النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ (٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٨٢) يصلّون في بيوتهم، ليست بهم علّة))، فتبيّن بها أن الوعيد على ترك الجماعة بغير عذر، لا على ترك الصلاة، فدلالة الحديث على وجوب الجماعة واضحة، كما أسلفنا تحقيقه، ويدلّ أيضاً على أن الأعذار تبيح التخلّف عن الجماعة، وإن كانت واجبةً (فَآمُرَ) بالمدّ، وضم الميم (بِهِمْ) أي بهؤلاء المتخلّفين (فَيُحَرِّقُوا) بالبناء للفاعل، وهو بتشديد الراء، وفيه إشعار بالتكثير والمبالغة في التحريق، ويَحْتَمل أن يكون من الإحراق. [تنبيه]: الواو في ((يُحرّقوا)) يعود إلى محذوف، كما بيّنته الرواية الأخرى، والأصل: ثم أخالف برجال معهم حُزم حطب، فيُحرّقوا ... إلخ، والله تعالى أعلم. (عَلَيْهِمْ) أي على المتخلّفين عن الجماعة، وهو يُشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين، والبيوت تبعاً للقاطنين بها، وفي رواية أبي صالح الآتية: ((فأحرق بيوتاً على من فيها))، قاله في ((الفتح)). (بِحُزَمِ الْحَطَبِ) متعلّق بـ((يحرّقوا))، و((الْحُزَم)) بضم الحاء المهملة، وفتح الزاي: جمع حُزْمة، بضمّ، فسكون، كغُرْفة وغُرَف، قاله في ((المصباح)) (١)، وفي ((اللسان)): وحَزَمَ الشيءَ حَزْماً - من باب ضرب -: شدّه، والْحُزْمة: ما حُزِمَ (٢). انتهى (٣). و ((الحطب)): كلُّ ما جَفّ من زرع، وشجر، توقد به النار، وشوكُ العِضَاه، وإضافة ((حُزَم)) إلى ((الحطب)) بمعنى: ((من))، وقوله: (بُيُوتَهُمْ) منصوب على المفعوليّة لـ((يُحرّقوا)). (وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ) وفي رواية البخاريّ: ((والذي نفسي بيده، لو يعلم ... إلخ)) بإعادة القسم للتأكيد (أَنَّهُ يَجِدُ) أي في المسجد (عَظْماً سَمِيناً) وفي رواية البخاريّ: ((عرقاً سميناً))، وهو بفتح العين المهملة، وسكون الراء، بعدها (١) ((المصباح المنير)) ١٣٣/١ - ١٣٤. (٢) وفسّر بعضهم الْحُزْمة بما يَحمِله إنسان، أو حيوان، من مجموع الحطب وغيره، انظر ما كتبه محمد ذهني في هامش النسخة التركيّة لـ((صحيح مسلم)) ١٢٣/٢. (٣) (لسان العرب)) ١٣١/١٢. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قاف، قال الخليل: العُرَاق: العظم بلا لحم وإن كان عليه لحم، فهو عَرْقٌ، وفي ((المحكم)) عن الأصمعي: العَرْق بسكون الراء: قطعة لحم، وقال الأزهري: العَرْق واحد العُرَاق، وهي العظام التي يؤخذ منها هَبْر اللحم(١)، ويبقى عليها لحم رَقِيق، فيكسر، ويطبخ، ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال: عَرَقْتُ اللحمَ، واعترقته، وتعرقته: إذا أخذت اللحم منه نَهْشاً، وفي ((المحكم)): جَمْعُ العَرْق على عُراق بالضم عزيز، أي نادر، وقول الأصمعي هو اللائق هنا . [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ: ((أو مرماتين حسنتين))، وهو: تثنية مِرْماة - بكسر الميم، وحكي فتحها - قال الخليل: هي ما بين ظِلْفي الشاة، وحكاه أبو عبيد، وقال: لا أدري ما وجهه، ونقله المستملي في روايته في ((كتاب الأحكام)) عن الفربريّ، قال: قال يونس، عن محمد بن سليمان، عن البخاريّ: المرماة بكسر الميم، مثل مِسناة، ومِيضاة: ما بين ظلفي الشاة من اللحم، قال عياض: فالميم على هذا أصلية. وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنصال محددة، يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب، وهي المرماة، والمدحاة. قال الحافظ: ويبعد أن تكون هذه مراد الحديث لأجل التثنية، وحكى الحربي عن الأصمعي أن المرماة سهم الهدف، قال: ويؤيده ما حدثني ... ثم ساق من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة ◌ُبه نحو الحديث، بلفظ: ((لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة، أو سهمان لفعل))، وقيل: المرماة سهم يتعلم عليه الرمي، وهو سهم دقيق مُسْتَوٍ غير محدد. قال الزين ابن الْمُنَيِّر: ويدل على ذلك التثنيةُ، فإنها مشعرة بتكرار الرمي بخلاف السهام المحددة الحربية، فإنها لا يتكرر رميها . وقال الزمخشري: تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العرق معه، ووجّهه ابن الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين، وكان مما يؤكل أتبعه بالسھمین؛ لأنهما مما يُلْھی به. انتهى. (١) يقال: هَبَر له من اللحم هَبْرَةً: قَطَع له قطعةً، قاله في ((القاموس)). ٢٢٣ (٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٨٢) وإنما وصف العرق بالسمن، والمرماة بالحسن ليكون ثَم باعث نفساني على تحصيلهما . وقال الطيبي: ((الحسنتين)) بدل من المرماتين، إذا أريد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أريد بهما السهمان الصغيران، فالحسنتان بمعنى الجيدتان صفة للمرماتین. انتهى. وفيه إشارة إلى ذم المتخلفين عن الصلاة بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم، أو ملعوب به، مع التفريط فيما يحصل رفيع الدرجات، ومنازل الكرامات(١). وقال الحافظ ابن رجب كَّلُهُ بعد ذكر الاختلافات المذكورة ما نصّه: والذي يظهر - والله أعلم - أن النَّبِيّ وَّر أخرج هَذَا الكلام مخرج تعظيم شهود العشاء في جماعة، والتنويه بفضله وشرفه ونفاسته، والنفوسُ مجبولة عَلَى محبة الأشياء الحسنة الشريفة النفيسة، والميل إليها، فوبَّخَ من لَوْ طمع فِي وجود قطعة من لحم سمينة أو مرماتين حسنتين، وهما من أدنى الأشياء الدنيوية لبادر إلى الخروج إليها، وشهد العشاء لذلك، وَهُوَ يتخلف عَن شهود العشاء فِي الجماعة مَعَ فضل الجماعة عِنْدَ الله، وعظم فضل الجماعة مَا يدّخره لمن شهدها عنده من جميل الجزاء وجزيل العطاء، فيكون مَا يعجل لَهُ وإن كَانَ يسيراً من أمور الدنيا المستحسنة عنده مِمَّا يأكله أو يلهو بِهِ أهم عنده من ثواب الله الموعود بِهِ. قال: ويشبه هَذَا: قَوْلُ الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَمَوَّا أَنفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَكُوْكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَرَّةُ وَاللَّهُ خَيْرُ الزَّزِقِينَ [الجمعة: ١١]، فإنه توبيخ لمن ترك الجمعة، أو اشتغل عَنْهَا بالتجارة أو باللهو. انتھی(٢). (لَشَهِدَهَا))، يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءَ) هكذا رواية المصنّف بزيادة لفظة ((يعني))، وهي منه، أو من غيره، ممن دون أبي الزناد؛ لأنها ليست في روايته عند (١) ((الفتح)) ٣٤٤/٢ بزيادة من ((عمدة القاري)) ١٦١/٥. (٢) ((فتح الباري)) لابن رجب ٤٥٣/٥. ٢٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة البخاريّ، ولفظه: ((لشهد العشاء))، أي حضر صلاة العشاء، والمعنى أنه لو علم أنه لو حضر الصلاة لوجد نفعاً دنيويّاً، وإن كان خسيساً حقيراً لحضرها؛ لقصور همته على الدنيا، ولا يحضر لما لها من مثوبات العقبى ونعيمها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٨٢/٤٣ و١٤٨٣ و١٤٨٤ و١٤٨٥] (٦٥١)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٤٤ و٦٥٧) و((الخصومات)) (٢٤٢٠) و((الأحكام)) (٧٢٢٤)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٥٤٨ و٥٤٩)، و(الترمذيّ) فيها (٢١٧)، و(النسائيّ) في ((الإمامة)) (٨٤٨) وفي ((الكبرى)) (٩٢١)، و(ابن ماجه) في (الصلاة)) (٧٩١)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (١٢٣/١ - ١٢٤)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٨٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٥٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٤/٢ و٣١٤ و٣٦٧ و٣٧٧ و٤١٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٩٢/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٣٠٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٤٨١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٠٩٧ و٢٠٩٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٥٧ و١٢٥٨ و١٢٥٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٥٢ و١٤٥٣ و ١٤٥٤ و١٤٥٥ و١٤٥٦ و١٤٥٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٥/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٧٩١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التشديد في التخلّف عن صلاة الجماعة؛ لغير عذر. ٢ - (ومنها): ما قاله ابن رجب كَلَتُهُ: وهذا الحَدِيْث ظاهر فِي وجوب شهود الجماعة في المساجد، وإجابة المنادي بالصلاة؛ فإن النَّبِيِّ وَّ أخبر أَنَّهُ همَّ بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة، ومثل هذه العقوبة الشديدة لا تكون إِلا عَلَى ترك واجبٍ. وقد اعترض المخالفون فِي وجوب الجماعة عَلَى هَذَا الاستدلال، ٢٢٥ (٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٨٢) وأجابوا عَنْهُ بوجوهٍ، قد تقدّم تفنيدها في المسألة الخامسة من مسائل حديث أبي هريرة بظلاله الماضي، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٣ - (ومنها): تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسرّه أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتُفي به عن الأعلى من العقوبة، نَبّهَ عليه ابن دقيق العيد نَذَتُهُ . ٤ - (ومنها): أن في قوله: ((والذي نفسي بيده)) إثبات صفة اليد لله دمك على الوجه الذي يليق بجلاله، فهو كالقول في سائر الصفات، وهو ريك منزّه عن مشابهة الخلق في كلّ شيء، موصوف بصفات الكمال اللائقة به ريات. ٥ - (ومنها): جواز العقوبة بالمال، كذا استدَلّ به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم. قال في ((الفتح)): وفيه نظر؛ لاحتمال أن التحريق من باب ما لا يتم الواجب إلا به؛ إذ الظاهر أن الباعث على ذلك أنهم كانوا يختفون في بيوتهم، فلا يتوصل إلى عقوبتهم إلا بتحريقها عليهم. ٦ - (ومنها): جواز أخذ أهل الجرائم على غِرّة؛ لأنه لنَّرِ هَمّ بذلك في الوقت الذي عُهِد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يَبْغَتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد، وفي السياق إشعار بأنه تقدّم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل، وترجم عليه الإمام البخاريّ كَظْثُهُ في ((كتاب الإشخاص))، وفي ((كتاب الأحكام)): ((باب إخراج أهل المعاصي والرِّيَب من البيوت بعد المعرفة))، يريد أن من طُلِب منهم بحقّ، فاختَفَى، أو امتنع في بيته لَدَداً، ومَظْلاً أُخرِج منه بكل طريق يتوصل إليها، كما أراد ◌َّيو إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم. ٧ - (ومنها): أنه استَدَلّ به ابن العربيّ وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاوناً بها. ونوزع في ذلك، ورواية أبي داود التي فيها أنهم كانوا يصلون في بيوتهم تَعْكُر عليه، نعم يمكن الاستدلال منه بوجه آخر، وهو أنهم إذا استحقوا التحريق بترك صفة من صفات الصلاة خارجة عنها، سواء قلنا : واجبة، أو مندوبة كان من تركها أصلاً رأساً أحق بذلك، لكن لا يلزم من ٢٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة التهديد بالتحريق حصول القتل، لا دائماً، ولا غالباً؛ لأنه يمكن الفرار منه، أو الإخماد له بعد حصول المقصود منه من الزجر والإرهاب. ٨ - (ومنها): أن في قوله في رواية أبي داود: ((ليست بهم علّةٌ)) دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة، ولو قلنا: إنها فرض، وكذا الجمعة، قاله في (الفتح))(١) . ٩ - (ومنها): أن فيه الرخصةَ للإمام، أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ولا بُعد في أن تلحق بذلك الجمعة، فقد ذَكَرُوا من الأعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم، وأصحاب الجرائم في حقّ الإمام كالغرماء. ١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، إذا كان في ذلك مصلحة، قال ابن بزيزة: وفيه نظر؛ لأن الفاضل في هذه الصورة يكون غائباً، وهذا لا يختلف في جوازه. ١١ - (ومنها): أنه استَدَلّ ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية، كما هو مذهب مالك. وتعقب بأنه منسوخ، كما قيل في العقوبة بالمال، قاله في ((الفتح))(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اعترض العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز فيما علّقه على ((الفتح)) على جزم الحافظ بالنسخ، وقال: إنه ليس بجيِّد، والصواب عدم النسخ؛ لأدلة كثيرة معروفة في محلها، منها: حديث الباب، وإنما المنسوخ التعذيب بالنار فقط(٣)، والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): أنه استدُلّ بِهِ عَلَى قتل تارك الصلاة؛ فإنه إذا جازت عقوبة تارك الجماعة في ماله وإن تعدت إلى نفسه بالهلاك، فقتل من ترك الصلاة بالكلية أولى بالجواز، فلا جرم كَانَ قتله واجباً عِنْدَ جمهور العلماء. ١٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً عَلَى أَنَّهُ إنما يعاقب تارك الصلاة، أو بعضٍ واجباتها فِي حال إخلاله بِهَا، لا بعد ذَلِكَ؛ فإن النَّبِيّ وَّ إنما أراد عقوبتهم (١) ((الفتح)) ٢/ ١٥٣. (٢) ((الفتح)) ١٥٣/٢. (٣) وهذا الاعتراض نفسه تقدّم في كلام ابن رجب تَُّهُ. ٢٢٧ (٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٨٢) فِي حال التخلّف، وقد كَانَ يمكنه أن يؤخر العقوبة حَتَّى يصلي وتنقضي صلاته . قال ابن رجب تَُّ: وهذا يَعْضِد قَوْلَ من قَالَ من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن تارك الصلاة لا يُقْتلِ حَتَّى يُدْعَى إلى الصلاة، ويُصِرّ عَلَى تركها حَتَّى يضيق وقت الأخرى؛ ليكون قتله عَلَى الترك المتلبِّس بِهِ فِي الحال. ١٤ - (ومنها): أن الإمام لَهُ أن يؤخِّر الصلاة عَن أول الوقت لمصلحة دينية، ولكنه يستخلف من يصلي بالناس في أول الوقت؛ لئلا تفوتهم فضيلة أول الوقت. ١٥ - (ومنها): أن إنكار المنكر فرض كفاية، وأنه إذا قام به بعض الناس اكتُفِي بذلك، ولا يلزم جميع النَّاس الاجتماع عَليهِ؛ فإنه لَوْ كَانَ كذلك لأخذ النَّبِيّ وَِّ مَعَهُ جميع النَّاس، ذكره ابن رجب تَظَّهُ(١). ١٦ - (ومنها): أنه دليل على أن الجماعة لا تجب على النساء، ولا تتأكّد في حقّهنّ؛ لقوله: ((ثم أخالف إلى رجال)). ١٧ - (ومنها): ما قاله في ((الطرح)): فيه حجة لأحد القولين في أنه يُقاتَل أهل بلد، تمالئوا على ترك السنن ظاهراً؛ بناءً على القول بأن الجماعة سنةٌ، لا فرضٌ، قال القاضي عياض: والصحيح قتالهم؛ لأن في التمالؤ عليها إماتتها . انتھی . وقد اختَلَف أصحاب الشافعيّ - رحمهم الله تعالى - في قتال أهل بلد اتفقوا على ترك الجماعة؛ بناءً على القول بأنها سنة، والصحيح عندهم أنهم لا يقاتلون على ذلك، إنما يقاتلون على القول بأنها فرض كفاية. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن الحقّ أن صلاة الجماعة واجبة على من لا عذر له، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أنه اختَلَفت الروايات والعلماء في تعيين الصلاة المتوعَّد على تركها بالتخويف، هل هي العشاء، أو هي الصبح، أو الجمعة؟ (١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٤٦١/٥. (٢) ((طرح التثريب)) ٣١٣/٢. ٢٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة فظاهر رواية الأعرج، عن أبي هريرة رَُّّه هذه أن المراد بها العشاء لقوله: ((لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)). وقد ورد التصريح به فيما رواه عبد الله بن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان، مولى الْمُشْمَعِلّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّ: ((لينتهين رجال ممن حول المسجد لا يشهدون العشاء، أو لأحرقن حول بيوتهم)). وحَكَى ابن بطال هذا القول عن سعيد بن المسيب، وقيل: هي العشاء والصبح معاً، ويدل له ما رواه الشيخان في بعض طرق هذا الحديث: ((إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت ... ))، فذكره، وقيل: هي الجمعة، ويدل له رواية البيهقيّ: ((فأحرِّق على قوم بيوتهم لا يشهدون الجمعة))، ويدل له أيضاً رواية مسلم من حديث ابن مسعود ربه أن النبيّ وَّ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: ((لقد هممت ... ))، فذكره. وحَكَى ابن بطال هذا القول عن الحسن البصريّ، وعن ابن معين أيضاً أنه قال: إن هذا الحديث في الجمعة، لا في غيرها. انتهى. قال العراقيّ: وهذا مما يضعف قول من احتج بالحديث على أن الجماعة فرض عين؛ لأنه إذا كان المراد الجمعة، فالجماعة فيها شرط، فلا يبقى فيه دليل على الجماعة في غيرها من الصلوات. قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله العراقيّ نظر لا يخفى، كما يأتي قريباً . قال ابن دقيق العيد تَخُّْهُ: ويحتاج أن يُنظَر في تلك الأحاديث التي ثبتت في تلك الصلاة أنها الجمعة، أو العشاء، أو الفجر، فإن كانت أحاديث مختلفة قيل بكل واحد منها، وإن كان حديثاً واحداً اختَلَف فيه بعض الطرق، وعُدِم الترجيح وُقِف الاستدلال. هذا حاصل كلامه. قال العراقيّ: رواية البيهقيّ في كونها الجمعة، ورواية كونها العشاء والصبح حديث واحدٌ، وحديث ابن مسعود في كونها الجمعة حديث آخر مستقلّ بنفسه، فعلى هذا لا يقدح حديث ابن مسعود في حديث أبي هريرة، وينظر في اختلاف حديث أبي هريرة، وقد رجح البيهقيّ رواية الجماعة فيه على ٢٢٩ (٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٨٣) رواية الجمعة، فقال بعد رواية الجمعة فيه: والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عَبّر بالجمعة عن الجماعة. وقال النوويّ في ((الخلاصة)) بعد حكاية كلام البيهقي: بل هما روايتان: رواية في الجمعة، ورواية في الجماعة في سائر الصلوات، وكلاهما صحيح. انتھی . قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بهذا أن الصواب أن الحديث ورد في الجماعة مطلقاً، وفي الجمعة خاصّة، فدعوى العراقيّ تضعيف الاستدلال على فرضيّة الجماعة بالحديث غير صحيحة؛ لأن الراجح في حديث أبي هريرة لفظ الجماعة، كما قال البيهقيّ فالاستدلال بالحديث على الفرضيّة واضح، وأما حديث ابن مسعود رُّه فمستقلّ دالّ على الجمعة، ولا يعارض رواية الجماعة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٤٨٣] (.) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَذَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: (إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ (١) عَلَى الْمُنَافِقِينَ، صِّلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً، فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ، مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إِلَى قَوْمِ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير، الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس (١) وفي نسخة: ((إن أثقل الصلاة)). ٢٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورِعٌ، إلا أنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧. ٤ - (أَبُو صَالِح) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ (١) عَلَى الْمُنَافِقِينَ، صَلَةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ) قال العراقيّ تَخّْتُهُ: وإنما كانت هاتان الصلاتان ثقيلتين على المنافقين؛ لأمرين: [أحدهما]: للمشقة الموجودة في حضور المساجد فيهما من الظلمة، وكون وقتهما وقت راحة، أو غلبة نوم، أو خلوة بأهاليهم، فلا يتجشم تلك المشاقّ إلا من أيقن بثواب الله تعالى، والمنافق إما شاكّ في ذلك، أو لا يصدِّق، فيشقّ عليه ذلك. [والمعنى الثاني]: أن المنافقين كما قال الله تعالى: ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وهاتان الصلاتان في ليل، فربما خَفِي من غاب عنهما، واستتر حاله، بخلاف باقي الصلوات، فإنها بحيث يراه الناس، ويتفقدون غيبته، فكان رياؤه يَحُضّه على حضورها؛ ليراه الناس. والمعنى الأول أظهر؛ لقوله تعالى في أول الآية: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾، ولا مانع أن يكون الأمران المذكوران في الآية كلاهما حاملاً لهم على ترك الجماعة في الصلاتين المذكورتين. انتهى كلام العراقيّ نَظُّ(٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً) ((الْحَبْوُ)) حبوُ الصبيّ الصغير على يديه ورجليه، ومعناه لو يعلمون ما فيهما من الفضل والخير، ثم لم يستطيعوا الإتيان إليهما إلا حَبْواً لَحَبَوا إليهما، ولم يُفوّتوا جماعتهما في المسجد، ففيه الحثّ (١) وفي نسخة: ((إن أثقل الصلاة)). (٢) ((طرح التثريب)) ٣١٢/٢. ٢٣١ (٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٨٤) البليغ على حضورهما، قاله النوويّ تَذَتُهُ(١). وقال في ((الطرح)): قوله: ((لأتوهما ولو حبواً)): أي يزحفون على ألياتهم، من مرض، أو آفة، قاله صاحب ((المفهم))، وفيه نظرٌ، والحبو غالباً إنما يُظْلَق على الحبو على الرُّكَب، وإن كان قد يُطلَق أيضاً على الزحف، فالمراد هنا الزحف على الرُّكَب كما هو مصرَّح به عند أبي داود، من حديث أُبَيّ بن كعب ◌َّه: ((ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبواً على الرُّكَب)). وفيه دليلٌ على استحباب حضور الجماعة لأصحاب الأعذار، من مريض، أو نحوه، وإن لم يتأكد في حقّه، وسيأتي وعند المصنّف أن ابن مسعود نظُّه قال: ((ولقد كان الرجل يُؤْتَى به بين الرجلين، يُهادَى بين الرجلين، حتى يقام في الصفّ))(٢). وقوله: (ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً، فَيُصَلَّيَ بِالنَّاسِ) فيه أن الإمام إذا عَرَضَ له شُغْل يَستَخلِف مَن يصلي بالناس، وإنما هَمّ بإتيانهم بعد إقامة الصلاة؛ لأن بذلك الوقت يتحقق مخالفتهم، وتخلَّفهم، فيتوجه اللوم عليهم، وفيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ: (لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَانِي، أَنْ يَسْتَعِدُّوا لِي بِحُزَمِ مِنْ حَطَبٍ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّ بِالنَّاسِ، ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتٌ(٣) عَلَى مَنْ فِيهَا))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب. (١) ((شرح النووي)) ١٥٤/٥. (٣) وفي نسخة: ((ثم نحرّق بيوتاً)). (٢) ((طرح التثريب)) ٣١٣/٢. ٢٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٢ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَّةٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (فِتْيَانِي) - بكسر الفاء، وسكون التاء -: جمع فَتَّى، قال في ((المصباح)): الْفَتَى: العبد، وجمعه في القلّة: فِتْيَةٌ، وفي الكثرة: فِتْيَانٌ، والأمة: فتاةٌ، وجمعها: فَتَيَات، والأصل فيه أن يقال للشابّ الحَدَث: فَتَّى، ثم استُعير للعبد، وإن كان شيخاً؛ مجازاً؛ تسميةً باسم ما كان عليه. انتهى(١). وفسّره بعضهم بأن المراد أقوياء أصحابه. وقوله: (أَنْ يَسْتَعِدُّوا) أي يتهيّأوا. وقوله: (ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتٌ) ببناء الفعل للمفعول. وقوله: (عَلَى مَنْ فِيهَا) أي وهم الذين تخلّفوا عن صلاة الجماعة، وفيه العقوبة بالمال؛ لأن تحريق البيوت عقوبة ماليّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٤٨٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (٢) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّهِ بِنَحْوِهِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابین. ٢ - (وكيع) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابین. ٣ - (جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ) - بضمّ الموحّدة، وسكون الراء، بعدها قاف - الكلابيّ، أبو عبد الله الرقّيّ، ثقة، يَهِم في حديث الزهريّ [٧] (ت١٥٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البكائيّ، أبو (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٦٢. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثني)). ٢٣٣ (٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٨٦) عوف الكوفيّ، نزيل الرّقّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين وهنا، [٣] (ت١٠٣) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣. والباقون تقدّموا في الباب. وقوله: (بِنَحْوِهِ) أي بنحو حديث أبي صالح، عن أبي هريرة رضى عنه . [تنبيه]: رواية يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة ظُبه هذه، ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه)) (٢٤٨/٢) فقال : (١٤٥٧) حدّثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا جعفر بن بُرْقان، ثنا يزيد بن الأصم (ح) وحدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا الفريابيّ، ثنا قتيبة، ثنا وكيع، عن جعفر بن بُرْقان، عن يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله : «لقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم أَخْرُج بفتيانٍ معهم حُزَمُ حطب، فأُحَرِّق على قوم بيوتهم، يسمعون النداء، ثم لا يأتون الصلاة)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٦] (٦٥٢) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَخْوَصِ، سَمِعَهُ مِنْهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ - لِقَوْمٍ يَتَخَلَّقُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ -: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقََ عَلَى رِجَالٍ، يَتَخَلَّقُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُدَيج - بالحاء المهملة، مصغّراً - أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأَخَرَة [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢. (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، اختلط بآخره، ويُدلّس [٣] (ت١٢٩) أو قبلها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. ٤ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَة - بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة - الْجُشَميّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] مات في ولاية الحجّاج على العراق (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. ٥ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير، مات ◌َظُه سنة (٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، وهو أيضاً من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة. ٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع. [تنبيه]: إن قلت: كيف أخرج المصنّف رواية زهير، عن أبي إسحاق، وإنما روى عنه بعد اختلاطه، وأيضاً يُدلّس؟. [قلت]: إنما أخرج روايته في الشواهد، لا في الأصول، فقد أخرج حديث أبي هريرة تظله أصلاً، ثم أتى بحديث ابن مسعود؛ استشهاداً، وتقويةً، فمثل هذا يُغتفر، كما هو معروف لدى المحدّثين. وأما تدليسه، فقد صرّح بسماعه من أبي الأحوص، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود نَّهُ (أَنَّ النَّبِيَّ نَ ﴿ قَالَ - لِقَوْم) أي عن شأن قوم، فاللام هنا كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَ امَنُواْ لَوْ كَانَ خَيّاً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهٍ﴾ الآية [الأحقاف: ١١]، وقوله: ﴿قَالَتْ أُخْرَئُهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا﴾ الآية [الأعراف: ٣٨]، وقوله: ﴿وَلَاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِىّ أَعْيُّئُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ الآية [هود: ٣١]، وهي عند ابن الحاجب بمعنى ((عن))، وقال ابن مالك ٢٣٥ (٤٣) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٨٦) وغيره: هي لام التعليل، وقيل: لام التبليغ، ومن قول الشاعر [من الكامل]: كضَرَائِرِ الْحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا حَسَداً وَبُغْضاً إِنَّهُ لَدَمِيمُ (١) (يَتَخَلَّفُونَ) أي يتأخّرون (عَنِ الْجُمُعَةِ) أي عن أداء صلاة الجمعة في المسجد (لَقَدْ هَمَمْتُ) أي قصدت (أَنْ آمُرَ رَجُلاً يُصَلِّي بِالنَّاسِ) أي إماماً لهم (ثُمَّ أُحَرِّقَ) بتشديد الراء، من التحريق، ويَحْتَمل أن يكون من الإحراق (عَلَى رِجَالٍ، يَتَخَلَّقُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ))) بالنصب على المفعوليّة لـ(أُحرّق))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود واته هذا من أفراد المصنّف نَخَذْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٨٦/٤٣] (٦٥٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/ ٣٩٤ و٤٠٢ و٤٢٢ و٤٤٩ و٤٦١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٨٥٣ و١٨٥٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٥٣١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٥٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التشديد في التخلّف عن صلاة الجمعة. ٢ - (ومنها): بيان أن حضور صلاة الجمعة فرض عين، إلا لأصحاب الأعذار الشرعية. ٣ - (ومنها): بيان أن هذه الصلاة التي هدّد النبيّ وَ له بتحريق المتخلّفين عنها هي صلاة الجمعة، وقد سبق في حديث أبي هريرة ظ له أنها العشاء، وورد أيضاً أنها الصبح، وورد أيضاً يتخلّفون عن الصلاة مطلقاً، قال النوويّ كَّتُهُ: وكلّه صحيح، ولا منافاة بين ذلك. انتهى(٢). (١) راجع: ((مغني اللبيب)) ٤١٩/١ - ٤٢٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٥٤/٥. ٢٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٤ - (ومنها): ما قاله في ((الطرح)): في هذا الحديث حجة على أبي حنيفة في أنه جَعَلَ المكلَّف مخيراً بين الجمعة والظهر بغير عذر؛ إذ لو كانوا مخيرين لَمَا هَمّ بتحريقهم. ٥ - (ومنها): ما قاله في (الطرح)) أيضاً: [إن قال قائل]: إذا كان المراد بهذا ترك الجمعة كما هو نصّ حديث ابن مسعود ظه هذا، فهل يجوز للإمام أو نائبه ترك صلاة الجمعة؛ لأجل أخذ مَن في البيوت، لا يصلي الجمعة، أو يرتكب ما يجب إزالته، أو يكون هذا خاصّاً بالنبيّ وَّه، وليس لأحد فعل هذا اليوم؛ لأنه يؤدي إلى ترك الجمعة، وهي لا تعاد؟. [فالجواب]: أن أصحابنا - يعني الشافعيّة - ذكروا من الأعذار في الجمعة والجماعة من له غريم يَخاف فوته، والظاهر أن أرباب الجرائم في حقّ الإمام ونائبه كالغرماء، حتى إذا خَشِي أن يفوتوه إن شهد الجماعة أو الجمعة كان له ذلك. انتهى، وهو تحقيقٌ حسنٌّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٤٤) - (بَابُ وُجُوبٍ إِثْيَانِ الْمَسْجِدِ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٤٨٧] (٦٥٣) - (وَحَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ(٢)، كُلُّهُمْ عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ(٣)، عَنْ عُبَيْدِ الهِ بْنِ الْأَصَمِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ وَ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ (١) وفي نسخة: ((حدّثنا). (٢) وفي نسخة: ((ويعقوب بن إبراهيم الدورقيّ)). (٣) وفي نسخة: ((حدّثنا مروان الفزاريّ)). ٢٣٧ (٤٤) - بَابُ وُجُوبٍ إِنْيَانِ الْمَسْجِدٍ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ - حديث رقم (١٤٨٧) لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: ((هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَأَجِبْ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٢ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيد) بن سهل الْهَرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال له: الأنباريّ، أبو محمد، صدوقٌ، عَمِيَ، فتلقّن، من قدماء [١٠] (ت٢٤٠) وله (١٠٠) سنة (م ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧. ٣ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٢) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥. ٤ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: ابن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْأَصَمِّ) هو: عبيد الله بن عبد الله بن الأصمّ العامريّ صدوقٌ(١) [٦] تقدم في ((الصلاة)) ١١١٢/٤٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّلُهُ . ٢ - (ومنها): أن شيخه يعقوب الدورقيّ أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمّه، عبيد الله عن يزيد بن الأصمّ، والله تعالى أعلم. (١) قال عنه في ((التقريب)): مقبول، والحقّ أنه ثقةٌ؛ لأنه روى عنه ثلاثة من الثقات، واحتجّ به مسلم في الأصول، وهو توثيقٌ ضمنيّ، ووثّقه ابن حبّان، ولا يُعلم فيه جرح لأحد، فتنبّه. ٢٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َّهِ أَنْهِ (قَالَ: أَتَّى النَّبِيَّ وَِّ رَجُلٌ أَعْمَى) قال النوويّ كَُّهُ: هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم، جاء مفسَّراً في ((سنن أبي داود)) وغيره. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويَحْتَمِل أن يكون غيره، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (لَيْسَ لِي قَائِدٌ) اسم فاعل من قاد، يقال: قاد الرجلُ الفرسَ يقودها قَوْداً، من باب قال، وقِيَاداً بالكسر، وقيادةً، قال الخليل: القود أن يكون الرجل أمام الدابّة آخذاً بقيادها، والسَّوق أن يكون خلفها، فإن قادها لنفسه قيل: اقتادها، قاله في (المصباح))(١). وفي ((المرعاة)): القائد هو الذي يُمسك يد الأعمى، ويأخذه، ويذهب به حيث شاء، ويجُرّه، من الْقَوْد، وهو ضدّ السَّوق، فهو من أمام، وذاك من خلف. انتهى(٢). (يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ) إن كان الأعمى هو ابن أم مكتوم ظُه، فالمراد قائد يلائمه ويرفُقُ به، ففي رواية لأبي داود: ((ولي قائد لا يلائمني))، وإن كان غيره، فيَحْتَمِل أنه لا يجد من يقوده أصلاً (فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ) أي يُسَهِّل عليه في التأخر عن الصلاة جماعةً في المسجد (فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ) إما جماعةً أو منفرداً (فَرَخَّصَ لَهُ) في ذلك، وفي رواية النسائيّ: ((فَأَذِنَ له)) (فَلَمَّا وَلَّى) أي أدبر ذلك الأعمى عن مجلس رسول الله وَل﴿ فَرِحاً بترخيصه له فيما طلب (دَعَاهُ) أي ناداه النبيّ وََّ (فَقَالَ: ((هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟») أي التأذين، وفي حديث ابن أم مكتوم عند النسائيّ: ((هل تسمع حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح؟)) (قَالَ) الأعمى (نَعَمْ) أي أسمع ذلك (قَالَ) بَرِ ((فَأَجِبْ))) أمر من الإجابة، وعند النسائيّ في ((الكبرى)): ((فأجبه))، والفاء فصيحية، أي فإذا كنت تسمع النداء بالصلاة، فأجب بالفعل، وفي حديث ابن أمّ مكتوم المذكور: ((فحي هلا))، أي فأقبل إلى الصلاة. (١) ((المصباح المنير)) ٥١٨/٢. (٢) ((المرعاة)) ٤٨٧/٣. ٢٣٩ (٤٤) - بَابُ وُجُوبٍ إِثْيَانِ الْمَسْجِدٍ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ - حديث رقم (١٤٨٧) قال السنديّ كَّتُهُ: ظاهره وجوب الجماعة؛ لا بمعنى أنها واجبة في الصلاة حتى تبطل بدونها، بل بمعنى أنها واجبة على المصلي، يأثم بتركها . انتھی . وقال النوويّ تَّهُ: وفي هذا الحديث دلالة لمن قال: الجماعة فرض عین . وأجاب الجمهور عنه بأنه سأل هل له رخصة أن يصلي في بيته، وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره؟(١)، فقيل: لا . ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ودليله من السنة: حديث عتبان بن مالك رضيبه الآتي بعد ثلاثة أبواب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول من قال: إنها فرض عين لمن لا عذر له، هو الحقّ، كما أسلفنا تحقيقه، وأما تأويل الجمهور المذكور فبعيدٌ، وتأييده بحديث عتبان ظه المذكور ليس كما ينبغي؛ إذ حديثه نصّ في تحقّق عذره، فقد ثبت أنه قال للنبيّ وَّ 9: ((يا رسول الله؛ إن السيول لتحول بيني وبين مسجد قومي))، فهذا عذر قائم، وأما الأعمى المذكور فعذره هو العَمَى، ومعلوم أن كثيراً من العميان لا يَشُقّ عليهم المشي إلى المساجد، كما هو مشاهد، وهذا الأعمى منهم، بدليل أنه وَّ لم يرخص له، مع كونه رَخَّصَ لكثير من أصحاب الأعذار، كعتبان، وكمن حضر لديه طعام، وكمن يدافعه الأخبثان، وفي حالة وجود الأمطار، كما ثبت كلُّ ذلك في ((الصحيحين))، وغيرهما . والحاصل أن حديث الباب دليلٌ واضحٌ على فرضية الجماعة لمن لا عذر له، وأن مجرد العمى ليس عذراً يُسْقِط الجماعة، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ◌َّتُهُ أيضاً: وأما ترخيص النبيّ وَّ له، ثم ردُّه، وقوله: (١) تُعُقّب تأويل الجمهور هذا بأنه ضعيف؛ لما ثبت أن المعذور لا ينقص أجره عما يفعله لولا العذر، كما دلّ عليه حديث أبي موسى الأشعريّ رَظُه في ((الصحيح)) مرفوعاً: ((إذا مَرِضَ العبدُ أو سافر، كُتِب له مثلُ ما كان يعمل مقيماً صحيحاً))، والله تعالى أعلم. ٢٤٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ((فأجب)) فيَحْتَمِل أنه بوحي نزل في الحال، ويَحْتَمِل أنه تغير اجتهاده وَِّ، إذا قلنا بالصحيح، وقولِ الأكثر: إنه يجوز له الاجتهاد، ويَحْتَمِل أنه رَخّص له أوّلاً، وأراد أنه لا يجب عليك الحضور، إما لعذر، وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين، ثم ندبه إلى الأفضل، فقال: الأفضل لك، والأعظم لأجرك أن تجيب، وتحضر، فأجب. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مسألة اختلاف في اجتهاد النبيّ وَّ، قد حقّقتها في ((التحفة المرضيّة))، و((شرحها)) في الأصول، ورجّحت قول الجمهور بجوازه، فراجعه تستفد. وأما قوله: ((وأراد أنه لا يجب عليك الحضور ... إلخ))، فغير صحيح؛ لأنه يردُّه ظاهر الأمر في قوله: ((فَأَجِبْ)) مع الأدلة الأخرى الدالّة على وجوب صلاة الجماعة، وقد تقدّم بيانها، فتبصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤ /١٤٨٧] (٦٥٣)، و(النسائيّ) في ((الإمامة)) (٨٥٠) وفي ((الكبرى)) (٩٢٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٧/٣ و٦٦)، و(إسحاق ابن راهويه) في ((مسنده)) (٣١٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٦١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٥٩ و١٤٦٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب المحافظة على الصلوات في المساجد. ٢ - (ومنها): أن العمى ليس عذراً يسقط الجماعة، وإن لم يجد قائداً، والظاهر أن هذا فيما إذا كان يَعرِف طريق المسجد، ولا يُخاف عليه من الهلاك . (١) ((شرح مسلم للنوويّ)) ١٥٥/٥.