النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (٣٠) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرََكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (١٣٧٧) عن المد إلى غروب الشمس ليس مما يتعذر، كما لا يخفى على المنصف غير المتعسف، واختار صاحب ((الكوكب)) في معنى الحديث ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من جواز الصلاتين؛ العصر والصبح، وفراغ الذمة لمن صلّى في هذين الوقتين، وإن لم يخل فعله ذلك من الكراهة. واعلم أن الحنفية قد عجزوا عن دفع إلزام العمل ببعض هذا الحديث، وترك بعضه مع أن النقص قارن العصر ابتداء، والفجر بقاء، ولذلك ذهب الطحاويّ إلى عدم جواز عصر يومه كالفجر، خلافاً لمذهب الحنفية، قال صاحب ((الفيض)): إن الحديث لا يفرق بين الفجر والعصر، وظاهره موافقٌ لما ذهب إليه الجمهور، وتفريق الحنفية باشتمال العصر على الوقت الناقص دون الفجر عمل بإحدى القطعتين، وترك الأخرى بنحو من القياس. وذا لا يَرِدُ على الطحاويّ، فإنه ذهب إلى النسخ بالكلية بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها، إلا أن المعروف من مذهب الحنفية خلافه، فإنهم قائلون في العصر بصحتها، كما في الحديث، قال: فلم أر جواباً شافياً عنه في أحد من كتب الحنفية بعدُ. ثم حَمَل هو هذا الحديث على المسبوق، وقال: إن المراد بالإدراك إدراك الجماعة، لا إدراك الوقت، وإن الصلاة كلها في الوقت قبل الطلوع في الفجر، وقبل الغروب في العصر، ومعنى الحديث: من أدرك ركعة من الصبح مع الإمام، وركعة أخرى بعد انصرافه، وكلتاهما في الوقت قبل الطلوع، وكذا في العصر أدرك ركعة مع الإمام، وثلاث ركعات بعد سلامه، لكن الصلاة كلها وقعت في الوقت قبل الغروب. قال صاحب ((المرعاة)): وهذا تحريف للحديث، وإبطال لمؤدّاه، لا توجيه له مع أنه يبطل شرحه، ويَهْدِمه - كما اعترف هو - ما تقدّم من رواية البيهقي بلفظ: ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة)). هذا وقد أطال الكلام في الجواب عن هذه الرواية، وتقرير ما رامه من تحريف الحديث، وأتى بكلام كله تكلفات، ودعاوى محضة، ونسبة الوهم، ٣٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وسوء الفهم، والاختصار إلى الرواة من غير دليل وبرهان. انتهى كلام صاحب (المرعاة))(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما حقّقه صاحب ((المرعاة)) تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، وبهذا ظهر لك تعصب هؤلاء، وانحرافهم عن قبول ما صحّ من الحديث إذا خالف مذهبهم، ومنهم العينيّ في شرحه على البخاريّ، فقد أتى هناك بما لا يتناسب مع خدمته للبخاريّ، وقيامه في حلّ عويصات الكتاب اللغوية والنحوية قياماً حسناً، ولكن قاتل الله التعصب الذي يُعْمِي عن رؤية الحق حقّاً، ويُصِمّ عن سماعه صدقاً . اللهم أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه . والحاصل أن المذهب الصحيح هو مذهب الجمهور القائلين بأن من أدرك ركعة من الصبح قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الصبح، فيتم ما بقي، كما أن الكل اتفقوا على أن من أدرك ركعة من العصر، فقد أدرك العصر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٧٨] (٦٠٩) - (وَحَدَّثَنَا(٢) حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، وَالسِّيَاقُ لِحَرْمَلَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَهُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْعَصْرِ سَجْدَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ(٣)، فَقَدْ أَدْرَكَهَا))، وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ). (١) ((المرعاة شرح المشكاة)) ٣٠٩/٢ - ٣١١. (٢) وفي نسخة: ((حدّثنا). (٣) وفي نسخة: ((قبل أن تطلُع الشمس)). ٣٦٣ (٣٠) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (١٣٧٨) رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيع) الْبَجليّ، أبو عليّ الْبُورانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام، تقدّم قريباً. ٤ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ◌ِّ، تقدّمت قريباً أيضاً. والباقون تقدّموا في هذا الباب. وقوله: (وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ) هذا تفسير مدرج من بعض الرُّواة، ويَحْتَمِل أن يكون من الزهريّ؛ لأنه كثيراً ما يُدرِج تفسيره في الحديث، كما في حديث (بدء الوحي))، ويَحْتَمِل أن يكون من غيره، والله تعالى أعلم. قال الخطّابيّ تَخَّلهُ: المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها، فسُمّيت على هذا المعنى سجدةً. انتهى(١). وقال البغويّ كَُّ: أراد بالسجود ركعةً بركوعها وسجودها، والصلاة تُسمّى سجوداً كما تُسمّى ركوعاً، قال الله رَّ: ﴿وَمِنَ الَّيَّلِ فَأَسْجُدْ لَهُ﴾ [الإنسان: ٢٦]، أي صلّ، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَزْكَعُواْ مَعَ الزَّكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي المصلّين، سمَّى الركعة سجدةً؛ لأن تمامها بها. انتهى (٢). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا من أفراد المصنّف دَخَّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٧٨/٣٠] (٦٠٩)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥٥١)، و((الكبرى)) (١٥٣٣)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (٧٠٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٧٨/٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٥٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٠٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٥٦)، و(ابن (١) راجع: ((الفتح)) ٤٦/٢. (٢) ((شرح السنّة)) ٢٥٠/٢ - ٢٥١. ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٨٤)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (١٥١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧٨/١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٧٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا(١) عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا وقع في النسخ تأخير هذا الإسناد عن حديث عائشة ها، وكان الأولى تقديمه عليه؛ لأنه تبع لحديث أبي هريرة ظه، ولعله من تصرّف النسّاخ، فليُتنبّه. ورجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ) بن نصر الكسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر الحميريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخره، فتغيّر [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. والباقون ذُكِروا في هذا الباب. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَالِكِ ... إلخ) يعني أن معمراً حدّث عن الزهريّ بمثل ما حدّث به مالك، عن زيد بن أسلم. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه)) (٢٠٥/٢) فقال: (١٣٥٧) أخبرنا سليمان بن أحمد، أنبا إسحاق بن إبراهيم، أنبا عبد الرزاق، عن معمر (ح) وحدّثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا عبد الأعلى، ثنا معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٣٦٥ (٣٠) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (١٣٨٠) عن أبي هريرة، أن النبيّ وَ لّ قال: ((من أدرك ركعة من صلاة الفجر، قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها، ومن أدرك ركعة من صلاة العصر، قبل أن تغيب الشمس فقد أدركها)). لفظهما واحدٌ إلا أن عبد الرزاق قَدَّم العصر على الصبح، وقال: ((الصبح))، ولم يقل: الفجر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٠] (٦٠٨) - (وَحَدَّثَنَا(١) حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ أَدْرََّ مِنَ الْعَصْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ، وَمَنْ أَدْرََكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاؤُسٍ) اليمانيّ، أبو محمد، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان الْحِميريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الفارسيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ظ﴿يَا، تقدّم تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. والباقون ذُكروا قبل حديث، وشرح الحديث تقدّم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظه من هذا الوجه من أفراد المصنّف ◌َخْشُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٨٠/٣٠ و١٣٨١] (٦٠٨)، و(أبو داود) في (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٣٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ((الصلاة)) (٤١٢)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥١٤)، و((الكبرى)) (١٥٠١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٢٢٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٢/٢)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٩٨٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٨٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٠١ و١١٠٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٥٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٨/١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣٨١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَراً، بِهَذَا الْإِسْنَاهِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّاه) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ المعروف بالنَّرْسيّ، ثقةٌ، من كبار [١٠] (ت٦ أو٢٣٧) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧. ٢ - (مُعْتَمِر) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ الملقّب بالظُفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١. والباقي ذُكِر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد معمر السابق، وهو: عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبّاس، عن أبي هريرة. [تنبيه]: رواية معتمر هذه ساقها النسائيّ دَخّْثهُ، فقال: (٥١٥) أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا معتمر، قال: سمعت معمراً، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر، قال: ((من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل أن تغيب الشمس، أو أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس، فقد أدرك)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَّهِ أُنِيمُ﴾ . ٣٦٧ (٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٢) (٣١) - (بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٨٢] (٦١٠) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئاً، فَقَّالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ(١) قَدْ نَزَلَ، فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((نَزَلَ جِبْرِيلُ، فَأَمَّنِي، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ))، يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (هـ) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. ٣ - (ابْنُ رُمْح) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (عُرْوَةٌ) بن الزبير، تقدّم في الباب الماضي. ٦ - (بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو الأنصاريّ المدنيّ، قيل: إن له رؤيةٌ [٢]. رَوَى عن أبيه، وعنه ابنه عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وهلال بن جبر، ويونس بن ميسرة بن حَلْبَس. (١) وفي نسخة: ((أما عَلِمتَ أن جبرائيل)). ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) في التابعين، وكذا البخاريّ، ومسلم، وأبو حاتم الرازيّ. ورَوَى ابن منده من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن ابن حَلْبَس قال: قال بشير بن أبي مسعود، وكان من الصحابة، قال ابن منده: ورَوَى أبو معاوية، عن مِسْعَر، عن ثابت بن عُبيد، قال: رأيت بشير بن أبي مسعود، وكانت له صحبة. قال الحافظ: وقرأت بخط مغلطاي أن ابن خلفون ذَكَر في ((الثقات)) أن بشيراً وُلد بعد وفاة النبيّ وَّ ه بقليل، كذا قال، ولفظه: وُلِد في حياة النبيّ وَّ، أو بعده بیسیر. انتهى. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. ٧ - (أَبُوهُ) عقبة بن عمرو بن الأنصاريّ، أبو مسعود البدريّ الصحابيّ الجليل، مات رظ به قبل الأربعين، وقيل: بعدها، (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه إسناد بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن رُمح، فتفرّد به هو وابن ماجه، وبشير بن أبي مسعود، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، ومن عداهم مصریّون . ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه اشتهر بأنه بدريّ، فقيل: لأنه شهد غزوة بدر، وبه قال البخاريّ، ومسلم، وقيل: لم يشهدها، وإنما قيل له: بدريّ؛ لسكناه بدراً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الأمويّ، أمير المؤمنين، المتوفّى سنة (١٠١) تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٤٦/٦. (أَخَّرَ الْعَصْرَ) أي صلاة العصر (شَيْئاً) أي تأخيراً قليلاً، فهو مفعول مطلق على ٣٦٩ (٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٢) النيابة، وقال الطيبيّ نَظُّهُ: قوله: ((شيئاً)) صفة مصدر محذوف، أي تأخيراً يسيراً، يعني أنه أخّر صلاة العصر حتى غَبَر شيءٌ من وقتها. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَّقُ: قوله: ((شيئاً)) يدلّ على أن تأخيرها إنما كان عن أول وقت الاختيار، وإنما أنكر عليه لعدوله عن الأفضل، وهو ممن يُقتدى به، فيؤدّي تأخيره لها إلى أن يُعتقَدَ أن تأخير العصر سنّةٌ. ويَحْتَمِل أنه أخّرها إلى آخر وقت أدائها، وهو وقت الضرورة عندنا، معتقِداً أن الوقت كلّه وقتُ اختيار، كما هو مذهب إسحاق وداود، والأول أشبه بفضله وعلمه، وأظهر من اللفظ. انتهى (٢). (فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ) بن الزبير (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم، قال ابن مالك: هي حرف استفتاح بمنزلة ((ألا))، ويكون أيضاً بمعنى حقّاً، ذكر ذلك سيبويه، ولا تشاركها ((ألا)) في ذلك. انتهى. (إِنَّ جِبْرِيلَ) ظلَّلا، بكسرة همزة ((إنّ))؛ لوقوعها بعد ((أداة الاستفتاح))، وفي نسخة: ((أما عَلِمتَ أن جبرائيل))، وجبريل ظلّل هو الملك الموكّل بالوحي، وقد ذكرت ترجمته في ((شرح النسائيّ)) في هذا الموضع، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (قَدْ نَزَلَ) أي من السماء صبيحة ليلة الإسراء (فَصَلَّى إِمَامَ رَسُولِ اللهِ وَّ) بكسر الهمزة، كما بيّنه قوله الآتي: ((نزل جبريل، فأمّني، فصّيتُ معه ... ))، قاله النوويّ تَُّ(٣)، وقال في ((الفتح)): بفتح الهمزة من ((أمام))، وحَكَى ابن مالك أنه رُوي بالكسر، واستشكله؛ لأن ((إمام)) معرفة، والموضع موضع الحال، فوجب جعله نكرةً بالتأويل. انتهى (٤). وقال الطيبيّ تَخْتُ: قوله: ((إمام)) ضُبط في ((شرح مسلم)) بكسر الهمزة، وفي ((جامع الأصول)) مقيّدٌ بالكسر والفتح، فبالفتح ظرفٌ، وبالكسر إما أن يكون منصوباً بفعل مضمر، أي أعني إِمَامَ رسول الله وَّر، أو (كان)) المحذوفة، قال: وقال ابن مالك: هو من المعارف الواقعة أحوالاً، كقوله [من الوافر]: (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨٧٨/٣. (٢) ((المفهم)) ٢٣١/٢. (٤) ((الفتح)) ٣٥٨/٦ - ٣٥٩. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٧/٥. ٣٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .. كتاب المساجد ومواضع الصلاة فَأَرْسَلَهَا الْعِرَاكَ وَلَمْ يَذُدْهَا وَلَمْ يُشْفِقْ عَلَى نَغَصِ الدِّخَالِ أي معتركةً، أي مزدحمةً(١). ومقصود عروة بذلك: أن أمر الأوقات عظيمٌ، قد نزل لتحديدها جبريلعليّله، فعلّمها النبيّ ◌َّ بالفعل، فلا ينبغي التقصير في مثل هذا (٢)، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ لَهُ) أي لعروة (عُمَرُ) بن عبد العزيز (اعْلَمْ) بصيغة الأمر، من عَلِم ثلاثيّاً، وقال السنديّ تَّتُهُ: بصيغة الأمر من العلم، أي كن حافظاً ضابطاً له، ولا تقل عن غفلة، أو من الإعلام، أي بيّن لي حاله، وإسنادك فيه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((أو من الإعلام)) فيه نظرٌ، إذ يَحتاج إلى ثبوته رواية، ولم يذكُر ذلك أحد فيما علمت، والله تعالى أعلم. (مَا) موصولة مفعول ((اعلم))، وهي بمعنى ((اعرِفْ))، فتتعدّى لمفعول واحد، كما قال في ((الخلاصة)): لِعِلْم عِرْفَانٍ وَظَنِّ تُهَمَهْ تَعْدِيَةٌ لِوَاحِدٍ مُلْتَزَمَهْ (تَقُولُ يَا عُرْوَةُ) هذا تنبيه من عمر بن عبد العزيز لعروة على إنكاره عليه. قال الطيبيّ ◌َُّهُ: قوله: ((اعلم ما تقول ... إلخ)) تنبيه منه على إنكاره عليه، ثم تصديره بـ((أما)) التي هي من طلائع القسم، أي تأمّل ما تقول، وعلام تَحلِف وتُنكر؟، ومعنى إيراد عروة الحديث: أي كيف لا أدري ما أقول؟ وأنا صَحِبتُ، وسمعت ممن صحِبَ رسولَ الله ◌ِّه، وسمع منه هذا الحديث، فعرفتُ كيفيّة الصلاة وأوقاتها وأركانها. انتهى(٣). وقال في ((المرعاة)): الظاهر أنه استبعاد لإخبار عروة بنزول جبريل بدون الإسناد، فكأنه أغلظ عليه بذلك مع عظيم جلالته؛ إشارةً إلى مزيد الاحتياط في الرواية؛ لئلا يقع في محظور الكذب على رسول الله وَّل، وإن لم يتعمّده. انتهى(٤). (١) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨٧٩/٣. (٢) راجع: ((المرعاة)) ٢٩٢/٢. (٣) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٨٧٩/٣. (٤) ((المرعاة)) ٢٩٢/٢. ٣٧١ (٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٢) (فَقَالَ) عروة (سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو رُه (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((نَزَلَ جِبْرِيلُ) أي من السماء، وذلك صبيحة الليلة التي فُرِضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء، كما بيّنه ابن إسحاق (فَأَمَّنِي) أيِ تقدّم أمامي ليُصلّي بي، يقال: أمّه، وأمّ به: صلّى به إماماً، قاله الفيّوميّ (فَصَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة الظهر، وفيه أن صلاة النبيّ وَّ كانت مع صلاة جبريل (ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة العصر (ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة المغرب (ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة العشاء (ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي صلاة الصبح (يَحْسُبُ) بضمّ السين المهملة، مبنيّاً للفاعل، أي يَعُدّ، والظاهر أن فاعله ضمير النبيّ وَّ، أي يقول ذلك حال كونه يَحْسُبُ تلك المرّات بعقد أصابعه. قال الفيّوميّ ◌َُّهُ: حَسَبتُ المال حَسْباً، من باب قَتَل: أحصيته عدداً، وفي المصدر أيضاً حِسْبَةً بالكسر، وحُسْبَاناً بالضمّ، وأما حَسِبتُ زيداً قائماً أَحْسَبُهُ، فهو من باب تَعِبَ عند جميع العرب، إلا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع، مع كسر الماضي أيضاً على غير قياس، حِسْباناً، بمعنى ظَنَنْتُ. انتھی(١). (بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ) بنصب ((خمسَ)) مفعولاً لـ((يَحسُبُ))، أو لـ«صَلَّیتُ)). قال الطيبيّ تَخْتُهُ: وهذا مما يشهد بإتقانه، وضبطه أحوال رسول الله وَله . وقال القرطبيّ تَّتُهُ: ليس فيه حجة واضحة على عمر؛ إذ لم يُعيِّن له الأوقات التي صلَّى فيها، وغاية ما يُتوهّم عليه أنه نبهه، وذَگَّره بما كان يُعرَف من تفاصيل الأوقات المعروفة من حديث جبريل، كما قد روى ذلك النسائيّ(٢)، (١) ((المصباح المنير)) ١/ ١٣٤. (٢) هو ما رواه النسائيّ في ((سننه))، فقال: (٥١٣) - أخبرنا يوسف بن واضح، قال: حدّثنا قُدامة، يعني ابن شهاب، عن بُرْد، عن عطاء بن أبي رَبَاح، عن جابر بن عبد الله، ((أن جبريل أتى النبيّ وَِّ يُعَلِّمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل، ورسول الله صل خلفه، والناس خلف رسول الله وعليه، = ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وأبو داود (١). قال: ويظهر لي أن هذا التأويل فيه بُعْدٌ؛ لإنكار عمر بن عبد العزيز على عروة حيث قال له: اعلم ما تُحدّث به يا عروة، أَوَ إنّ جبريل هو الذي أقام لرسول الله و ◌َلّ وقت الصلاة، وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده خبرٌ من = فصلى الظهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل، ورسول الله ◌َ﴿ خلفه، والناس خلف رسول الله صلصله فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس، فتقدم جبريل، ورسول الله وَ *ل خلفه، والناس خلف رسول الله وَير، فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل، ورسول الله صل﴿ خلفه، والناس خلف رسول الله وَچ، فصلى العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر، فتقدم جبريل، ورسول الله اله خلفه، والناس خلف رسول الله وَ*، فصلى الغداة، ثم أتاه اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع مثل ما صنع بالأمس، فصلى الظهر، ثم أتاه حين كان ظل الرجل مثل شخصيه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى المغرب، فَنِمنا ثم قمنا، ثم نمنا ثم قمنا، فأتاه فصنع كما صنع بالأمس، فصلى العشاء، ثم أتاه حين امتدّ الفجر وأصبح، والنجوم بادية مشتبكة، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى الغداة، ثم قال: ما بين هاتين الصلاتين وقت)). انتهى. وهو حديث صحيح. (١) هو ما رواه أبو داود في ((سننه)) فقال: (٣٩٣) - حدّثنا مسدَّد، حدّثنا يحيى، عن سفيان، حدّثني عبد الرحمن بن فلان بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير بن مُطْعِم، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَله: ((أمّني جبريل لعلّه عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس، وكانت قدرَ الشراك، وصلى بي العصر حين كان ظله مثله، وصلى بي يعني المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجر حين حَرُم الطعام والشراب على الصائم، فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله، وصلى بي العصر حين كان ظله مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء إلى ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر، ثم التفت إليّ، فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين)). انتهى. وهو حديث صحيح. ٣٧٣ (٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٣) حديث إمامة جبريل(١)، إما لأنه لم يبلغه، أو بلغه فنسيه، وكلُّ ذلك جائز عليه، والأولى عندي أن حجة عروة عليه إنما هي فيما رواه عن عائشة، من أن النبيّ ◌َّ كان يصلي العصر، والشمس طالعة في حجرتها قبل أن تَظْهَرَ، وذَكَر له حديث جبريل موطِّئاً له، ومعلِّماً بأن الأوقات إنما ثبت أصلها بإيقاف جبريل للنبيّ وَلّ عليها، وتعيينها له، والله تعالى أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تأتي في الذي بعده - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣٨٣] ( ... ) - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْماً، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْماً، وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ، فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِهِ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَلهَ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّةِ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَِّ، ثُمَّ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْتَ، فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ(٣) يَا عُرْوَةُ، أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَّهُ هُوَ أَقَامَ (٤) لِرَسُولِ اللهِ نَّهِ وَقْتَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِّ وَ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ(٥)). (١) سيأتي التعقّب على هذا في كلام الحافظ قريباً - إن شاء الله تعالى -. (٣) وفي نسخة: ((ما تُحدّث به)). (٢) ((المفهم)) ٢٣١/٢ - ٢٣٢. (٤) وفي نسخة: ((هو الذي أقام)). (٥) وفي نسخة: ((قبل أن يظهر الفيء)). ٣٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضاً. والباقون تقدّموا في السند الماضي، وكذا لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْماً) تقدّم في رواية الليث، عن ابن شهاب، الماضية بيان تلك الصلاة، حيث قال: ((أخّر العصر شيئاً))، قال ابن عبد البرّ كَّلُ: ظاهر سياقه أنه فَعَل ذلك يوماً ما؛ لا أن ذلك كان عادةً له، وإن كان أهل بيته معروفين بذلك. انتهى. وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب: ((أَخَّر الصلاة مرةً، يعني العصر))، وللطبرانيّ من طريق أبي بكر بن حزم، أن عروة حَدَّث عمر بن عبد العزيز، وهو يومئذ أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك، وكان ذلك زمان يؤخرون فيه الصلاة، يعني بني أمية. وفي رواية أبي داود: ((وكان قاعداً على المنبر، فأخّر العصر شيئاً))، وفي رواية أبي عوانة في ((مسنده)): ((أنه كان قاعداً على المنبر في إمرته على المدينة، ومعه عروة بن الزبير، فأخّر عمر العصر شيئاً، فقال له عروة بن الزبير: أما إن جبريل ... )) الحديث. فتبيّن بهذا سبب تأخيره، وهو اشتغاله بأمور المسلمين، والله تعالى أعلم. وقال ابن عبد البرّ ◌َخّتُهُ: المراد أنه أخَّرها حتى خرج الوقت المستحب، لا أنه أخّرها حتى غربت الشمس. انتهى. قال في ((الفتح)): ويؤيده سياق رواية الليث المتقدمة. وأما ما رواه الطبرانيّ من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن أسامة بن زيد الليثيّ، عن ابن شهاب، في هذا الحديث، قال: ((دعا المؤذِّن لصلاة العصر، فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصليها))، فمحمول على أنه قارب المساء، لا أنه دخل فيه، وقد رجع عمر بن عبد العزيز عن ذلك، فروى الأوزاعيّ، عن ٣٧٥ (٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٣) عاصم بن رجاء بن حيوة، عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز يعني في خلافته، كان يصلي الظهر في الساعة الثامنة، والعصر في الساعة العاشرة حين تدخل. (فَدَخَلَ عَلَيْهِ) أي عمر بن عبد العزيز (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ المشهور، توفي سنة (٥٠) على الصحيح، وتقدّمت ترجمته في ((المقدمة)) ١/١. (أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْماً) بَيَّنَ عبدُ الرزاق في روايته، عن ابن جريج، عن ابن شهاب أن الصلاة المذكورة العصر أيضاً، ولفظه: أمسى المغيرة بن شعبة بصلاة العصر (وَهُوَ بِالْكُوفَةِ) وفي رواية البخاريّ: ((وهو بالعراق))، ولا تنافي بينهما؛ لأن الكوفة من جملة العراق، فالتعبير بها أخصّ من التعبير بالعراق، وكان المغيرة نظراته إذ ذاك أميراً عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان ﴿يا (فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ) عقبة بن عمرو البدريّ ◌َبه (فَقَالَ: مَا هَذَا) أي التأخير (يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ) كذا الرواية، وهو استعمال صحيح، لكن الأكثر في الاستعمال في مخاطبة الحاضر: ((ألستَ))، وفي مخاطبة الغائب: ((أليس)) (قَدْ عَلِمْتَ) قال القاضي عياض ◌َّتُهُ: هذا يدلّ ظاهره على علم المغيرة ظُه بذلك، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك على سبيل الظنّ من أبي مسعود ظُه؛ لعلمه بصحبة المغيرة، قال الحافظ تَغُّْ: ويؤيِّد الأول رواية شعيب، عن ابن شهاب، عند البخاريّ في ((غزوة بدر))، بلفظ: ((فقال: لقد علمتَ)) بغير أداة استفهام، ونحوه لعبد الرزاق، عن معمر وابن جريج جميعاً. انتهى (١). (أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ) بَيَّنَ ابن إسحاق في ((المغازي)) أن ذلك كان صبيحةَ الليلة التي فُرِضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء، قال ابن إسحاق: حدّثني عتبة بن مسلم، عن نافع بن جبير، وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قال نافع بن جبير وغيره: لَمّا أصبح النبيّ ◌َ﴿ من الليلة التي أُسري به لم يَرُعْهُ إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سُمِّيت الأولى، أي صلاة الظهر، فأَمَرَ، فَصِيح بأصحابه: ((الصلاة جامعة))، فاجتمعوا، فصلى به جبريل، وصلى النبيّ وَّ﴾ بالناس، فذكر الحديث، وفيه رَدٌّ على مَن زَعَم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحقّ (١) ((الفتح)) ٦/٢. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبيّ وَّة، قاله في ((الفتح))(١). (فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ نَّهِ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّةِ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِّهِ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّةِ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ وَ لِ﴾ قال القاضي عياض تَخْلُهُ: ظاهر أن صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل، لكن المنصوص في غيره أن جبريل أمَّ النبيّ وََّ، فيحمل قوله: ((صلَّى فصلى)) على أن جبريل كان كلما فعل جزءاً من الصلاة، تابعه النبيّ بفعله. انتهى. وبهذا جزم النوويّ. وقال غيره: الفاء بمعنى الواو، واعتُرِض بأنه يلزم أن يكون النبيّ وَّ كان يتقدَّم في بعض الأركان على جبريل، على ما يقتضيه مطلق الجمع، وأجيب بمراعاة الحيثية، وهي التبيين، فكان لأجل ذلك يتراخى عنه. وقيل: الفاء للسببية، كقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]. وفي رواية الليث الماضية: ((نَزَل جبريل، فَأَمَّني، فصليت معه ... ))، وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر: ((نَزَل، فصلى فصلى رسول الله وَّ، فصلى الناس معه))، وهذا يؤيد رواية نافع بن جبير المتقدمة. وإنما دعاهم إلى الصلاة بقوله: ((الصلاة جامعة))؛ لأن الأذان لم يكن شُرع حينئذ(٢). (ثُمَّ قَالَ) أي جبريل عظَّا (بِهَذَا أُمِرْتَ) - بفتح المثناة - على المشهور، والمعنى: هذا الذي أُمِرتَ به أن تصليه كل يوم وليلة، ورُويَ بالضم: أي هذا الذي أمرتُ بتبليغه لك. (فَقَالَ عُمَرُ) بن عبد العزيز (لِعُرْوَةَ) بن الزبير (انْظُرْ) بصيغة الأمر، وتقدّم في رواية الليث بلفظ: ((اعْلَمْ)) (مَا) موصولة مفعول ((انظر))، أي الذي (تُحَدِّثُ يَا عُرْوَةُ) ببناء الفعل للفاعل، وفيه حذف العائد، أي تُحدّث به، وهو موجود في بعض النسخ، والمعنى: تأكّد، وتَثَبّت الشيء الذي تُحدّث به، وإنما قال عمر هذا؛ لكونه لم يبلغه الحديث، فأراد التأكّد منه. (أَوَ) - بفتح الهمزة - وهي للاستفهام، والواو هي العاطفة، والعطف على (١) ((الفتح)) ٦/٢ - ٧. (٢) ((الفتح)) ٢/ ٧. ٣٧٧ (٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٣) شيء مقدَّر، والتقدير: أصلّى جبريل بالرسول وَله، و(إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَا) بكسر همزة ((إنّ)، ويجوز فتحها (هُوَ أَقَامَ) وفي نسخة: ((هو الذي أقام))، أي حدّد، وبيّن (لِرَسُولِ اللهِ وَلِ وَقْتَ الصَّلَاةِ؟) هكذا الرواية هنا بإفراد ((وقت)) والإضافة للجنس، ووقع عند البخاريّ من رواية المستملي: ((وقُوت الصلاة)) بصيغة الجمع (فَقَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ) هو ((بَشِير)) - بفتح الموحدة، بعدها معجمة، بوزن فَعِيل، وهو تابعيّ جليلٌ، ذُكِر في الصحابة؛ لكونه ولد في عهد النبيّ نَّ، ورآه، قاله في ((الفتح)). (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) أبي مسعود عقبة بن عمرو ظُته، والمعنى: نعم هكذا سمعته من بشير بن أبي مسعود، عن أبيه پئه. قال ابن عبد البرّ كَخَّلهُ: هذا السياق منقطع عند جماعة من العلماء؛ لأن ابن شهاب لم يَقُل: حضرت مراجعة عروة لعمر، وعروةٌ لم يقل: حدَّثني بشير، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة، لا بالصيغ. انتهى. وقال الكرمانيّ تَخَّتُهُ: اعلم أن الحديث بهذا الطريق ليس متصلَ الإسناد؛ إذ لم يقل أبو مسعود: شاهدت رسول الله وَ له، ولا قال: قال رسول الله وَل . قال الحافظ: هذا لا يُسَمَّى منقطعاً اصطلاحاً، وإنما هو مرسل صحابيّ؛ لأنه لم يُدرِك القصة، فاحتَمَلَ أن يكون سمع ذلك من النبيّ وَّر، أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده، أو سمعه، كصحابيّ آخر. على أن رواية الليث عند الشيخين تزيل الإشكال كلّه، ولفظه: ((فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود، يقول: سمعت أبي، يقول: سمعت رسول الله ( 8* يقول))، فذكر الحديث، وكذا سياق ابن شهاب، وليس فيه التصريح بسماعه له من عروة، وابن شهاب قد جُرِّب عليه التدليس، لكن وقع في رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب، قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز، فذكره، وفي رواية شعيب، عن الزهريّ: سمعت عروة يحدِّث عمر بن عبد العزيز، الحديث. قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى للحافظ تَُّ أن لا يذكر قوله: ((فاحتمل ... إلخ))، بل يكتفي بذكر رواية الليث التي أزالت الإشكال فقط؛ ٣٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة لأنه لا يجيء الاحتمال مع ورود التصريح بالسماع في هذه الرواية، فتأمل، والله تعالى أعلم. قال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قولُ عروة: ((إن جبريل نزل)) ليس فيه حجة واضحة على عمر بن عبد العزيز؛ إذ لم يعيّن له الأوقات، قال: وغاية ما يُتَوَهَّم عليه أنه نَبَّهه، وذَكَّره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات، قال: وفيه بُعْدٌ؛ لإنكار عمر على عروة، حيث قال له: اعْلَمْ ما تُحَدِّث يا عروة، قال: وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل. وتعقّبه الحافظ بأنه لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها، أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة، من جهة العمل المستمرّ، لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبريل بالفعل، فلهذا استثبت فيه، وكأنه كان يَرَى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا يُحْمَل عمل المغيرة وغيره من الصحابة. قال: ولم أقف في شيء من الروايات على جواب المغيرة لأبي مسعود ◌ّ، والظاهر أنه رجع إليه، والله أعلم. وأما ما زاده عبد الرزاق في ((مصنَّفه)) عن معمر، عن الزهريّ، في هذه القصة، قال: ((فلم يَزَل عمر يُعَلَّم الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا))، ورواه أبو الشيخ في (كتاب المواقيت)) له، من طريق الوليد، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، قال: ما زال عمر بن عبد العزيز يتعلم مواقيت الصلاة حتى مات، ومن طريق إسماعيل بن حكيم، أن عمر بن عبد العزيز جَعَل ساعات ينقضين مع غروب الشمس، زاد من طريق ابن إسحاق، عن الزهريّ: فما أخرها حتى مات، فكلُّه يدلّ على أن عمر لم يكن يحتاط في الأوقات كثيرَ احتياط، إلا بعد أن حدّثه عروة بالحديث المذكور. انتهى (١). [تنبيه]: ورد في هذه القصّة من وجه آخر، عن الزهريّ بيان أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يَرْفَع الإشكال، ويوضِّح توجيه احتجاج عروة به، فروى أبو داود وغيره، وصححه ابن خزيمة وغيره، من طريق ابن وهب، والطبرانيّ! (١) ((الفتح)) ٨/٢. ٣٧٩ (٣١) - بابُ أوقاتِ الصَّلواتِ الخَمْسِ - حديث رقم (١٣٨٣) من طريق يزيد بن أبي حبيب، كلاهما عن أسامة بن زيد، عن الزهريّ، هذا الحديث بإسناده، وزاد في آخره: ((قال أبو مسعود: فرأيت رسول الله وَله يصلي الظهر حين تزول الشمس ... )) فذكر الحديث، وذكر أبو داود، أن أسامة بن زيد تفرَّد بتفسير الأوقات فيه، وأن أصحاب الزهريّ لم يذكروا ذلك، قال: وكذا رواه هشام بن عروة، وحبيب بن أبي مرزوق، عن عروة، لم يذكرا تفسيراً. انتهى. ورواية هشام أخرجها سعيد بن منصور، في ((سننه))، ورواية حبيب أخرجها الحارث بن أبي أسامة، في ((مسنده)). قال الحافظ تَخْتُ: وقد وجدت ما يَعْضِد رواية أسامة، ويزيد عليها أن البيان من فعل جبريل ظلّلها، وذلك فيما رواه الباغنديّ في ((مسند عمر بن عبد العزيز))، والبيهقيّ في ((السنن الكبرى)) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن أبي بكر بن حزم، أنه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعاً، لكن رواه الطبرانيّ من وجه آخر، عن أبي بكر، عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة، ووضح أن له أصلاً، وأن في رواية مالك، ومن تابعه اختصاراً، وبذلك جزم ابن عبد البرّ، وليس في رواية مالك ومن تابعه، ما ينفي الزيادة المذكورة، فلا توصف والحالة هذه بالشذوذ. انتهى كلام الحافظ تَخْذِفُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: رواية الطبرانيّ ذكرها أبو بكر الهيثميّ تَّتُهُ في ((المجمع)) وقال بعد إيرادها: في ((الصحيح)) أصله من غير بيان لأول الوقت وآخره، وفي رواية الطبرانيّ هذه أيوب بن عتبة، ضعّفه ابن المدينيّ ومسلم، وجماعة، ووثّقه عمرو بن عليّ في رواية، وكذلك يحيى بن معين في رواية، وضعّفه في روايات، والأكثر على تضعيفه. انتهى(٢). فتبيّن بهذا أن قول الحافظ: ووضح أن له أصلاً ... إلخ محلّ نظر، والله تعالى أعلم. (قَالَ عُرْوَةُ) بن الزبير: مستدلاً على ما قاله لعمر بن عبد العزيز في تأخيره العصر بدليل آخر. (١) ((الفتح)) ٨/٢ - ٩. (٢) («مجمع الزوائد)) ٣٠٥/١ - ٣٠٦. ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال الكرمانيّ: هو إما مقول ابن شهاب، أو تعليقٌ. وتُعُقِّب بأن احتمال التعليق غير صحيح، لأنه سيأتي مسنداً عن ابن شهاب، بلفظ: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبيّ وَلو أخبرته: ((أن رسول الله (18 كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء في حجرتها))، متفقٌ عليه. فتبيّن بهذا أنه مقول ابن شهاب، وليس بتعليق، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) ﴿ّ، وقوله: (زَوْجُ النَّبِيِّ ◌ََِّ) برفع ((زوجُ)) على البدليّة من ((عائشة)) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ كَانَ يُصَلِّ الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) أي تعلو وترتفع، وفي نسخة: ((قبل أن يظهر الفيء))، وسيأتي شرح حديث عائشة ﴿نا هذا في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود ◌ُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٨٢/٣١ و١٣٨٣] (٦١٠)، و(البخاريّ) في ((المواقيت)) (٥٢١)، و((بدء الخلق)) (٣٢٢١)، و((المغازي)) (٤٠٠٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٣٩٤)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٤٩٤)، و(ابن ماجه) (٦٦٨)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٣/١)، وهو أولّ حديث وقع فيه، و(عبد الرزّاق) في ((مصنَّفه)) (٢٠٤٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٥١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنَّفه)) (٣١٩/١)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٤٨/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٢٠/٤ و١٢١)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٣٥٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٤٤٨ و١٤٤٩ و١٤٥٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٩٩٧ و٩٩٨ و١٠٠٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٥٩ و١٣٦٠)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٧١١/١٧)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (١/ ٢٥٠ و٢٥١)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (١٩٢/١ - ١٩٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٣/١ و٤٤١)، والله تعالى أعلم.