النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٣)
حالة الترك دون غيرها في قوله: ((كيف تركتم عبادي))، ذكره في ((الفتح))(١).
وعبارة القرطبيّ ◌َّتُهُ: وهؤلاء الملائكة إن كانوا هم الحفظة، فسؤال الله
تعالى لهم بقوله: ((كيف تركتم عبادي؟)) إنما هو سؤال عما أمرهم به من
حفظهم لأعمالهم، وكَتْبهم إياها عليهم، وعلى أنهم هم الحَفَظَةُ مذهب
الجمهور، وإن كانوا غيرهم، وهو الأظهر عندي، فسؤاله تعالى لهم إنما هو
على جهة التوبيخ لمن قال: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، وإظهاراً
لما سبق في معلومه؛ إذ قال لهم: ﴿إِنَّّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، وهذه
حكمة اجتماعهم في صلاتي الفجر والعصر، والله تعالى أعلم.
قال: أو يكون سؤاله لهم استدعاءً لشهادتهم لهم، ولذلك قالوا:
((تركناهم وهم يصلّون، وأتيناهم وهم يصلّون))، وهذا من خفيّ لطفه تبارك
وتعالى، وجميل سَتْره؛ إذ أطلعهم بكرمه عليهم حالة عباداتهم، ولم يُطلعهم
عليهم، ولا جمعهم لهم في حال خلواتهم بلذّاتهم، وانهماكهم في معاصيهم
وشهواتهم، فسبحانه من حليم كريم جليل؛ إذ سَتَرَ القبيح، وأظهر الجميل.
انتهى كلام القرطبيّ تَقْذَّهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ تَظْتُ مبنيّ على ما
استظهر من أن المراد بالملائكة هنا غير الحفظة، وهو الظاهر، وأما على ما
ذهب إليه غيره من أنهم هم الحفظة، فسيأتي توجيهه في كلام الحافظ تَُّهُ،
والله تعالى أعلم.
(وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ) قال الزين ابن المُنَيِّرِ تَخُّْهُ:
التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك مُنَزَّل على حالين، قال الحافظ تَخَُّ: وهو
ظاهر.
وقال ابن عبد البرّ تَخْذَثُهُ: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في
الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة وغيرها، كما يَحْتَمل أن التعاقب يقع بين
طائفتين دون غيرهم، وأن يقع التعاقب بينهم في النوع، لا في الشخص.
وقال القاضي عياض تَخْثُهُ: والحكمة في اجتماعهم في هاتين الصلاتين
(١) ((الفتح)) ٤٣/٢.
(٢) ((المفهم)) ٢٦١/٢.

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
من لطف الله تعالى بعباده، وإكرامه لهم بأنْ جَعَل اجتماعَ ملائكته في حال
طاعة عباده؛ لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة.
قال الحافظ تَّتُهُ: وفيه شيء؛ لأنه رجَّحَ أنهم الحفظة، ولا شك أن
الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات،
فالأولى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلا عن الحالة التي
تركوهم عليها ما ذُكِر، ويَحْتَمِل أن يقال: إن الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه
فيما بين الوقتين، لكنه بناء على أنهم غير الحفظة، وفيه إشارة إلى الحديث
الآخر: ((إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما))، فمن ثَمَّ وقع السؤال من كل
طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليه.
(ثُمَّ يَعْرُجُ) من باب قتل، أي يَصْعَد الملائكة (الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ) يقال:
بَاتَ يَبِيتُ بَيْتُوتَة، ومَبِيتَاً، وَمَبَاتاً، فهو بَائِتٌ: إذا فَعَلَ فِعْلاً بالليل، كما اختصّ
الفعل في ((ظَلَّ)) بالنهار، وقد تأتي بمعنى ((صار))، يقال: بات بموضع كذا، أي
صَارَ بِهِ، سواء كان في ليل، أو نهار، وبَاتَ يَبَاتُ من باب تَعِبَ لغة، أفاده
الفيّومِيّ ◌َُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المناسب هنا معنى ((صار)»، فيَشْمَل
الحديثُ الذين كانوا معهم ليلاً، والذين كانوا معهم نهاراً، ولا داعي إلى
التكلفات الآتية.
وقال في ((الفتح)): اختُلِفَ في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون
الذين ظَلُّوا، فقيل: هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر، كقوله
تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾﴾ [الأعلى: ٩] أي وإن لم تنفع، وقوله تعالى:
﴿سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي والبرد، وإلى هذا أشار ابن التين
وغيره.
ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على ذلك أن حكم طرفي النهار يعلم من
حكم طرفي الليل، فلو ذكره لكان تكراراً.
ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على هذا الشِّقِّ دون الآخر أن الليل مظنة
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٦٧ - ٦٨.

٢٣
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٣)
المعصية، فلما لم يقع منهم عصيان مع إمكان دواعي الفعل من إمكان الإخفاء
ونحوه، واشتغلوا بالطاعة كان النهار أولى بذلك، فكان السؤال عن الليل أبلغ
من السؤال عن النهار؛ لكون النهار محل الاشتهار.
وقيل: الحكمة في ذلك أن ملائكة الليل إذا صَلَّوا الفجرَ عَرَجُوا في
الحال، وملائكة النهار إذا صلوا العصر لَبِثُوا إلى آخر النهار؛ لضبط بقية عمل.
النهار، قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون
عن وقت العصر، وهو خلاف ظاهر الحديث، كما سيأتي، ثم هو مبني على
أنهم الحفظة، وفيه نظر؛ لما سنبيّنه، وقيل: بناه أيضاً على أنهم الحفظة أنهم
ملائكة النهار فقط، وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة الليل هم
الذين يعرجون، ويتعاقبون، ويؤيده ما رواه أبو نعيم في ((كتاب الصلاة)) له من
طريق الأسود بن يزيد النخعي، قال: ((يلتقي الحارسان - أي ملائكة الليل،
وملائكة النهار - عند صلاة الصبح، فيسلم بعضهم على بعض، فتصعد ملائكة
الليل، وتلبث ملائكة النهار)).
وقيل: يَحْتَمِل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصّة، وأما
النزول فيقع في الصلاتين معاً، وفيه التعاقب، وصورته أن تنزل طائفة عند
العصر، وتبيت، ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فيجتمع الطائفتان في صلاة
الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فقط، ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر،
فتنزل الطائفة الأخرى، فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضاً، ولا يصعد منهم
أحد، بل تبيت الطائفتان أيضاً، ثم تعرج إحدى الطائفتين، ويستمرّ ذلك،
فتصح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر، والعروج بالفجر، فلهذا
خُصَّ السؤال بالذين باتوا، والله تعالى أعلم.
وقيل: إن قوله في هذا الحديث: ((ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة
العصر)) وَهَمِّ؛ لأنه ثَبَتَ في طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير
ذكر صلاة العصر، كما في ((الصحيحين)) من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي
هريرة في أثناء حديث قال فيه: ((وتجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في
صلاة الفجر))، وقال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ
كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وفي الترمذيّ، والنسائيّ من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في
قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده ملائكة الليل والنهار،
ورَوَى ابنُ مَرْدويه من حديث أبي الدرداء نحوه.
قال ابن عبد البرّ تَخَذَتُهُ: ليس في هذا دَفْعٌ للرواية التي فيها ذكر العصر،
إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية، والحديثِ الآخرِ عدمُ اجتماعهم في
العصر؛ لأن المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر، قال:
ويَحْتَمِل أن يكون الاقتصار وقع في الفجر لكونها جهرية.
قال الحافظ تَذَتُهُ: وبحثه الأول مُتَّجِهٌ؛ لأنه لا سبيل إلى ادّعاء توهيم
الراوي الثقةِ مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيما أن الزيادة من العدل
الضابط مقبولة، وَلِمَ لا يُقالُ: إن رواية مَن لم يذكر سؤال الذين أقاموا في
النهار واقعٌ من تقصير بعض الرواة، أو يُحْمَلُ قوله: ((ثم يعرج الذين باتوا))
على ما هو أعم من المبيت بالليل، والإقامة بالنهار، فلا يختص ذلك بليل دون
نهار، ولا عكسه، بل كل طائفة منهم إذا صَعِدَت سُئِلَت، وغاية ما فيه أنه
استعمل لفظ ((بات)) في ((أقام)) مجازاً، ويكون قوله: ((فيسألهم)) أي كُلَّّ من
الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه، ويَدُلُّ على هذا الحملِ رواية موسى بنٍ
عقبة، عن أبي الزناد عند النسائي، ولفظه: ((ثم يعرج الذين كانوا فيكم))، فعلى
هذا لم يقع في المتن اختصار، ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة.
قال: وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحاً، وفيه التصريح
بسؤال كلٍّ من الطائفتين.
وذلك فيما رواه ابن خزيمة في ((صحيحه))، وأبو العباس السَّرَّاج
جميعاً عن يوسف بن موسى، عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((تجتمع ملائكة الليل، وملائكة
النهار في صلاة الفجر، وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر، فتصعد
ملائكة الليل، وتبيت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر، فتصعد
ملائكة النهار، وتبيت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟))
الحدیث.
وهذه الرواية تزيل الإشكال، وتُغْنِي عن كثير من الاحتمالات المتقدمة،

٢٥
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَي الصُّنْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٣)
فهي المعتمدة، ويُحْمَل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الأولى والأرجح عندي ما رجحه
الحافظ قبل هذا، وهو عدم دعوى الاختصار، والاقتصار في رواية الباب؛ لأن
معنى ((باتوا فيكم)): صاروا معكم، وقد تقدم ما نقلته من عبارة الفيّومي في
((المصباح)) في ذلك، ويؤيِّد ذلك رواية النسائيّ المتقدمة: ((ثم يعرج الذين كانوا
فيكم)). وهذه الرواية رواية ابن خزيمة والسَّرَّاج مُوَضِّحَة لهذا المعنى، فلا داعي
لدعوى التقصير من بعض الرواة.
والحاصل أن معنى: ((ثم يعرج الذين باتوا فيكم)) ثم يصعد الذين كانوا
معكم، سواء الذين كانوا معهم ليلاً، والذين كانوا معهم نهاراً، فيشمل السؤال
الطائفتين بنصّ هذا الحديث، فلا إشكال، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]:
استَدَلَّ بعض الحنفية بهذا الحديث على استحباب تأخير صلاة العصر
ليقع عروج الملائكة إذا فرغ آخر النهار.
وتُعُقِّب بأن ذلك غير لازم؛ إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنهم لا
يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصلاة، ويتأخروا بعد
ذلك إلى آخر النهار، ولا مانع أيضاً من أن تصعد ملائكة النهار، وبعضُ النهار
باقٍ، وتقيم ملائكة الليل، قاله في ((الفتح))(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التوجيه الثاني هو الصواب، وأما الأول
فلا يصحّ؛ لأن دعوى تأخرهم بعد الصلاة ينافيه قوله في الحديث: ((تركناهم
وهم يصلّون))، وأيضاً الاستدلال المذكور تعارضه النصوص التي تدل على
استحباب تعجيل صلاة العصر، وهي صريحة تقدَّم على هذا المفهوم لو سُلِّم،
وقد تقدّم تحقيق ذلك في محلّه، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وأما اعتراض العينيّ على الحافظ في هذا التوجيه فهو مجرّد اعتراض لم
يستند إلى دليل، وإنما هو لشغفه في الدفاع عن مذهبه، وإن كان غير صحيح،
فتبصر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(١) ((الفتح)) ٤٤/٢.
(٢) راجع: ((فتح الباري)) ٤٣/٢.

٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ) قال النوويّ تَخْلُهُ: هذا السؤال على ظاهره، وهو تعبّد
منه لملائكته، كما أمر بكَتْبِ الأعمال، وهو أعلم بالجميع. انتهى(١).
[تنبيه]: قيل: الحكمة في سؤالهم استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير،
واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع
الإنسان في مقابلة مَنْ قَالَ من الملائكة: ﴿أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَنَسْفُِ
اُلْدِمَآءَ وَتَحْنُ نُسَبِحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِنّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]،
أي وقد وُجد فيهم من يسبح، ويقدس مثلكم بنص شهادتكم.
وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة، كما أمروا أن
يكتبوا أعمال بني آدم، وهو ◌ّ أعلم من الجميع بالجميع.
[تنبيه آخر]: وقع في بعض النسخ: ((فيسألهم، وهو أعلم بهم))، بدون
ذكر الفاعل، وهو الذي في رواية النسائيّ، وعليه يقدّر الفاعل ضميراً يعود إلى
المعلوم من السياق، يدلّ عليه قوله: ((عبادي))، أي يسألهم هو، أي ربّهم،
وهذا على رأي جمهور النحاة، وأما على رأي الكسائيّ، فيكون من باب حذف
الفاعل؛ لأنه يجوّز حذفه.
(وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ) أي بالمصلين من الملائكة، فحذف صلة أفعل التفضيل،
وفي بعض النسخ: ((فيسألهم، وهو أعلم)) (كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟) قال ابن أبي
جمرة كثّلهُ: وقع السؤال عن آخر الأعمال؛ لأن الأعمال بخواتيمها، قال:
والعباد المسؤول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ
سُلْطَانُ﴾ [الحجر: ٤٢] (فَيَقُولُونَ) أي الملائكة المسؤولون (تَرَكْنَاهُمْ، وَهُمْ
يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ، وَهُمْ يُصَلّونَ))) لم يراعوا الترتيب الوجوديّ؛ لأنهم بَدَؤُوا
بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه أنهم طابقوا السؤال؛ لأنه قال: ((كيف
تركتم))، ولأن الْمُخْبَر به صلاة العبادة، والأعمال بخواتيمها، فناسب ذلك
إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله.
وقوله: ((تركناهم وهم يصلون)) ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في
العصر سواء تَمَّت أم مَنَعَ مانع من إتمامها، وسواء شَرَع الجميع فيها، أم لا؛
(١) ((شرح النووي)) ١٣٣/٥.

٢٧
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٣)
لأن المنتظر في حكم المصلي، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقولهم: ((وهم
يصلون)) أي ينتظرون صلاة المغرب.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول أولى؛ لأنه الذي يقتضيه ظاهر
الحديث، والله تعالى أعلم.
وقال ابن التين: الواو في قوله ((وهم يصلون)) واو الحال، أي تركناهم
على هذه الحال، ولا يقال: يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة، فلم
يشهدوها معهم، والخبر ناطق بأنهم يشهدونها؛ لأنا نقول: هو محمول على
أنهم شَهِدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها وشَهِدوا من دخل فيها بعد
ذلك، ومن شرع في أسباب ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أنهم فارقوهم، وهم يصلون، ولا يلزم
من ذلك معارضة النصوص التي تدلّ على شهودهم؛ لأن الشهود لا يستلزم
انقضاء الصلاة، على أن هؤلاء الذين فارقوا قد اجتمعوا مع الذين بَقُوا معهم،
فالصلاة لم تَخْلُ من شهود الملائكة من أولها إلى آخرها، والله أعلم.
وقال ابن أبي جمرة تَّتُ: أجابت الملائكة بأكثر مما سُئِلُوا عنه؛ لأنهم
عَلِمُوا أنه سؤال يَسْتَدْعِي التَّعَتُّفَ على بني آدم، فزادوا في مُوجَب ذلك.
ووقع في ((صحيح ابن خزيمة)) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن
أبي هريرة به في آخر هذا الحديث: ((فاغفر لهم يوم الدين))، قاله في
((الفتح))(١)، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
قُ هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٣٣/٣٨ و١٤٣٤] (٦٣٢)، و(البخاريّ) في
((مواقيت الصلاة)) (٥٥٥)، و((بدء الخلق)) (٣٢٢٣)، و((التوحيد)) (٧٤٢٩
(١) ((الفتح)) ٤٥/٢.

٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
و٧٤٨٦)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (٤٨٥)، وفي ((النعوت)) من ((الكبرى)) (٤/
٤١٨)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٧٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٧/٢
و٣١٢ و٣٤٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٢١ و٣٢٢)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (١٧٣٦ و١٧٣٧ و٢٠٦١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١١٨
و١١١٩ و١١٢٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٠٩ و١٤١٠)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (٣٨٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل صلاة الجماعة في الفجر والعصر.
٢ - (ومنها): أن الصلاة أعلى العبادات بعد الشهادتين؛ لأنه وقع عنها
السؤال والجواب.
٣ - (ومنها): أن فيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين؛ لكونهما تجتمع
فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة.
٤ - (ومنها): الإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، قال الحافظ: وقد
ورد أن الرزق يُقْسَم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن
كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه، وفي عمله، ويترتب عليه حكمة الأمر
بالمحافظة عليهما، والاهتمام بهما .
٥ - (ومنها): أن فيه تشريفَ هذه الأمة على غيرها، ويستلزم تشريف
نبيّهَا وَّةِ على غيره.
٦ - (ومنها): أن فيه الإخبارَ بالغيوب، ويترتب عليه زيادة الإيمان.
٧ - (ومنها): الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ، ونتحفظ في
الأوامر والنواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رُسُلٍ ربنا، وسؤال ربنا عنّا.
٨ - (ومنها): إعلامنا بحبّ الملائكة لنا؛ لنزداد فيهم حباً، ونتقرب
إلى الله بذلك.
٩ - (ومنها): إثبات كلام الله تعالى مع ملائكته الكرام.
١٠ - (ومنها): ما استنبطه منه بعض الصوفية من أنه يُستَحَبّ أن لا يفارق
الشخص شيئاً من أموره إلا وهو على طهارة، كشعره إذا حلقه، وظفره إذا
قَلَمَهُ، وثوبه إذا أبدله، ونحو ذلك.

٢٩
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٤)
قال الجامع عفا الله عنه: بعدُ هذا الاستنباط مما لا يخفى على بصير،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣٤] (.) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِّ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((وَالْمَلَائِكَةُ
يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ))، بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي الزِّنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ
حافظٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ
حافظ مصنّف، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأسديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّه) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤]
(ت١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي الزِّنَادِ) كان الظاهر أن يقول: بمثل حديث
الأعرج، يعني أن همّام بن منبّه حدّث عن أبي هريرة ◌َُّبُّه بما حدّث به الأعرج
عنه .
[تنبيه]: رواية همّام هذه ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (٣١٥/١ - ٣١٦)
فقال :
(١١٢٠) حدّثنا السلميّ، قال: حدّثنا عبد الرزّاق، قال: أنبأنا معمر، عن
همّام بن منبه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله وَّر، فذكر
أحاديث، وقال رسول الله وَل : ((الملائكة يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل،
وملائكة بالنهار، وقال: يجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر، ثم يعرج
إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم، كيف تركتم عبادي؟، فقالوا:

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
تركناهم وهم يصلّون، وأتيناهم وهم يصلون))، انتهى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٣٥] (٦٣٣) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةً
الْفَزَارِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمِ، قَالَ: سَمِعْتُ
جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَهُوَ يَقُولُ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ
لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَافُّونَ(١)
فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ
غُرُوبِهَا)) - بَعْنِي الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ - ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ مُلُوع
الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾ [طه: ١٣٠]).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم
دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٣٨/٨.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) الْبَجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩.
٤ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمِ) البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢]
مات بعد التسعين، أو قبلهاً، وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في ((شرح
المقدّمة) جـ٢ ص٤٧٥.
٥ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جابر البجليّ الصحابيّ المشهور، مات
سنة (٥١) وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٧/٢٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَحَدَّتُهُ.
(١) وفي نسخة: ((لا تضامون)) بتخفيف الميم.

٣١
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٥)
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إسماعيل، عن قيس.
٥ - (ومنها): أن قيساً هو التابعي الوحيد الذي اجتمع له الرواية عن
العشرة المبشرين بالجنّة ﴿ه، على خلاف في عبد الرحمن بن عوف.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه ◌َ لُله من مشاهير الصحابة و﴿ه، فهو وإن كان
متأخّر الإسلام، حيث كان إسلامه في السنة التي توفّي فيها النبيّ وَِّ، لكن
كانت له حِظْوَة عنده وَل*، فإنه قال له: ما حجبني رسول الله صل﴾ منذ
أسلمت، ولا رآني إلا تبسّم، رواه الشيخان، وكان من أجمل الناس، قال
عبد الملك بن عمير: رأيت جرير بن عبد الله وكان وجهه شقّة قمر، وقال له
عمر بن الخطّاب ◌ُه: يرحمك الله، نعم السيّد كنت في الجاهليّة، ونعم
السيّد أنت في الإسلام ﴿ّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمِ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ) رَبُه (وَهُوَ
يَقُولُ) جملة في محلّ نصبً على الحال من ((جرير)) (كُنَّا جُلُوساً) جمع جالس
(عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) أي ليلة تمام القمر، قال
الفيّوميّ كَّتُهُ: البدرُ: القمر ليلة كماله، وهو في الأصل مصدرٌ، يقال: بَدَرَ
القمرُ بَدْراً، من باب قتل. انتهى (١).
وقال المجد تَظّتُهُ: البدرُ: القمر الممتلئ كالبادر. انتهى(٢).
(فَقَالَ) وَلِ ((أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، كـ((ألا)) (إِنَّكُمْ) بكسر الهمزة؛
لوقوعها بعد ((أما)) الاستفتاحيّة، فهي في الابتداء، قال في ((الخلاصة)):
فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ (إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَةْ
(سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ) قال الحافظ ابن رجب تَخْتُ: شَبّهَ
(١) ((المصباح المنير)) ٣٨/١.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٦٩/١.

٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الرؤية بالرؤية، لا المرئيّ بالمرئيّ، وإنما شَبّه الرؤية برؤية البدر لمعنيين:
[أحدهما]: أن رؤية القمر ليلة البدر لا يُشَكّ فيه، ولا يُمْتَرَى.
[والثاني]: يستوي فيه جميع الناس من غير مشقّة. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)):
[فإن قلت]: الكاف في ((كما ترون)) للتشبيه، ولا بد أن تكون مناسبةٌ بين
الرائي والمرئيّ.
[قلت]: معنى التشبيه فيه أنكم ترونه رؤية محقَّقةً، لا شك فيها، ولا
مشقة ولا خفاء، كما ترون القمر كذلك، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي
بالمرئي. انتهى (٢) .
(لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ) بضم أوله مُخَفَّفاً، أي لا يحصل لكم ضَيْمٌ حينئذ،
ورُوي بفتح أوله، والتشديد من الضمّ، والمراد نفي الازدحام، قاله في
((الفتح)).
وقال في ((العمدة)): رُوِي بضم التاء، وبتخفيف الميم، من الضيم، وهو
التعب، وبتشديدها من الضمّ، وبفتح التاء وتشديد الميم.
قال الخطابيّ كَّلُهُ: يُروَى على وجهين:
أحدهما: مفتوحة التاء مشددة الميم، وأصله تتضامُّون، حذفت إحدى
التائين: أي لا يُضَامُّ بعضكم بعضاً، كما يفعله الناس في طلب الشيء الخفي
الذي لا يَسهُلِ دَرْكُهُ، فيتزاحمون عنده، يريد أن كل واحد منهم وادع مكانه(٣)،
لا ينازعه في رؤيته أحد.
والآخر: ((لا تُضَامُون))، من الضيم، أي لا يَضِيم بعضكم بعضاً في
رؤيته.
وقال التيميّ تَخُّْ: ((لا تضامُّون))، بتشديد الميم، مراده أنكم لا تختلفون
إلى بعض فيه، حتى تجتمعوا للنظر، وينضم بعضكم إلى بعض، فيقول واحد:
(١) «فتح الباري)) لابن رجب ٣٢٠/٤.
(٢) ((عمدة القاري)) ٤٣/٥ - ٤٤.
(٣) أي مستقرّ فيه، يقال: وَدُعَ، كَكَرُم، ووَضَعَ، فهو وَدِيعٌ، ووادِعٌ: سكن، واستقرّ،
أفاده في ((القاموس)» ٩٢/٣.

٣٣
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَ الصُّنْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٥)
هو ذاك، ويقول الآخر: ليس ذاك، كما يفعله الناس عند النظر إلى الهلال أول
الشهر، وبتخفيفها معناه: لا يَضِيم بعضكم بعضاً بأن يدفعه عنه أو يستأثر به
دونه .
وقال ابن الأنباريّ: أي لا يقع لكم في الرؤية ضيم، وهو الذُّلّ، وأصله
تُضْيِمُون، فأُلقيت حركة الياء على الضاد، فصارت الياء ألفاً؛ لانفتاح ما قبلها .
وقال ابن الجوزيّ كَّتُهُ: ((لا تُضَامُون)) بضم التاء المثناة من فوقُ،
وتخفيف الميم، وعليه أكثر الرواة، والمعنى: لا ينالكم ضَيْمٌ، والضيم أصله
الظلم، وهذا الضيم يَلْحَق الرائي من وجهين :
أحدهما: من مزاحمة الناظرين له، أي لا تزدحمون في رؤيته، فيراه
بعضكم دون بعض، ولا يظلم بعضكم بعضاً .
والثاني: من تأخّره عن مقام الناظر المحقِّق، فكأن المتقدمين ضامُوه،
ورؤية الله رَك يستوي فيها الكلّ، فلا ضَيْمَ، ولا ضرر، ولا مشقّة. انتهى(١).
وقد تقدّم تمام البحث في هذا في ((كتاب الإيمان))، فراجعه تستفد، وبالله
تعالى التوفيق.
(فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا) بصيغة المجهول، وكلمة ((أن)) مصدرية،
والتقدير من أن لا تغلبوا، أي من الغلبة بالنوم، والاشتغال بشيء من الأشياء
المانعة عن الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، قاله في ((العمدة))(٢).
وقال في ((الفتح)): فيه إشارة إلى قطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة،
كالنوم، والشغل، ومقاومةُ ذلك بالاستعداد له. انتهى(٣).
(عَلَى صَلَاةٍ) متعلّق بـ(تُغلبوا)) (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) ظرف متعلّقٌ بـ«صلاة))
(وَقَبْلَ غُرُوبِهَا))) وقوله: (يَعْنِي الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ) أي يريد بقوله: ((على صلاة قبل
طلوع الشمس، وقبل غروبها)) صلاة العصر والفجر، وهذه العناية من باب
الرواة، ولم يبيّن لي من هو؟، ولابن مردويه من وجه آخر، عن إسماعيل:
((قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل غروبها صلاة العصر)).
(١) ((عمدة القاري)) ٤١/٥ - ٤٢.
(٣) ((الفتح)) ٢/ ٤١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٤٢/٥.

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[تنبيه]: جواب ((إن)) محذوف في رواية المصنّف، وقد ذُكر عند
البخاريّ، ولفظه: ((فافعلوا))، أي افعلوا عدم الغلبة، وهو كناية عما ذُكِر من
الاستعداد، ووقع في رواية شعبة عن إسماعيل عند ابن مروديه: ((فلا تغفلوا عن
صلاة ... ))، الحديث، قاله في ((الفتح))(١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((فافعلوا)) أي الصلاة في هذين الوقتين.
وقال الكرمانيّ: [فإن قلت]: ما المراد بلفظ: ((افعلوا))؛ إذ لا يصحّ أن
يراد افعلوا الاستطاعة، أو افعلوا عدم المغلوبية؟.
[قلت]: عدمُ المغلوبية كناية عن الإتيان بالصلاة؛ لأنه لازم الإتيان،
فكأنه قال: فأتوا بالصلاة، فاعلين لها. انتهى.
فتعقّبه العينيّ، فقال: لو قدَّر مفعول ((افعلوا)) مثل ما قدّرنا لكان استغنى
عن هذا السؤال والجواب. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا فرق بين ما قاله الكرمانيّ، وما تعقّبه به
العينيّ، فإن حاصلها واحد، فلا وجه للتعقّب، وغايته أن الكرمانيّ: بيّن طريق
تقدير المفعول المحذوف، فأفاد، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال ابن بطال: قال المهلب: قوله: ((فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن
صلاة)): أي في الجماعة، قال: وخَصَّ هذين الوقتين؛ لاجتماع الملائكة
فيهما، ورفعهم أعمال العباد؛ لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم.
قال الحافظ تَُّهُ: وعُرِف بهذا مناسبة إيراد حديث: ((يتعاقبون)) عقب هذا
الحديث(٢)، لكن لم يظهر لي وجه تقييد ذلك بكونه في جماعة، وإن كان فضل
الجماعة معلوماً من أحاديثَ أُخَر، بل ظاهر الحديث يتناول من صلاهما ولو
منفرداً؛ إذ مقتضاه التحريض على فعلهما، أَعَمَّ من كونه جماعةً أو لا(٣).
(ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ) أي ابن عبد الله الصحابيّ الراوي للحديث نظافته، هكذا
(١) ((الفتح)) ٤١/٢.
(٢) يعني في ((صحيح البخاريّ))، وأما في ((صحيح مسلم))، فقدّم حديث: ((يتعاقبون
إلخ))، فتنبّه.
(٣) ((الفتح)) ٤١/٢.

٣٥
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٥)
وقع التصريح في رواية المصنّف بأن الذي قرأ هو جرير ظه، ولم يقع في
رواية البخاريّ، ولفظه: ((ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحَ بِحَمْدِ رَيْكَ﴾ ... إلخ))، فقال في
((الفتح)): قوله: (ثم قرأ)) كذا في جميع روايات ((الجامع))، وأكثر الروايات في
غيره بإبهام فاعل: ((قرأ))، وظاهره أنه النبيّ وَّ، لكن لم أر ذلك صريحاً،
وحَمَله عليه جماعة من الشراح. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا غريب من الحافظ كَُّهُ، فكيف يقول:
وظاهره أنه النبيّ ◌َّ، مع التنصيص الواضح في رواية المصنّف أنه جرير؟،
وكذلك وقع التنصيص عليه في رواية أبي عوانة في ((مسنده)) من طريق يعلى بن
عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد(١)، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل .
(﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) أمر من التسبيح، والمراد به الصلاة (قَبْلَ طُلُوع الشَّمْسِ
وَقَبْلَ غُرُوِهاً﴾) قال العلماء: وجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية، أن
الصلاة أفضل الطاعات، وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما
ذُكِر من اجتماع الملائكة فيهما، ورفع الأعمال، وغير ذلك، فهما أفضل
الصلوات، فناسب أن يُجَازَى المحافظ عليهما بأفضل العطايا، وهو النظر
إلى الله تعالى.
وقيل: لَمّا حُقِّق رؤية الله تعالى برؤية القمر والشمس - وهما آيتان
عظيمتان، شُرِعت لخسوفهما الصلاة والذكر - ناسب مَن يُحبّ رؤيةَ الله تعالى
أن يحافظ على الصلاة عند غروبها، ولا يخفى بُعْدُه وتكلَّفه، قاله في
((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله البجليّ رَظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) راجع: ((مسند أبي عوانة)) ٣١٤/١.
(٢) ((الفتح)) ٤٢/٢.

٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤٣٥/٣٨ و١٤٣٦] (٦٣٣)، و(البخاريّ) في
((مواقيت الصلاة)) (٥٥٤ و٥٧٣)، و((التفسير)) (٤٨٥١)، و((التوحيد)) (٧٤٣٤
و٧٤٣٥)، و(أبو داود) في ((السنّة)) (٤٧٢٩)، و(الترمذيّ) في ((صفة الجنّة))
(٢٥٥١)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١٧٧)، و(النسائيّ) في ((التفسير)) وفي
((الكبرى)) (٤٠٧/٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٩٩)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٦٠/٤ و٣٦٥ و٣٦٦)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧٤٤٢ و٧٤٤٣
و٧٤٤٤)، و(ابن منده) في ((الإيمان)) (٧٩٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٢٢٢٧)، و(ابن خزيمة) في ((التوحيد)) (ص١٦٧ - ١٦٨)، و(أبو عوانة) في
((مسنده) (١١١٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤١١ و١٤١٢)، و(ابن أبي
عاصم) في ((السنّة)) (٤٤٦ و٤٤٧ و٤٤٨ و٤٤٩ و٤٦١)، و(عبد الله بن أحمد)
في ((السنّة)) (٢١٩ و٢٢١ و٢٢٥ و٢٢٦ و٢٢٧)، و(الآجرّيّ) في ((التصديق
بالنظر)» (٢٣ و٢٤ و٢٥)، و(اللالكائيّ) في ((شرح أصول الاعتقاد)) (٨٢٥
و٨٢٦ و٨٢٨ و٨٢٩)، و(البيهقيّ) في ((الاعتقاد)) (ص١٢٨ - ١٢٩)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (٣٧٨ و٣٧٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١٠ - (منها): بيان فضل صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما.
٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى عظَم قدر هذين الصلاتين، وأنهما أشرف
الصلوات الخمس، ولهذا قيل في كلّ منهما: إنها الصلاة الوسطى، والقول بأن
الوسطى غيرهما لا تعويل عليه، قاله ابن رجب تَخْذَتْهُ(١).
وقال في ((العمدة)): فيه زيادة شرف الصلاتين، وذلك لتعاقب الملائكة
في وقتيهما، ولأن وقت صلاة الصبح وقتُ لذّة النوم، كما قيل: ألذُّ الكرى
عند الصباح يطيب، والقيام فيه أشقّ على النفس من القيام في غيره، ووقتُ
صلاة العصر وقت الفراغ عن الصناعات، وإتمام الوظائف، والمسلم إذا حافظ
عليها مع ما فيه من التثاقل والتشاغل، فَلَأن يحافظ على غيرها بالطريق
(٢)
الأولى. انتهى(٢).
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٢٣/٤.
(٢) ((عمدة القاري)) ٤٤/٥.

٣٧
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٥)
٣ - (ومنها): ما قاله الخطّابيّ ◌َّلهُ: قوله: ((فافعلوا))، هذا يدلّ على أن
الرؤية قد يُرْجَى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين. انتهى، وقد يُستَشهَد
لذلك بما أخرجه الترمذيّ من حديث ابن عمر يرفعه، قال: ((إن أدنى أهل
الجنة منزلةً ... )) فذكر الحديث، وفيه: ((وأكرمهم على الله مَن ينظر إلى وجهه
غدوة وعشية))، وفي سنده ضعف، قاله في ((الفتح)) (١).
٤ - (ومنها): أنه قيل في مناسبة الأمر بالمحافظة على هاتين الصلاتين
عقب ذكر الرؤية: إن أعلى ما في الجنّة رؤية الله رَمَ، وأشرف ما في الدنيا
من الأعمال هاتان الصلاتان، فالمحافظة عليهما يُرجى بها دخول الجنّة،
ورؤية الله رَّك فيها كما في الحديث الآخر: ((من صلّى البردين دخل الجنّة)).
وقيل: هو إشارة إلى أن دخول الجنّة إنما يحصُل بالصلاة مع الإيمان،
فمن لا يصلي فليس بمسلم، ولا يدخل الجنّة، بل هو من أهل النار، ولهذا
قال أهل النار لَمّا قيل لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِ سَقَّرَ ﴿٨ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ
(٤٣)
[المدثر: ٤٢ - ٤٣].
ويظهر وجه آخر في ذلك، وهو أن أعلى أهل الجنّة منزلةً من ينظر إلى
وجه الله رَّ مرّتين بُكرةً وعشيّاً، وعموم أهل الجنّة يرونه في كل جمعة في يوم
المزید .
والمحافظة على هاتين الصلاتين على ميقاتهما، ووضوئهما، وخشوعهما،
وآدابهما يُرجى به أن يوجب النظر إلى الله رَك في الجنّة في هاتين الوقتين،
ويدلّ على هذا ما رَوَى ثُوير بن أبي فاختة قال: سمعت ابن عمر رضيًّا يقول:
قال رسول الله وَل﴿: ((إن في الجنّة منزلةً لَمَنْ ينظر إلى جنّاته، وأزواجه،
ونعيمه، وخَدَمه، وسُرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من يَنظُر إلى وجهه
غدوةً وعشيّاً، ثم قرأ رسول الله وَّهِ: ﴿وُجُوهُ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ (٣) إِلَى بِهَا نَاظِرَةٌ
٢٣)
[القيامة: ٢٢ - ٢٣]))، أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وهذا لفظه، وأخرجه
أيضاً موقوفاً على ابن عمر، وتُويرٌ فيه ضعفٌ.
وقد رُوي هذا المعنى من حديث أبي بَرْزة الأسلميّ مرفوعاً أيضاً، وفي
(١) ((الفتح)) ٤١/٢.

٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
إسناده ضعف، وقاله غير واحد من السلف، منهم: عبد الله بن بريدة وغيره.
فالمحافظة على هاتين الصلاتين يكون سبباً لرؤية الله في الجنّة في مثل
هذين الوقتين، كما أن المحافظة على الجمعة سبب لرؤية الله في يوم المزيد في
الجنّة، كما قال ابن مسعود: ((سارعوا إلى الجمعات، فإن الله يبرُزُ لأهل الجنّة
في كلّ جمعة على كثيب من كافور أبيض، فيكونون منه في الدنوّ على قدر
تبكيرهم إلى الجمعات))، ورُوي عنه مرفوعاً، أخرجه ابن ماجه، ذكر هذا كلّه
الحافظ ابن رجب في ((شرح البخاريّ)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال الحافظ ابن رجب كَّتُهُ: هذا الحديث نصّ في
ثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، كما دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وُجُوهُ
[القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ومفهوم قوله تعالى: ﴿كَلَّ
٢٣
يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ ﴿ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ
[المطفّفين: ١٥]، قال الشافعيّ وغيره: لَمّا
١١٥
إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْجُوبُونَ
حَجَبَ أعداءه في السخط دلّ على أن أولياءه يرونه في الرضا.
والأحاديث في ذلك كثيرة جدّاً، في ((الصحيحين)) وغيرهما.
وقد أجمع على ذلك السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان
من الأئمة، وأتباعهم، وإنما خالف فيه طوائف من أهل البدع من الجهميّة،
والمعتزلة، ونحوهم، ممن يردّ النصوص الصحيحة لخَيالات فاسدة، وشُبُهات
باطلة يُخيِّلها لهم الشيطان، فيسرعون إلى قبولها منه، ويوهمهم أن هذه
النصوص الصحيحة تستلزم باطلاً، وتسمّيه تشبيهاً، أو تجسيماً، فينفرون منه،
كما خَيَّل إلى المشركين قبلهم أن عبادة الأوثان ونحوها تعظيم لجناب الربّ،
وأنه لا يُتوصّل إليه من غير وسائطَ تُعبَد، فتقرِّب إليه زُلْفاً، وأن ذلك أبلغ في
التعظيم والاحترام، وقاسه لهم على ملوك بني آدم، فاستجابوا لذلك، وقَبِلوه
منه، وإنما بعث الله الرسل، وأنزل الكتب لإبطال ذلك كلّه، فمن اتّبع ما جاءوا
به فقد اهتدى، ومن أعرض عنه، أو عن شيء منه، واعتَرَضَ، فقد ضلّ.
قال: وقد ظنّ المريسيّ ونحوه ممن ضلّ وافترى على الله أن هذا
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٢٣/٤ - ٣٢٤.

٣٩
(٣٨) - بَابُ فَضْلِ صَلَاتَي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِمَا - حديث رقم (١٤٣٥)
الحديث يُردّ لما يتضمّن من التشبيه، فضلّ وأضلّ، واتّفق السلف الصالح على
تلقّي هذا الحديث بالقبول والتصديق، قال يزيد بن هارون: من كذّب بهذا
الحديث، فهو بريء من الله ورسوله بَّ، وقال وكيعُ: من ردّ هذا الحديث،
فاحسَبُوه من الجهميّة، وكان حسين بن عليّ الجعفيّ إذا حدّث بهذا الحديث
قال: زعم المريسيّ(١). انتهى كلام ابن رجب كَّهُ(٢)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً.
وقال في ((العمدة)): استَدَلّ بهذه الأحاديث، وبالقرآن، وإجماع الصحابة،
ومن بعدهم على إثبات رؤية الله في الآخرة للمؤمنين، وقد رَوَى أحاديث الرؤية
أكثر من عشرين صحابيّاً، وقال أبو القاسم: رَوَى رؤية المؤمنين لربهم رَ في
القيامة أبو بكر، وعليّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وابن مسعود، وأبو
موسى، وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة، وأبو أمامة، وأبو هريرة، وجابر،
وأنس، وعمّار بن ياسر، وزيد بن ثابت، وعُبادة بن الصامت، وبُريدة بن
حُصيب، وجُنادة بن أبي أمية، وفَضالة بن عُبيد، ورجل له صحبة بالنبيّ
ثم ذكر أحاديثهم بأسانيد غالبها جَيِّد.
وذكر أبو نعيم الحافظ في ((كتاب تثبيت النظر)) أبا سعيد الخدريّ،
وعُمارة بن رؤيبة، وأبا رَزِين العُقَيليّ، وأبا برزة، وزاد الآجُريّ في ((كتاب
الشريعة))، وأبو محمد عبد الله بن محمد المعروف بأبي الشيخ في ((كتاب السنة
الواضحة))، تأليفهما: عديَّ بن حاتم الطائيّ بسند جيّد.
والرؤية مختصة بالمؤمنين ممنوعة من الكفّار، وقيل: يراه منافقو هذه
الأمة، وهذا ضعيف، والصحيح أن المنافقين كالكفار باتفاق العلماء، وعن ابن
عمر، وحذيفة: ((مِن أهل الجنة مَن ينظر إلى وجهه غُدوةً وعشيةً)).
ومَنَعَ من ذلك المعتزلة، والخوارج، وبعض المرجئة، واحتجُوا في ذلك
بوجوه :
[الأول]: قوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرْ﴾ [الأنعام:
١٠٣]، وقالوا: يلزم من نفي الإدراك بالبصر نفي الرؤية.
(١) هكذا النسخة، ولعل المعنى: أي قال قولاً باطلاً حيث أنكره.
(٢) ((فتح الباري)) لابن رجب ٣١٩/٤ - ٣٢٠.

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[الثاني]: قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَكِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، و((لن)) للتأبيد، بدليل
قوله تعالى: ﴿قُل لَّنْ تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح: ١٥]، وإذا ثبت في حقّ موسى ◌َّلاً عدم
الرؤية ثبت في حقّ غيره.
[الثالث]: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآبٍ
حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، فالآية دَلَّت على أن كل من يتكلم الله
معه، فإنه لا يراه، فإذا ثبت عدم الرؤية في وقت الكلام، ثبت في غير وقت
الكلام ضرورةً أنه لا قائل بالفصل.
[الرابع]: أن الله تعالى ما ذكر في طلب الرؤية في القرآن إلَّا وقد
استعظمه، وذَمّ عليه، وذلك في آيات، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ
[البقرة: ٥٥].
تُؤْمِنَ لَكَ حَّ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةٌ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (®)﴾
[الخامس]: لو صحت رؤية الله تعالى لرأيناه الآن، والتالي باطل،
والمقدَّم مثله.
ولأهل السنة ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة، قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَدٍ
(٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّهُمْ عَن رَّتِهِمْ
نَاضِرَةٌ ﴿َ إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ
[المطففين: ١٥]، فهذا يدل على أن المؤمنين لا يكونون
يَوْمَيِذٍ لَّحْجُوُونَ
محجوبين .
والجواب عن قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أن
المراد من الإدراك الإحاطة، ونحن أيضاً نقول به.
وعن قوله: ﴿لَنْ تَرَِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أنّا لا نسلم أن ((لن)) تدلّ على
التأبيد بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] مع أنهم يتمنونه في
الآخرة.
قال ابن مالك تَخْشُهُ :
وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِـ(لَنْ)) مُؤَبَّدَا فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا
وعن قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ الآية [الشورى: ٥١] أن الوحي كلام يُسْمَع
بالسرعة، وليس فيه دلالة على كون المتكلم محجوباً عن نظر السامع، أو غير
محجوب عن نظره.
وعن قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى﴾ الآية [البقرة: ٥٥] أن الاستعظام لِمَ لا