النص المفهرس

صفحات 101-120

(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٢)
١٠١
بمعنى، ويقال: بَشَرته بمولود، فأبشر إبشاراً: أَيْ سُرّ، أفاده في ((العمدة))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن المناسب هنا هو المعنى اللازم؛
لأن المراد به حصول السرور لهم، والله تعالى أعلم.
(أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ) بفتح همزة ((أنّ)؛ لوقوعها في موضع المفعول،
وقد تنازعه كلّ من ((أُعلمكم))، على أنه مفعول ثان له، و((أبشروا)) على أنه
مفعوله أيضاً بحذف الخافض، أي أبشروا بأن من نعمة الله ... إلخ، وقوله:
(أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ) بفتح همزة ((أنه))؛ لوقوعها في موضع اسم ((أن))
الأولى، وخبرها قوله: ((من نعمة الله)).
ولفظ البخاري: ((أبشروا إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحدٌ ... إلخ))،
فقال في ((الفتح)): بكسر همزة ((إن))، ووهِمَ من ضبطه بالفتح، وأما قوله: ((أنه
ليس أحد)) فهو بفتح ((أنّ)) للتعليل)). انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ووهِمَ ... إلخ)) إن أراد أن الرواية
بالكسر، فمسلّم، وإن أراد غير ذلك، فلا وهم، كما ذكرت وجهه آنفاً .
وأيضاً قوله: ((بفتح أنه للتعليل))، غير صحيح؛ لأنه اسم ((أن)) الأولى
مؤخّراً من خبرها، كما أسلفته آنفاً، وقد تعقّبه العينيّ في هذا، وأصاب.
وقد ذكر العينيّ وجهاً آخر، فقال: قوله: ((إن من نعمة الله)) كلمة ((من))
للتبعيض، وهو اسم ((إنّ))، وقوله: ((أنه)) بالفتح؛ لأنه خبره. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: الوجه الذي أسلفته أولى مما قاله العينيّ؛ لأن
ما سُبك من ((أنّ) و((أَنْ)) أحقّ بكونه مسنداً إليه؛ لكونه بمنزلة الضمير، كما هو
معروف في محلّه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ) منصوب على الظرفيّة، وفي نسخة: ((هذه الصلاةَ
الساعة» (غَيْرُكُمْ))).
قال ابن رجب تَخْتُ: يَحْتَمل أنه أراد به أهل الأديان، أو أراد به
(٤)
المسلمین. انتھی
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٦٥/٥.
(٣) ((عمدة القاري)) ٦٥/٥.
(٢) ((الفتح)) ٥٨/٢.
(٤) ((فتح الباري)) ٣٧٧/٤.

١٠٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(قَالَ) وَرِ ((مَا)
(أَوْ) للشكّ من الراوي، والظاهر أنه أبو موسى
نافيةٌ (صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ))، لَا) نافية (نَدْرِي أَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ) الظاهر
أن الفاعل ضمير النبيّ وَّرِ (قَالَ أَبُو مُوسَى) رَبُه (فَرَجَعْنَا) أي من عند النبيّ وَّلـ
إلى رحالنا (فَرِحِينَ) منصوب على الحال (بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ وََّ) الجارّ
الأول متعلّق بـ((فرحين))، و((ما)) موصولة، والعائد محذوف، أي بالذي سمعناه،
والثاني بـ((سمعنا)).
[تنبيه]: وقع في ((صحيح البخاريّ)) لغير الكشميهني بلفظ ((فَرْحَى))، على
وزن فَعْلَى، قال الكرمانيّ: إما جمع فَرِيح على غير قياس، وإما مؤنث الأَفْرَح،
وهو نحوُ: الرجالُ فَعَلَت، قال العينيّ: بل هو جمع فَرْحَان، كعَظْشان يُجْمَع
على عَظْشَى، وسَكْران على سَكْرى، ويُرْوَى: ((فرجعنا فَرَحاً)) بفتح الراء،
مصدراً، بمعنى الفَرِحين، وهو نحوُ: الرجالُ فَعَلُوا، وعلى الوجهين أعني
فَرْحَى وفَرَحاً نُصِب على الحال من الضمير الذي في ((رجعنا)).
[فإن قلت]: المطابقة بين الحال وذي الحال شرط في الواحد، والتثنية،
والجمع، والتذكير، والتأنيث، وفي رواية ((فَرَحاً)) غير موجود.
[قلت]: الفَرَح مصدر في الأصل، ويستوي فيه هذه الأشياء. انتهى(١).
وسبب فَرحهم علمهم باختصاصهم بهذه العبادة التي هي نعمة عُظْمَى
مستلزمة للمثوبة الحسنى، مع ما انضاف إلى ذلك من تجمُّعهم فيها خلف
رسول الله وَر، قاله في ((الفتح)) (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٥٢/٤٠] (٦٤١)، و(البخاريّ) (٥٦٧)، و(أبو
(١) ((عمدة القاري)) ٦٥/٥.
(٢) ((الفتح)) ٥٩/٢.

١٠٣
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٢)
يعلى) في ((مسنده)) (٧٣٠٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٧٥)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١٤٢٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه استُدِلّ بذلك على فضل تأخير صلاة العشاء، ولا
يعارض ذلك فضيلة أول الوقت؛ لما في الانتظار من الفضل، لكن قال ابن
بطال: ولا يصلح ذلك الآن للأئمة؛ لأنه و ﴾ أمر بالتخفيف، وقال: ((إن فيهم
الضعيفَ، وذا الحاجة))، فتَرْكُ التطويل عليهم في الانتظار أولى.
وقد رَوَى أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهم، من
حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه: صلَّينا مع رسول الله وَّر صلاة العتمة، فلم
يَخْرُج حتى مضى نحوٌ من شطر الليل، فقال: ((إن الناس قد صَلَّوا، وأخذوا
مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضُعْفُ
الضَّعِيف، وسُقْمُ السَّقِيم، وحاجة ذي الحاجة، لأخرت هذه الصلاة إلى شطر
الليل))، وسيأتي في حديث ابن عباس ◌ًا التالي: ((لولا أن أشق على أمتي
لأمرتهم أن يصلوها كذلك))، والترمذيّ، وصححه، من حديث أبي هريرة ر ◌ُه :
((لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، أو
نصفه)) .
قال الحافظ نَُّ: فعلى هذا مَن وجد به قُوّةً على تأخيرها، ولم يغلبه
النوم، ولم يَشُقَّ على أحد من المأمومين، فالتأخير في حقه أفضل.
وقد قَرَّر النوويّ ذلك في ((شرح مسلم))، وهو اختيار كثير من أهل
الحديث، من الشافعية وغيرهم، والله أعلم.
ونقل ابن المنذر، عن الليث، وإسحاق: أن المستحب تأخير العشاء إلى
قبل الثلث، وقال الطحاويّ: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك، وأحمد،
وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم:
التعجيل أفضل، وكذا قال في ((الإملاء))، وصححه النوويّ، وجماعة، وقالوا:
إنه مما يُفْتَى به على القديم.
وتُعُقِّب بأنه ذكره في ((الإملاء))، وهو من كتبه الجديدة، والمختار من

١٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل، والله أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الأرجح استحباب التأخير لمن لا
يشقّ عليه، وأما إذا شقّ عليه، أو على المأمومين، فالتقديم أفضل، وبهذا
تجتمع الأدلةُ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): جواز الحديث بعد صلاة العشاء، إذا كان في خير، وإنما
نُهي عن الكلام في غير الخیر.
٣ - (ومنها): أن التأني في الأمور مطلوب.
٤ - (ومنها): أن التبشير لأحد بما يَسُرّه محبوب؛ لأن فيه إدخال السرور
في قلب المؤمن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٤٥٣] (٦٤٢) - (وَحَدَّثَنَا(٢) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَّ حِينٍ أَحَبُّ إِلَّيْكَ أَنْ أُصَلَِّ الْعِشَاءَ الَّتِي
يَقُولُهَا النَّاسُ: الْعَتَمَةَ، إِمَاماً وَخِلْواً؟، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَعْتَمَ
نَبِيُّ اللهِ نَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ الْعِشَاءَ(٣)، قَالَ: حَتَّى رَقَدَ نَاسٌ، وَاسْتَبْقَظُوا، وَرَقَدُوا،
وَاسْتَبْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: الصَّلَاةَ، فَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
فَخَرَجَ نَبِيُّ اللهِ لَّهَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الْأَنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعاً بَدَهُ عَلَى شِقِّ
رَأْسِهِ، قَالَ (٤): ((لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا كَذَلِكَ))، قَالَ:
فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً، كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ وَهِ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ؟ كَمَا أَنْبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَبَدَّدَ
لِي عَطَاءُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئاً مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ،
ثُمَّ صَبَّهَا، بُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ، حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الْأُذُنِ، مِمَّا يَلِي
الْوَجْهَ، ثُمَّ عَلَى الصُّدْغِ، وَنَاحِيَةِ اللَّحْيَةِ، لَا يُقَصِّرُ، وَلَا يَبْطِشِرُ بِشَيْءٍ، إِلَّ كَذَلِكَ،
(١) ((الفتح)) ٥٨/٢.
(٣) وفي نسخة: ((بالعشاء)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)).
(٤) وفي نسخة: ((فقال)).

١٠٥
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٣)
قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَمْ ذُكِرَ لَكَ أَخَّرَهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ لَيْلَتَئِذٍ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ عَطَاءٌ:
أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَهَا إِمَاماً وَخِلْواً مُؤَخَّرَةً، كَمَا صَلََّهَا النَّبِيُّ ◌َهِ لَيْلَتَئِذٍ، فَإِنْ
شَقَّ (١) عَلَيْكَ ذَلِكَ خِلْواً، أَوْ عَلَى النَّاسِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ، فَصَلُّهَا
وَسَطاً، لَا مُعَجَّلَةً، وَلَا مُؤَخَّرَةً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم في الباب.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب أيضاً.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب
أيضاً.
٤ - (عَطَاء) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ
الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان))
٤٤٢/٨٣.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ظًَّا، تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن
ماجه .
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، غير شيخه، فنيسابوريّ،
وعبد الرزّاق، فصنعانيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٥ - (ومنها): أن ابن عبّاس ﴿ّ أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة، وبحر الأمة، وحبرها ربه، وآخر من مات من الصحابة بالطائف،
مات سنة (٦٨)، والله تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((قال: فإن شقّ)).

١٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
شرح الحديث:
عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ) أي ابن أبي رباح (أَيُّ حِينٍ أَحَبُّ
إِلَيْكَ) ((أَيُّ)) اسم استفهام مبتدأ، مضاف إلى ((حين))، وخبره قوله: ((أحب
إليك)) (أَنْ أُصَلِّيَ الْعِشَاءَ) ((أن)) بفتح الهمزة مصدريّة، و((أصلي)) صلتها، ومتعلقه
محذوف، تقديره ((فيه))، و((أن)) وصلتها في تأويل المصدر مجرور بحرف جر
مقدَّر، أي لصلاتي، وتقدير الكلام: أيُّ وقت أحبُّ إليك لصلاتي العتمةَ فيه.
(الَّتِي يَقُولُهَا النَّاسُ: الْعَتَمَةَ) أي يسمّونها بها، وهي بفتحات، والمراد
بها هنا العشاء، وتقدم الخلاف في معناها. (إِمَاماً) حال من فاعل ((أصلي))،
وهو المُقْتَدَى به في الصلاة.
قال الفيوميّ تَخَُّهُ: الإمام: الخليفة، والعالِمُ المقتدَى به، ومن يُؤْتَّمّ به
في الصلاة، ويُطْلَق على الذكر، والأنثى، قال بعضهم: وربما أنث إمام الصلاة
بالهاء، فقيل: امرأة إمامة، وقال بعضهم: الهاء فيها خطأ، والصواب حذفها؛
لأن الإمام اسم لا صفة. انتهى(١).
(وَخِلْواً؟) وفي رواية النسائيّ: ((أو خِلْواً)) بـ((أو))، وهو بكسر الخاء
وسكون اللام: أي منفرداً (قَالَ) عطاء (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﴿ مَا يَقُولُ: أَعْتَمَ
نَبِيُّ اللهِ وََّ﴾ أي أبطأ، وتأخر (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي، فـ(ذات)) مقحمةً
(الْعِشَاءَ) بالعشاء (قَالَ: حَتَّى رَقَدَ نَاسٌ) أي ناموا، ويقال: رَقَدَ، رَقْداً،
ورُقَاداً، بالضم: نام، ليلاً كان، أو نهاراً، وبعضهم يخُصّه بنوم الليل، والأوِل
هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَحْسَبُهُمْ أَيْفَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾
[الكهف: ١٨]. قاله في ((المصباح)).
والمراد بالناس: هم الحاضرون في المسجد.
(وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا، وَاسْتَيْقَظُوا) يعني أن النوم والاستيقاظ تكرّر منهم؛
رَُّبه (فَقَالَ: الصَّلَاةَ) منصوب بفعل
لطول الانتظار (فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ)
مقدّر، أي صلّ الصلاة، وفي رواية النسائيّ: ((الصلاةَ الصلاةَ)) بالتكرار،
(١) ((المصباح المنير)) ٢٣/١.

-
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٣)
١٠٧
والتكرار للتأكيد، ويَحْتمل أن يكون منصوباً على الإغراء، وعامله محذوفٌ
وجوباً؛ لكون المُغْرَى به مكرَّراً، كما قال في ((الخلاصة)):
وَكَمُحَذَّرٍ بِلا ((إِيَّا)) اجْعَلَا مُغْرَى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا
بعد بيان حكم المحذَّر بقوله:
مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
إيّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ
سِوَاه سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا
وَدُونَ عَظْفٍ ذَا لإيَّا انْسُبْ وَمَا
كَالضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي
إلا مَعَ الْعَظْفِ أوِ التَّكْرَارِ
أي الزم الصلاة، وزاد في رواية البخاريّ: ((نام النساء، والصبيان)).
(فَقَالَ عَطَاءُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللّهِ وَّ﴾ أي من حجرته إلى
المسجد (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ) أي كأني أشاهده في الوقت الذي أحدثكم فیه،
وهذا قاله ابن عباس رضيًّا تأكيداً لكلامه، وأنه ما نَسِيَ الواقعة، بل استحضرها
في ذهنه، حتى كأنها مشاهَدَةٌ له حين التحديث بها .
و((الآن)) منصوب على الظرفية، متعلق بـ((أنظر))، وهو ظرف للوقت
الحاضر الذي أنت فيه ويلزم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأن
التعريف تمييز للمشترِكات، وليس لهذا ما يَشْرَكُهُ في معناه.
قال ابن السَّرَّاج: ليس هو آنَ، وآنّ، حتى يدخل عليه الألف، واللام
للتعريف، بل وُضِعَ مع الألف واللام للوقت الحاضر، مثل ((الثُّرَيَّا))، ((والذي))،
ونحو ذلك، قاله في ((المصباح)).
والجملة في محل نصب حال من محذوف، أي أخبركم به حال كوني
مُشَبِّهاً نفسي ناظرةً إليه في الوقت الحاضر.
(يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءَ) وكأنه اغتسل قبيل خروجه، والجملة حال من الضمير
في ((إليه))، ويَحْتَمِل أن تكون حالاً من ((نبي الله))، و((ماءً)) تمييز محوَّل عن
الفاعل.
(وَاضِعاً يَدَهُ) حال أيضاً، إما مترادف، أو متداخل (عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ) أي
على جانب رأسه، وإنما وضع يده عليه ليعصر ما فيه من الماء (قَالَ) وفي
نسخة: ((فقال))، أي قال ◌َله حين خرج إليهم، مبيِّناً استحباب تأخير العشاء
((لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي) (لولا)) حرف امتناع لوجود، و((أن يشُقّ)) في تأويل

١٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
المصدر مبتدأ خبره محذوف وجوباً، لقيام جواب ((لولا)) مقامه، وهو قوله:
(لَأَمَرْتُهُمْ) أي لولا خوفٍ المشقة على أمتي في تأخير صلاة العشاء إلى هذا
الوقت لأمرتهم (أَنْ يُصَلَّوهَا) في تأويل المصدر مجرور بباء مقدرة قياساً، أي
بصلاتها (كَذَلِكَ))) أي في حالٍ مشابهٍ لهذا، وهو كونها مؤخّرة إلى هذا الوقت،
ولفظ البخاريّ: ((أن يصلّوها هكذا))، وفي رواية النسائيّ: ((أن لا يصلّوها إلا
هكذا))، وفي رواية له: ((إنه الوقت، لولا أن أشق على أمتي))، والله أعلم.
[فائدة]: وقع في رواية الطبرانيّ من طريق طاوس في هذا الحديث
بمعناه، قال: وذهب الناس إلا عثمان بن مظعون في ستة عشر رجلاً، فخرج
النبيّ ◌َّه، فقال: ((ما صلى هذه الصلاة أمة قبلكم))، قاله في ((الفتح))(١).
(قَالَ) ابن جريج (فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً) أي طلبت منه التثبيت، يقال: اسْتَثْبَتَ
في أمره: إذا شاور، وفحص عنه، قاله في ((اللسان)) (كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ وَّهِ يَدَهُ
عَلَى رَأْسِهِ؟ كَمَا أَنْبَهُ) أي أخبره (ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌َ (فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ) أي فَرَّق، من
التبديد، وهو التفريق (بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئاً مِنْ تَبْدِيدٍ) أي تفريقاً قليلاً (ثُمَّ وَضَعَ
أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ) أي جانبه (ثُمَّ صَبَّهَا) بالصاد المهملة، ثم
الموحّدة المشدّدة، وللبخاريّ: ((ثم ضمّها)) بالضاد المعجمة، والميم، وصوّب
القاضي عياض الأول، قال: لأنه يصف عصر الماء من الشعر باليد، وقال
الحافظ: ورواية البخاري، أيضاً مُوَجَّهة، بأنّ ضم الأصابع صفة للعاصر، فلا
اختلاف بين المعنيين.
وقال النوويّ دَّثُ: قوله: ((ثم صبّها))، هكذا هو في أصول روايتنا، قال
القاضي: وضبطه بعضهم: ((قَلَبَها))، وفي البخاريّ: ((ضمّها))، والأول هو
الصواب بدليل لفظ الحديث. انتهى (٢).
(يُمِرُّهَا) بضم أوله، من الإمرار رباعيّاً، وللنسائيّ: ((يَمُرّ بها)) من المرور
ثلاثيّاً، والجملة حال من ((أطراف الأصابع))، وقوله: (كَذَلِكَ) أي على مثل
تلك الحال من الصبّ، والجارّ والمجرور: متعلّق بحال مقدر، أي حال كون
(١) ٢ / ٦٢.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٦٠٦/٢، و((شرح النوويّ)) ١٤١/٥.

(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٣)
١٠٩
الإمرار كائناً كذلك (عَلَى الرَّأْسِ) متعلّقٌ بـ((يُمِرّ)) (حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الْأُذُنِ)
((إبهامه)) مرفوع على الفاعلية، و((طَرَفَ الأذن)) منصوب على المفعولية (مِمَّا يَلِي
الْوَجْهَ، ثُمَّ عَلَى الصُّدْغ) بضم، فسكون: ما بين لَحْظِ العين إلى أصل الأذن،
والجمع: أَصْداغ، مثلَ: قُفْل، وأقْفَال، ويُسَمَّى الشعر الذي تَدَلَّى على ذلك
الموضع صُدْغاً، قاله في ((المصباح)) (وَنَاحِيَةِ اللُّحْيَةِ) أي جانب اللحية، وفي
رواية النسائيّ: ((وناحية الجَبِين)): و((الجبينُ)): ناحية الجبهة من مُحَاذَاة النَّزَعَةِ
إلى الصُّدْغ، وهما جبينان، عن يمين الجبهة، وشمالها، قاله الأزهريّ، وابن
فارس، وغيرهما؛ فتكون الجبهة بين جبينين، وجمعه جُبُن، بضمتين، مثل
بَرِيد، ويُرُد، وأجْبِنَةٌ، مثل أسْلِحَةٍ، قاله في ((المصباح)).
(لَا يُقَصِّرُ) من التقصير بالقاف؛ أي لا يبطئ. قال في ((الفتح)): ووقع
عند الكشميهنيّ: ((لا يَعُصُر)) بالعين، والأولى أصوب. انتهى. (وَلَا يَبْطِشُ) من
بابي نصر، وضرب، أي لا يستعجل.
وقال النوويّ: قوله: ((ولا يقصّر، ولا يبطِش)) هكذا هو في ((صحيح
مسلم))، وفي بعض نسخ البخاريّ، وفي بعضها: ((ولا يعصر))، بالعين، وكلّه
صحیح. انتهى(١).
وقوله: (بِشَيْءٍ) متعلّق بـ(يقصّر))، و((يبطِش)) على سبيل التنازع،
وللنسائيّ: ((شيئاً)) بالنصب (إِلَّا كَذَلِكَ) أي إلا مثل ما وصفه ابنُ عباس لعطاء،
وعطاءٌ لابن جريج.
قال ابن جريج: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَمْ ذُكِرَ لَكَ أَخَّرَهَا النَّبِيُّ وَهِ لَيْلَتَئِذٍ؟) أي
ليلة إذ أعتم النبيّ وَ﴿ بالعشاء (قَالَ) عطاء (لَا أَدْرِي) هكذا قال عطاء، وقد
تقدّم في حديث عائشة رضيّا: ((حتى ذهب عامّة الليل))، وفي حديث ابن
عمر طيًا: ((حين ذهب ثلث الليل، أو بعده))، وفي حديث أنس نظراته: ((إلى
شطر، أو كاد يذهب شطر الليل)).
(قَالَ عَطَاءُ: أَحَبُّ إِلَيَّ) بصيغة اسم التفضيل، وهو خبر مقدّم لقوله: (أَنْ
أُصَلِّيَهَا) و((أن)) مصدريّة (إِمَاماً وَخِلْواً مُؤَخَّرَةً) حال كـ((إماماً))، فهما حالان
(١) ((شرح النووي)) ١٤٢/٥.

١١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
مترادفان، أو متداخلان (كَمَا صَلََّهَا النَّبِيُّ وَِّ لَيْلَتَئِذٍ) أي ليلة إذ أعتم بالعشاء
(فَإِنْ شَقَّ) وفي نسخة: ((قال: فإن شقّ)) (عَلَيْكَ ذَلِكَ) أي صلاتها مؤخّرةً
(خِلْواً، أَوْ) شقّ ذلك (عَلَى النَّاسِ) الذين يريدون أن يصلّوها (فِي الْجَمَاعَةِ،
وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ) حال من الناس (فَصَلِّهَا وَسَطاً) أي بين التعجيل والتأخير، كما
بيّنه بقوله (لَا مُعَجَّلَةً، وَلَا مُؤَخَّرَةً) فيه أن عطاءً يرى استحباب تأخير العشاء إذا
لم يشقّ على الناس، وهذا هو الأرجح من أقوال العلماء، كما تقدّم البحث فيه
مستوفّى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٥٤/٤٠] (٦٤٢)، و(البخاريّ) في ((المواقيت))
(٥٧١)، و((التمنّي)) (٧٢٣٩)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥٣١ و٥٣٢)، وفي
((الكبرى)) أيضاً (١٥٣١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢١١٣)، و(الحميديّ)
في ((مسنده)) (٤٩٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣١/١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٤٧٦/١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٧٦/١)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٣٤٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٣٢ و١٥٣٣)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (١٠٧٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٢٦)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (١١٤٢٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٤٩/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التأخير بصلاة العشاء، وقد مرّ تفصيل مذاهب
العلماء في ذلك قريباً .
٢ - (ومنها): بيان حرص السلف - رحمهم الله تعالى - في طلب الأوْلَى
والأفضل من الأوقات لإيقاع أفضل الطاعات بعد الشهادتين، وهي الصلاة فيه.
٣ - (ومنها): أنه ينبغي لمن استُفْتِيَ أن يذكر الجواب مقروناً بدليله.

١١١
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٤)
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للسائل أن يتثبت في نقل العلم، ويُشَدِّد في
الأخذ؛ ليكون على بصيرة.
٥ - (ومنها): أن النوم لا ينقض الوضوء، وهذا محمول على نوم الممكّن
مقعدته على الأرض؛ توفيقاً بين هذا وبين النصوص الدالة على أن النوم ينقض
الوضوء، كما تقدم البحث عنه مُسْتَوْفَى في ((كتاب الطهارة)).
٦ - (ومنها): بيان فضيلة صلاة العشاء، حيث إنها خُصّت بها هذه الأمة،
كما سبق آنفاً في حديث الطبرانيّ: ((ما صلى هذه الصلاة أمة قبلكم))، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٤] (٦٤٣) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآَخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ
سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُؤَخِّرُ صَلَةَ الْعِشَاءِ
الْآخِرَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ بَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو الْأَخْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ [٧]
(ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤.
٥ - (سِمَاك) بن حرب بن أوس بن خالد الذَّهْليّ، أبو المغيرة الكوفيّ،
صدوقٌ، إلا في عكرمة، فمضطرب فيه، وتغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤]
(ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف لسماك بن حرب في الأصول، وقد
وُصف بالتغيّر؟.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثني)).

١١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[قلت]: إن صاحبي ((الصحيحين)) يُخرجان للمختلطين ما تأكّدا أنهم
حفظوه، ولم يختلطوا فيه، وذلك يُعرف بأحد أمرين:
[الأول]: أن يكون الراوي عنهم ممن روى قبل اختلاطهم.
[والثاني]: أن يوافقهم غيرهم فيه، بأن تابعهم عليه، أو يروى بمعنى ما
رووا، وما هنا من هذا الصنف؛ لأن حديث سماك عن جابر قد أخرج له
المصنّف وغيره في الباب أحاديث بمعناه، فأحاديث الباب كلها تشهد له.
والحاصل أن حديث جابر بن سمرة ﴿ها من رواية سماك عنه محفوظ،
لم يؤثّر فيه تغیّره.
وقد ذكرت ضابط أحاديث المختلطين التي تُقبل منهم في منظومتي
((عمدة المحتاط في معرفة من رُمي بالاختلاط)) مع بيان معنى الاختلاط،
فقلت :
بِأَنَّهُ فَسَادُ عَقْلٍ قَدْ عَرَا
الاخْتِلَاطُ لُغَةً قَدْ فُسِّرَا
وَفِي اصْطِلَاحِهِمْ فَسَادُ عَقْلٍ
بِسَبَبٍ كَمَوْتِ حِبُّ أَوْ مَرَضْ
وَحُكْمُهُ رَدُّ رِوَايَتِهِ إِنْ
مِمَّنْ رَوَى قَبْلُ وَهَكَذَا ذَكَرْ
وَالْحَقُّ مَا الْبُسْتِيُّ قَالَهُ لَدَى
بِأَنَّ مَا أُخِذَ عَنْهُمْ قَبْلُ أَوْ
يُقْبَلُ إِذْ هُمُ عُدُولٌ فَوَجَبْ
وَذَا هُوَ الْحَقُّ لِمَنْ أَمْعَنَ فِي
سَلَكَهُ الشَّيْخَانِ فِيمَا صَنَعَا
قَدْ أَخْرَجَا لِبَعْضِ مَنْ خَلَطَ عَنْ
إِذْ وَافَقُوا النِّقَاتِ فِيمَا نَقَلُوا
وَفَقْدُ ضَبْطِ قَوْلِهِ وَالْفِعْلِ
أَوْ خَرَفٍ أَوْ فَقْدِ مَالٍ قَدْ عَرَضْ
بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ أَتَتْ إِنْ لَمْ تَبِنْ
ابْنُ الصَّلَاحِ وَاقْتَفَاهُ مَنْ أَثَرْ
كِتَابِهِ الصَّحِيحِ حَيْثُ أَرْشَدَا
قَدْ وَافَقُوا الثِّقَاتِ فِيهِ إِذْ رَوَوْا
قَبُولُهُمْ وَغَيْرُ هَذَا يُجْتَنَبْ
نَظَرِهِ وَالسَّبْرِ لِلْمُؤَلَّفِ
لَدَى الصَّحِيْحَيْنِ وَنِعْمَ مَصْنَعَا
طَرِيقٍ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ فِي الْوَهَنْ
فَرَاجِعِ الْكُتْبَ تَجِدْ مَا مَثَّلُوا
٦ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوَائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ
نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٨٠٨/٢٤.
،

١١٣
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٤)
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَظّتُهُ، كالسند التالي، وهو (٨٨)
من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وأبي
بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والثاني ما أخرج ه الترمذيّ،
و((سماك)) علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أبي بكر بن أبي شيبة، والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ) ﴿هَا أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُؤَخِّرُ صَلَاةَ
الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ) وفي الرواية التالية: ((كان رسول الله وَّه يصلي الصلوات نَحْواً
من صلاتكم، وكان يؤخّر العتمة بعد صلاتكم شيئاً))، فدل على أن المراد
بإطلاق التأخير هنا هو التأخير قليلاً، وذلك إلى ثلث الليل، كما بيّن في
الروايات الآخرى، ففي حديث أبي برزة الأسلميّ ظله الآتي: ((كان
رسول الله ( يؤخّر العشاء إلى ثلث الليل))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة ◌ً هذا من أفراد
المصنّف ريحدثهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠ /١٤٥٤ و١٤٥٥] (٦٤٣)، و(النسائيّ) في
((المواقيت)) (٥٣٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣٠/١)، و(أحمد) في
((مسنده)) (٨٩/٥ و٩٣ و٩٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٢٧ و١٥٣٤)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٩٥٩ و١٩٧٤ و٢٠١٦)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

١١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٥] ( ... ) (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، قَالَا:
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه
يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحْواً مِنْ صَلَائِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَائِكُمْ شَيْئاً،
وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلَاةَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كَامِلِ: يُخَفِّفُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حُسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٣٧) وله أكثر من (٨٠) سنة (خت م « ت س) تقدم في ((المقدمة))
٦/ ٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ
[٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ◌َذَلُهُ، كسابقه، وهو (٨٩) من
رباعيات الكتاب.
وقوله: (يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحْواً مِنْ صَلَائِكُمْ) أي مشابهاً لما تصلّونه من
حيث الوقت.
وقوله: (وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئاً) أي تأخيراً قليلاً من الوقت
الذي تصلّون فيه.
وقوله: (وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلَاةَ) بضم حرف المضارعة، وكسر الخاء
المعجمة، وتشديد الفاء بمعنى يُخفّف بفاءين في الرواية الأخرى، قال في
((اللسان)): وأخفّ الرجل، فهو مُخِفٍّ، وخَفِيفٌ وخِفٌّ: أي خفّت حاله،
ورَقّت، وإذا كان قليل الثِّقَل. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٦] (٦٤٤) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ زُهَيْرٌ:
حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ،

١١٥
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٦)
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((لَا تَغْلِيَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمَ صَلَائِكُمْ، أَلَا
إِنَّهَا الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ))).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، نزيل
مكة، ثقةٌ، [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل
مكة، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة إمام، من كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣.
٤ - (ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ) - بفتح اللام - مولى الأخنس بن شَرِيق، أبو المغيرة
المَدني، نزيل الكوفة، ثقة، رُمِي بالقدر [٦].
رَوَى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والمطّلب بن عبد الله بن حنطب،
ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، وعبد الله بن سُليمان بن يسار.
وروى عنه ابن إسحاق، وإبراهيم بن أبي يحيى، ومحمد بن عمرو بن
علقمة، والسفيانان، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: مَدَنِيٌّ قَدِمَ الكوفة، ما أعلم به بأساً،
وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق في
الحديث، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال الحميديّ عن سفيان: وكان من
عباد أهل المدينة.
وقال الدَّرَاوَرْدِيّ: كان يُرْمَى بالقدر، فلم يُصَلِّ عليه صفوان بن سُلَيم،
وقال ابن عديّ: أما في الروايات، فلا بأس به، وقال ابن سعد: كان من
العباد المنقطعين، وكان يقول بالقدر، وكان قليل الحديث، وقال العجليّ:
ثقة، وقال الساجيّ: كان صدوقاً، غير أنه اتُّهِمَ بالقدر، وقال العقيليّ: يخالف
في بعض حديثه، وكان من المجتهدين في العبادة، وذكره ابن حبّان في
((الثقات)) .
قال الواقدي: مات في خلافة أبي جعفر سنة بضع وثلاثين ومائة.

١١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أخرج له الجماعة إلا الترمذيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا
الحديث برقم (٦٤٤) وأعاده بعده، وحديث (٧٣٨): ((كانت صلاته في شهر
رمضان وغيره ثلاث عشرة))، و(١١٥٦): ((يصوم حتى نقول: قد صام ... )).
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قبل بابين.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿هَا، ذُكر في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى زهير وابن أبي لبيد فما
أخرج لهما الترمذيّ، وابن أبي عمر فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب ◌ًِّا أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَليه
يَقُولُ: ((لَا) ناهيةٌ (تَغْلِبَنَّكُمُ) فعل مضارع مؤكد بالنون الثقيلة، يقال: غَلَبَهُ على
كذا: غصبه منه، أو أخذه منه قهراً، قاله الطيبيّ أَُّهُ .
(الْأَعْرَابُ) بفتح الهمزة: أهل البدو من العرب، واحده أعرابيّ، بالفتح
أيضاً، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَةٍ، وارتِيَادٍ لِلْكَلِأِ، قال الأزهريّ: سواء
كان من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادین،
وظَعَنَ بِظَعْنهم، فهم: أعْرَاب، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المُدُن،
والقُرَى العربية، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فُصَحَاء.
ويقال: سُمُّوا عَرَباً؛ لأن البلاد التي سَكَنُوهَا تسمى العَرَبَاتَ، ويقال:
العَرَبُ العَارِبَةُ: هم الذين تكلموا بلسان يَعْرُب بن قحطان، وهو اللسان
القديم، والعرب المستعربة: هم الذين تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم -
عليهما الصلاة والسلام - وهي لغات الحجاز، وما والاها، قاله في
(المصباح)).
(عَلَى اسْمِ صَلَائِكُمْ) وفي رواية النسائيّ: ((على اسم صلاتكم هذه))،

١١٧
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٦)
فاسم الإشارة نعتٌ، أو بدلٌ من ((صلاتكم))، والإشارة إلى العشاء (أَلَا) أداة
استفتاح وتنبيه (إِنَّهَا) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد ((ألا)) الاستفتاحيّة (الْعِشَاءُ) أي
سمّاها الله تعالى في كتابه بهذا الاسم، فلا تتعرضوا لما هو من عادتهم، من
تسميتها بالعَتَمة، فَتَغْصِبَ منكم اسمَ العشاء التي سماها الله تعالى به.
والمعنى: أنه لا ينبغي العدول عما في كتاب الله تعالى من تسميتها
عشاء، إلى ما ألِفَهُ الأعراب من تسميتها عَتَمَةً، ولعل حكمةَ العدول عنه قُبْحُ
لفظه؛ إذ العتمة شدة الظلام، والصلاة هي النور الأعظم، فلا يليق أن يوضع
لها لفظ يدل على نقيضها، قاله القاري نَظُّهُ(١).
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام تَّتُهُ: المعنى فيه: أن العادة أن
العُظَماء، إذا سَمَّوا شيئاً باسم، فلا يليق العدول عنه إلى غيره؛ لأن ذلك
تنقيص لهم، ورغبة عن صنيعهم، وترجيح لغيره عليه، وذلك لا يليق، والله رحمات
سماها في كتابه العشاء، في قوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَوَةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، فَيَقْبُح
بعد تسمية ذي الجلال والإكرام العدولُ إلى غيره. انتهى(٢).
وقال ابن الأثير تَّتُهُ: قال الأزهريّ: أرباب النَّعَم في البادية يُريحون
الإبل، ثم يُنيخونها في مراحها حتى يُعْتِموا، أي يدخلوا في عَتَمَة الليل، وهي
ظلمته، وكانت الأعراب يُسمُّون صلاة العشاء صلاة العَتَمة؛ تسميةً بالوقت،
فنهاهم عن الاقتداء بهم، واستَحَبّ لهم التمسّك بالاسم الناطق به لسان
(٣) .
الشريعة. انتهى
وقال في ((الفتح)): ونَقَل القرطبيّ عن غيره إنما نُهِي عن ذلك؛ تنزيهاً
لهذه العبادة الشرعية الدينية عن أن يُظْلَق عليها ما هو اسم لفِعْلة دنيوية، وهي
الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت، ويسمونها العتمة.
وذكر بعضهم أن تلك الحلبة إنما كانوا يَعتمدونها في زمان الْجَدْب؛
(١) ((المرقاة شرح المشكاة)) ٣٢٥/٢.
(٢) ((زهر الربى في شرح المجتبى)) للسيوطيّ تَذْتُ ٢٧٠/١.
(٣) ((النهاية)) ١٨٠/٣.

١١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
خوفاً من السُّؤَال والصعاليك، فعلى هذا فهي فِعْلة دنيوية مكروهة، لا تُظْلَق
على فِعْلة دينية محبوبة.
ومعنى الْعَثْم في الأصل تأخير مخصوص، وقال الطبريّ: الْعَتَمة بقية
اللبن، تُغْبَق(١) بها الناقة بعد هويّ من الليل، فسُمِّيت الصلاة بذلك؛ لأنهم
كانوا يصلونها في تلك الساعة.
وروى ابن أبي شيبة، من طريق ميمون بن مهران، قال: قلت لابن عمر:
مَن أول مَن سَمَّى صلاة العشاء العتمة؟ قال: الشيطان. انتهى(٢).
وقال السنديّ تَخْذَُّ ما حاصله: الاسمُ الذي ذكره الله تعالى في كتابه لهذه
الصلاة اسمُ العشاء، والأعراب يسمونها العتمةَ، فلا تُكثِروا استعمالَ ذلك
الاسم؛ لما فيه من غلبة الأعراب عليكم، بل أكثروا استعمال اسم العشاء؛
موافقة للقرآن، فالمراد النهي عن إكثار اسم العتمة، لا عن استعماله أصلاً،
فاندفع ما يتوهم من التنافي بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى التي سبقت
في الباب، وغيرها .
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره العلامة السنديّ تَُّ من الجمع
بين الأحاديث بحمل النهي على إكثار الاستعمال، حسنٌ جداً، وهو الذي يدلّ
عليه تعبيره بقوله: ((لا تغلبنكم))، فإن الغلبة تكون بإكثار الاستعمال، لا
بالاستعمال أحياناً للحاجة، مثل أن يُعرّفها لمن لا يعرف إلا اسم العَتَمَة، كما
سبق في قوله: ((التي تسمّونها العتمة))، والله تعالى أعلم.
(وَهُمْ) أي الأعراب، ولفظ النسائيّ: ((فإنهم)) بالفاء التعليليّة (يُعْتِمُونَ) من
الإعتام رباعيّاً، يقال: أعْتَمَ الرجل: إذا دخل في العَتَمَة وهي الظلمة، كأصبح:
إذا دخل في الصباح، أفاده في ((المصباح)).
(بِالْإِبِلِ))) بحلب الإبل، والنسائيّ: ((على الإبل))، فـ((على)) بمعنى اللام،
(١) غبق الإبلَ والغنم، من بابي نصر، وضرب: حلبها بالعشيّ، أفاده في ((لسان
العرب)) ٢٨١/١٠.
(٢) ((الفتح)) ٢/ ٥٤.

١١٩
(٤٠) - بَابُ بَيَانِ اسْتِحْبَابٍ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٤٥٦)
للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]،
أي يؤخرون الوقت لأجل حِلاب الإبل، في الظلام.
وقال السنديّ نَّلهُ: أي يؤخرون الصلاة، ويدخلون في ظلمة الليل بسبب
الإبل، وحلبها. انتهى.
وقيل: كانوا يؤخرون الحلاب إلى الظلمة، ويسمون ذلك الوقتَ العَتَمَةَ،
فهو من باب تسمية الشيء باسم وقته، أي لا تُطلقوا هذا الاسم على العشاء؛
لئلا يغلب مصطلحُهُم على ما جاء في كتاب الله رَّ تعالى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ها هذا من أفراد المصنّف تَذَتُهُ.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب تَخْلُهُ في ((شرح البخاريّ)» بعد ذكر حديث
ابن عمر ها هذا من رواية مسلم نظّفُ ما نصّه: كذا رواه ابن أبي لبيد، عن
أبي سلمة، وابنُ أبي لبيد كان يُتّهم بالقدر، وقال العقيليّ: كان يُخالف في
بعض حديثه، وتابعه عليه ابنُ أبي ليلى، عن أبي سلمة، وابنُ أبي ليلى ليس
بالحافظ، ورواه عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي سلمة، عن النبيّ ◌َّر مرسلاً،
وقيل: عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة مرفوعاً،
وأخرجه ابن ماجه، وليس بمحفوظ، وفيه أيضاً: عن عبد الرحمن بن عوف،
عن النبيّ ◌َّ، وفي إسناده جهالة. انتهى كلام ابن رجب تَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: رواية المصنّف لا طعن فيها، وابن أبي لبيد
وثقه جماعة، وإنما تكلموا فيه للقدر، ولم يتكلموا في روايته، وأما قول
العقيليّ، فلم يتابعه عليه غيره، وأما المخالفة المذكورة في الروايات المذكورة
فلا يُلتفت إليها؛ لأن أسانيدها ضعيفة.
والحاصل أن رواية المصنّف تَخْذَّتُهُ صحيحة دون شكّ، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٦٤/٤.

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠ /١٤٥٦ و١٤٥٧] (٦٤٤)، و(أبو داود) في
((الأدب)) (٤٩٨٤)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥٤١ و٥٤٢)، و((السنن
الكبرى)) (١٥٢٢ و١٥٢٣)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (٧٠٤)، و(عبد الرزّاق)
في ((مصنّفه)) (٢١٥١ و٢١٥٢)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٥٠/١)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (١٠/٢ و١٩ و٤٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٤١)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١٠٨٨ و١٠٨٩ و١٠٩٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٤٢٩ و١٤٣٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٢/١)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (٣٧٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن تسمية العشاء بالعتمة؛ حملاً على كثرة
الاستعمال، أو حملاً على التنزيه، وتقدم أنه محمول على كثرة استعماله حتى
يغلب على الاسم الشرعيّ، أو محمول على التنزيه.
٢ - (ومنها): أن الاسم الذي سماها الله تعالى به في كتابه هو العشاء،
حيث قال: ﴿وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوْةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
٣ - (ومنها): أن الأسماء الشرعية إذا خالفت الأسماء العرفية ينبغي أن
تقدم عليها .
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلم أن لا يُقَلِّد الجاهلية حتى في الأسماء،
بل يتبع الشرع في جميع أموره، فإن للشارع حكمةً في اختيار الأسماء وغيرها،
فلا ينبغي العدول عنه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كراهة تسمية العشاء
بالعتمة :
قال الإمام البخاريّ ◌َّثُ في ((صحيحه)): ((باب ذكر العشاء، والْعَتَمَة،
ومن رآه واسعاً)).
قال الحافظ ابن رجب تَخْذَلُ في ((شرحه)): مراده أن العشاء الآخرة تُسمّى
العشاء، وتُسمّى الْعَتَمة، وأنه يجوز تسميتها بالعتمة من غير كراهة، وإن كان
تسميتها بالعشاء أفضل؛ اتّباعاً لقول الله رَبّت: ﴿وَمِنْ بَعْدٍ صَلَوَةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: