النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
(٤٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى - حديث رقم (١٤٨٨)
٣ - (ومنها): أن من سمع النداء لا يجوز له أن يتخلف عن صلاة
الجماعة إلا بعذر.
٤ - (ومنها): وجوب إجابة المؤذن بالفعل، كما يجب بالقول، لحديث:
((إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن))، متفق عليه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٤٥) - (بَابُ بَيَانِ كَوْنِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٨٨] (٦٥٤) - (حَدَّثَنَا(١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ
الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي
الْأَخْوَصِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا، وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ إِلََّّ مُنَافِقٌ، قَدْ
عُلِمَ نِفَاقُهُ، أَوْ مَرِيضٌ، إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنٍ، حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ،
وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلَاةَ فِي
الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدَانيّ
الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يُدلّس [٦] (ت٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٤٤٩/٨٣.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّخْميّ الكوفيّ، ويقال له: الْفَرَسيّ، ثقةٌ فقيهٌ
تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في ((الإيمان))
٢٩٦/٤٦.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٢٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والباقون تقدّموا قبل باب.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح الحديث، ومسائله تأتي في الحديث
التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا.
وقوله: (إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ) ((إن)) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن
محذوف، أي إنه كان ... إلخ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٨٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ
دُكَيْنٍ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ،
قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللّهَ غَداً مُسْلِماً، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ، حَيْثُ
يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِّكُمْ وَّهِ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ
أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُّ فِي بَيْتِهِ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ،
وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ، فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ
إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَّهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَّةً، وَيَرْفَعُهُ
بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا، وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ، مَعْلُومُ
النَّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ (٢)، حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنِ) اسم دُكين عمرو بن حمّاد بن زُهير، أبو نعيم
التيميّ مولاهم الأحول الْمُّلائيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٨ أو ٢١٩) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٩١.
٢ - (أَبُو الْعُمَيْسِ) عُتبة بن عبد الله بن عُتبة بن عبد الله بن مسعود الْهُذليّ
المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ الْأَقْمَرِ) بن عمرو بن الحارث بن معاوية بن عمرو بن
الحارث بن ربيعة بن عبد الله بن وَدَاعة الْهَمْدانيّ - بسكون الميم، وبالدال
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((بين رجلين)).

٢٤٣
(٤٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى - حديث رقم (١٤٨٩)
المهملة - الوادعيّ أبو الوازع الكوفيّ، قيل: إنه أخو كلثوم بن الأقمر،
ثقةٌ [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وأم عطية الأنصارية فيما قيل، وأبي جُحيفة،
وأسامة بن شريك، ومعاوية، وقيل: إنه وفد عليه، وشُريح القاضي، وأبي
الأحوص الْجُشَميّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأعمش، ومنصور، والثوريّ، وشعبة، والمسعوديّ،
والحسن بن حيّ، وأبو العُمَيس، ومِسْعَر، وشريك، وغيرهم.
قال ابن معين، والعجليّ، ويعقوب بن سفيان، والنسائيّ، وابن خِرَاش،
والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وقال أبو
حاتم: ثقةٌ صدوقٌ، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم بينه وبين كلثوم بن الأقمر
قرابةً .
قال الحافظ: وجزم ابن حبّان، وعمران بن محمد بن عمران الْهَمْدانيّ،
في (طبقات رجال هَمْدان)) أنه أخو كلثوم بن الأقمر، وتبع في ذلك ابنَ سعد،
وكذلك ذكر في الطبقة الثالثة، ووقع في ((التهذيب)) أنه ذكره في الرابعة، وذكره
ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له السّة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٥٤)،
وحديث (٢٩٤٩): ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)).
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه راوية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشَميّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن

٢٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
مسعود رُه أنه (قَالَ: مَنْ سَرَّهُ) ((من)) شرطية، و((سره)) بمعنى أفرحه، يقال:
سَرّه، يَسُرّه سُروراً - بالضم -، والاسم السَّرُور بالفتح: إذا أفرحه، قاله الفيوميّ
(أَنْ يَلْقَى اللهَ غَداً) أي يوم القيامة (مُسْلِماً) أراد به كمال الإسلام المتضمِّن
الانقياد الباطن والظاهر، لا مجرد الاستسلام الظاهريّ، فهو بمعنى قوله تعالى:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩]، وجواب الشرط قوله:
(فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ) أي فليؤدِّها مستوفيةَ الشروط، والأركان،
والآداب (حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ) أي في المكان الذي يؤذَّن فيه لهنّ، وهو المسجد،
وأراد به أداءهنّ مع الجماعة (فَإِنَّ اللهَ شَرَعَ لِنَبِّكُمْ وَّه) والنسائيّ: ((فإن الله رَّ
شَرَع لنبيّهِ وَِّ» (سُنَنَ الْهُدَى) رُوي بضم السين وفتحها، وهما بمعنى متقارب،
أي طرائق الهدى والصوابِ، قاله النوويّ ◌َّتُهُ .
و((الْهُدَى)) - بضمّ الهاء، وفتح الدال، مقصوراً: الرَّشَادُ والدلالة، قاله في
(القاموس))(١)، وقال ((المصباح)): الْهُدَى: البيان. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لم يرد بالسنن السنن المتعارفة في عرف
الفقهاء التي هي قسيم الواجب وغيره من أقسام الأحكام الخمسة، بل أراد ما
يشمل جميع ما أتى به رسول الله وَ ل ﴿ من أمور الدين، فيدخل فيه الواجب،
والمستحبّ، وغيرهما، فلا يُستدلّ بقوله: ((وإنهنّ من سُنن الهدى)) على عدم
صلاة الجماعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى) أي الصلواتُ الخمسُ من جملة طُرُق الهدى
التي أوجب الله تعالى سلوكها، دون ما سواها من الطرائق، قال الله تعالى:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ،﴾ الآية
[الأنعام: ١٥٣]، فينبغي أداؤهنّ على الوجه المطلوب.
والإضافة في: ((سنن الهدى)) للبيان، أي سنن هي الهدى.
(وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) أي ولو بالجماعة.
وفي رواية النسائيّ: ((وإني لا أحسب منكم أحداً إلا له مسجد يُصلّي فيه
في بيته، فلو صلّيتم في بيوتكم، وتركتم مساجدكم لتركتم سنّة نبيّكم)).
(١) ((القاموس المحيط)) ٤/ ٤٠٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٣٦/٢.

٢٤٥
(٤٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى - حديث رقم (١٤٨٩)
وأراد بالمسجد الموضع الذي يصلي فيه الرجل التطوع، حيث إنه مأمور
بالتطوع في بيته، فقد أخرج الشيخان، عن ابن عمر رضيًا، قال: قال
رسول الله : ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً)).
وعن زيد بن ثابت ظه: أن النبيّ اتخذ حُجْرة في المسجد من حصير،
فصلى رسول الله ◌َ﴾ فيها ليالي، وفيه: ((فصلّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن
أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة))، متّفقٌ عليه.
ومعنى قوله: ((ولو أنكم صلّيتم في بيوتكم)): أي لو أديتم الصلوات
المكتوبات في مساجد بيوتكم (كَمَا يُصَلَّ هَذَا الْمُتَخَلَّفُ) أي المتأخّر (فِي بَيْتِهِ)
تاركاً الصلاةَ جماعةً في المساجد العامّة.
قال الطيبيّ ◌َخَّلهُ: في تعبيره باسم الإشارة إشارة إلى تحقيره، وتبعيده عن
مظانّ الزُّلْفَى، كما أن اسم الإشارة في قوله: ((هذه المساجد)) مُلَوِّحٌ إلى
تعظيمها، وبُعد مرتبتها في الرفعة. انتهى(١).
(لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ) ◌َّهِ حيث إنه كان يصلي المكتوبات في المساجد
بأصحابه جماعةً، ولا يصليها في بيته، إلا من عذر (وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ) وَل
(لَضَلَلْتُمْ) قال الفيّومِيّ ◌َُّهُ: ضَلّ الرجل الطريقَ، وضلّ عنه يَضِلّ، من باب
ضرب ضلالاً، وضلالةً: زَلَّ عنه، فلم يَهتد إليه، فهو ضالٌّ، هذه لغة نجد،
وهي الفُصحَى، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُ عَلَى
نَفْسِىٌ﴾ [سبأ: ٥٠] الآية، وفي لغة لأهل العالية من باب تَعِبَ. انتهى (٢).
قال الطيبيّ وَُّ: قوله: ((لضللتم)) يدلّ على أن المراد بالسنّة العزيمة.
انتھی.
وفي رواية أبي داود: ((لكفرتم))، قال الخطابيّ رَُّهُ: معناه أنه يؤدي بكم
إلى الكفر بأن تتركوا عُرَى الإسلام شيئاً، فشيئاً، حتى تخرجوا من الملة.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا دليل واضح في كون صلاة الجماعة فرضاً
على الأعيان، وأما تأويله بأنه محمول على التغليظ والتهديد في ترك صلاة
(١) ((الكاشف)) ١١٣٦/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٦٣/٢.

٢٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الجماعة، أو أنه محمول على الترك تهاوناً وقِلَّةَ مبالاة بها، كما زعمه بعضهم،
فغير صحيح، والله تعالى أعلم.
وقال الكمال ابن الهمام تَُّ: وتسميتها سنّةً على ما في حديث ابن
مسعود نظابه لا حجة فيه للقائلين بالسنّة؛ إذ لا تنافي الوجوب في خصوص
ذلك الإطلاق؛ لأن سنن الهدى أعمّ من الواجب لغةً، كصلاة العيد. انتهى.
وقد يقال لهذا الواجب سنةٌ؛ لكونه ثبت بالسنّة، أي بالحديث، قاله في
(المرعاة))(١).
[تنبيه]: قال الشوكانيّ تَخّْتُهُ: والأثر استُدلّ به على وجوب صلاة
الجماعة، وفيه أنه قول صحابيّ، ليس فيه إلا حكاية المواظبة على الجماعة،
وعدم التخلّف عنها، ولا يُستدلّ بمثل ذلك على الوجوب. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ولا يُستدلّ ... إلخ)) فيه أنه لا يُستبعد
الاستدلال به؛ لأن مثل هذا الأسلوب من مثل ابن مسعود نظافته من فقهاء
الصحابة دالّ على أنه فهم من الأدلّة الوجوب، على أن الاستدلال بمثل هذا
إنما هو تأكيد للأدّة الأخرى المرفوعة الدالّة على الوجوب، وقد تقدّم بيانها،
فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ) وفي رواية النسائيّ: ((وما من عبد مسلم يتوضّأ))
(فَيُحْسِنُ الطَّهُورَ) بَضمّ الطاء المهملة بمعنى الطهارة، وأما بفتحها، فاسم لما
يُتطهّر به، ولا يناسب هنا، لكن أثبت بعض اللغة أن المفتوح أيضاً يكون
بمعنى الطهارة، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في أول ((كتاب الطهارة))،
فارجع إليه تزدد علماً، وبالله تعالى التوفيق.
ومعنى إحسان الظُّهُور: أن يأتي بواجباته، ومستحباته.
(ثُمَّ يَعْمِدُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، أي يقصد، ويتوجّه، يقال: عَمَدتُ
للشيء عَمْداً، من باب ضرب، وعَمَد إليه: قصدتُ، وتعمّدتُهُ: قصدت إليه
أيضاً (٢). (إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ)، أي مساجد المسلمين، وفي رواية
النسائيّ: ((ثم يمشي إلى صلاة)) (إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا) ((الْخَطْوَةُ))
(١) ((المرعاة شرح المشكاة)) ٣/ ٥٢٠.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٢٨/٢.

٢٤٧
(٤٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى - حديث رقم (١٤٨٩)
بفتح الخاء وضمها: واحدة الْخُطْو، قال الفيّومِيّ رَظْتُ: خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْواً:
مشيتُ، الواحدة خَطْوَة، مثل ضَرْب وضَرْبة، والْخُطْوة بالضم: ما بين
الرجلين، وجمع المفتوح خَطَوَات على لفظه، مثل شَهْوَة وشَهَوَات، وجمع
المضموم خُطَى، وخُطُوَات، مثل غُرْفَةٍ وغُرُفَات في وجوهها. انتهى.
وجملة ((يخطوها)) في محل جر صفة ((خُطْوة)، وقوله: (حَسَنَةً) منصوب
على المفعوليّة لـ(كَتَبَ)).
(وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً) منصوب على أنه مفعول ثان (وَيَحُطُّ) بفتح أوّله،
وضمّ ثانيه، أي يَضَعُ، ويمحو، يقال: حَطَطتُ الرَّحْلَ وغيره حَظّاً، من باب
قَتَلَ: أنزلته من عُلو إلى سُفل، وحَطَطت من الدين أسقطت، قاله الفيّوميّ (١)،
أي أزال (عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً) وفي رواية النسائيّ: ((أو يرفع له بها درجةً، أو يكفّر
عنه بها خطيئةً))، بـ(أو))، والظاهر أن ((أو)) فيه بمعنى الواو، فتأمّل، والله تعالى
أعلم.
وزاد في رواية النسائيّ أيضاً قوله: ((ولقد رأيتنا نقارب بين الخطا))،
وهو: جمع خطوة بالضم، وهو مسافة ما بين الرِّجلين، أي نقارب المسافة التي
بين الرِّجلين في حالة المشي إلى المساجد تكثيراً لها، ليكثر الأجر والثواب،
قال السندي في ((شرحه)): وينبغي أن يكون اختيار أبعد الطرق مثله، لكن لا
يخفى أن فضل الْخُطَا لأجل الحضور في المسجد، والصلاة فيه، والانتظار لها
فيه، فينبغي أن يكون نفس الحضور خيراً منه، فليتأمل، والله تعالى أعلم.
(٢)
انتھی(٢) .
(وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا) معاشر الصحابة ظ﴿ه، أو جماعة المسلمين، وقال في
((اللمعات)): الرؤية ها هنا بمعنى العلم، ولذا اتّحد ضمير الفاعل والمفعول،
وإن كانا مختلفين بالإفراد والجمع، وقوله: (وَمَا يَتَخَلَّفُ) سادّ مسدّ المفعول
الثاني، والضمير الراجع إلى المفعول الأول محذوف. انتهى(٣).
(١) ((المصباح المنير)) ١٤١/١.
(٢) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ١٠٩/٢.
(٣) راجع: ((المرعاة)) ٥١٨/٣ - ٥١٩.

٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقال الطيبيّ كَخَّتُهُ: قد تقرّر أن اتّحاد الفاعل والمفعول إنما يسوغ في
أفعال القلوب، وأنها من الدواخل على المبتدأ والخبر، والمفعول الثاني الذي
هو بمنزلة الخبر هنا محذوف، وسدّ قوله: ((وما يتخلّف عنها)) وهو حالٌ مسدّه.
وفي الرواية الماضية من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص:
(قال عبد الله: لقد رأيتنا، وما يتخلف عن الصلاة إلا منافقٌ، قد عُلِم نفاقه، أو
مريضٌ، إن كان المريض ليمشي بين رجلين، حتى يأتي الصلاة)).
قال الطيبيّ كَُّهُ: وقوله: ((إن كان)) استئناف، والتنكير في ((مَرِيضٌ))
للتفخيم، أي ما يتخلّف إلا منافقٌ، أو مريضٌ بَيِّنُ المرض عاجز، فتوجّه لسائل أن
يقول: فما بال المريض الذي ليس كذلك؟ فأجيب: ((إن كان المريض ... إلخ)).
وفيه من التشديد والتأكيد ما لا يخفى، من الإتيان بـ(إن)) المخفّفة،
واللام المؤكّدة الفارقة، والإبهام بإضمار ضمير الشأن، وخصوصيّة التهادي
المنبئ عن كمال اعتنائه بشأن الجماعة، كلُّ ذلك تشديد وتأكيدٌ لترك التخلّف
عن الجماعة. انتهى(١).
(عَنْهَا) أي عن صلاة الجماعة في المسجد (إِلَّا مُنَافِقٌ، مَعْلُومُ النِّفَاقِ)
ولأبي داود: ((بَيِّنُ النفاق)) أي ظاهر نفاقه (وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ) المراد به الرجل
المريض (يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى) بالبناء للمفعول (بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) وفي نسخة: ((بين
رجلين)) بالتنكير، والمعنى: أنه يمشي بينهما، يمسكانه من جانبيه بعضدیه،
يَعْتَمِد عليهما، من ضعفه وتمايله؛ لشدة المرض، وهو من تهادت المرأة: إذا
تمايلت (حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ) أي حتى يقيمه الرجلان في الصفّ، وفي هذا
كله تأكيد أمر الجماعة، وتَحَمُّل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريضَ
ونحوَهُ التوصل إليها ينبغي أن يحضرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود نظراته هذا من أفراد المصنّف وَّلهُ .
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١١٣٥/٣ - ١١٣٦.

٢٤٩
(٤٥) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى - حديث رقم (١٤٨٩)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥ /١٤٨٨ و١٤٨٩] (٦٥٤)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٥٥٠)، و(النسائيّ) في ((الإمامة)) (٨٤٩) وفي ((الكبرى)) (٩٢٢)،
و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (٧٧٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣١٣)،
و(عبد الرّزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٧٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٤/١ و٤١٩
و٤٥٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٤٨٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٢١٠٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٦٢ و١٢٦٣)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (١٤٦١ و١٤٦٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٨٥٩٦ و٨٥٩٧ و٨٥٩٨
و ٨٥٩٩ و٨٦٠٠ و٨٦٠١ و٨٦٠٢ و ٨٦٠٣ و ٨٦٠٤ و٨٦٠٥ و٨٦٠٦ و٨٦٠٧
و٨٦٠٨ و٨٦٠٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٨/٣ و٥٩)، والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب المحافظة على الصلوات الخمس حيث ينادى بهنّ.
٢ - (ومنها): أنه لا يجوز لأحد أن يتخلف عن صلاة الجماعة في
المساجد إلا لعذر؛ لأنها من سنن الهدى التي جاء بها رسول الله وَل، وقام
بها حقّ القيام، وحثّ عليها أمته.
٣ - (ومنها): أن من ترك الصلاة في الجماعة بدون عذر ضَلّ سعيه
وخاب، وخسِر.
٤ - (ومنها): فضل إكمال الوضوء، والمشي إلى المساجد، وأن كل
خطوة يخطوها إليها تستوجب حسنةً، وترفع درجةً، وتكفر خطيئةً.
٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﴿ه، من حرصهم على استكثار
الخيرات، بحيث يقاربون بين الخطا في المشي إلى المساجد، كما دلّت عليه
الزيادة في رواية النسائيّ: ((ولقد رأيتنا نقارب بين الخطا)).
٦ - (ومنها): بيان شدّة حرصهم على ملازمة صلاة الجماعة حتى في
حالة شدّة المرض، فيخرجون إليها معتمدين على أيدي الرجال.
٧ - (ومنها): أن التخلّف عن صلاة الجماعة من علامات النفاق، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .

٢٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(٤٦) - (بَابُ النَّهْىِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ مَسْجِدٍ أُذِّنَ فِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٩٠] (٦٥٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُهَاجِرٍ، عَنْ أَبِيِ الشَّعْثَاءِ، قَالَ: كُنَّا قُعُوداً فِي الْمَسْجِدٍ مَعَ أَبِي
هُرَيْرَةَ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ يَمْشِي، فَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ، حَتَّى
خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمََِّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان الواسطيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت٢٣٥) (خ
م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (أَبُو الْأَخْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ
[٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ) بن جابر البجليّ الكوفيّ، صدوقٌ، ليّن الحفظ
[٥] تقدم في ((الحيض)) ١٢ / ٧٥٦.
٤ - (أَبُو الشَّعْثَاءِ) سُليم بن الأسود بن حنظلة المحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ،
من كبار [٣] (ت٨٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١٩/ ٦٢٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) تَهُبه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وإبراهيم بن مهاجر، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ نَظُبه، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.

٢٥١
(٤٦) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ مَسْجِدٍ أُذِّنَ فِيهِ - حديث رقم (١٤٩٠)
[تنبيه]: إن قلت: كيف أخرج المصنّف: لإبراهيم بن مهاجر، مع أن
الأكثرين على تضعيفه؟.
[قلت]: إنما أخرج له لأنه لم ينفرد به، فقد رواه أشعث، عن أبيه، وهو
ثقةٌ بلا خلاف، فتكون رواية إبراهيم من باب المتابعة، فتنبّه، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه آخر]: صنيع المصنّف تَخَّتُهُ هذا مما يبطل زعم بعضهم أن مسلماً
يقدّم دائماً في أول الباب أحاديث الثقات، وقد تقدّم نظائر هذا، فتنبّه لهذا،
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الشَّعْشَاءِ) سُلَيم بن الأسود بن حنظلة المحاربيّ، أنه قَالَ: كُنَّا
قُعُوداً فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه (فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ) قال صاحب ((التنبيه)): لا
أعرفه (١). (فَقَامَ رَجُلٌ) قال صاحب ((التنبيه)) أيضاً: لا أعرفه، وفي رواية أبي
داود: ((فخرج رجل حين أذن المؤذن بالعصر)) (مِنَ الْمَسْجِدِ) الظاهر أنه
المسجد النبويّ، والله تعالى أعلم (يَمْشِي) وفي رواية ((أشعث))، عن أبيه
التالية: ((سمعت أبا هريرة، ورأى رجلاً يجتاز المسجد خارجاً بعد الأذان))،
وفي رواية النسائيّ: ((رأيت أبا هريرة، ومرّ رجل في المسجد بعد النداء، حتى
قطعه)) (فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ) أي جعله تابعاً له، يقال: أتبعتُ زيداً عمراً
بالألف: إذا جعلته تابعاً له(٢). (حَتَى خَرَجَ) الرجل (مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو
هُرَيْرَةَ) ◌َظ ◌ُهُ (أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِوَلَِّ) هذا الكلام مقابل لمحذوف؛
لأن ((أما)) هذه كما قال الطيبيّ للتفصيلَ، فتقتضي شيئين أو أكثر، فيكون
التقدير: أما مَن ثبت في المسجد حتى صلى، فقد أطاع أبا القاسم وََّ، وأما
صلىاللهے
هذا فقد عصى
وَسَتِلاً.
أبا القاسم
قال الجامع عفا الله عنه: قد تأتي ((أما)) لغير تفصيل أصلاً، فلا تحتاج
(١) ((تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) (ص١٤٥).
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٧٢/١.

٢٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
إلى تقدير، كما بيّنه ابن هشام الأنصاريّ تَّتُهُ في ((مغنيه)) (١) وعلى هذا فلا
حاجة هنا لتقدير شيء، فتنبّه.
والظاهر أن أبا هريرة ◌ُ عَلِم أن الرجل خرج بدون ضرورة مبيحة
للخروج، كحاجة الوضوء مثلا، فلذا جزم بعصيانه.
قال الإمام ابن حبّان تَخُّْهُ في ((صحيحه)) بعد أن أخرج الحديث ما نصّه:
أُمِر في هذا الخبر شيئان: أحدهما: وقد أذّن المؤذّن، وهو متوضئ، والثاني:
وهو غير مؤدّ لفرضه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أراد ابن حبّان تَُّ بهذا الكلام أن قول أبي
هريرة نظافته للرجل: ((أما هذا فقد عصى ... إلخ)) مقيّد بقيدين: أحدهما أن
ذلك الرجل كان متوضّئاً، ولعل أبا هريرة ظبه كان يعرف منه ذلك، والثاني أنه
لم يصلّ الصلاة التي أَذّن من أجلها، فلا يتناول التهديد هذا من كان غير
متوضئ، وخرج للوضوء، وكذلك لا يتناول من خرج من المسجد الذي أُذّن
فيه من أدّى الفرض، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ تَخْتُ: قول أبي هريرة ظُبه هذا محمول على أنه حديث
مرفوعٌ إلى رسول الله وَ لّ بدليل ظاهر نسبته إليه في معرِض الاحتجاج به، وما
كان يليق بواحد منهم للذي عُلِم من دينهم، وأمانتهم، وضبطهم، وبُعدهم عن
التدليس، ومواقع الإيهام، وكأنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد
بعد الأذان، فأطلق لفظ المعصية، فإذا ثبت هذا استثمر منه أن من دخل
المسجد لصلاة فرض، فأذَّن مؤذّن ذلك الوقت حَرُم عليه أن يَخرُج منه لغیر
ضرورة حتى يصلّي فيه تلك الصلاة؛ لأن ذلك المسجد تعيَّنَ لتلك الصلاة، أو
لأنه إذا خرج قد يمنعه مانعٌ من الرجوع إليه أو إلى غيره، فتفوته الصلاة. انتهى
كلام القرطبيّ ◌َُّ(٢) .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ تَظْلَتُ استنباطاً من أن أبا
هريرة ◌َُّه سمعه من النبيّ ◌َّ﴾، سيأتي في المسألة الثالثة نصّاً أنه سمعه
(١) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٥٤/١ بحاشية الأمير.
(٢) ((المفهم)) ٢٨١/٢.

٢٥٣
(٤٦) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ مَسْجِدٍ أُذِّنَ فِيهِ - حديث رقم (١٤٩٠)
منه ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
شرح الحديث:
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة له هذا من أفراد المصنّف تَُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٩٠/٤٦ و١٤٩١] (٦٥٥)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٥٣٦)، و(الترمذيّ) فيها (٢٠٤)، و(النسائيّ) في ((الأذان)) (٦٨٣
و٦٨٤)، و((الكبرى)) (١٦٤٧ و١٦٤٨)، و(ابن ماجه) فيها (٧٣٣)، و(الطيالسيّ)
في ((مسنده)) (٢٥٨٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٨٨)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢/ ٤١٠ و٤١٦ و٤٧١ و٥٠٦ و٥٣٧)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٧٤/١)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٠٦٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٦/٣)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١٢٦٤ و١٢٦٥ و١٢٦٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٤٦٣ و١٤٦٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن الخروج من مسجد قد أُذِّن فيه قبل أداء
الصلاة .
٢ - (ومنها): أن هذا التحريم مقيّد بمن لا عذر له؛ لقوله: ((إلا لعذر،
أخرجته حاجة، وهو يريد الرجوع))، وهو من مرسل ابن المسيّب، وهي
صحيحة، كما يأتي قريباً.
٣ - (ومنها): أن ظاهر الحديث يدل على تحريم الخروج من المسجد
بعد الأذان؛ لأنه - وإن كان موقوفاً - لكنه في حكم المرفوع؛ إذ مثل هذا لا
يقال من قبل الرأي.
بل قد جاء ما يدلُّ على رفعه صريحاً، فقد أخرج الحديث أحمد من
طريق المسعوديّ وشريك، كلاهما عن أشعث، عن أبي الشعثاء بنحوه، وزاد
في حديث شريك: ثم قال: أمرنا رسول الله وَله: ((إذا كنتم في المسجد،

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
فنودي بالصلاة، فلا يخرج أحدكم حتى يصلي))، وكذا ورد التصريح عند
الطبرانيّ في ((الأوسط)) من رواية سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة نظُبه، قال:
قال رسول الله وير: ((لا يسمع النداء في مسجدي هذا، ثم يخرج منه لحاجة،
ثم لا يرجع إليه إلا منافق))، قال الهيثميّ نَّتُهُ: رجاله رجال الصحيح، وقال
المنذريّ: رواته محتجٌّ بهم في الصحيح.
وقوله: ((مسجدي هذا)) ليس للاحتراز عن غيره، كما يدلّ عليه ما أخرجه
ابن ماجه بسنده إلى عثمان رُّه، أنه قال: قال رسول الله وَالر: ((من أدركه
الأذان في المسجد، ثم خرج لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة، فهو
منافق)) .
وفي سنده عبد الجبار بن عمر الأيلي الأمويّ ضعيف، وإسحاق بن
عبد الله بن أبي فروة متروك، لكن يشهد له ما تقدّم من حديث الطبراني،
ويشهد له أيضاً ما رَوَى أبو داود في ((مراسيله))، والبيهقيّ في ((الكبرى)) (١) عن
سعيد بن المسيِّب: أن النبيّ وَّر قال: ((لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء،
إلا منافق، إلا لعذر، أخرجته حاجة، وهو يريد الرجوع)).
ومراسيل سعيد بن المسيب قال أحمد: صحاح، لا نرى أصح من
مرسلاته، وقال الشافعيّ: إرسال ابن المسيِّب عندنا حسن. أفاده في
((المرعاة))(٢).
وقد صحح الشيخ الألبانيّ كَّتُ حديث عثمان بنَّته(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن قول أبي هريرة رَظ ◌ُله: ((فقد
عصى أبا القاسم وَل98)) قد ثبت كونه مرفوعاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في الخروج من المسجد بعد
الأذان :
(١) ((السنن الكبرى)) للبيهقيّ ٥٦/٣.
(٢) راجع: ((المرعاة شرح المشكاة)) ٥٢٢/٣ - ٥٢٣.
(٣) راجع: ((صحيح ابن ماجه)) ١٢٣/١.

٢٥٥
(٤٦) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ مَسْجِدٍ أُذِّنَ فِيهِ - حديث رقم (١٤٩٠)
قال الإمام الترمذيّ كَّتُهُ بعد ذكر الحديث ما نصُّهُ: وعلى هذا العمل عند
أهل العلم، من الصحابة، ومن بعدهم أن لا يخرج أحدٌ من المسجد إلا من
عذر، أن يكون على غير وضوء، أو أمر لا بدّ منه، ويُرْوَى عن إبراهيم النخعيّ
أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة، وهذا عندنا لمن له عذر في
الخروج منه. انتهى.
وعن مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: يقال: لا يخرج من
المسجد أحد بعد النداء إلا أحد يريد الرجوع إليه، إلا منافق.
قال الحافظ أبو عمر كَّلُ في ((التمهيد)»: وهذا لا يقال مثله من جهة
الرأي، ولا يمكن إلا توقيفاً، وقد رُوي معناه مسنداً عن النبيّ وَّر، فلذلك
أدخلناه.
ثم أخرج بأسانيده حديث أبي هريرة ﴿ المذكور في الباب، ثم قال:
قال أبو عمر: أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يُصَلِّ، وكان على
طهارة، وكذلك إذا كان قد صلى وحده، إلا لما لا يعاد من الصلوات، فإذا
كان ما ذكرنا فلا يحلّ له الخروج من المسجد بإجماع إلا أن يخرج للوضوء،
وينوي الرجوع.
واختلفوا فيمن صلى في جماعة، ثم أذن المؤذن وهو في المسجد لتلك
الصلاة .
وقد كره جماعة من العلماء خروج الرجل من المسجد بعد الأذان، إلا
للوضوء لتلك الصلاة بنيّة الرجوع إليها، وسواء صلى وحده، أو في جماعة،
أو جماعات، وكذلك كرهوا قعوده في المسجد، والناس يصلون؛ لئلا يتشبه
بمن ليس على دين الإسلام، وسواء صلى أو لم يصلّ.
والذي عليه مذهب مالك: أنه لا بأس بخروجه من المسجد إذا كان قد
صلى تلك الصلاة في جماعة، وعلى ذلك أكثر القائلين بقوله، إلا أنهم
يكرهون قعوده مع المصلين بلا صلاة، ويستحبون له الخروج والبعد عنهم.
قال مالك: دخل أعرابيّ المسجد، وأذن المؤذن، فقام يَحُلّ عِقَال ناقته
ليخرج، فنهاه سعيد بن المسيِّب، فلم ينته، فما سارت به غير يسير حتى وقعت
به، فأصيب في جسده، فقال سعيد: قد بلغنا أنه من خرج بين الأذان والإقامة

=
٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
لغير وضوء، فإنه يصاب. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أنه يحرم الخروج بعد
الأذان حتى يصلي تلك الصلاة؛ للأدلة الصحيحة المذكورة، وأما أصحاب
الأعذار، وكذا من أراد الرجوع فلا يحرم عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ
لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٩]؛ ولما تقدّم من
الأحاديث التي فيها استثناء أصحاب الأعذار، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج كَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٩١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، هُوَ ابْنُ
عُيَيْنَةَ(٢)، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْنَاءِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ أَبِيهِ،
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَرَأَى رَجُلاً يَجْتَازُ الْمَسْجِدَ، خَارِجاً بَعْدَ الْأَذَانِ، فَقَالَ:
أَمَّا هَذَا، فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ،
نزيل مكة، ثقةٌ، صنّف ((المسند))، ولازم ابن عيينة [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س
ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (عُمَرَ بْنِ سَعِيد) بن مسروق الثوريّ، أخو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ [٦].
ورَوَى عن أبيه، والأعمش، وعَمّار الدُّهْنيّ، وأشعث بن أبي الشعثاء،
وزياد بن فَيّاض، وغيرهم.
وَروَى عنه أخوه مبارك بن سعيد، وابنه حفص بن عمر، وابن عيينة،
وعمرو بن أبي قيس، وإبراهيم بن طهمان، وأبو بكر بن عياش.
(١) ((التمهيد)) ٢١٢/٢٤ - ٢١٤.
(٢) سقط من بعض النسخ قوله: ((هو ابن عيينة)).

٢٥٧
(٤٧) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ - حديث رقم (١٤٩٢)
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، ووَثَّقه الدارقطنيّ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة
أحاديث فقط، هذا برقم (٦٥٥)، وحديث (١٠٦٠): ((أعطى رسول الله وَلل أبا
سفيان بن حرب، وصفوان بن أميّة ... ))، و(١٩٦٨): ((أعجل، أو أَرْني، ما
أنهر الدم ... )) الحديث.
٤ - (أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْنَاءِ الْمُحَارِبِيُّ) الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٢٥) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٥٣/١١.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
وقوله: (وَرَأَى رَجُلاً) جملة حاليّة من المفعول، بتقدير ((قد)) عند
البصريين.
وقوله: (يَجْتَازُ الْمَسْجِدَ) أي يمرّ به، والجملة في محلّ نصب صفة
لـ«رجلاً)).
وقوله: (خَارِجاً بَعْدَ الْأَذَانِ) منصوب على الحال من فاعل ((يجتاز))،
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَثُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٤٧) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٩٢] (٦٥٦) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةً
الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْمَسْجِدَ بَغَّدَ صَلَاةِ
الْمَغْرِبِ(١)، فَقَعَدَ وَحْدَهُ، فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَيقول
(١) وفي نسخة: ((بعدما صلّى المغرب)).

٢٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
يَقُولُ: ((مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ
فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنْظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ
ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ) أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من
صغار [٩] (ت٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في ((الطهارة)) ١١ / ٥٨٤.
٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٤ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم) بن عَبّاد بن حُنيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل
المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات قبل (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الطهارة))
٥٨٤/١١.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) الأنصاريّ النجاريّ، واسم أبي عمرة
عمرو بن مِحْصَن، وقيل: ثعلبة بن عمرو بن مِحْصَن، وقيل: أَسَيد بن مالك،
وقيل: يُسَير بن عمرو بن مِحْصن بن عَتِيك بن عمرو بن مبذول بن مالك بن
النجّار، ثقةٌ، من كبار [٣].
رَوَى عن أبيه، وعثمان بن عفان، وعبادة بن الصامت، وزيد بن خالد،
وأبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، وجدّته كبشة بنت ثابت أخت حسان.
ورَوَى عنه ابنه عبد الله، وخارجة بن زيد بن ثابت، وخالد بن المهاجر بن
خالد بن الوليد، وشريك بن أبي نَمِر، وعبد الله بن عمرو بن عثمان، ومحمد بن
يحيى بن حبان، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وهلال بن أبي ميمونة،
ومجاهد بن جبر، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وفي
((صحيح مسلم)) (١) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن عبد الرحمن هذا كان
قاصّاً بالمدينة، وقال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)): ليست له صحبة. انتهى.
(١) سيأتي - إن شاء الله تعالى - في ((كتاب التوبة)) برقم (٢٧٥٨).

٢٥٩
(٤٧) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ - حديث رقم (١٤٩٢)
قال الحافظ تَخُّْ: وهو يُفْهِم أنه روى عن النبيّ وَل﴿ شيئاً، وقد ذكره
مُطَيَّن في ((الصحابة))، وأورد له حديثاً، وأورد له ابن السكن آخر، وذكره ابن
سعد فيمن وُلِد على عهد النبيّ وَّ. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم
(٦٥٦) و(١٠٣٩) و(١٧١٩) و(٢٧٥٨) و(٢٩٦٤).
٦ - (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ،
أمير المؤمنين، ذو النورين، استُشهد به في ذي الحجة سنة (٣٥) وعمره
(٨٠)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٤/١٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من عثمان بن حكيم، وشيخه
مروزيّ، والباقيان بصریّان.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عثمان بن حكيم، عن
عبد الرحمن بن أبي عمرة.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه رَظله أحد الخلفاء الأربعة، وأحد العشرة
المبشّرين بالجنّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، ذو مناقب جمّة، وكانت خلافته
اثنتي عشرة سنة رقڅئه.
شرح الحديث:
عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، أنه (قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ)
se
(الْمَسْجِدَ) أي النبويّ، فـ((أل)) فيه للعهد (بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) وفي نسخة:
((بعدما صلّى المغرب)) (فَقَعَدَ وَحْدَهُ) وفي رواية مالك في ((الموظّأ)) من طريق
محمد بن إبراهيم التيميّ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، أنه قال: جاء
عثمان بن عفان إلى صلاة العشاء، فرأى أهل المسجد قليلاً، فاضطجع في
مؤخّر المسجد، ينتظر الناس أن يكثروا، فأتاه ابن أبي عمرة، فجلس إليه،
فسأله من هو؟ فأخبره، فقال له: ما معك من القرآن؟ فأخبره، فقال عثمان:

٢٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
((من شَهِد العشاء، فكأنما قام نصف ليلة، ومن شَهِد الصبح، فكأنما قام ليلة)).
(١)
انتهى(١).
ولا تعارض بين هذا الموقوف، وبين المرفوع في رواية المصنّف؛ لأن
عند من رفع زيادةً علم، وزيادة الثقة الحافظ مقبولة، على أن الموقوف في مثل
هذا له حكم الرفع، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ) أي إلى عثمان رَظُهُ (فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي) أراد به أخوّة
الإسلام، لا أخوّة النسب؛ لأنه قرشيّ، وعبد الرحمن أنصاريّ (سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ،
وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ) أي مع صلاته العشاء في جماعة أيضاً، كما
سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - (فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ)))
قال القرطبيّ كَّتُهُ: معناه أنه قام نصفَ ليلة، أو ليلةً لم يُصَلِّ فيها العشاء
والصبح في جماعة؛ إذ لو صلى ذلك في جماعة، لَحَصَل له فضلها، وفضل
القيام.
وقال البيضاويّ ◌َخْذَتُهُ: نَزَّل صلاة كلٍّ من طرفي الليل منزلة نوافل نصفه،
ولا يلزم منه أن يبلغ ثوابه من قام الليل كله؛ لأن هذا تشبيه مطلق مقدار
الثواب، ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه، ولو كان قدر
الثواب سواءً، لم يكن لمصلي العشاء والصبح جماعةً منفعةٌ في قيام الليل غير
التَّعَبِ. انتهى (٢).
وقال الحافظ المنذريّ تَخْتُهُ في ((الترغيب والترهيب)): قال ابن خزيمة في
((صحيحه): ((باب فضل صلاة العشاء والفجر، وبيان أن صلاة الفجر في
الجماعة أفضل من صلاة العشاء في الجماعة، وأن فضلها في الجماعة ضِعْفًا
فضل العشاء في الجماعة))، ثم ذكر حديث عثمان رضيبه هذا بنحو لفظ مسلم،
قال المنذريّ: ولفظ أبي داود، والترمذيّ أي بلفظ: (( ومن صلى العشاء
والفجر في جماعة، كان له كقيام ليلة))، يدفع ما ذهب إليه. انتهى.
(١) ((الموطأ)) بنسخة ((التمهيد)) ٣٥٢/٢٣.
(٢) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٣٨٨/١.