النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٦١)
والمعنى: أنه إذا رأى الجماعة اجتمعوا عجّل بصلاة العشاء؛ لأن في
تأخيرها تنفيراً لهم.
وبيّن معنى قوله: ((أحياناً يؤخّرها)) بقوله: (وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا) من
الإبطاء رباعيّاً، أي تأخروا عن الحضور (أَخَّرَ) صلاة العشاء، والمعنى: أنه إذا
رأى الجماعة تأخّروا أخّر صلاة العشاء؛ ليحرزوا فضيلة الجماعة، وفي رواية
للبخاريّ: ((إذا كثر الناس عَجّل، وإذا قَلُّوا أَخَّر))، ونحوه لأبي عوانة في روايةٍ.
وقال ابن دقيق العيد تَخْتُ: إذا تعارض في شخص أمران: أحدهما أن
يُقَدِّم الصلاة في أول الوقت منفرداً، أو يؤخِّرها في الجماعة، أيهما أفضل؟
الأقرب عندي أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل، وحديث الباب يدلّ عليه؛
لقوله: ((وإذا رآهم أبطئوا أخَّر))، فيؤخر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم.
قال الحافظ نَّتُهُ: ورواية: ((إذا كَثُر الناس عَجّل، وإذا قَلُوا أَخَر))، تدلّ
على أخصّ من ذلك، وهو أن انتظار من تكثر بهم الجماعة أولى من التقديم،
ولا يخفى أن محلّ ذلك ما إذا لم يفحُش التأخير، ولم يَشُقّ على الحاضرين.
انتھی(١) .
(وَالصُّبْحَ) منصوب على الاشتغال، أي وكان يصلّي الصبح (كَانُوا) خبرها
محذوف؛ لدلالة ما بعده عليه، أي كانوا يصلّونها، وقوله: (أَوْ قَالَ) ((أو))
للشكّ من الراوي، أي أو قال الراوي: (كَانَ النَّبِيُّ ◌ِ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ)
بفتحتين: ظلمة آخر الليل.
ولفظ البخاريّ: ((والصبحَ كانوا، أو كان النبيّ ◌َلّ يصلّيها بغلس))، قال
الكرمانيّ: الشك من الراوي عن جابر ظُله، ومعناهما متلازمان؛ لأن أيّهما
كان يَدْخُل فيه الآخر، إن أراد النبيّ وَّرَ، فالصحابة في ذلك كانوا معه، وإن
أراد الصحابة فالنبيّ 18 كان إمامهم، أي كان شأنه التعجيل لها دائماً لا كما
كان يصنع في العشاء، من تعجيلها، أو تأخيرها.
وخبر ((كانوا)) محذوفٌ يدلّ عليه قوله: ((يصليها))، أي كانوا يصلون.
وقال ابن بطال: ظاهره أن الصبح كان يصلّيها بغلس اجتَمَعوا، أو لم
(١) ((الفتح)) ٥١/٢.

١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
يجتمعوا، ولا يفعل فيها كما يفعل في العشاء، وهذا من أفصح الكلام، وفيه
حذفان: حذف خبر ((كانوا))، وهو جائزٌ، كحذف خبر المبتدأ في قوله تعالى:
﴿وَأَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾: أي فعدتهن مثل ذلك، ثلاثة أشهر، والحذف الثاني حذف
الجملة التي هي الخبر؛ لدلالة ما تقدّم عليه، وحذف الجملة التي بعد ((أو)) مع
كونها مقتضيةً لها .
وقال السفاقسيّ: تقديره: ((أو لم يكونوا مجتمعين))، ويصحّ أن تكون
(كان)) تامّةً، غير ناقصة، فتكون بمعنى الحضور والوقوع، ويكون المحذوف ما
بعد ((أو)) خاصّةً.
وقال ابن الْمُنَيِّر: يَحْتَمِل أن يكون شكّاً من الراوي، هل قال: كان
النبيّ وَّ، أو كانوا، ويَحْتَمِل أن يكون تقديره: والصبح كانوا مجتمعين مع
النبيّ، أو كان النبيّ ◌َّل وحده يصليها بغلس.
قال العينيّ بعد ذكر هذا كلّه: الأوجه ما قاله الكرمانيّ، وقول كلّ واحد
من الثلاثة لا يخلو عن تعسّف، لا يخفى ذلك على المتأمّل. انتهى (١).
وقال الحافظ بعد ذكر نحو ما تقدّم: والتقدير المتقدِّم(٢) أولى، والحقّ أنه
شكّ من الراوي، فقد وقع في رواية مسلم: ((والصبح كانوا، أو قال: كان
النبيّ وََّ))، وفيه حذف واحد، تقديره: والصبح كانوا يصلونها، أو كان
النبيّ وَّ﴿ يصليها بغلس، فقوله: ((بغلس)) يتعلق بأيّ اللفظين كان هو الواقع،
ولا يلزم من قوله: ((كانوا يصلونها)) أن النبيّ وَ لّر لم يكن معهم، ولا من قوله:
((كان النبيّ وَّ)) أنه كان وحده، بل المراد بقوله: ((كانوا يصلونها))، أي النبيّ ◌َّل
بأصحابه، وهكذا قوله: ((كان النبيّ وَّ يصليها))، أي بأصحابه. انتهى (٣)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ضنها هذا مُتّفقٌ عليه.
(١) ((عمدة القاري)) ٥٧/٥.
(٣) ((الفتح)) ٥١/٢.
(٢) يعني تقدير الكرمانيّ.

١٤٣
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٦٢)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٦١/٤١ و١٤٦٢] (٦٤٦)، و(البخاريّ) في
((المواقيت)) (٥٦٠ و٥٦٥)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٣٩٧)، و(النسائيّ) في
((المواقيت)) (٥٢٧)، وفي ((الكبرى)) (١٥٠٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(١٧٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٣٠٣ و٣٦٩/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٢٨)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (٤٤٩/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أوقات الصلوات الخمس.
٢ - (ومنها): بيان استحباب التعجيل بصلاة العشاء، وهو مقيّد بما إذا
اجتمع الناس؛ كما هو المنصوص عليه في الحديث وإلا فالتأخير أولى، كما
تقدم بيانه.
٣ - (ومنها): بيان التعجيل بصلاة الظهر، وهذا محمول أيضاً على غير
شدة الحرّ، أو محمول على أول الأمر، ثم جاء الأمر بالإبراد، وهذا هو
الأولى.
٤ - (ومنها): استحباب التعجيل بصلاة العصر في أول وقتها، وهو قول
الجمهور، وهو الحقّ، خلافاً للحنفية، وقد سبق تحقيق ذلك مفصّلاً.
٥ - (ومنها): استحباب التعجيل بصلاة المغرب دائماً.
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من اهتمامهم بسؤال أهل العلم
عما يُشكل عليهم، ولا سيّما الأمور المهمّة، كأوقات الصلوات، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٦٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاه عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَذَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ سَعْدٍ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ
الصَّلَوَاتِ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ غُنْدَرٍ).

١٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٣٧) (خ
م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ غُنْدَرٍ) يعني أن معاذ بن معاذ حدّث عن شعبة بمثل
ما حدّث به غندر عنه.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظَر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٤٦٣] (٦٤٧) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ
الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُ أَبًا بَرْزَةَ
عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: فَقَالَ: كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ
السَّاعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ وََّ، فَقَالَ: كَانَ لَا يُبَالِي
بَعْضَ تَأْخِيرِهَا، قَالَ: يَعْنِي الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ الَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا
الْحَدِيثَ بَعْدَهَا، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِِّ الظُّهْرَ
حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ،
قَالَ: وَالْمَغْرِبَ لَا أَْرِي أَّ حِينٍ ذَكَرَ، قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: وَكَانَ
يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ، فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ،
قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِِّّينَ إِلَى الْمِائَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) هو: يحيى بن حبيب بن عربيّ البصريّ،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٤ /١٦٥.

١٤٥
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٦٣)
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (شُعْبَةٌ) بن الحجاج المذكور في السند الماضي.
٤ - (سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ) الرِّيَاحِيّ، أبو الْمِنهال البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٩)
(ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٣٦/٣٦.
٥ - (أَبُو بَرْزَةَ) نَضْلة بن عُبيد الأسلميّ الصحابيّ المشهور بكنيته، أسلم
قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خراسان، ومات بها سنة
(٦٥) على الصحيح (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٣٦/٣٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه رَظُه مشهور بكنيته، وليس في الكتب الستّة من
يشاركه في هذه الكنية، ولا في اسمه نَضْلَة بن عُبيد، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ الرياحيّ: أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) أي: سلامة -
بتخفيف اللام -، قال الحافظ تَُّهُ: وسلامة والد سَيّار حَكَى عنه ولده هنا،
ولم أجد من ترجمه، وقد وقعت لابنه عنه رواية في (معجم الطبرانيّ الكبير)) في
ذكر الحوض، وفي رواية البخاريّ من طريق عوف الأعرابيّ، عن سيّار، قال:
((دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلميّ، فقال له أبي ... ))، وزاد
الإسماعيليّ: ((زَمَنَ أُخرج ابن زياد من البصرة))، قال الحافظ تَُّهُ: وكان ذلك
سنة (٦٤). انتهى (١).
(١) ((الفتح)) ٣٣/٢.

١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقال في ((العمدة)): وقال الإسماعيليّ: ((لما كان زمنَ أُخرِج ابن زياد،
ووَثَبَ مروان بالشام، قال أبو المنهال: انطلَقَ أبي إلى أبي بَرْزة، وانطلقت
معه، فإذا هو قاعد في ظلّ عِلوٍ له من قصب في يوم شديد الحر ... )) فذكر
(١)
الحدیث. انتھی(١).
(يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةَ) ببناء الفعل للفاعل، ((وأبا)) مفعول به، والجملة في محل
نصب على الحال من ((أبي))، على رأي الجمهور، أو مفعول ثان على رأي من
يقول إن (َسَمع)) تعمل عمل ((ظَنّ))، على ما هو مقرر في محله.
(عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ و ◌َ﴿) أي المكتوبة، ففي رواية البخاريّ: ((فقال له
أبي: كيف كان رسول الله وَّر يصلي المكتوبة؟».
والمراد: عن الأوقات التي كان يصلي فيها المكتوبة، ويداوم عليها .
(قَالَ) شعبة (قُلْتُ) لسيّار (آنْتَ سَمِعْتَهُ؟) بمدّ الهمزة، أصله أأنت سمعته؟
بهمزة الاستفهام، يعني أن شعبة قال لسيّار مستوثقاً سماعه من أبيه: أأنت
سمعت أباك يسأل أبا برزة ه به؟ .
(قَالَ) شعبة (فَقَالَ) سيّار (كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ) أي سمعته يسأله
كسماعي لكلامك في هذه الساعة، وفي رواية النسائيّ: ((كما أسمعك الساعة))،
وعليه فـ((ما)) على الأول كافّة لـ((كأنّ))، وعلى الثاني مصدرية، والفعل في تأويل
المصدر مجرور بالكاف، و((الساعة)) منصوب على الظرفية متعلق بـ((أسمع))،
هذا على جعل ((سمع)) ثلاثيّاً من السماع.
ويَحْتَمِل أن يكون من الإسماع رباعيّاً، وعليه يكون المعنى: كما أُسْمِعك
كلامي، والأول أظهر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) سيّار (سَمِعْتُ أَبِي) سلامةَ (يَسْأَلُهُ) أي أبا برزة ◌َظُهُ (عَنْ صَلَاةِ
رَسُولِ اللهِ وَّ﴾﴾ الظاهر أن جملة ((قال: سمعت أبي ... إلخ)) تأكيد للأولى
(فَقَالَ) أبو برزة ◌َظ ◌ُهُ (كَانَ) بِّهِ (لَا يُبَالِي) أي لا يهتم، ولا يَكْتَرِث، يقال: لا
أُباليه، ولا أُبالي به: أي لا أهتم به، ولا أَكْتَرِث له، ولم أُبَالِ، ولم أُبَلْ
للتخفيف، كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: ((لا أَبَالِيهِ بَالَةً))، والأصل
(١) ((عمدة القاري)) ٣٤/٥.

١٤٧
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٦٣)
بَالِيَةً، مثل عافاه مُعافاة، وعافية، قالوا: ولا تستعمل إلا مع الجحد، والأصل
فيه قولهم: تَبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستَقَوا، فمعنى ((لا
أبالي)): لا أبادر، إهمالا له، وقال أبو زيد: ما باليت مُبالاةً، والاسم البِلاءُ،
وزانُ كِتَاب، وهو الهم الذي تُحَدِّث به نفسك، قاله الفيّوميّ تَظُّهُ(١).
(بَعْضَ تَأْخِيرِهَا) بالنصب، مفعولاً لـ((يبالي))، وأصل الكلام: كان لا
يبالي بتأخير العشاء بعض التأخير (قَالَ: يَعْنِي الْعِشَاءَ) أي يَقْصِد أبو برزة
بالضمير في (تأخيرها)) العشاء، والعناية من بعض الرواة؛ سَيّارٍ، أو غيرِهِ (إِلَى
نِصْفِ اللَّيْلِ) وفي الرواية التالية: ((كان رسول الله وَّ لا يبالي بعض تأخير
صلاة العشاء نصف الليل - ثم قال -: أو ثلث الليل)) وفي لفظ: ((يؤخّر العشاء
إلى ثلث الليل))، فتبيّن بهذا أنه لا يصل إلى نصف الليل حقيقةً، وإنما هو
قبله، فلا يصحّ الاستدلال به على امتداد وقت العشاء بعد نصف الليل، فتنبّه
(وَلَا) نافية، ولذا رفع قوله: (يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا) أي لما فيه من التعرّض
لتفويتها، وهذا لمن لا يجد موقظاً، أو يستغرقه النوم حتى يفوت العشاء، وإلا
فلا بأس بالنوم قبلها؛ لحديث ابن عمر تها المتقدّم: ((أن رسول الله وَ لَّ شُغِل
عنها ليلةً، فأخرها، حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم
استيقظنا ... )) الحديث متفق عليه.
وقال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: أما كراهة النوم قبلها فلما يُخاف من غلبة النوم،
فيفوت وقتها، أو أفضل وقتها المستحسن، وقال بهذا جماعة، منهم ابن عمر،
وابن عباس، وغيرهم، وهو مذهب مالك، ورخَّص فيه بعضهم، منهم عليّ،
وأبو موسى، وغيرهم، وهو مذهب الكوفيين، واشترط بعضهم أن يجعل معه
من يوقظه للصلاة، ورُوي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاويّ. انتهى (٢).
(وَلَا) يُحبّ أيضاً (الْحَدِيثَ بَعْدَهَا) أي حديث الناس، أي المحادثَةَ،
وهذا إذا لم يكن الحديث في أمر مهمّ، وإلا فقد ثبت من حديث عمر څه:
((أن النبيّ ◌َّ كان يسمر هو وأبو بكر في الأمر من أمور المسلمين، وأنا
معهما)). حَسّنه الترمذيّ.
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٦٢.
(٢) («المفهم)) ٢٧١/٢.

١٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ومن حديث أنس ظُه: أنه ◌َّ خطبهم بعد العشاء، فقال: ((ألا إنّ
الناس قد صَلَّوا، ثم رقدوا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة))،
متفق عليه .
ومن حديث ابن عمر ؤها قال: صَلَّى النبيّ وَلَ صلاة العشاء في آخر
حياته، فلما سلم قام، فقال: ((أرأيتكم ليلتكم هذه ... ))، الحديث، متفق
عليه .
والحاصل أن الحديث المكروه هو الحديث الذي لا فائدة فيه، وإنما
كرهه لكونه يؤدي إلى ترك قيام الليل، أو للاستغراق في الحديث، ثم يستغرق
في النوم، فيخرج وقت الصبح.
وكان عمر رضي الله تعالى عنه يضرب الناس على ذلك، ويقول: أسمراً
أول الليل، ونوماً آخره؟.
قال الحافظ تَُّ: وإذا تقرّر أن علة النهي ذلك، فقد يُفَرِّق فارق بين
الليالي الطوال والقصار، ويمكن أن تُحْمَل الكراهة على الإطلاق حسماً
للمادّة؛ لأن الشيء إذا شُرِع لكونه مظنة قد يستمرّ، فيصير مَئِنّة، والله تعالى
أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمله على الإطلاق هو المتعيِّن؛ لإطلاق
النصّ، ولا بدّ أيضاً من تقييد إباحة الأمر المهمّ بما لا يؤدي إلى ما ذُكِر من
التفويت لطوله، وما ثبت عنه وَلو لا يؤدي إليه؛ إذ ليس طويلا، فتبصر، والله
تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: وأما كراهة الحديث بعدها، فلما يؤدّي إليه من
السهر، ومخافة غلبة النوم آخر الليل، فينام عن قيام آخر الليل، وربما ينام عن
صلاة الصبح، قال: ويظهر لي أن كراهة ذلك إنما هو لما أن الله جعل الليل
سكناً، أي يُسْكَنُ فيه، فإذا تحدّث الإنسان فيه، فقد جعله كالنهار الذي هو
مُتصَرَّف المعايش، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها
وجوده .
(١) (الفتح)) ٨٧/٢.

١٤٩
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٦٣)
وقيل: يكره ذلك؛ لئلا نلغو في كلامنا، أو نخطئ فيه، فيُختم عملنا
بعمل سيّئ، أو بقول سيّئ، والنوم أخو الموت، أو لعله يكون فيه الموت،
والله تعالى أعلم.
وقيل: كُره ذلك؛ لتُراح الْكَتَبَةُ الكرام، وقد كان بعض السلف يقول لمن
أراد أن يتحدّث بعد العشاء: أريحوا الكَتَبة.
وهذه الكراهة تختصّ بما لا يكون من قبيل القُرَب والأذكار، وتعلّم
العلم، ومسامرة أهل العلم، وتعلّم المصالح، وما شابه ذلك، فقد ورد عن
النبيّ وَ﴿، وعن السلف ما يدلّ على جواز ذلك، بل على ندبيّته، والله تعالى
أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم آنفاً تقييد عدم كراهة ما ذُكر من القرب
ونحوه بعدم طوله المؤدّي إلى تفويت شيء مما شُرع من التهجّد، وصلاة الوتر
آخر الليل، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجّاج (ثُمَّ لَقِيتُهُ) أي سيّاراً (بَعْدُ) من الظروف المبنية
على الضم؛ لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، أي بعدما حَدَّثني بهذا الحديث
على الوجه المذكور (فَسَأَلْتُهُ) أي عن صلاة الظهر، وكأن شعبة اكتفى عن سؤال
وقت العشاء باللقاء الأول، وكأنه كان هو المطلوب بالسؤال في تلك الساعة،
وفي اللقاء الثاني سأل عن وقت الظهر (فَقَالَ) أبو برزة (وَكَانَ) ◌َِّ (يُصَلِّي
الظّهْرَ) أي صلاة الظهر (حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ) أي تميل عن وسط السماء إلى
جهة المغرب، وفيه إشارة إلى أنه كان يصلي الظهر في أول الوقت، ولا
يخالف ذلك الأمر بالإبراد؛ لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد، أو قبل
الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد؛ لأنه مختصّ بشدة الحرّ، أو لبيان
الجواز.
وقد يَتَمَسَّك من قال: إن فضيلة أول الوقت لا تحصل إلا بتقديم ما
يمكن تقديمه من طهارة، وسَتْر، وغيرهما قبل دخول الوقت، قال الحافظ تَّهُ:
ولكن الذي يظهر أن المراد بالحديث التقريب، فتحصل الفضيلة لمن لم يتشاغل
(١) (المفهم)) ٢٧١/٢.

١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
عند دخول الوقت بغير أسباب الصلاة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ هو التحقيق
الصحيح، والله تعالى أعلم.
(وَالْعَصْرَ) أي يصلّي صلاة العصر (يَذْهَبُ الرَّجُلُ) أي بعد الفراغ من
الصلاة، كما يدلّ عليه السياق؛ لأن الحديث مسوق لتحديد الوقت الذي يصلي
فيه النبيّ وَّهِ (إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ) أي أبعد محلّ في المدينة، وجملة ((يذهب))
في محل نصب على الحال، أي يصلي العصر، والحال أنه يذهب الرجل الذي
صلى معه إلى أبعد محل في المدينة، فيصل إليه (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) جملة في محلّ
نصب على الحال من فاعل ((يصل))، ومعنى ((حيّةٌ)) أي بيضاءُ نقيّةٌ، فحياة
الشمس عبارة عن بقاء حرّها لم يتغير، وبقاء لونها لم يتغير، وإنما يدخلها
التغير بدنوها إلى الغروب، كأنه جعل مغيبها موتاً لها، قاله في ((العمدة))(٢).
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر تَخْلَتُهُ: المراد بحياتها قوّة أثرها حرارةً ولوناً
وشُعاعاً وإنارةً، وذلك لا يكون بعد مصير الظل مثلي الشيء. انتهى.
وفي ((سنن أبي داود)) بإسناد صحيح عن خيثمة أحد التابعين، قال:
حياتها أن تجد حرّها. انتهى(٣).
(قَالَ: وَالْمَغْرِبَ لَا أَدْرِي أَّ حِينٍ ذَكَرَ) ((المغربَ)) بالنصب مفعول مقدم
لقوله ((ذَكَرَ))، و((أَيَّ)) بالنصب على الظرفية، لإضافتها إلى الظرف، متعلق
بـ(ذَكَر))، أي لا أعلم في أيّ وقت ذكر صلاة المغرب، وفي رواية البخاريّ:
((ونسيتُ ما قال في المغرب))، وقائل ذلك هو سيار بن سلامة، كما بيّنه أحمد
في روايته، عن حجاج، عن شعبة، عنه، قاله في ((الفتح)).
والمعنى: أن سياراً نَسِي ما ذكره أبو برزة رَظُه في وقت صلاته وَّل
للمغرب .
(قَالَ) شعبة (ثُمَّ لَقِيتُهُ) أي سيّاراً (بَعْدُ) أي بعد هذه المساءلة (فَسَأَلْتُهُ) عن
حديث أبي برزة استثباتاً أيضاً (فَقَالَ) سيّار (وَكَانَ) وَّةِ (يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ
(١) ((الفتح)) ٣٣/٢ - ٣٤.
(٣) ((الفتح)) ٣٤/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ٢٨/٥.

١٥١
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٦٣)
الرَّجُلُ) أي يسلم من الصلاة (فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ) فَعِيل بمعنى فاعل، أي
مَن يجالسه، أي الشخص الذي بجنبه، ففي رواية الْجَوْزقيّ من طريق وهبٍ بن
جرير، عن شعبة: ((فينظر الرجل إلى جليسه، إلى جنبه، فيعرف وجهه)) (الَّذِي
يَعْرِفُ) صفة لجليسه، وعائده محذوف، أي يعرفه (فَيَعْرِفُهُ) فيه دليلٌ على
استحباب التعجيل بصلاة الصبح؛ لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون
في أواخر الغلس، وقد صَرّح بأن ذلك كان عند فراغ الصلاة، ومن المعلوم من
عادته ولي﴿ ترتيل القراءة، وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيه
«كلَّساً .
مَـ
وادَّعَى الزين ابن الْمُنَيِّر أنه مخالف لحديث عائشة ◌َّا المتقدّم، حيث
قالت في النساء اللاتي يُصلين مع النبيّ وَّه: ((فينصرفن لا يُعْرَفْنَ من
الغَلَس)).
وتُعُقِّب بأن الفرق بينهما ظاهر، وهو أن حديث أبي برزة نظُه متعلق
بمعرفة من هو مسفر جالس إلى جنب المصلي، فهو ممكن، وحديث عائشة
ينهج]
متعلق بمن هو مُتَلَفِّف مع أنه على بُعْدٍ، فهو بعيد، قاله في (الفتح))(١).
(قَالَ) أبو برزة ◌َ ◌ّه (وَكَانَ) وَِّ (يَقْرَأُ فِيهَا) أي في صلاة الصبح (بِالسِِّّيْنَ
إِلَى الْمِائَةِ) يعني من الآي، أي يقرأ بسورة بعد الفاتحة يتراوح عدد آياتها بين
الستين والمائة، وقدّرها في رواية الطبراني بـ((سورة الحاقة))، ونحوها.
وقد تقدّم في ((باب القراءة في الصبح)) رقم [١٠٣٦/٣٦] من طريق خالد
الحذّاء، عن أبي المنهال، وهو سيّار بلفظ: ((يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى
المائة آيةً))، ونحوه في رواية للبخاريّ أيضاً، وأشار الكرمانيّ إلى أن القياس أن
يقول: ((ما بين الستين والمائة))؛ لأن لفظ ((بين)) يقتضي الدخول على متعدد،
قال: ويَحْتَمِل أن يكون التقدير: ويقرأ ما بين الستين، وفوقها إلى المائة،
فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه، قاله في ((الفتح))، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ٣٤/٢.

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي برزة الأسلميّ رُه هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٦٣/٤١ و١٤٦٤ و١٤٦٥] (٦٤٧)،
و(البخاريّ) في ((المواقيت)) (٥٤١ و٥٤٧ و٥٦٨ و٥٩٩)، و((الأذان)) (٧٧١)،
و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٣٩٨)، و(الترمذيّ) فيها (١٦٨)، و(النسائيّ) في
((المواقيت)) (٤٩٥ و٥٢٥ و٥٣٠ و٩٤٨)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (٦٧٤)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٩٢٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢١٣١)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١٨/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٠/٤ و٤٢٣)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٩٨/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٤٦ و٥٣٠)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٠٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٧٩
و١٠٨٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٣٥ و١٤٣٦)، و(الطحاويّ) في
(شرح معاني الآثار)) (١٧٨/١ و١٨٥ و١٩٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١/
٤٥٠ و٤٥٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٥٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التبكير بصلاة الصبح في أول وقتها .
٢ - (ومنها): بيان استحباب التعجيل بصلاة الظهر، عند زوال الشمس
عن وسط السماء، وهو مقيَّد بما إذا لم يشتدّ الحرّ؛ لأنه ورد الأمر بالإبراد
فيه .
٣ - (ومنها): بيان استحباب التعجيل بصلاة العصر، وهو مذهب
الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة، فقال بتأخيرها، والأحاديث الصحيحة تردّ
عليه، وقد مرّ تحقيق القول فيه في موضعه، ولله الحمد والمنّة.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص على معرفة عبادة
رسول الله وَل؛ ليمكنهم الاقتداء به، فكانوا يسألون الصحابة ﴿ه عن ذلك؛
امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَسَتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
٥ - (ومنها): بيان عناية المحدثين بالفحص عن سماع من حدثهم، حيث
قال شعبة لشيخه: أنت سمعته؟.

١٥٣
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٦٣)
٦ - (ومنها): بيان استحباب تأخير العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه،
والأول هو الأولى؛ لأن أكثر الروايات على الثلث، ولحديث: ((ووقت صلاة
العشاء إلى نصف الليل الأوسط)) رواه مسلم، وقد مرّ تحقيق القول فيه في
موضعه، ولله الحمد والمنّة.
٧ - (ومنها): بيان كراهة النوم قبلها؛ لما فيه من التعرض لتفويتها، وهذا
لمن ليس له موقظ أو نحوه.
قال النوويّ تَخْلُ في ((شرحه)): قال العلماء: وسبب كراهة النوم قبلها أنه
يُعَرِّضها لفوات وقتها باستغراق النوم، أو لفوات وقتها المختار والأفضلِ،
ولئلا يتساهل الناس في ذلك، فيناموا عن صلاتها جماعةً. انتهى.
٨ - (ومنها): بيان كراهة الحديث بعدها، قال النوويّ نَُّهُ: وسبب
كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر، ويخاف منه غلبة النوم عن قيام
الليل، أو الذكر فيه، أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز، أو في وقتها
المختار، أو الأفضل، ولأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه
من حقوق الدين والطاعات، ومصالح الدنيا .
قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء، هو ما كان في الأمور
التي لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة
العلم، وحكايات الصالحين، ومحادثة الضيف، والعروس للتأنيس، ومحادثة
الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو
أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس، والشفاعة إليهم في خير، والأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة، ونحو ذلك، فكل هذا
لا كراهة فيه، وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه، والباقي في معناه، وقد
تقدّم كثير منها في هذه الأبواب، والباقي مشهور.
ثم كراهة الحديث بعد العشاء، المراد بها بعد صلاة العشاء، لا بعد
دخول وقتها، واتَّفَق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلا ما كان في خير،
كما ذكرناه.
وأما النوم قبلها، فكرهه عمر، وابنه، وابن عباس، وغيرهم من السلف،
ومالك، وأصحابنا - رحمهم الله تعالى أجمعين - ورَخَّص فيه عليّ، وابن

١٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
مسعود، والكوفيون - رحمهم الله تعالى أجمعين - وقال الطحاويّ: يُرَخّص فيه
بشرط أن يكون معه من يوقظه، ورُوي عن ابن عمر مثله. انتهى كلام
النوويّ كَُّ(١)، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): بيان استحباب التغليس بصلاة الصبح؛ ولا ينافي ذلك ما
ورد من الأمر فيها بالإسفار؛ لأن المراد من الإسفار أن يمد بصلاة الفجر إلى
أن يُسْفِر، ومعنى ذلك أنه يبدأ بالغلس، ثم يُطيل القراءة، حتى يُسفر، وبه
يحصل الجمع بين الحديث، كما مرّ البحث فيه مستوفّى قريباً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٦٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَِّ لَا يُبَالِي بَعْضَ
تَأْخِيرِ صَلَةِ الْعِشَاءِ (٢) إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَكَانَ لَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ
بَعْدَهَا، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلّهم تقدّموا في السند الماضي، والذي
قبله .
وقوله: (أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) شكّ من سيّار، هل قال أبو برزة ◌َظُه: ((إلى
نصف الليل، أو ثلثه))، هكذا في رواية معاذ عن شعبة بالشكّ، وتقدّم في رواية
خالد بن الحارث، عن شعبة: ((إلى نصف الليل)) بالجزم، وكذا يأتي في رواية
حماد بن سلمة، عن أبي المنهال بلفظ: ((إلى ثلث الليل)) بالجزم، وكذا هو عند
أحمد في ((مسنده)) من رواية حجاج، عن شعبة(٣).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٤٦/٥ - ١٤٧.
(٢) وفي نسخة: ((بعض تأخير العشاء)).
(٣) ونصّه: (١٩٣١٠) حدّثنا حجاج، حدّثنا شعبة، عن سيار بن سلامة، قال: دخلت
أنا وأبي على أبي برزة، فسألناه عن وقت صلاة رسول الله وَله، فقال: كان يصلي
الظهر حين تزول الشمس، والعصر يرجع الرجل إلى أقصى المدينة، والشمس
حية، والمغرب قال سيار: نسيتها، والعشاء لا يبالي بعض تأخيرها إلى ثلث=

١٥٥
(٤١) - بَابُ اسْتِحْبَابِ التَّغْلِيسِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، ... إلخ - حديث رقم (١٤٦٥)
فتبيّن بهذا أن رواية الثلث أرجح، وأما رواية النصف على تقدير صحّتها
فلا بدّ من تأويلها بكون المراد قرب النصف؛ لتوافق ما ثبت من تحديد آخر
وقت العشاء بنصف الليل، كما في حديث عبد الله بن عمرو طيها، فتنبّه، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٤٦٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرِو الْكَلْبِيُّ، عَنْ
حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ، أَبِي الْمِنْهَالِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ
الْأَسْلَمِنَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ
قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْمِائَةِ إِلَى السِّقِينَ، وَكَانَ
يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُوَيْدُ بْنُ عَمْرِو الْكَلْبِيُّ) أبو الوليد الكوفيّ العابد، ثقةٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن حماد بن سلمة، وزُهير بن معاوية الحمصيّ، وأنس بن حيّ،
وأبي عوانة، وغيرهم.
ورَوى عنه أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وابن
نمير، وعَبْدة بن عبد الله الصفّار، وسفيان بن وكيع، وعلي بن حرب الطائيّ،
وجماعة.
قال النسائيّ، وابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ ثبتٌ في
الحديث، وكان رجلاً صالحاً متعبداً.
الليل، وكان لا يحب النوم قبلها، والحديث بعدها، وكان يصلي الصبح، فينصرف
=
الرجل، فيعرف وجه جليسه، وكان يقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة، قال سيار:
لا أدري في إحدى الركعتين، أو في كلتيهما. انتهى.
وحجاج: هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ.

١٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ونقل ابن خلفون، عن العجليّ أنه قال: مات سُويد سنة ثلاث أو أربع
ومائتين، قال: ولم يكن بالكوفة أروى عن زهير بن معاوية منه، وقال ابن
حبان: كان يقلب الأسانيد، ويضع على الأسانيد الصحاح المتون الواهية.
انتھی .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) كلام
ابن حبّان، ولم يتعقّبه، وهذا منه عجيبٌ، إذ مفاده أن سويداً من الوضّاعين،
فإن لم يُرد ابن حبّان بهذا غير سويد المترجم هنا، فلا يُلتفت إليه، فإن
سُويداً قد وثقه من هو أعلم بشأن الرجال من ابن حبّان، ولا سيّما ابن
معين، والنسائيّ، فكيف يُقبل كلامه فيه؟ فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس في هذا
الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
[تنبيه]: أخرج الإمام أحمد تَخّْتُ رواية حماد بن سلمة هذه في ((مسنده))،
فقال :
(١٩٣٠١) حدّثنا يونس(١)، حدّثنا حماد بن سلمة، عن سيّار بن سلامة،
عن أبي برزة الأسلميّ، أن رسول الله وسلم كان يؤخر العشاء الآخرة إلى ثلث
الليل، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها، وكان يقرأ في الفجر ما بين
المائة إلى الستين، وكان ينصرف حين ينصرف، وبعضنا يعرف وجه بعض.
انتھی .
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(١) هو: يونس بن محمد المؤدّب البغداديّ المتوفّى سنة (٢٠٧ هـ).
٠

١٥٧
(٤٢) - بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَمَاذَا يَفْعَلُ الإِنْسَانُ ... إلخ - حديث رقم (١٤٦٦)
(٤٢) - (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا،
وَمَاذَا يَفْعَلُ الإِنْسَانُ إِذَا أَخَّرَهَا الإِمَامُ؟)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٦٦] (٦٤٨) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ:
(ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَخْدَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ
أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ، يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ
يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟)) قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: ((صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا،
فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ))، وَلَمْ يَذْكُرُ(١) خَلَفٌ: ((عَنْ وَقْتِهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثعلب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له
اختيارات في القراءات [١٠] (ت٢٢٩) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْد) بن درهم الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٣ - (أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ، لم يتكلّم عليه أحدٌ بحجة [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في (الإيمان))
١٩٠/٢٣.
٤ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٣٧) وله أكثر (٨٠) سنةً (خت م « ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٥ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) عبد الملك بن حَبِيب الأزديّ، أو الكِنديّ
البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت١٢٨) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٥/٨٦.
(١) وفي نسخة: ((لم يذكر)) بلا واو.

١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ) الغِفَاريّ البصريّ، ابن أخي أبي ذرّ ◌َُّه، ثقةٌ
[٣] مات بعد السبعين (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١١٤٢/٥٢.
٧ - (أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جُنادة، وقيل: غيره الصحابيّ المشهور،
مات ظُه سنة (٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْذُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ،
فرّق بينهم بالتحويل؛ للاختلاف في صيغ الأداء، حيث سمع من خلف مع
الجماعة، وقال هو أيضاً: حدّثنا حماد بن زيد، فنسبه إلى أبيه، وأما الباقيان
فسمع منهما وحده، وقالا أيضاً: حدّثنا حماد، ولم ينسباه.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير خلف، فبغداديّ، والصحابيّ،
فمدنيّ، ثم رَبَذيّ، قرية من قرى المدينة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو عمران، عن عبد الله بن
الصامت، عن عمّه أبي ذرّ قُه.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ◌َظ ◌ُله من مشاهير الصحابة ﴿ه، تقدّم إسلامه،
لكن تأخّرت هجرته، فلم يشهد بدراً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ ◌َظُهُ (أنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ: («كَيْفَ
أَنْتَ) ((كيف)) اسم استفهام خبر مقدّم، و((أنت)) مبتدأ مؤخّرٌ (إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ
أُمَرَاءُ) أنّث (كانت))؛ لأن الفاعل، وهو ((أمراء))، جمع تكسير، يجوز معه تأنيث
الفعل، كما أشار إليه في ((الخلاصة)) بقوله:
وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعِ سِوَى السَّالِمِ مِنْ مُذَكَّرٍ كَالثَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ
(يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ) جملة في محلّ رفع صفة لـ(أُمراء)) (عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ)
للشكّ من الراوي، قال القرطبيّ تَخُّْهُ: هو شكّ من أحد الرواة، وإماتتُها:
إخراجها عن وقتها، حتى تكون كالميت الذي لا روح له، وهذا منه ◌َالقر من
أعلام نبوّته؛ إذ قد أخبر بأمر غيبيّ وقع على نحو ما أخبر، وقد ظهر بعده من

١٥٩
(٤٢) - بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَمَاذَا يَفْعَلُ الإِنْسَانُ ... إلخ - حديث رقم (١٤٦٦)
تأخير بني أميّة الصلاة ما قد عُرِف، وشُوهد. انتهى(١).
(يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا))) ظاهر هذا أنهم يخرجونها عن وقتها، وأصرح
منه ما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت نظّته
قال: قال رسول الله وَله: ((إنها ستكون عليكم بعدي أمراء، تَشْغَلهم أشياء عن
الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها، فصَلَّوا الصلاة لوقتها ... )) الحديث.
وقال النوويّ كَُّ: المراد تأخيرها عن وقتها المختار، لا عن جميع
وقتها، فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن
وقتها المختار، ولم يؤخِّرها أحد منهم عن جميع وقتها، فيجب حمل هذه
الأخبار على ما هو الواقع. انتهى.
واعترض الحافظ تَّثُ على هذا في ((الفتح))، فقال في شرح حديث
أنس ظله: ((لا أعرف شيئاً مما أدركت، إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد
ضُيِّعَتْ))، ما نصُّه: قال المهلَّب: والمراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها
المستحب، لا أنهم أخرجوها عن الوقت، كذا قال، وتبعه جماعة، وهو مع
عدم مطابقته للترجمة - يعني ترجمة البخاريّ تَّشُهُ بقوله: ((باب تضييع الصلاة
عن وقتها)) - مخالف للواقع، فقد صحّ أن الحجاج، وأميره الوليد، وغيرهما
كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة:
(منها): ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: أخر
الوليد الجمعة حتى أمسى، فجئت، فصليت الظهر قبل أن أجلس، ثم صليت
العصر، وأنا جالس، إيماءً، وهو يخطب. وإنما فعل ذلك عطاء خوفاً على
نفسه من القتل.
(ومنها): ما رواه أبو نعيم شيخ البخاريّ في ((كتاب الصلاة)) من طريق
أبي بكر بن عتبة، قال: صليت إلى جنب أبي جُحيفة، فمَسَّى الحجاج
بالصلاة، فقام أبو جحيفة، فصلى.
ومن طريق ابن عمر: أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك
أن يشهدها معه. ومن طريق محمد بن أبي إسماعيل، قال: كنت بمنى،
(١) ((المفهم)) ٢/ ٢٧٢.

١٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جبير، وعطاء
يومئان إيماء، وهما قاعدان. انتهى كلام الحافظ تَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الحافظ تَتُهُ هو الموافق لظواهر
الأحاديث، ففيها: ((يصلون الصلاة لغير وقتها))، وفيها: ((يميتون الصلاة عن
وقتها))، وفيها: ((تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها))، وكلها
تقدمت، فتأويل هذه النصوص بتأخيرها عن وقتها المستحب تكلف بارد،
وتعسف کاسد.
والحاصل أن الأَوْلى أن يُحْمَل الإخراج على ظاهره، فهم يخرجونها عن
وقتها لاشتغالهم بأمورهم، لا جحداً لوجوبها، فإنهم لو أخروها جحداً وجب
مقاتلتهم، وتحرم الصلاة خلفهم، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو ذرّ ◌َّهِ (قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي) أي أي شيء تأمرني به، هل
أصليها لنفسي، أم لا؟ (قَالَ) بَِّ ((صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا) أي في وقتها
المستحبّ، وفي رواية البيهقيّ: ((فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون ... ))
(فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا) أي الصلاة التي صلّتها لنفسك (مَعَهُمْ) وقد بُيِّنَ معنى إدراكها
معهم في الرواية الآتية من طريق بُدَيل، عن أبي العالية، ففيها: ((صل الصلاة
لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة، وأنت في المسجد، فصلّ))،
فقد أفادت هذه الرواية أن المراد بالإدراك هو أن تقام الصلاة، وهو في
المسجد، فأما إذا ذهب لحاجته قبل أن تقام، فليس عليه أن يرجع.
(فَصَلِّ) تلك الصلاة جماعةً؛ إحرازاً للفضيلتين، فضيلةِ المبادرة بأداء
الصلاة في أول الوقت، وفضيلةٍ صلاة الجماعة (فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ))) أي إن تلك
الصلاة التي صلّيتها معهم نافلةٌ؛ لأن الفرض سقط بالصلاة الأولى.
وهذا الأمر للاستحباب، بدليل ما رواه أبو داود بإسناد صحيح، من
حديث عبادة بن الصامت ظُبه، وفيه: فقال رجل: يا رسول الله، أصلي
معهم؟، قال: ((نعم إن شئت))، فدلّ على أنه لو ترك الصلاة معهم لا شيء
عليه .
(١) ((الفتح)) ١٩٦/٢.