النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٨)
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحافظ المتقن الحجة الناقد البصير
المشهور [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (الْأَزْدِيُّ) بفتح الهمزة، وسكون الزاي: نسبة إلى أزد شَنُوءة،
وهو: أزد بن يغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سَبَأ، قاله في
((اللباب))(١) .
وقوله: (وَيُقَالُ: الْمَرَاغِيُّ) قال في ((اللباب)): الْمَرَاغِيّ - بفتح الميم
والراء، وبعد الألف غين معجمة، وقيل: بكسر الميم، والأول أصحّ - هذه
النسبة إلى قبيلة، ومدينة، فأما القبيلة، فهي المراغ قبيلة من الأزد، يُنسب إليها
أبو يحيى بن مالك الأزدي الْمَرَاغِيّ، وأما المدينة، فهي مَرَاغةُ مدينة مشهورة
من بلاد أذربيجان. انتهى(٢).
وقوله: (حَيٍّ مِنَ الأَزْدِ) قال في ((اللسان)): الحيّ: البطن من بطون
العرب، وقال الأزهريّ: الحيّ من أحياء العرب يقع على بني أبٍ كَثُرُوا أم
قَلُوا، وعلى شَعْبٍ يجمع القبائل. انتهى.
وقوله: ((وَقْتُ الظَّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ) ((ما)) مصدرية ظرفية، كما في
قوله تعالى: ﴿مَا دُمْتُ حَيَّا﴾ [مريم: ٣١] أصله: مُدّة عدم حضور العصر، فحذف
الظرف، وخلفته ((ما)) وصلتها، كما جاز في المصدر الصريح، نحو: جئتك
صلاةَ العصر، وآتيك قُدُومَ الحاج، قاله العلامة ابن هشام(٣).
فـ ((وقت)) متبدأ خبره ((ما لم تَحْضُر العصر))، تقديره: وقت صلاة الظهر
كائن مُدَّة عدم حضور وقت العصر.
وفي رواية همّام، عن قتادة الآتية: ((وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٤/١.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣١٦/٢.
(٣) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، بحاشية الأمير)) ٦/٢.

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر ... ))، فقوله: ((ما لم يحضر العصر))
بيان، وتأكيد لقوله: ((وكان ظل الرجل كطوله)).
وقوله: ((إذا زالت الشمس)) بيان لأول وقتها، وقوله: ((وكان ظل الرجل
کطوله)» بیان لآخر وقتها .
والمعنى: أن ((صلاة)) وقت الظهر يدخل بزوال الشمس، ويستمرّ إلى أن
يصير ظل الرجل؛ مثل طوله.
وهذا الحديث يدل على أنه لا فاصلة بين وقت الظهر والعصر، ولا اشتراك
بينهما، بل متى خرج وقت الظهر دخل وقت العصر، وإذا دخل وقت العصر لم
يبق شيء من وقت الظهر، وأما حديث جبريل الذي يدلّ على الاشتراك، فقد تقدم
الجواب عنه، ويدلّ أيضاً على أنه لا كراهة في تأخير الظهر إلى آخر الوقت.
وقوله: (وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ) مبتدأ وخبره، و((تصفرّ))
- بكسر الراء، ويجوز فتحها -، وقد ذكرت في ((شرح النسائيّ)) حكاية طريفة
تتعلّق بقوله: ((لم تصفّر الشمس))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
والمعنى: أنه يدخل وقت العصر بما تقدّم، ويستمرّ من غير كراهة مُدّة
عدم اصفرار الشمس، فإذا اصفرّت صار وقتَ كراهة، وتكون أيضاً أداءً حتى
تغرب الشمس؛ للحديث السابق: ((ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب
الشمس، فقد أدرك العصر)).
وقوله: (وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ) ببناء الفعل للفاعل، أي
لم يَغِبْ الشفق الأحمر.
وقوله أيضاً: (ثَوْرُ الشَّفَقِ) - بفتح الثاء المثلثة، وسكون الواو -: أي
انتشاره، وثَوَران حمرته، من ثَارَ الشيءُ يَثُور: إذا انتشر، وارتفع، قال في
((اللسان)): الثَّوْرُ: حُمْرَةُ الشفق الثائرةُ فيه، قال: وفي الحديث: ((صلاة العشاء
الآخرة إذا سقط ثَوْرُ الشفق))، وهو انتشار الشفَقِ، وتَوَرَانُهُ: حُمْرَتُهُ، ومُعْظَمُهُ،
ويقال: قد ثَارَ يَثُور، ثَوْراً، وثَوَرَاناً: إذا انتشر الشفق في الأفق، وارتفع، فإذا
غاب حَلَّت العشاء الآخرة. انتهى(١).
(١) ((لسان العرب)) ١٠٩/٤.
٦
م

٤٢٣
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٨)
ووقع عند أبي داود: ((فَوْرُ الشفق)) بالفاء المفتوحة، أي بقية حمرة
الشمس، في الأفق الغربي، وسُمِّي فَوْراً، لسُطُوعه وحمرته، قال العراقي:
صحَّفه بعضهم بالنون، ولو صحت الرواية لكان له وجه. انتهى(١).
وفيه ردٌّ على من يقول: إن للمغرب وقتاً واحداً، وهو عقيب غروب
الشمس بقدر ما يتطهر، ويستر عورته، ويؤذن، وقد سبق تحقيق الكلام فيه فلا
تغفل.
وقوله: (وَوَقْتُ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) وإعرابه كسابقه، يعني أن وقت
صلاة العشاء يدخل بغروب الشفق، ثم يمتدّ إلى نصف الليل، وفيه دليل على
أن آخر وقت العشاء نصف الليل، وقد ثبت في الحديث الآخر تحديده بثلث
الليل، لكن أحاديث النصف صحيحة، فيجب العمل بها .
واحتجّ به أبو سعيد الإصطخريّ على أن وقت العشاء إلى نصف الليل
فقط، وعند غيره محمول على بيان وقت الاختيار، وأما وقت الجواز، فيمتدّ
إلى طلوع الفجر، لما رَوَى أبو قتادة مرفوعاً: ((إنما التفريط على من لم يصلِّ
الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى)).
قال الحافظ تَخَّتُهُ: عموم حديث أبي قتادة رَظُه مخصوص بالإجماع في
الصبح، فللإصطخريّ أن يقول: إنه مخصوص بالحديث المذكور، وغيره من
الأحاديث في العشاء، قال: ولم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر
حديثاً صريحاً يثبت. انتهى (٢).
قال الجامع: لا يخفاك قوّة ما ذهب إليه الإصطخريّ، وقد سبق ترجيحه
في المسألة الثامنة من شرح الحديث الماضي، فلا تغفل.
وقوله: (وَوَقْتُ الْفَجْرِ (٣) مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ))) يعني أن وقت صلاة الفجر
يدخل بطلوع الفجر، ويستمرّ مدة عدم طلوع الشمس، وهذا بالإجماع، إلا ما
رُوِي عن ابن القاسم، وبعض أصحاب الشافعيّ من أن آخر وقت الفجر
الإسفار، كما قاله ابن رشد ◌َّتُهُ(٤).
(١) ((المنهل العذب المورود)) ٣٠٣/٣.
(٣) وفى نسخة: ((ووقتُ صلاة الفجر)).
(٢) ((الفتح)) ٦٢/٢.
(٤) («البداية والنهاية)) ١/ ٩٧.

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والحديث من أفراد المصنّف نَُّهُ، وقد تقدّمت مسائله قريباً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٨٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ، قَالَ:
(ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثْنَا يَحْتَى بْنُ أَبِي بُكَيْرِ، كِلَّاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ،
بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ شُعْبَةُ: رَفَعَهُ مَرَّةً، وَلَمْ يَرْفَعْهُ مَرَّتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ) - بفتح العين المهملة، والقاف - هو:
عبد الملك بن عَمْروَ الْقَيْسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٢١/٤.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ) واسمه نَسْر - بفتح النون، وسكون السين
المهملة - الكِرْمانيّ، كوفيّ الأصل، ونزل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت ٨ أو ٢٠٩) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٩٠/ ٤٧١.
والباقيان تقدّما قبله في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لأبي عامر الْعَقَديّ، ويحيى بن أبي
بُکیر.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد شعبة السابق، وهو: عن قتادة، عن أبي
أيّوب الأزديّ، عن عبد الله بن عمرو ټا.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا) أي في حديث أبي عامر، ويحيى بن أبي بُكير.
وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: رَفَعَهُ مَرَّةً، وَلَمْ يَرْفَعْهُ مَرَّتَيْنٍ) الضمير في ((رفعه))
لقتادة، وفي رواية النسائيّ: ((قال شعبة: كان قتادة يرفعه أحياناً، وأحياناً لا
یرفعه)».
والمعنى: أن قتادة رَوَى هذا الحديث ثلاث مرّات، فرواه مرّةً مرفوعاً،
ورواه مرّتين موقوفاً، ومثل هذا لا يضرّ في صحة الحديث؛ لأمرين:
[أحدهما]: أن قتادة لعله نسي رفعه، ثم تذكّر أخيراً، فرفعه، ويقوّي هذا

٤٢٥
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩٠)
الاحتمال قول شعبة في رواية أحمد الآتية بلفظ: لم يرفعه مرّتين، قال: وسألته
الثالثة، فقال: ((قال رسول الله وهلهو ... إلخ))، فهذا يدلّ على أنه تذكّر كونه
مرفوعاً فرفعه.
[الثاني]: أن الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يقال
بالرأي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها الإمام أحمد نَّهُ في ((مسنده))، فقال:
(٦٩٥٤) حدّثنا يحيى بن أبي بكير، حدّثنا شعبة، عن قتادة، سمعت أبا
أيوب الأزديّ يحدِّث عن عبد الله بن عمرو، قال: لم يرفعه مرتين، قال:
وسألته الثالثة، فقال: قال رسول الله وَله: ((وقت صلاة الظهر ما لم يَحْضُر
العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تَصْفَرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم
يسقط نُور (١) الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر
ما لم تطلع الشمس)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْلَهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٩٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا (٢) هَمَّامٌ، حَذَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ،
مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ
الْمَغْرِبِ (٣) مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ،
وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ
فَأَمْسِْكَ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ))(٤).
(١) هكذا النسخة، ولعلّه مصحّفٌ من ((ثور)) بالثاء المثلّثة، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٣) وفي نسخة: ((ووقت المغرب)).
(٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)).
(٤) وفي نسخة: ((بين قرني الشيطان)).

٤٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
رجال هذا الإسناد: سنة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) النُّكْريّ - بضم النون - البغداديّ، ثقةٌ
حافظٌ [١٠] (ت٢٤٦) (م ج ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٧.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبَريّ التَّنُّوريّ، أبو سهل
البصريّ، ثقةٌ، ثبتٌ في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٢.
٣ - (هَمَّام) بن يحيى الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
[٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: ((وَقْتُ الظَّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ) قال القرطبيّ كَّتُهُ: زوال
الشمس عبارة عن بداية انحطاطها مُغَرِّبةً بعد نهاية ارتفاعها، وهو أول وقت
الظهر بالإجماع، ولا خلاف أن الوقت من فُروض الصلاة، ومن شروط
صحّتها إلا شيئاً رُوي عن أبي موسى الأشعريّ رَظُه، وبعض السلف، ولم
يصحّ عنهم، وانعقد الإجماع على خلافه، ولا خلاف في أوائل أوقات
الصلوات إلا في وقت العصر والعشاء، فأبو حنيفة يقول: أول وقت العصر آخر
القامتين، وخالفه الناس كلّهم حتى أصحابه، وأما العشاء فاتُّفِقَ على أن وقتها
بعد مغيب الشفق، لكن ذهب أبو حنيفة والمزنيّ إلى أنه البياض، والجمهور
على أنه الحمرة، واختلفوا في تحديد أواخر الأوقات. انتهى(١).
وقوله: (وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ) قال القرطبيّ ◌َظَُّهُ: يعني بعد طرح
اعتبار القدر الذي زالت عليه الشمس، إن كان له قدرٌ، فلو قدّرنا أن الشمس
وقفت على رأس ذي الظلّ لم يكن للظلّ قدرٌ، واعتُبر من أصل القائم. انتهى.
[فائدة]: قال الإمام ابن المنذر تَخْتُ: إذا أراد الرجل معرفة الزوال في
كل وقت، وكل بلد، فلينصب عُوداً مستوياً في مُسْتَوي من الأرض قبل الزوال،
فإن الظل يتقلَّص إلى العود، فيتفقد نقصانه، فإن نقصانه إذا تناهى زاد، فإذا زاد
بعد تناهي نقصانه، فذلك الزوال، وهو أول وقت الظهر، وهذا المعنى محفوظ
عن ابن المبارك، ويحيى بن آدم، وإسحاق ابن راهويه، وغيرهم من أهل
(١) ((المفهم)) ٢٣٤/٢.

٤٢٧
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩٠)
العلم. انتهى (١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ) فيه بيان أن الوقت ممتدٌ متّسِعٌ، وأن آخره
أول وقت العصر، وهو انتهاء آخر ظلّ المثل، وهذا مثل ما جاء في حديث
إمامة جبريل معلّ بالنبيّ ◌َ ر أنه صلّى به العصر في اليوم الأول حين كان ظلّ
كلّ شيء مثله، وكلاهما حجة على أبي حنيفة في قوله: إن أول وقت العصر
إذا كان ظلّ كلّ شيء مثليه، وهو قولٌ شاذٌّ، خالف فيه هذه النصوص، وجميعَ
الناس، خلا أنه حُكي عن الشافعيّ، وقد تبرّأ من هذا القول أصحاب أبي
حنيفة والشافعيّ؛ لظهور فساده(٢).
(وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ) أي ما لم يدخلها صفرة.
وقوله: (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ) قال القرطبيّ تَذْتُ: أكثر رواة هذا
الحديث لم يذكروا فيها ((الأوسط))، وإنما يقولون: ((إلى نصف الليل))، فقط،
وتلك الزيادة هي من حديث همّام عن قتادة، وكلُّ من روى هذا الحديث عن
قتادة لم يذكرها غيره، وكأنّ هذه الرواية وهمٌ؛ لأن الأوسط في المقدّرات
والمعدودات إنما يقال فيما يتوسّط بين اثنين فأكثر، اللهمّ إلا أن يريد بالأوسط
الأعدل، فحينئذ يصحّ أن يقال: هو أوسط الشيئين، أي أعدلهما، وهذا الشيء
أوسط من هذا، أي أعدل منه.
ويُمكن أن تُحمَل رواية تلك الزيادة على الصحّة، ويكون معناه أن
النصف الأول أعدل بالنسبة إلى إيقاع الصلاة فيه من النصف الآخر؛ لتأدية
الصلاة في الأول، وكثرة الثواب فيه. انتهى(٣).
وقوله: (وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ) قال القرطبيّ تَخْلُهُ: الفجر
هو انصداع البياض من المشرّق، وسُمّيَ بذلك؛ لانفجاره، أي لظهوره
وخروجه كما ينفجر النهر، وهو اثنان: كاذبٌ، وهو المسمّى بذنب السِّرْحان،
وهو الصاعد المستطيل، وصادقٌ، وهو الممتدّ المنتشر في الأفق. انتهى(٤).
وقوله: (فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِْ عَنِ الصَّلَاةِ) هذا حجة لأبي حنيفة
(١) ((الأوسط)) ٣٢٨/٢.
(٣) ((المفهم)) ٢٣٨/٢ - ٢٣٩.
(٢) ((المفهم)) ٢٣٤/٢ - ٢٣٥.
(٤) ((المفهم)) ٢٣٩/٢.

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وأصحاب الرأي في منعهم إيقاع شيء من الصلوات فرضها ونفلها عند الطلوع،
وقد غَلَوا في هذا حتى قالوا: لو طلعت الشمس، وقد صلّى ركعة من الصبح
بطلت صلاته، وهذا خلاف ما عليه كافّة أهل العلم، فإنهم يرون أن الفرض لا
يتناوله هذا العموم بنصّ قوله وسلم: ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع
الشمس، فقد أدركها))، متّفقٌ عليه، وفي رواية للبخاريّ: ((وإذا أدرك سجدة من
صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته))، ولفظ أحمد: ((من صلّى
ركعة من الصبح، ثم طلعت الشمس، فلیتم صلاته)).
فانظر أيها العاقل، فهل يوجد أصرح من هذه النصوص؟، فالعجب كلّ
العجب ممن يحاول في ردّ هذه النصوص الصريحة بتأويلات فاسدة،
وتحويلات كاسدة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقوله: (فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ))) وفي نسخة: ((بين قرني الشيطان))،
قيل: المراد بقرنه أمته وشيعته، وقيل: قرنه جانب رأسه، وهذا ظاهر الحديث،
فهو أولى، ومعناه: أنه يدني رأسه إلى الشمس في هذا الوقت؛ ليكون
الساجدون للشمس من الكفار في هذا الوقت كالساجدين له، وحينئذ يكون له
ولشيعته تسلُّط وتمكّن من أن يَلْبِسوا على المصلى صلاته، فكرهت الصلاة في
هذا الوقت لهذا المعنى، كما كرهت في مأوى الشيطان، قاله النوويّ تَذُّهُ(١).
والحديث من أفراد المصنّف كَّلُهُ، ومسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[١٣٩١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي(٢) أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ
عَبْدِ اللهِ بْنِ رَزِينٍ، حَدَّثَنَا (٣) إِبْرَاهِيمُ - يَعْنِي ابْنَ طَهْمَانَ - عَنِ الْحَجَّاجِ - وَهُوَ
ابْنُ حَجَّاجِ(٤) - عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ
قَالَ: سُئِلَّ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ؟(٥) فَقَالَ: ((وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ مَا
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٣/٥.
(٣) وفي نسخة: ((حدّثني)).
(٥) وفي نسخة: ((عن وقت الصلاة)).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثني)).
(٤) وفي نسخة: ((وهو ابن الحجّاج)).

٤٢٩
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩١)
لَمْ يَطْلُغْ قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ عَنْ بَطْنٍ
السَّمَاءِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ صَلَةِ الْعَصْرِ، مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَيَسْقُطْ
قَرْنُهَا الْأَوَّلُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ،
وَوَقْتُ صَلَةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان،
ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٦٤) وله (٨٠) سنة تقدّم في ((المقدّمة)) ٦/ ٩٠.
٢ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَزِين) بن محمد بن بُرْد السَّلَمَيّ، أبو العبّاس
النيسابوريّ، صدوقٌ، له غرائب [٩].
رَوَى عن أخيه مبشر بن عبد الله، وإبراهيم بن طهمان، وسفيان بن
حسين، وأبي إسحاق، وبكير بن معروف، وأبي الأشهب جعفر بن الحارث
الواسطيّ.
ورَوى عنه أحمد بن يوسف السَّلَميّ، وأبو الأزهر، وإسحاق بن عبد الله
السليماني، وأيوب بن الحسن الزاهد، والحسين بن منصور بن جعفر السلمي،
وسهل بن عمار الْعَتَكيّ، ومسعود بن قتيبة النيسابوريون.
قال الحاكم: خطتهم أشهر خطة بنيسابور، سمع من ابن إسحاق، وذكر
غيره بنيسابور، قال: ولم يرحل، وقال سهل بن عمار: لم يكن بخراسان أنبل
منه، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقال: رَوَى عن سفيان بن حسين
الغرائب.
وقال السّرّاج: سمعت الحسن بن عبد الصمد يقول: مات عمي عمر بن
عبد الله بن رزين سنة ثلاث ومائتين.
انفرد به المصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا
الحديث، وعند أبي داود حديثٌ في ترجمة سعيد بن حكيم.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنَ طَهْمَانَ) بن شعبة الخراسانيّ، أبو سعيد، وُلِد بِهَراة،
وسكن نيسابور، وقَدِم بغداد، ثم سكن مكة إلى أن مات، ثقةٌ يُغرب، وتُكُلِّم
فيه بالإرجاء، ويقال: رجع عنه [٧].

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعيّ، وأبي إسحاق الشيبانيّ وعبد العزيز بن
صهيب، وأبي جمرة نصر بن عمران الضُّبَعيّ، ومحمد بن زياد الْجُمَحيّ، وأبي
الزبير، والأعمش، وشعبة، وسفيان، والحجاج بن الحجاج الباهليّ، وجماعة.
ورَوَى عنه حفص بن عبد الله السلميّ، وخالد بن نِزَار، وابن المبارك،
وأبو عامر الْعَقَديّ، ومحمد بن سنان الْعَوفيّ، ومحمد بن سابق البغداديّ،
وغيرهم، ورَوَى عنه صفوان بن سُليم، وهو من شيوخه.
قال ابن المبارك: صحيح الحديث، وقال أحمد، وأبو حاتم، وأبو
داود: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: صدوقٌ، حسن الحديث، وقال ابن معين،
والعجليّ: لا بأس به، وقال عثمان بن سعيد الدارميّ: كان ثقةً في الحديث،
لم يزل الأئمة يشتهون حديثه، ويرغبون فيه، ويُوَثِّقونه، وقال صالح بن محمد:
ثقةٌ حسن الحديث، يميل شيئاً إلى الإرجاء في الإيمان، حبّب الله حديثه إلى
الناس، جَيِّد الرواية، وقال إسحاق ابن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن
الرواية، كثير السماع، ما كان بخراسان أكثر حديثاً منه، وهو ثقةٌ، وقال
يحيى بن أكثم القاضي: كان من أنبل من حَدَّث بخراسان والعراق والحجاز،
وأوثقهم وأوسعهم علماً.
وقال الحسين بن إدريس: سمعت محمد بن عبد الله بن عمار الموصليّ
يقول: فيه ضعْفٌ، مضطرب الحديث، قال: فذكرته لصالح - يعني جَزَرَة -
فقال: ابن عمار من أين يعرف حديث إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في
الجمعة، يعني الحديث الذي رواه ابن عمار عن المعافى بن عمران، عن
إبراهيم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة: ((أولُ جمعةٍ جُمِّعَت بِجُوَاثًا))، قال
صالح: والغلط فيه من غير إبراهيم؛ لأن جماعة رووه عنه، عن أبي جمرة،
عن ابن عباس، وكذا هو في تصنيفه، وهو الصواب، وتفرد المعافى بذكر
محمد بن زياد، فعُلِم أن الغلط منه، لا من إبراهيم، وقال السليمانيّ: أنكروا
عليه حديثه عن أبي الزبير، عن جابر، في رفع اليدين، وحديثه عن شعبة، عن
قتادة، عن أنس: ((رُفِعت لي سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهار ... )). انتهى.
قال الحافظ: فأما حديث أنس فعلَّقه البخاريّ في ((الصحيح)) لإبراهيم،
ووصله أبو عوانة في ((صحيحه))، وأما حديث جابر، فرواه ابن ماجه، من

٤٣١
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩١)
طريق أبي حذيفة عنه، وقال أحمد: كان يرى الإرجاء، وكان شديداً على
الجهمية، وقال أبو زرعة: ذُكِر عند أحمد، وكان متكئاً، فاستوى جالساً،
وقال: لا ينبغي أن يُذْكَر الصالحون، فنتكئ، وقال الدار قطنيّ: ثقةٌ، إنما
تكلموا فيه للإرجاء، وقال البخاريّ في ((التاريخ)): حدثنا رجلٌ حدّثني عليّ بن
الحسن بن شقيق، سمعت ابن المبارك يقول: أبو حمزة السُّكّريّ، وإبراهيم بن
طَهْمان صحيحا العلم والحديث، قال البخاريّ: وسمعت محمد بن أحمد
يقول: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن إبراهيم؟ فقال: صدوقُ اللهجة،
وقال ابن حبان في ((الثقات)): قد رَوَى أحاديث مستقيمةً، تُشْبِه أحاديث
الأثبات، وقد تفرد عن الثقات بأشياء معضلات.
قال الحافظ: الحقّ فيه أنه ثقةٌ صحيح الحديث، إذا روى عنه ثقةٌ، ولم
يثبت غُلُوُّه في الإرجاء، ولا كان داعيةً إليه، بل ذَكَرَ الحاكم أنه رجع عنه،
والله أعلم، وأورد الحاكم في ((المستدرك) من حديثه عن الحكم حديثاً، وتعقبه
الذهبيّ في (مختصره)» بأنه لم يدركه.
وأسند الخطيب عن يحيى الذَّهْليّ أنه مات سنة (١٦٣)، وقال مالك بن
سليمان: مات سنة (١٦٨) بمكة، ولم يخلف مثله(١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦١٢)
و(٩٥٤) و(١١٤٢) و(٢٢٧٧).
٤ - (الْحَجَّاجُ بْنُ الْحَجَّاجِ) الباهليّ البصريّ الأحول، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أنس بن سيرين، وقتادة، ويونس بن عبيد، وأبي الزبير، وأبي
قَزَعَة، وغيرهم.
ورَوَى عنه إبراهيم بن طهمان نسخةً كبيرةً، ويزيد بن زريع، وقَزَعَةُ بن
سُوَيد بن حُجَير، وروى عنه ابن أبي عروبة، ومحمد بن جُحادة، وهما من
أقرانه.
قال أحمد: ليس به بأسٌ، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ من
الثقات، صدوقٌ، أروى الناس عنه إبراهيم بن طهمان، وقال ابن خزيمة: هو
(١) (تهذيب التهذيب)) ١١٣/١.

٤٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أحد أصحاب قتادة، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
(الثقات)).
وزَعَم عبد الغني بن سعيد: هو حجاج الأسود زِقُّ العسل الْقَسْمَليّ،
وفَرَّق بينهما ابن أبي حاتم وغيره، وهو الصواب(١).
قال يزيد بن زُريع: مات في الطاعون، وقال غيره: كان الطاعون بالبصرة
سنة (١٣١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ؟) وفي نسخة: ((عن وقت
الصلاة)) .
وقوله: (قَرْنُ الشَّمْسِ الْأَوَّلُ) أي طرفها الأعلى، وهو أول ما يبدو منها
في الطلوع، وأول ما يسقط منها في الغروب.
وقوله: (مَا لَمْ يَسْقُطِ الشَّفَقُ) أي يغِبِ الشفق من الأفق.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّمت مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٩٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْجِسْمِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام المشهور، تقدّم في
الباب.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) اليماميّ، صدوقٌ [٨].
(١) راجع: ((تهذيب التهذيب)) ١٧٥/٢.

٤٣٣
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩٢)
رَوَى عن أبيه، وجعفر بن محمد بن عليّ، ورَوى عنه زيد بن الحباب،
وعبد العزيز الأَويسيّ، ويحيى بن بسطام، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ،
ومحمد بن سلمان لُوَين، ومسدد، وإسحاق بن أبي إسرائيل، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: ثقةٌ لا بأس به، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، قال
البخاريّ: أثنى عليه مسددٌ، لقيه باليمامة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال
عبد الله بن جعفر بن أعين: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا عبد الله بن
يحيى بن أبي كثير، وكان من خيار الناس، وأهل الورع والدين، ما رأيت
باليمامة خيراً منه، وقال ابن عديّ: لم أجد للمتقدمين فيه كلاماً، ولا أَعرف له
ما أُنكِره إلا حديث النهي عن أكل أُذُني القلب، ورواه عن أبيه، عن رجل من
الأنصار مرفوعاً، وأرجو أنه لا بأس به.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، برقم (٦١٢) و(٢٢٦٣).
٣ - (أَبُوهُ) يحيى بن أبي كثير الطائيّ، تقدّم قبل بابين.
شرح الأثر :
(لَا يُسْتَطَاعُ الْعِلْمُ) ببناء الفعل للمفعول، أي لا يتيسّر، ولا يسهل
حصوله، قال في ((القاموس)): واستَطَاعَ: أطاق، ويقال: اسْطَاعَ، ويَحذفون
التاء؛ استثقالاً لها مع الطاء، ويكرهون إدغام التاء فيها، فتُحرّك السين، وهي
لا تُحرّك أبداً، وقرأ حمزة غير خلّاد: ﴿فَمَا أَسْطَعُواْ﴾ بالإدغام، فجمع بين
الساكنين، وبعض العرب يقول: استاع يَسْتِيع، وبعضٌ يقول: أَسْطاع يُسِطِيعُ
بقطع الهمزة، بمعنى أطاع يُطيع. انتهى (١) .
وقوله: (بِرَاحَةِ الْجِسْم) متعلّق بـلايُستطاع))، والمعنى: أن العلم لا يوجد
بالراحة والدَّعَةِ، وإنما يوجدَ بإتعاب الجسم، وإرهاق النفس، كما قال القائل
[من الوافر]:
تَرُومُ الْعِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلاً يَغُوصُ الْبَحْرَ مَنْ طَلَبَ اللَّئَالِي
(١) ((القاموس المحيط)) ٦٠/٣.

٤٣٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أَضَاعَ الْعُمْرَ فِي طَلَبِ الْمُحَالِ
فَمَنْ رَامَ الْعُلُوَّ بِغَيْرٍ كَدِّ
وقال آخر [من الكامل]:
كَالسَّيْلِ حَرْبٌ لِلْمَکَانِ الْعَالِي
الْعِلْمُ حَرْبٌ لِلْفَتَى الْمُتَعَالِي
وقال آخر: [من الطويل]:
وَلَا بُدَّ دُونَ الشَّهْدِ مِنْ إِبَرِ النَّحْلِ
تُرِيدِينَ إِذْرَاكَ الْمَعَالِي رَخِيصَةً
وقال آخر [من البسيط]:
دَبَبْتَ لِلْمَجْدِ وَالسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا
وَكَابَدُوا الْمَجْدَ حَتَّى مَلَّ أَكْثَرُهُمْ
لَا تَحْسَبِ الْمَجْدَ تَمْراً أَنْتَ آكِلُهُ
حَدَّ النُّفُوسِ وَأَلْقَوْا دُونَهُ الأُزُرَا
وَعَانَقَ الْمَجْدَ مَنْ وَافَى وَمَنْ صَبَرَا
لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا
[تنبيه]: قال النوويّ كَُّ: جَرَت عادة الفضلاء بالسؤال عن إدخال مسلم
هذه الحكاية عن يحيى، مع أنه لا يذكر في كتابه إلا أحاديث النبيّ وَِّ محضةً،
مع أن هذه الحكاية لا تتعلق بأحاديث مواقيت الصلاة، فكيف أدخلها بينها؟
وحَكَى القاضي عياض تَخُّْ عن بعض الأئمة أنه قال: سببه أن مسلماً: أعجبه
حسن سياق هذه الطرق التي ذكرها لحديث عبد الله بن عمر، وكثرة فوائدها،
وتلخيص مقاصدها، وما اشتملت عليه من الفوائد في الأحكام وغيرها، ولا
نعلم أحداً شاركه فيها، فلما رأى ذلك أراد أن يُنَبِّه مَن رَغِبَ في تحصيل الرتبة
التي يُنَالُ بها معرفة مثل هذا، فقال: طريقه أن يُكثر اشتغاله وإتعابه جسمه في
الاعتناء بتحصيل العلم، هذا شرح ما حكاه القاضي تَظُّهُ. انتهى (١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْفُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٩٣] (٦١٣) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا
عَنِ الْأَزْرَقِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِّ وَِّ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ
(١) ((إكمال المعلم)) ٥٧٧/٢ - ٥٧٨، و((شرح النوويّ)) ١١٣/٥ - ١١٤.

٤٣٥
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩٣)
عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ لَهُ: ((صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنٍ)) - يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ - فَلَمَّا زَالَتِ
الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالاً فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظَّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ
مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ
الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ
الْيَوْمُ الثَّانِيِ(١) أَمَرَهُ، فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ، فَأَبْرَدَ بِهَا، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا، وَصَلَّى الْعَصْرَ،
وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ،
وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: ((أَيْنَ
السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟))، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((وَقْتُ صَلَائِكُمْ
بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيد) أبو قُدامة السرخسيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ) المخزوميّ الواسطيّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٥)
عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩١/٢٣.
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة))
١/١.
٥ - (عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْئَدٍ) الحضرميّ، أبو الحارث الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع)
تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٨/٢٥.
٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الحُصيب الأسلميّ المروزيّ قاضيها، ثقةٌ [٣]
(ت١٠٥) عن (٩٠) سنة (م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٨/٢٥.
٧ - (أَبُوهُ) بريدة بن الْحُصَيب أبو عبد الله، وقيل غير ذلك، الصحابيّ،
مات ظُله سنة (٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥٣٣/١٠٠.
(١) وفي نسخة: ((فلما كان اليوم الثاني)).

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف كَثْلُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه، فالأول ما أخرج له
ابن ماجه، والثاني انفرد به هو، والبخاريّ، والنسائيّ، وسليمان، ما أخرج له
البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن أبيه، والله - تعالى - أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّبِيِّ ◌ِّه
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بريدة بن الحصيب ◌ُه
أَنَّ رَجُلاً) لم يُسمّ (سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟) أريد به جنس الصلاة، أي
الصلوات الخمس، وفي رواية شعبة التالية: ((فسأله عن مواقيت الصلاة)) (فَقَالَ
لَهُ) النبيّ وَّهِ (صَلِّ مَعَنَا) وفي رواية شعبة: ((اشهد معنا الصلاة)) (هَذَيْنٍ)) -
يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ) هكذا في رواية المصنّف، وفي رواية النسائيّ: ((صلّ معنا هذين
اليومين))، بدون ((يعني))، أي إذا أردت أن تتعلم أوقات الصلاة، أوائلها،
وأواخرها، صلّ معنا في هذين اليومين الآتيين؛ إذ المشاهدةُ أقوى من السمع
(فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ وَِّ (بِلاَلاً) ◌َبه، أي بالأذان، فحُذف مفعوله؛
اختصاراً؛ للعلم به (فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ) أي بالإقامة (فَأَقَامَ الظَّهْرَ) أي لأجل صلاة
الظهر، وفي رواية شعبة: ((ثمّ أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء))
(ُمَّ أَمَرَهُ) أي بلالاً رَّه بالإقامة (فَأَقَامَ) أي بعد الأذان (الْعَصْرَ) لأجل صلاتها
(وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال، والرابط الواو (بَيْضَاءُ)
أي لم تخالطها صفرة (نَقِيَّةٌ) أي صافيةٌ، والمراد أنه أول وقت العصر (ثُمَّ أَمَرَهُ)
أي بالإقامة (فَأَقَامَ) أي بعد الأذان (الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ) وفي رواية
شعبة: ((حين وجبت الشمس))، وفي رواية النسائيّ: ((ثم أمره حين وقع حاجب
الشمس))، أي حين غاب وسقط حاجب الشمس، أي طرفها الأعلى الذي
بغیبته تغيب الشمس كلها .
وقال في ((زَهْرِ الرُّبَى)): قيل هو طرف قرص الشمس الذي يبدو عند

٤٣٧
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩٣)
الطلوع، ويغيب عند الغروب، وقيل: النَّيَازِك التي تبدو إذا كان طلوعها، وفي
((الصحاح)): حواجب الشمس: نواحيها. انتهى.
و((النََّازِك)): جمع نَيْزَك بفتح فسكون: الرمح القصير.
(ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ) فيه أنه صلاها في أول وقتها (ثُمَّ
أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا أَنْ) بفتح الهمزة، وسكون النون زائدة،
كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّ أَنْ جَ اُلْبَشِيرُ﴾، وسقطت من بعض النسخ (كَانَ
الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ) أي أمر النبيّ نَّهِ بلالاً ◌َبه، والمفعول الثاني محذوف، أي
بالإبراد (فَأَبْرَدَ بِالظَّهْرِ) أي أدخلها في البرد، يقال: أبرد بالظهر: إذا أدخل
صلاة الظهر في البرد، وهو سكون شدّة الحر، فالباء للتعدية (١).
وقال الخطابيّ تَُّ: الإبراد: أن يَتَفَيَّأ الأفْياء، ويَنْكَسِر وَهَجُ الحرّ، فهو
بَرْدٌ بالإضافة إلى حرّ الظهيرة. انتهى.
(فَأَبْرَدَ بِهَا) هكذا في رواية المصنّف، والظاهر أنه كرّره للتأكيد، وفي
رواية النسائيّ: ((ثم أبرد بالظهر، وأنعم أن يُبرد)) (فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا) أي أطال
الإبراد، وأخّر الصلاة، ومنه قولهم: أنعم النظر في الشيء: إذا أطال التفكر
فيه، قاله ابن الأثير رَّتْهُ(٢).
والمعنى أنه أخّر الظهر، وبالغ في التأخير، وفي حديث أبي موسى الآتي
بعده: ((ثم أخّر الظهر حتى كان قريباً من وقت العصر بالأمس))، فتبيّن به أن
المراد تأخيره إلى قبيل صيرورة الظل مثليه.
(وَصَلَّى الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ) أي في اليوم
الأول، يعني أنه أخّر العصر تأخيراً زائداً على الوقت الذي صلاها فيه في اليوم
الأول (وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) يعني أنه صلاها في آخر الوقت،
وفيه حجة على الشافعيّ ومالك القائِلَينِ بأن للمغرب وقتاً واحداً، وقد تقدّم
البحث في ذلك مستوفى في شرح حديث عبد الله بن عمرو مقًا.
(وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا) أي دخل
بها في وقت الإسفار، يقال: سَفَرَ الصبحُ يَسْفِرُ، من باب ضرب: أضاء،
(١) راجع: ((المصباح المنير)) مادة برد.
(٢) ((النهاية: لابن الأثير ٨٣/٥.

٤٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وأشرق، كأسفر، أفاده في ((القاموس)) (١).
(ثُمَّ قَالَ) وَ ((أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟») أي عن أوقاتها، وفيه
بيان لاهتمامه وَ ل﴿ بأمر السائل (فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ) ◌ِ ((وَقْتُ
صَلَائِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ))) مبتدأ وخبره، فـ ((وقت)) مبتدأ مضاف إلى ((صلاتكم))،
و(بين)) منصوب على الظرفية متعلق بخبر المبتدأ، وهو مضاف إلى ((ما))
الموصولة، وجملة ((رأيتم)) صلة ((ما))، والتقدير: وقت صلاتكم كائنٌ بين الوقت
الذي رأيتموه، وفي رواية النسائيّ: ((وقت صلاتكم ما بين ما رأيتم)).
والمعنى: أن الوقت المختار للصلوات الخمس، بين الوقت الذي
صليناها فيه في اليوم الأول، والوقت الذي صليناها فيه في اليوم الثاني، أي
مع إدخال الوقت الذي صلّى فيه في اليومين، فيكون بياناً بالفعل والقول.
وإنما قلنا: الوقت المختار؛ لأنه يجوز تأخير الصلوات بعد ذلك؛ لأدلة
أخرى؛ كتأخير العصر ما لم تغرب الشمس، وتأخير العشاء إلى نصف الليل
على الراجح، أو إلى الفجر على رأي الجمهور، وتأخير صلاة الفجر ما لم
تطلع الشمس.
وقال النوويّ كَخَّلهُ: هذا خطاب للسائل وغيره، وتقديره: وقت صلاتكم
في الطرفين اللذين صليت فيهما، وفيما بينهما، وترك ذكر الطرفين بحصول
علمهما بالفعل، أو يكون المراد ما بين الإحرام بالأولى والسلام من الثانية.
انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بريدة رضيبه هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٩٣/٣١ و١٣٩٤] (٦١٣)، و(الترمذيّ) في
((الصلاة)) (١٥٢)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥١٩)، وفي ((الكبرى))
-
(١) ((القاموس المحيط)) ٤٩/٢.
(٢) ((شرح مسلم) ١١٤/٥ - ١١٥.

٤٣٩
(٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٩٣)
(١٥١٥)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (٦٦٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥/
٣٤٩)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٥١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(٣٢٣ و٣٢٤)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (١٤٩٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(١١٠٨ و١١٠٩ و١١١٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٦٩ و١٣٧٠)،
و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٤٨/١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١/
٢٦٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧١/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أوقات الصلوات الخمس حيث بيّن ◌َّه للسائل بصلاته
في اليومين.
٢ - (ومنها): وجوب الاهتمام بتعلم أحكام الدين، ولا سيما ما يتعلق
بالصلاة.
٣ - (ومنها): بيان أن للصلاة وقت فضيلة، ووقت اختيار.
٤ - (ومنها): أن وقت صلاة المغرب يمتدّ إلى غيبوبة الشفق.
٥ - (ومنها): استحباب البيان بالفعل؛ لأنه أبلغ في الإيضاح، والفعل
تعم فائدته السائل وغيره.
٦ - (ومنها): جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وهي مسألة اختلف
فيها الأصوليون، قال المازريّ كَّتُهُ: قد انفُصِل عن هذا بأن البيان الذي وقع
فيه الخلاف إنما هو أول بيان يكون، ولعله وَله إنما أخّر إخباره هذا؛ لأنه قد
تقدّم بيانه لغيره وإشاعة هذا الحكم.
قال: وإنما يكون هذا انفصالاً إذا علمنا أنه وَ له لم يُلزَم البيان إلا أوّل
مرّة، ولم يتحقّق عندي الآن ما كُلِّف به وَلّ من هذا؛ لأنه يجوز أن يُتعبَّد
بالبيان لكلّ من سأله. انتهى.
قال القاضي عياض تَكْثُ بعد نقل كلام المازريّ هذا: قول النبيّ وَله:
((صلّ معنا هذين اليومين)) رَفَعَ الإشكال في تأخيره، وفَسَّرَ ما أجمله في غيره
من الحديث في سكوته وَّه عن الجواب، كما جاء في حديث أبي موسى
الآتي، وأن معنى سكوته هناك سكوته عن الجواب إن كان الحديث واحداً،
وأنه رأى البيان له بالفعل أبلغ وأشمل له ولغيره ممن يصلّ معه من المسلمين؛

٤٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
إذ القول لا يبلغ مبلغ الفعل؛ إذ القول يسمعه البعض، والفعل يعلمه كلُّ من
صلّى معه ◌َله .
وقال الباجيّ تَخُّْ: ليس هذا من تأخير البيان الذي تكلّم شيوخنا في
جواز تأخيره عن وقت الخطاب بالعبادة إلى وقت الحاجة، وهو مذهب
الباقلانيّ والجمهور، ومنعه الأبهريّ وغيره؛ لأن الخطاب هنا بالصلاة، وبيان
أحكامها، وقد تقدّم قبل هذا للسائل، فلم يسأل إلا عما ثبت بيانه، وعُرف
حكمه، ولا خلاف أن للنبيّ وَلهو أن يؤخّر جواب السائل له عن وقت سؤاله،
وأن لا يُجيبه أصلاً، وقد فَعَل ذلك في مسائل كثيرة، ولا خلاف أنه لا يجوز
تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى الفعل.
وتكلّم الشيوخ في وجه تأخيره وّ مع جواز موته قبل التعليم، فقيل:
يَحْتَمِل أنه أوحي إليه بأن ذلك لا يكون، وقيل: هذا لا يلزم؛ لأن العادةَ غالباً
في مثل هذا، وظاهرَ الأمر حياته هذين اليومين، واستصحاب حال السلامة.
وقد يقال: إن هذا سؤال لا يلزم في حقّ السائل؛ لأنه إن اختُرِم قبل
علمه ما سأل عنه من دينه فلم يضرّه جهله به؛ إذ لم تأت عليه عبادة يَحتاج
إليها فيه؛ لموته قبلها. انتهى(١) .
٧ - (ومنها): جواز تأخير الصلاة عن أول وقتها، وترك فضيلة أول
الوقت؛ لمصلحة راجحة، قاله النوويّ ◌َّفُ(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٩٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي (٣) إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ السَّامِيُّ، حَدَّثَنَا
حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْئَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ وَّهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ (٤): ((اشْهَدْ مَعَنَا
(١) ((إكمال المعلم)) ٢ /٥٧٥ - ٥٧٦.
(٣) وفي نسخة: ((حدّثني)).
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١٤/٥.
(٤) وفي نسخة: ((فقال له)).