرها، وهاك خلاصتها، قال رَّتُهُ: (الأول): المرض الذي لا يقدر المرء معه أن يأتي الجماعات، لحديث أنس رُه في كونه ◌َ ﴿ كشف الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر . فأراد أبو بكر أن يرتدّ، فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السجف. (الثاني): حضور الطعام؛ لحديث: ((إذا حَضَر العشاءُ، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء))، متّفقٌ عليه. (الثالث): النسيان الذي يَعْرِض في بعض الأحوال؛ لحديث أبي قتادة رضيُبه في نومهم عن صلاة الصبح، متّفقٌ عليه. (الرابع): السِّمَنُ الْمُفْرِط الذي يمنع المرء من حضور الجماعات؛ لحديث أنس ظه، قال: قال رجل من الأنصار - وكان ضخماً - للنبيّ وَل: إني لا أستطيع الصلاة معك، فلو أتيتَ منزلي، فصليت فيه، فأقتدي بك، فصنع له الرجل طعاماً، ودعاه إلى بيته، فبسط له طرف حصير لهم، فصلى عليه رکیتین(٣). (١) يبدأ كلام ابن رجب كَُّ من رقم (٦) إلى (١٢). (٢) راجع: ((فتح الباري)) لابن رجب ١٧٦/٣ - ١٩٠. (٣) أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) بنحوه. ٢٩١ (٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٧) (الخامس): وجود المرء حاجة الإنسان في نفسه - يعني البول والغائط - لما أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح، عن عبد الله بن الأرقم بنظ ◌ُبه قال: سمعت رسول الله * يقول: ((إذا وجد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة)). والمراد أن يؤذيه ذلك بحيث يشغله عن الصلاة، لا ما لا يتأذى به؛ لحديث أبي هريرة رضيه، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يصلِّ أحدكم، وهو یدافعه الأخبثان»، رواه ابن حبّان بإسناد قويّ. (السادس): خوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد؛ لحديث عتبان بن مالك المذكور في الباب. (السابع): وجود البرد الشديد المؤلم؛ لحديث ابن عمر ظًا أنه وجد ذات ليلة برداً شديداً، فأَذَّن من معه، فصَلَّوا في رحالهم، وقال: إني رأيت رسول الله ﴿ إذا كان مثل هذا أمر الناس أن يصلوا في رحالهم، صححه ابن حبّان. (الثامن): وجود المطر المؤذي؛ لحديث ابن عمر أيضاً، قال: إن رسول الله ( كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ((ألا صلوا في الرحال))، متّفقٌ عليه. (التاسع): وجود العلة التي يَخاف المرء على نفسه العثر منها؛ لحديث ابن عمر أيضاً، قال: كنا إذا كنا مع رسول الله وَ ﴿ في سفر، فكانت ليلة ظلماء، أو ليلة مطيرة، أذن مؤذن رسول الله وَ له، أو نادى مناديه: ((أن صلوا في رحالکم)، صححه ابن حبّان. (العاشر): أكل الثوم والبَصَل إلى أن يذهب ريحها؛ لحديث: ((من أكل من هذه الشجرة الخبيثة، فلا يقربن مصلانا حتى يذهب ريحها))، متّفقٌ عليه. انتهى ما ذكره ابن حبان في ((صحيحه)) من أعذار سقوط فرض الجماعة حسبما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة بتصرّف، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٢٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٩٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعُ(١)، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ، أَوِ الدُّخَيْشِنِ؟، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَفَراً، فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللهِ ◌ِِّ قَالَ مَا قُلْتَ، قَالَ: فَحَلَفْتُ إِنْ رَجَعْتُ إِلَى عِنْبَانَ أَنْ أَسْأَلَهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ شَيْخاً كَبِيراً، قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ إِمَامُ قَوْمِهِ، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِهِ كَمَا حَدَّثَنِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ، نَرَى أَنَّ الْأَمْرَ انْتَهَى إِلَيْهَا، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَغْتَرَّ، فَلَا يَغْتَرَّ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيَّد) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ رَبِيع) وفي بعض النسخ: ((ابن الربيع)). وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير معمر. وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ، أَوِ الدُّخَيْثِنِ؟) بالنون، تقدّم اختلاف الروايات فيه في شرح الحديث الماضي. (١) وفي نسخة: ((محمود بن الربيع)). ٢٩٣ (٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي الَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٨) وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل ((زاد)) ضمير معمر أيضاً. وقوله: (قَالَ مَحْمُودٌ) أي ابن الربيع الراوي عن عتبان بن مالك هُمًا. وقوله: (فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) إشارة إلى حديث عتبان بن مالك ـمه المذكور قبله. وقوله: (نَفَرَأ) أي جماعةً. وقوله: (فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ) اسمه خالد بن زيد بن كُليب الصحابيّ الشهير، من كبار الصحابة، شهد بدراً، ونزل النبيّ وَّ عليه حين قَدِمِ المدينة، ومات غازياً بالروم سنة خمسين، وقيل: بعدها، وتقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١١٣/٤. وقوله: (فَقَالَ) أي أبو أيوب رَظُبه، منكراً ما حدّثه به، من هذا الحديث. وقوله: (مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ مَا قُلْتَ) إنما أنكره عليه؛ لما يقتضيه ظاهره من أن النار مُحَرَّمة على جميع الموحدين، وأحاديث الشفاعة دالّة على أن بعضهم يُعَذَّب، لكن للعلماء أجوبة عن ذلك، منها جواب ابن شهاب المذكور بعده، ومنها غير ذلك، وقد استوفينا بيانه في ((كتاب الإيمان))، فراجعه تستفد. وقوله: (قَالَ: فَحَلَفْتُ) القائل هو محمود بن الربيع (إِنْ رَجَعْتُ إِلَى عِتْبَانَ أَنْ أَسْأَلَهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ شَيْخاً كَبِيراً، قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ إِمَامُ قَوْمِهِ، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ). وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ: ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ) أراد الزهريّ بهذا أن قوله 18 في هذا الحديث: ((فإن الله قد حرّم على النار ... )) الحديث كان في أول الإسلام، قبل أن تشرع الأحكام، فلما شُرعت، ففرضت الفرائض، وحُرّمت المحرّمات، وجب على الناس التزامها، فمن خالف، فقد عصى، والعصاة متوعدون بالنار. لكن تعقّب قوله: ((ثم نزلت بعد ذلك إلخ)) بأن الصلوات الخمس نزل فرضها قبل هذه الواقعة قطعاً، وظاهره يقتضي أن تاركها لا يُعَذَّب إذا كان موحّداً. ٢٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقيل: المراد أن من قالها مخلصاً لا يترك الفرائض؛ لأن الإخلاص يَحْمِل على أداء اللازم. وتُعُقِّب بمنع الملازمة. وقيل: المراد تحريم التخليد، أو تحريم دخول النار المعدّة للكافرين، لا الطبقة المعدَّة للعصاة. وقيل: المراد تحريم دخول النار بشرط حصول قبول العمل الصالح، والتجاوز عن السيئ، ذكر هذا كلّه في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح تأويل من أوّله بأن المراد تحريم التخليد، وبه يحصل الجمع بين هذا الحديث، وبين النصوص التي تدلّ على أن بعض العصاة يدخلون النار، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (نَرَى) قال النوويّ تَُّ: ضبطناه بفتح النون، وضمّها. انتهى. وقوله: (أَنَّ الْأَمْرَ انْتَهَى إِلَيْهَا) أي إلى تلك الفرائض، والأمور الأخرى، يعني أنه نزل بعد هذا الرجاء الواسع فرائض، وواجبات، ومنهيّات، قُرن بها الوعيد والتخويف، فلم يبق على إطلاقه، وأن مجرّد الشهادتين لا يكفي بدون التمسّك بتلك الأمور. وقوله: (فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَغْتَرَّ، فَلَا يَغْتَرَّ) يعني أنه لا يسع المكلّف عدم العمل بتلك الفرائض، والأمور الأخرى؛ اتّكالاً على ما اقتضاه ظاهر هذا الحديث، من أن مجرد الشهادتين دونها يكفي، فإن هذا اغترار خاطئ، وأمنيّة كاذبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٤٩٩] (.) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا (١) الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: إِنِّي (١) وفى نسخة: ((حدّثنا). ٢٩٥ (٤٨) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ - حديث رقم (١٤٩٩) لَأَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ مِنْ دَلْوِ فِي دَارِنَا، قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثَنِي عِْبَانُ بْنُ مَالِكِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بَصَرِي قَدْ سَاءَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: ((فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، وَحَبَسْنَا رَسُولَ اللهِهِ عَلَى جَشِيشَةٍ، صَنَعْنَاهَا لَّهُ))، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ زِيَادَةِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِم) أبو العبّاس الدمشقيّ، تقدّم قريباً. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو، تقدّم قريباً أيضاً. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (إِنِّي لَأَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنْ دَلْوِ فِي دَارِنَا) قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو في ((صحيح مسلم))، وزاد في رواية البخاريّ: ((مَجّها في وجهي»، قال العلماء: الْمَجُّ طرح الماء من الفم بالتزريق، كما قال: يَمُجُّ لُعَاعَ الْبَقْلِ فِي كُلِّ مَشْرَبٍ وإنما فعل النبيّ وَ﴿ ذلك مباسطةً للصبيّ، وتأنيساً له، كما قال: ((يا أبا عُمَيْرُ ما فعل النُّغَير؟))(١)، ففيه مشروعيّة ملاطفة الصبيان، وتأنيسهم، وإكرام آبائهم بذلك، وجواز المزاح، قال بعضهم: ولعل النبيّ ◌َ* أراد بذلك أن يحفظه محمودٌ، فينقله كما وقع، فتَحْصُل له فضيلةُ نقل هذا الحديث، وصحة صحبته، وإن كان في زمن النبيّ وَ ﴿ مميِّزاً، وكان عمره حينئذ خمس سنين، وقيل: أربعاً. وفيه أيضاً دليلٌ على جواز سماع الصغير إذا عَقَل، وتثبّت، ثم أدّاه بعد بلوغه. انتهى (٢). وقوله: (قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكِ) هذه الرواية فيها بيان سماع محمود من عتبان . (١) رواه الشيخان، وأبو داود، والترمذيّ من حديث أنس بن مالك (٢) ((شرح النوويّ)) ١٦١/٥ - ١٦٢ بزيادة من ((المفهم)) ٢٨٥/٢. ٢٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير الأوزاعيّ. وقوله: (عَلَى جَشِيشَةٍ) - بجيم، وشينين معجمتين، بينهما ياء تحتانيّة - قال شَمِر: هي أن تُطْحَن الحنطة طَحْناً قليلاً، ثم يُلْقَى فيها لحمٌّ، أو تمرٌ، فتطبخ به، وقال ابن قتيبة: الخزيرة: هي لحم يُقطع صغاراً، ثم يُصبّ عليها ماءٌ كثيرٌ، فإذا نَضِجَ ذُرّ عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم، فهي عصيدة، وقال أبو الهيثم: إذا كانت من دقيق فهي حَريرة، وإذا كانت من نُخَالة فهي خزيرة، وقال ابن السكّيت: الخزيرة: اللَّفِيتة من لبن، أو ماء ودقيق، وقال النضر: الخزيرة من النخالة، والحَرِيرة من اللبن. انتھی(١). [تنبيه]: رواية الأوزاعيّ هذه ساقها البيهقيّ ◌َُّ في ((السنن الكبرى)) (٣/ ٩٦) فقال : (٤٩٣٨) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، قال: حدّثني الزهريّ، عن محمود بن الربيع، قال: إني لأعقل مَجّةً مجها رسول الله وَّر من دلو في دارنا، قال محمود: فحدثني عتبان بن مالك، قال: قلت: يا رسول الله، إن بصري قد ساء، وإن الأمطار إذا اشتدّت، وسال الوادي، حال بيني وبين الصلاة في مسجد قومي، فلو صليت في منزلي مكاناً، أتخذه مصلى، فقال رسول الله وسلم: ((نعم))، قال: فغدا عليّ رسول الله وَله، ومعه أبو بكر، فاستأذنا، فأَذِن لهما، فما جلس حتى قال: ((أين تُحِبّ أن أصلي في منزلك؟))، فأشرت له إلى ناحية، فتقدم رسول الله ( 38، فصففنا خلفه، فصلى بنا ركعتين، وحبسنا رسول الله وَيه على جَشِيشة صنعناها له. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) ((المفهم)) ٢٨٣/٢ - ٢٨٤. ٢٩٧ (٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٠) (٤٩) - (بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، وَالْخُمْرَةِ، وَغَيْرِهِمَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْتَهَنُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٠٠] (٦٥٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ، دَعَتْ رَسُولَ اللهِ وَ لَّهِ لِطَعَامِ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: (قُومُوا، فَأُصَلِّيَ لَكُمْ))، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَتَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِّهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ). رجال هذا الإسناد: أربعة : ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الحافظ المتقن [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٣٠/ ٦٦٧. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، الصحابيّ الخادم الشهير، مات رُه سنة (٢ أو٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَُّهُ، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٩١) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه . ٢٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضاً، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة أيضاً ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمّه، فأنس ظُه عمّ لإسحاق. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ◌َبه هو خادم رسول الله وَلّ، خدمه عشر سنين، فدعا له بخيري الدنيا والآخرة، كما سيأتي في الحديث الثالث، وهو آخر من مات من الصحابة ﴿ بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره المائة ظه، ومن المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) ووقع عند الكشميهنيّ، والحمويّ في رواية البخاريّ: ((عن إسحاق بن أبي طلحة)) منسوباً إلى جده (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَُّهُ (أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ) بصيغة التصغير، قال القاضي عياض ◌َُّ: ضبطاه في مسلم وغيره بضمّ الميم، وفتح اللام، وكذا ذكره الناس، وحَكَى ابن عتّاب عن الأصيليّ أنها مَلِيكة بفتح الميم، وكسر اللام. انتهى(١). وهو بالنصب بدلٌ من اسم ((أن))، والضمير في ((جدته)) يعود على إسحاق، كما جزم به ابن عبد البرّ، وعبد الحقّ، والقاضي عياض، وصححه النوويّ. وجزم ابن سعد، وابن منده، وابن الحصار بأنها جدة أنس، والدة أمه، أم سليم، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في ((النهاية))، ومن تبعه، وكلام عبد الغنيّ في ((العمدة))، وهو ظاهر السياق. قال الحافظ كَُّ: ويؤيده ما رويناه في ((فوائد العراقيين)) لأبي الشيخ من طريق القاسم بن يحيى المقدَّميّ، عن عبيد الله بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس ◌َظُه، قال: ((أرسلتني جدّتي إلى النبيّ وَّه، واسمها مُلَيكة، فجاءنا، فحضرت الصلاة ... )) الحديث. وقال ابن سعد في ((الطبقات)): أم سليم بنت مِلْحان، فساق نسبها إلى (١) ((إكمال المعلم)) ٦٣٥/٢. ٢٩٩ (٤٩) - بَابُ جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَة، وَالصَّلَاةِ عَلَى الْحَصِيرِ، ... إلخ - حديث رقم (١٥٠٠) عديّ بن النجّار، وقال: وهي الغُمَيصاء، ويقال: الرُّميصاء، ويقال: اسمها سَهْلة، ويقال: أُنَيفة - أي بالنون، والفاء، مصغرة - ويقال: رُمَيثة، وأمها مُلَيكة بنت مالك بن عديّ، فساق نسبها إلى مالك بن النجار، ثم قال: تزوجها - أي أم سليم - مالك بن النضر، فولدت له أنس بن مالك، ثم خَلَف عليها أبو طلحة، فولدت له عبد الله، وأبا عمير. قال الحافظ: وعبد الله هو والد إسحاق، رَاوِي هذا الحديث عن عمه أخي أبيه لأمه، أنس بن مالك عَبْه . ومقتضى كلام من أعاد الضمير في ((جدته)) إلى إسحاق أن يكون اسم أم سليم مُلَيكة، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: ((صَفَفْتُ أنا ويتيم في بيتنا خلف النبيّ وَّرَ، وأمي أم سليم خلفنا)). هكذا أخرجه البخاريّ في أبواب الصفوف، والقصّة واحدة طَوَّلها مالك، واختصرها سفيان، ويَحْتَمِل تعددها، فلا تخالف ما تقدم، وكون مليكة جدة أنس لا ينفي كونها جدة إسحاق؛ لما بيّناه. لكن الرواية التي رواها الدارقطني في ((غرائب مالك)) عن البغويّ، عن عبد الله بن عون، عن مالك، ولفظه: ((صنعت مليكة لرسول الله وَل طعاماً، فأكل منه، وأنا معه، ثم دعا بوضوء، فتوضأ)) الحديث، ظاهرة في أن مليكة اسم أم سليم نفسها، والله تعالى أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الحمل على تعدد الواقعة أولى؛ لأنه لا يؤدِّي إلى التكلُّف، والتعسُّف بالتأويل البارد، والله تعالى أعلم. (دَعَتْ رَسُولَ اللهِ وِ ◌ّ) جملة في محل رفع خبر لـ((أن)) (لِطَعَام) أي لأجل تناول طعام، قال الحافظ تَُّهُ: وهو مشعر بأن مجيئه كان لذلكً؛ لا ليصلي بهم، ليتخذوا مكان صلاته مُصَلَّى لهم، كما في قصة عتبان بن مالك المتقدّمة، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دُعي لأجله. انتهى(٢). واعترضه العينيّ، فقال: لا مانع في الجمع بين الدعاء للطعام، وبين (١) ((الفتح)) ١/ ٥٨٤. (٢) ((الفتح)) ١ /٥٨٤. ٣٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الدعاء للصلاة، ولهذا صلى رسول الله 38 في هذا الحديث، والظاهر أن قصد مليكة من دعوتها كان للصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها . وقوله: وهذا هو السر .. إلخ فيه نظر؛ لأنه يَحْتَمِل أن الطعام كان قد حضر، وتهيأ في دعوة مليكة، والطعام إذا حضر لا يؤخر، فيقدَّم على الصلاة، وبدأ بالصلاة في قصة عتبان، لعدم حضور الطعام. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ردّ به العينيّ على الحافظ غير صحيح؛ فإن ظاهر الحديثين صريح فيما قاله الحافظ، ففي حديث أنس قال: ((إن جدته مليكة دعت رسول الله لطعام))، وهذا صريح في كون الدعوة للطعام، وفي حديث عتبان حظيبه قال: ((وددت يا رسول الله أن تأتيني فتصلي في بيتي مكاناً أتخذه مصلى)) وهذا صريح في كون الدعوة للصلاة، فما أبداه الحافظ تَخُّْ رأي معقول، واستنباط مقبول، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (صَنَعَتْهُ) جملة فعلية في محل جر صفة لـ((طعام))، ولفظ البخاريّ: ((صنعته له))، والنسائيّ: ((قد صنعته له)) (فَأَكَلَ مِنْهُ) أي أكل وَّ بعض ذلك الطعام (ثُمَّ قَالَ) بعد الأكل ((قُومُوا) قال في ((الفتح)): استُدِلّ به على ترك الوضوء مما مست النار؛ لكونه صلى بعد الطعام، وفيه نظر؛ لرواية الدارقطنيّ السابقة، ففيها: ((ثم دعا بوَضُوء، فتوضأ ... )) الحديث. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن ترك الوضوء مما مست النار، له أدلّة صحيحةٌ صريحةٌ، قد تقدم البحث عنها مُستَوْفّى في موضعها من ((كتاب الطهارة))، فراجعه تزدد علماً، وبالله تعالى التوفيق. (فَأُصَلِّيَ لَكُمْ))) أي لأجلكم، وقوله: ((فلأصلي)» هكذا وقع في معظم النسخ، وعليه فـ(أصليّ)) منصوب بـ((أن)) مضمرة وجوباً بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب الأمر، كما قال في ((الخلاصة)): وَبَعْدَ فَا جَوَابٍ نَفْي أَوْ طَلَبْ مَحْضَيْنِ ((أَنْ)) وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ ووقع في نسخة شرّح النوويّ بلفظ: ((فلأصلِّ لكم))، وعليه فهو مجزوم (١) ((عمدة القاري)) ١١١/٤.