النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ (٢٩) - بَابُ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٧٣) فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يأخذ النبيّ وَّ مقامه)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٧٣] (٦٠٦) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتْ، فَلَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَِّيُّ ◌َِّ، فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ يَرَاهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكّة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٠. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين الحرّانيّ، أبو عليّ، نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩] (ت٢١٠) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٣ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُديج، أبو خيثمة الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الْجَزِيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢. ٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْب) الذُّهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، وروايته عن عكرمة خاصّةً مضطربةٌ، وتغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. ٥ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّوائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ فيّا، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في (الحيض)) ٨٠٨/٢٤. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) ضَا أنه (قَالَ: كَانَ بِلَال) بن رَبَاحِ، أبو عبد الله، مؤذّن النبيّ وَّه الصحابيّ المشهور، مات رَظُله بالشام سنة (١٧) أو (١٨) أو (٢٠) تقدّمت ترجمته في («الطهارة)) ٦٤٣/٢٣. (يُؤَذِّنُ إِذَا دَحَضَتْ) - بفتح الدال، والحاء، والضاد المعجمة -: أي زالت الشمس، يقال: دَحَضَت الحجة دَخْضاً، من باب نَفَعَ: بطلت، وأدحضها الله في التعدّي، ودَخَضَ الرجلُ: زَلِقَ، قاله في ((المصباح))(١). (١) ((المصباح المنير)) ١/ ١٩٠. ٣٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقال القرطبيّ كَّثُ: قوله: ((إذا دَحَضَت)) أي زالت عن كَبِد السماء، وأصل الدحض: الزَّلَقُ، وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((كان النبيّ : يصلّي الظهر إذا دَحَضَت الشمس))، أي زالت، وقال الهرويّ في الحديث الأول: إذا انحطّت للغروب؛ لأن الشمس حينئذ يتبيّن زَلَقُها بالكلّيّة، والأول أولى. انتهى (١). [تنبيه]: قوله: ((دَحَضَت)) هكذا وقع عند المصنّف بحذف الفاعل؛ للعلم به، فهو على حدّ قوله تعالى: ﴿إِذَا بَلَغَتِ الَّافِىَ﴾ أي الروح، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ أي الشمس، وقد صُرّح به عند أبي نعيم في ((مستخرجه))، ولفظ: ((كان بلالٌ يؤذّن إذا دحَضَت الشمس ... )). (فَلاَ يُقِيمُ) بضم أوله، من الإقامة (حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ وَ﴿) أي من حجرته (فَإِذَا خَرَجَ) ◌َِّ من حجرته ذاهباً إلى المسجد (أَقَامَ الصَّلَاةَ حِينَ يَرَاهُ) أي وقت رؤية بلال النبيّ ◌َله . وفي رواية لأبي عوانة في ((مسنده)) من طريق إسرائيل، عن سماك: ((كان بلال يؤذِّن، ثم يُمْهِلُ، فإذا رأى النبيّ وَّه قد خرج أقام الصلاة))(٢). وفي رواية أحمد في ((مسنده)): ((كان بلال يؤذن إذا زالت الشمس، لا يَخْرِمُ، ثم لا يقيم حتى يخرج النبيّ ◌َّ، قال: فإذا خرج أقام حين يراه)). قال القاضي عياض كَّتُهُ: يُجْمَع بين مُختَلِف هذه الأحاديث(٣) بأن بلالاً رَضُه كان يراقب خروج النبيّ وَّر من حيث لا يراه غيره، أو إلا القليل، فعند أول خروجه يقيم، ولا يقوم الناس حتى يروه، ثم لا يقوم مقامه حتى يُعَدِّلوا الصفوف. وقوله في رواية أبي هريرة ظه: ((فيأخذ الناس مصافّهم قبل خروجه)) لعله كان مرّةً أو مرتين ونحوهما؛ لبيان الجواز، أو لعذر، ولعل قوله وَله: (١) ((المفهم)) ٢٢٢/٢ - ٢٢٣. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ١/ ٢٧٢ رقم (١٣٤٩). (٣) يعني حديث جابر بن سمرة هذا وحديث أبي قتادة، وحديث أبي هريرة المتقدّمة. ٣٤٣ (٣٠) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرََ تِلْكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (١٣٧٤) ((فلا تقوموا حتى تروني)) كان بعد ذلك(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة ﴿ه هذا من أفراد المصنّف نَظُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٧٣/٢٩] (٦٠٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٥٣٧)، و(الترمذيّ) فيها (٢٠٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١/ ٤٧٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٦/٥ و٩١ و١٠٥ و١٠٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٥٢٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٤٩ و١٣٥٠)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٣٤٦ و١٣٤٧ و١٣٤٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٩/٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣٠) - (بَابُ مَنْ أَدْرََكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٧٤] (٦٠٧) - (وَحَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَِّيَّ ◌َهـ قَالَ: (مَنْ أَدْرََكْ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرََ الصَّلَاةَ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتُ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. (١) راجع: ((إكمال المعلم)) ٢ /٥٥٦ - ٥٥٧. (٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٣٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الفقيه المجتهد الثقة الثبت الحجة [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف تَخْذَّلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنیسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه أبو هريرة ظُبه رأس المكثرين السبعة، - والله تعالى أعلم -. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ) ((من)) شرطية، و((ركعةً)) منصوب على المفعولية، و((من الصلاة)) بيان لـ((ركعة)). ثم إن الظاهر أن هذا أعمّ مما يأتي من حديث أبي هريرة نظراته: ((من أدرك ركعة من الصبح ... )) الحديث. قال في ((الفتح)): ويحتمل أن تكون اللام عهدية، فيتحدان، ويؤيِّده أن كلّاً منهما من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة(١)، وهذا مطلق، وذاك مقيد، فيحمل المطلق على المقيد. اهـ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول هو الأظهر، ولهذا عقد البخاريّ والنسائيّ لكلِّ من المطلق والمقيد باباً خاصّاً إشارةً إلى أن كلّاً منهما مقصود، ولا داعي لحمل المطلق على المقيد، فمن أدرك ركعة من الصلاة، أيَّ صلاة كانت، فقد أدركها . (١) رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة سيذكرها المصنّف عن عبد بن حميد. ٣٤٥ (٣٠) - بَابُ مَنْ أَدْرََكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (١٣٧٤) قال الكرمانيّ تَخُّْهُ: وفي الحديث، أن من دخل في الصلاة فصَلَّى ركعة، وخرج الوقت، كان مدركاً لجميعها، وتكون كلها أداء، وهو الصحيح. انتهى. وقال التيميّ: معناه من أدرك مع الإمام ركعةً، فقد أدرك فضل الجماعة، وقيل: المراد بالصلاة الجمعة، وقيل غير ذلك(١). قال الجامع عفا الله عنه: لفظ الحديث عامّ يَشْمَل كل المعاني فالحمل على العموم أولى، - والله تعالى أعلم -. وقوله: (فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ)) جواب ((من))، قال في ((الفتح)): الإدراك الوصول إلى الشيء، فظاهره أنه يُكْتَفى بذلك، وليس ذلك مراداً بالإجماع، فقيل: يُحْمَل على أنه أدرك الوقت، فإذا صلّى ركعة أخرى، فقد كملت صلاته، وهذا قول الجمهور، وقد صرح بذلك في رواية الدراورديّ، عن زيد بن أسلم، أخرجه البيهقي من وجهين، ولفظه: ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة))، وأصرح منه رواية أبي غَسّان، محمد بن مُطَرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، وهو ابن يسار، عن أبي هريرة، بلفظ: ((من صلّى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ثم صلّى ما بقي بعد غروب الشمس فلم يفته العصر))، وقال مثل ذلك في الصبح. وفي رواية للبخاريّ، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله : ((إذا أدرك أحدكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فلیتم صلاته)). وللنسائي من وجه آخر: ((من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة كلها، إلا أنه يقضي ما فاته)). وللبيهقي من وجه آخر: ((من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليُصَلِّ إليها أخرى)). ويؤخذ من هذا الرد على الطحاويّ حيث خَصَّ الإدراك باحتلام الصبيّ، (١) ((الفتح)) ٦٩/٢. ٣٤٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وطُهر الحائض، وإسلام الكافر، ونحوها، وأراد بذلك نُصْرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته؛ لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة، وهو مبني على أن الكراهة تتناول الفرض والنفل، وهي خلافية مشهورة. قال الترمذيّ: وبهذا يقول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وخالف أبو حنيفة، فقال: من طلعت عليه الشمس، وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته، واحتَجّ لذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس. وادَّعَى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى تحتاج إلى دليل، فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن تُحْمَل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص أولى من ادِّعاء النسخ. ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركاً للوقت، وللفقهاء في ذلك تفاصيل بين أصحاب الأعذار وغيرهم، وبين مدرك الجماعة ومدرك الوقت، وكذا مدرك الجمعة، ومقدارُ هذه الركعة قدر ما يكبِّر للإحرام، ويقرأ أم القرآن، ويركع ويرفع، ويسجد سجدتين بشروط كل ذلك. وقال الرافعيّ: المعتبر فيها أخف ما يَقْدِر عليه أحدٌ، وهذا في حق غير أصحاب الأعذار، أما أصحاب الأعذار كمن أفاق من إغماء، أو طهرت من حيض، أو غير ذلك، فإن بقي من الوقت هذا القدر، كانت الصلاة في حقهم أداءً، وقد قال قوم: يكون ما أدرك في الوقت أداءً، وبعده قضاءً، وقيل: يكون كذلك لكنه يلتحق بالأداء حكماً، والمختار أن الكل أداء، وذلك من فضل الله تعالى، ونقل بعضهم الاتفاق على أنه لا يجوز لمن ليس له عذر تأخير الصلاة حتى لا يبقى منها إلا هذا القدر، والله تعالى أعلم. انتهى (١). وقال في ((الفتح)) أيضاً: مفهوم التقييد بالركعة أن من أدرك دون الركعة لا يكون مدركاً لها، وهو الذي استقر عليه الاتفاق، وكان فيه شذوذ قديم، منها أن إدراك الإمام راكعاً يجزئ، ولو لم يدرك معه الركوع، وقيل: يدرك الركعة ولو رفع الإمام رأسه ما لم يرفع بقية من ائتم به رؤوسهم، ولو بقي واحد، (١) ((الفتح)) ٦٧/٢ - ٦٨. ٣٤٧ (٣٠) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْمَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرََ تِلْكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (١٣٧٤) وعن الثوري، وزفر: إذا كبّر قبل أن يرفع الإمام رأسه أدرك إن وضع يديه على ركبتيه قبل رفع الإمام، وقيل: من أدرك تكبيرة الإحرام، وتكبيرة الركوع أدرك الركعة، وعن أبي العالية: إذا أدرك السجود أكمل بقية الركعة معهم، ثم يقوم فيركع فقط، وتجزيه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بأن من أن أدرك الإمام راكعاً يجزئ، ولو لم يدرك معه الركوع، وكذا الأقوال التي بعده كلها أقوال لا أثارة عليها من علم، بل الصحيح أن من فاتته الفاتحة يلزمه قضاء تلك الركعة، وإن أدرك الركوع مع الإمام؛ لحديث: ((وما فاتكم فاقضوا))، وهذا قد فاتته الفاتحة، وقد تقدّم تحقيق المسألة قبل باب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٧٤/٣٠ و١٣٧٥ و١٣٧٦] (٦٠٧)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٥٨٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١١١٧)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٥٢٤)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥٥٣ و٥٥٤ و٥٥٥)، وفي ((الكبرى)) (١٥٣٦ و١٥٣٧ و١٥٣٨)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١١٢٢)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٠٥)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (١٤٢ و٤١٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٣٦٩ و٣٣٧٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٧٠/٢ - ٢٧١ و٢٨٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٧٧/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٨٤٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٤٨٥)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (١٠٥/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٢٩ و١٥٣٠ و١٥٣١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٤٩ ١٣٥٠ و١٣٥١ و١٣٥٢ و١٣٥٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٢/٣ و٢٠٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٤٩/٢)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ٦٩/٢. ٣٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (المسألة الثالثة): ذكر الحافظ ابن رجب ◌َّتُ في ((شرح البخاريّ)) في هذا الحديث بحثاً نفيساً، ودونك عبارته: روى بعضهم هذا الحديث عن مالك، وقال فيه: ((من أدرك ركعةً من العصر))، وهو وَهَمٌ على مالك، وإنما حديث مالك: ((من أدرك ركعةً من الصلاة)) . وخرّجه مسلم(١) عن عبد بن حُميد، ثنا عبد الرزّاق، قال: ثنا معمرٌ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر بمثل حديث مالك، عن زيد بن أسلم - يعني الحديث الآتي بعد حديثين -. وذكر الدارقطنيّ في ((العلل)) أنه ليس بمحفوظ عنه - يعني عن معمر - وذكر أن عبد الرزّاق رواه بخلاف ذلك، قال: ورُوي أيضاً عن محمد بن أبي حفصة، وسفيان بن حسين، عن الزهريّ - يعني بذكر العصر والفجر -، والمحفوظ عن الزهريّ في حديثه: ((من أدرك ركعةً من الصلاة)). وقد اختلف في معنى ذلك، فقالت طائفةٌ: معناه: إدراك وقت الصلاة، كما في حديث عطاء بن يسار، وبُسْر بن سعيد، والأعرج، عن أبي هريرة الآتي بعد حدیثین. وقد رَوَى هذا الحديث المذكور هنا عمّار بن مطر، عن مالك، وقال فيه: ((فقد أدرك الصلاة ووقتها))، قال ابن عبد البرّ: لم يقله عن مالك غير عمّار، وهو مجهول لا يُحتجّ به(٢). وقالت طائفةٌ: معناه: إدراك الجماعة، ويشهد له الحديث التالي عند مسلم بلفظ: ((من أدرك ركعةً من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة)). وهؤلاء لهم في تفسير إدراك الجماعة قولان: أحدهما: أن المراد إدراك فضل الجماعة وتضعيفها . وروى نوح بن أبي مريم هذا الحديث، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي (١) هو الحديث الآتي في هذا الباب بعد أربعة أحاديث. (٢) ((التمهيد)) ٦٤/٧. ٣٤٩ (٣٠) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرََ تِلْكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (١٣٧٤) هريرة، عن النبيّ وَ لّ قال: ((من أدرك الإمام جالساً قبل أن يسلّم، فقد أدرك الجماعة وفضلها))، خرّجه الدارقطنيّ، وقال: نوح متروك. وقد وَهِمَ في لفظه، وخالف جميع أصحاب الزهريّ، ووَهِمَ أيضاً في إسناده، فإنه عن أبي سلمة، لا عن سعيد بن المسيِّب، مع أنه قد روي عن مالك، والأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن سعيد، وليس بمحفوظ. ورَوى أبو الحسن بن جَوْصًا في ((مسند الأوزاعيّ)): حدّثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، ثنا أبي، عن أبيه يحيى بن حمزة، حدّثني الأوزاعيّ، أنه سأل الزهريّ، عن رجل أدرك من صلاة الجمعة ركعةً؟ فقال: حدّثني أبو سلمة أن أبا هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((من أدرك من صلاة ركعةً، فقد أدرك فضيلة الجماعة)). وهذا اللفظ أيضاً غير محفوظ، وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة ضعّفوه، ذكره الحاكم أبو أحمد في ((كتاب الكنى)). ورَوَى أبو عليّ الحنفيّ، واسمه عبيد الله بن عبد المجيد هذا الحديث عن مالك، وقال في حديثه: ((فقد أدرك الفضل)). قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحداً من الرواة قاله عن مالك غيره. قال: ورواه نافع بن زيد، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الوهاب بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ﴿ قال: ((من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة وفضلها)). وهذه لفظةٌ لم يقلها أحدٌ عن ابن شهاب غير عبد الوهاب هذا، وليس بحجة على من خالفه فيها من أصحاب ابن شهاب. على أن الليث بن سعد قد رَوَى هذا الحديث عن ابن الهاد، عن ابن شهاب، لم يذكر في إسناده عبد الوهاب، ولا جاء بهذه اللفظة، أعني قوله: وفضلها . وقد اختلف العلماء فيما يُدرك به فضل الجماعة مع الإمام: فقالت طائفةٌ: لا يُدرك بدون إدراك ركعة تامّة؛ لظاهر الحديث. وقد رواه قرّة بن عبد الرحمن، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي ٣٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة هريرة، وزاد فيه: ((قبل أن يُقيم الإمام صلبه))، خرّج حديثه ابن خزيمة في ((صحيحه))، والدارقطنيّ، وليس هذا اللفظ بمحفوظ عن الزهريّ أيضاً، وقرّة هذا مختلفٌ في أمره، وتفرّد بهذا الحديث عنه يحيى بن حُميد بهذه الزيادة، وقد أنكرها عليه البخاريّ، والعقيليّ، وابن عديّ، والدارقطنيّ، وغيرهم. وحُكي هذا القول عن مالك أنه لا يُدرِك الجماعة بدون ركعة، وذكره ابن أبي موسى من الحنابلة لأحمد، ولم يَحك فيه خلافاً، وهو قول عطاء حتى قال: إذا سلّم إمامه، فإن شاء تكلّم، فلم يكن في صلاة قد فاتته الركعة، خرّجه عبد الرزّاق، عن ابن جريج عنه. وخرّج أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبيّ وَّ قال: ((من أدرك الركعة، فقد أدرك الصلاة))، وخرّجه الحاكم، وصحّحه، وفي إسناده من ضُعِف. وخرّجه الطبرانيّ وغيره من رواية عبد الحميد بن عبد الرحمن بن الأزهر، عن أبيه، عن النبيّ وَّر، وإسناده جيّد، قال الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسيّ: لا أعلم له علّةً. وقالت طائفةٌ: تدرَك فضيلة الجماعة بإدراك تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام، وهو قول أبي وائل، وقال قتادة: إن ابن مسعود أدرك قوماً جلوساً في آخر صلاتهم، فقال: قد أدركتم إن شاء الله، وهو مذهب الشافعيّ، والمشهور عن أحمد عند القاضي أبي يعلى وأتباعه، حتى قال بعضهم: هو إجماع من العلماء، لا نعلم فيه خلافاً، ولكن ليس بإجماع كما تقدّم. وروى ابن عديّ من طريق محمد بن جابر، عن أبان بن طارق، عن كثير بن شِنْظِير، عن عطاء، عن جابر، عن النبيّ وَّ قال: ((من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك فضل الجماعة، ومن أدرك الإمام قبل أن يسلّم، فقد أدرك فضل الجماعة))، قال: وكنّا نتحدّث أن من أدرك قبل أن يتفرّقوا، فقد أدرك فضل الجماعة. وهذا ليس بمحفوظ، وأبان بن طارق، ومحمد بن جابر ضعيفان، وقد رواه ابن عُليّة، عن كثير بن شِنْظير، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: إذا انتهى إلى القوم، وهم قُعُودٌ في آخر صلاتهم، فقد دخل في التضعيف، وإذا انتهى ٣٥١ (٣٠) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرََ تِلْكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (١٣٧٤) إليهم، وقد سلّم الإمام، ولم يتفرّقوا، فقد دخل في التضعيف، قال عطاء: كان يقال: إذا خرج من بيته، وهو ينويهم، فأدركهم، أو لم يُدركهم، فقد دخل في التضعيف . هذا الموقوف أصحّ، وكذا قال أبو سلمة: من خرج من بيته قبل أن يسلّم الإمام، فقد أدرك. ومعنى هذا كلّه أنه يُكتب له ثواب الجماعة لَمّا نواها، وسعى إليها، وإن كانت قد فاتته، كمن نوى قيام الليل، ثم نام عنه، ومن كان له عملٌ، فعجز عنه بمرض، أو سفر، فإنه يُكتب له أجره. ويشهد لهذا ما أخرجه أبو داود، والنسائيّ من حديث أبي هريرة، عن النبيّ وَ﴿ قال: ((من توضّأ، فأحسن الوضوء، ثم راح، فوجد الناس قد صَلَّوا، أعطاه الله مثل أجر من صلّاها وحضرها، لا ينقُصُ ذلك من أجورهم شيئاً))(١). وأخرج أبو داود من حديث سعيد بن المسيِّب، عن رجل من الأنصار، سمع النبيّ ◌َّ﴿ يقول: ((إذا توضّأ أحدكم، فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد، فصلّى في جماعة غُفِر له، فإن أتى المسجد، وقد صلَّوا بعضاً، وبقي بعضٌ فصلَّى ما أدرك، وأتمّ ما بقي كان كذلك، فإن أتى المسجد، وقد صَلَّوا، فأتمّ الصلاةَ، كان كذلك))(٢) . وأخرج النسائيّ من حديث عثمان رَظُه، سمعت النبيّ ◌َّ يقول: ((من توضّأ للصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة، فصلّاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد، غُفِر له ذنبه))(٣). ولا خلاف عن الشافعيّ وأحمد أن الجمعة لا تُدرك بدون إدراك ركعة تامّة؛ لأن الجماعة شرطٌ لها، وهذا مما يقوّي القول بأن الجماعة لا تُدرك بدون إدراك ركعة. والقول الثاني: أن المراد بإدراك الركعة في الجماعة إدراك جميع أحكام (١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود ١/ ١٥٤، والنسائيّ ١١١/٢. (٢) حديث حسنٌ. (٣) حديث صحيحٌ أخرجه النسائيّ ١١١/٢. ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الجماعة من الفضل، وسجود السهو، وحكم الإتمام، وهذا مذهب مالك. فعلى هذا إذا أدرك المسافر المقيمَ في التشهّد الآخر لم يلزمه الإتمام، وإن أدرك معه ركعةً تامّةً، فأكثر لزمه الإتمام، وإذا خرج من بلده مسافراً، وقد بقي عليه من وقت الصلاة قدر ركعة قَصَرَ الصلاة، وإن كان أقلّ من قدر ركعة أتمّها، وإذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعةً لزمه أن يسجد معه لسهوه، سواء أدركه في ذلك السهو، أو لم يُدركه، وإن لم يُدرك معه ركعةً لم يلزمه السجود له. هذا كلّه مذهب مالك، ووافقه الليث، والأوزاعيّ في مسألة سجود السهو، ووافقه أحمد في رواية عنه في المسافر إذا أدرك من صلاة المقيم أقلّ من ركعة، فدخل معه أن له أن يقصر، والمشهور عنه أنه يلزمه الإتمام، كقول الشافعيّ، وأبي حنيفة. وقالت طائفة أخرى: قوله: ((من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة))، يدخل في عمومه إدراك الوقت بالنسبة إلى أداء الصلاة، وإدراك الجماعة كما تقدّم، ويدخل فيه أيضاً إدراك قدر ركعة من وقت الوجوب إذا زال عذر المعذور في آخر وقت الصلاة، فلو طهرت من حيضها في آخر الوقت، وقد بقي منه قدر ركعة، لزمها القضاء، وإن لم يبق منه قدر ركعة فلا قضاء عليها . وهذا قول مالك، والليث، وأحد قولي الشافعيّ، ورواية عن أحمد. والمشهور عن الشافعيّ وأحمد أنه يُعتبر إدراك قدر تكبيرة الإحرام من الوقت إذا زال العذر، وهو قول أبي حنيفة، وحُكي عن الأوزاعيّ والثوريّ. انتهى المقصود من كلام ابن رجب تَظَّثُ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٧٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي(٢) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي (١) (فتح الباري)) لابن رجب ١٤/٥ - ٢٢. (٢) وفي نسخة: ((حدّثني)). ٣٥٣ (٣٠) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (١٣٧٥) يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ)). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم هذا السند بعينه في الباب الماضي. وقوله: (فَقَدْ أَدْرََكَ الصَّلَاةَ) قال النوويّ كَُّ: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث ليس على ظاهره، وأنه لا يكون بالركعة مدركاً لكل الصلاة، وتکفیه، وتحصل براءته من الصلاة بهذه الرکعة، بل هو مُتَأَوَّل، وفيه اضمار، تقديره: فقد أدرك حكم الصلاة، أو وجوبها، أو فضلها. قال أصحابنا: يدخل فيه ثلاث مسائل : [إحداها]: إذا أدرك من لا يجب عليه الصلاة ركعةً من وقتها لزمته تلك الصلاة، وذلك في الصبيّ يبلغ، والمجنون والْمُغْمَى عليه يفيقان، والحائض والنفساء تطهران، والكافر يُسلم، فمن أدرك من هؤلاء ركعةً قبل خروج وقت الصلاة، لزمته تلك الصلاة، وإن أدرك دون ركعة، كتكبيرة، ففيه قولان للشافعي كظّلهُ: أحدهما: لا تلزمه؛ لمفهوم هذا الحديث، وأصحهما عند أصحابنا تلزمه؛ لأنه أدرك جزءاً منه، فاستوى قليله وكثيره، ولأنه يشترط قدر الصلاة بكمالها بالاتفاق، فينبغي أن لا يفرق بين تكبيرة وركعة، وأجابوا عن الحديث بأن التقييد بركعة خرج على الغالب، فإن غالب ما يمكن معرفة إدراكه ركعة ونحوها، وأما التكبيرة فلا يكاد يُحَسُّ بها، وهل يشترط مع التكبيرة، أو الركعة إمكان الطهارة؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما أنه لا يشترط. قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم وجوب الصلاة على من أدرك دون ركعة هو الأرجح عندي؛ لظاهر هذا الحديث، فمن أوجب ذلك عليه فليأتنا بنصّ، أو إجماع يصرف ظاهره، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): إذا دخل في الصلاة في آخر وقتها، فصلى ركعةً، ثم خرج الوقت، كان مدركاً لأدائها، ويكون كلها أداءً، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: يكون كلها قضاءً، وقال بعضهم: ما وقع في الوقت أداءٌ، وما بعده قضاءٌ. وتظهر فائدة الخلاف في مسافر نوى القصر، وصلى ركعةً في الوقت، ٣٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وباقيها بعده، فإن قلنا: الجميع أداءٌ، فله قصرها، وإن قلنا: كلها قضاءً، أو بعضها وجب إتمامها أربعاً، إن قلنا: إن فائتة السفر إذا قضاها في السفر يجب إتمامها. هذا كله، إذا أدرك ركعة في الوقت، فإن كان دون ركعة، فقال بعض أصحابنا: هو كالركعة، وقال الجمهور: يكون كلها قضاءً، واتفقوا على أنه لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت، وإن قلنا: إنها أداء، وفيه احتمال لأبي محمد الجوينيّ على قولنا: أداءٌ، وليس بشيءٍ. (المسألة الثالثة): إذا أدرك المسبوق مع الإمام ركعةً، كان مدركاً لفضيلة الجماعة بلا خلاف، وإن لم يدرك ركعةً، بل أدركه قبل السلام، بحيث لا يحسب له ركعة، ففيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: لا يكون مدركاً للجماعة؛ لمفهوم قوله وَّيه: ((من أدرك ركعةً من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة))، والثاني: وهو الصحيح، وبه قال جمهور أصحابنا: يكون مدركاً لفضيلة الجماعة؛ لأنه أدرك جزءاً منه، ويجاب عن مفهوم الحديث بما سبق. انتهى كلام النوويّ تَذَفُ(١) . وقد تقدّم البحث في هذا في الحديث الماضي، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٧٦] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُبَيْنَةَ، قَالَ: (ح) وَحَذَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَيُونُسَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى (٢)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ جَمِيعاً، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ أَحَدٍ مِنْهُمْ: ((مَعَ الْإِمَامِ))، وَفِي حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: ((فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ كُلَّهَا))). (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٥/٥ - ١٠٦. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا محمد بن المثنّى)). ٣٥٥ (٣٠) - بَابُ مَنْ أَدْرََ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرََ تِلْكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (١٣٧٦) رجال هذا الإسناد: ثمانية عشر: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) هو: محمد بن العلاء الهمدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ السّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير، تقدّم قبل بابين. ٣ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير، تقدّم قريباً. ٤ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الإمام الحجة المشهور، تقدّم قريباً أيضاً . ٥ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، أبو موسى الْعَنَزِيّ، تقدّم قريباً أيضاً. ٦ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧/ ١٧٣. ٧ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم العمريّ المدنيّ، تقدّم قريباً. والباقون كلّهم تقدّموا في هذا الباب، والبابين قبله. وقوله: (جَمِيعاً، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) راجع إلى عبد الله بن نُمير، وعبد الوهّاب الثقفيّ، يعني أن عبد الله بن نمير، وعبد الوهّاب كليهما رويا هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر العمريّ. وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الزُّهْرِيِّ) إشارة للستة: وهم: ابن عيينة، ومعمر، والأوزاعيّ، ومالك بن أنس، ويونس بن يزيد، وعبيد الله العمريّ، يعني أن هؤلاء السّة كلهم رووا هذا الحديث عن الزهريّ. [تنبيه]: رواية ابن عيينة عن الزهريّ ساقها ابن الجارود في ((المنتقى)) (٨٩/١)، فقال: (٣٢٣) حدّثنا ابن المقرئ، قال: ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ظلُّه يبلغ به النبيّ وَّ﴾، قال: ((من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك)). انتهى. وأما رواية ابن المبارك عن شيوخه الأربعة، فقد ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه)) (٢٠٤/٢)، فقال: (١٣٥٢) حدّثنا أبو زيد محمد بن جعفر بن علي بن بشر التميميّ بالكوفة، ثنا عبد الله بن زيدان، ثنا أبو كريب، ثنا ابن المبارك، عن معمر، ٣٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ومالك بن أنس، والأوزاعيّ، ويونس، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّه قال: ((من أدرك من الصلاة ركعةً، فقد أدركها)). انتهى. وأما رواية عبيد الله بن عمر، عن الزهريّ، فساقها أيضاً أبو نعيم في ((مستخرجه)) (٢٠٤/٢) فقال: (١٣٥٤) حدّثنا محمد بن نصر، ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن، ثنا محمد بن بكر، ثنا عبد الله بن إدريس (ح) وحدّثنا إبراهيم بن إسحاق، ثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا أبو سعيد الأشجّ، ثنا ابن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ◌َ: ((من أدرك ركعةً من الصبح، فقد أدرك)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٧٧] (٦٠٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ زَبْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنِ الْأَعْرَجِ، حَدَّثُوهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ لِ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٢ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ، من صغار [٣] (ت ٩٤) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١٣/٢٦. ٣ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) العابد، مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠١/٣١. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣. والباقون تقدّموا في الباب. ٣٥٧ (٣٠) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (١٣٧٧) لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَظُّهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنیین، سوی شیخه، فنیسابوريّ، وقد دخل المدينة للأخذ عن مالك. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن ثلاثة من التابعين، زيد بن أسلم، عن عطاء، وبُسر، والأعرج. شرح الحديث: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنِ الْأَعْرَجِ، حَدَّثُوهُ) أي حدّث هؤلاء الثلاثة زيد بن أسلم (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ) أي من صلاتها (قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ) بضمّ اللام، من باب فَعَدَ، يقال: طلع الكوبَ، والشمس طُلُوعاً ومَطْلَعاً بفتح اللام، وكسرها: إذا ظهر، كأطلع، أفاده في ((القاموس))(١). (الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ) أي أدرك حكم صلاة الصبح، أو وجوبها، أو فضلها على خلاف في التأويل (وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ، قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ) من باب قعد أيضاً، يقال: غربت الشمس تغرُب غُرُوباً: إذا بَعُدت، وتوارت في مَغِيبها(٢). (الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرََ الْعَصْرَ)) قال النوويّ كَُّ: هذا دليلٌ صريحٌ في أن من صلّى ركعة من الصبح أو العصر، ثم خرج الوقت قبل سلامه لا تبطل صلاته، بل يُتِمّها، وهي صحيحة، وهذا مجمع عليه في العصر، وأما في الصبح، فقال به مالك، والشافعيّ، وأحمد، والعلماء كافّةً إلا أبا حنيفة تَخْذَتُهُ، فإنه قال: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس فيها؛ لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة، بخلاف غروب الشمس، والحديث حجة عليه. انتهى. وسيأتي البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله (١) ((القاموس المحيط)) ٥٩/٣. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٤٤/٢. ٣٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تظ له هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٧٧/٣٠ و١٣٧٩] (٦٠٨)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٥٧٩)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (١٨٦)، و(النسائيّ) في ((المواقيت)) (٥١٤)، و((الكبرى)) (١٥٠١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٠٢/١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٥١/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٠٥٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٥٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٥٨٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٦٧/١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٩٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن من أدرك ركعة من صلاة الصبح يكون مدركاً لها عند جمهور العلماء، وخالف في ذلك الحنفية، فقالوا ببطلان الصلاة إذا طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح، وإن أدرك ركعة فما فوقها، ويأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن من أدرك ركعة من صلاة العصر، كان مدركاً لها حكماً، فيكمل ما بقي، ويكون ذلك أداء. ٣ - (ومنها): أن من زال عذره؛ كنائم استيقظ، وحائض طَهَرت، وصبي بلغ، وكافر أسلم، وقد بقي من الوقت ما يسع ركعةً وجبت عليه تلك الصلاة. ٤ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، ويُسْرِ أمور الدين حيث وَسَّع الله تعالى على من لم يتمكن من أداء الصلاة إلى هذا الوقت فأدّى، فإنه يكون مؤدياً للواجب في وقته، ذلك من فضل الله ورحمته، والله ذو الفضل العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من أدرك ركعة من العصر، أو الفجر قبل خروج الوقت: ٣٥٩ (٣٠) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ تِلْكَ الصَّلَاةَ - حديث رقم (١٣٧٧) أجمعوا على أن من صلّى ركعة من العصر، ثم خرج الوقت، لا تبطل صلاته، بل يتمها، واختلفوا فيمن صلّى ركعة من الصبح، ثم خرج الوقت؛ فقال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والعلماء كافّةً: يتم صلاته، وهي صحيحة، وخالف في ذلك أبو حنيفة، فقال: تبطل صلاته بطلوع الشمس، واحتَجَّ في ذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس. ورُدَّ عليه بأن أحاديث النهي عامة، تشمل ذوات الأسباب المتقدمة، وغير ذوات الأسباب من النوافل والفرائض، وحديثُ أبي هريرة ◌ُله هذا خاص؛ ليس فيه إلا ذكر صلاة ذات سبب متقدم، فتحمل أحاديث النهي على ما لا سبب له من النوافل؛ جمعاً بين الحديثين. قال النوويّ تَخْلَقُ: قال أبو حنيفة تَّتُهُ: تبطل صلاة الصبح بطلوع الشمس؛ لأنه دخل وقت النهي عن الصلاة بخلاف غروب الشمس، ففَرَّقَ بين فجر اليوم، وعصره، والحديث حجةٌ عليه. قال القاري بعد ذكر كلام النوويّ هذا ما نصه: وجوابه ما ذكره صدر الشريعة في ((شرح الوقاية)): أن المذكور في كتب أصول الفقه أن الجزء المقارن للأداء سبب لوجوب الصلاة، وآخر وقت العصر وقت ناقص؛ إذ هو وقت عبادة الشمس، فوجب ناقصاً، فإذا أداه أداه، كما وجب، فإذا اعتَرَضَ الفساد بالغروب لا تفسد، والفجر كل وقته وقت كامل؛ لأن الشمس لا تعبد قبل طلوعها، فوجب كاملاً، فإذا اعتَرَض الفساد بالطلوع تفسد؛ لأنه لم يؤده كما وجب . [فإن قيل]: هذا تعليل في معرض النصّ، قلنا: لَمّا وقع التعارض بين هذا الحديث، وبين النهي الوارد عن الصلاة في الأوقات الثلاثة رجعنا إلى القياس، كما هو حكم التعارض، والقياس رجَّحَ هذا الحديث في صلاة العصر، وحديث النهي في صلاة الفجر، وأما سائر الصلوات، فلا تجوز في الأوقات الثلاثة المكروهة؛ لحديث النهي الوارد؛ إذ لا معارض لحديث النهي فيها . قال صاحب ((مرعاة المفاتيح)): قلت: قد رَدَّ هذا التقرير المزخرف الشيخُ عبد الحيّ اللكنويّ، وهو من الحنفية في ((حاشيته على شرح الوقاية))، حيث ٣٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال: فيه بحثٌ، وهو أن المصير إلى القياس عند تعارض النصين إنما هو إذا لم يمكن الجمع بينهما، وأما إذا أمكن يلزم الجمع بينهما، وها هنا العمل بكليهما ممكن بأن يُخَصّ صلاة العصر والفجر الوقتيتان من عموم حديث النهي، ويُعْمَل بعمومه في غيرهما، وبحديث الجواز فيهما، إلا أن يقال: حديث الجواز خاصّ، وحديث النهي عامّ، وكلاهما قطعيان عند الحنفية، متساويان في الدرجة والقوّة، فلا يَخُصّ أحدهما الآخر، وفيه أن قطعية العام كالخاص ليس متفقاً عليه بين الحنفية، فإن كثيراً منهم وافقوا الشافعية في كون العام ظنيّاً، كما هو مبسوط في ((شرح المنتخب)) الحسامي وغيرها. انتهى. وقال صاحب ((الكوكب الدريّ)) - بعد ذكر وجه الفرق بين الفجر والعصر بنحو ما ذكره صدر الشريعة - ما لفظه: هذا ما قالوا، وأنت تعلم ما فيه من الاختلال، وتزويق المقال، فإن قولهم: النهي عن الأفعال الشرعية يقتضي صحتها في أنفسها، ينادي بأعلى نداء على جواز الصلاتين كلتيهما، وإن اعتراهما حرمة بعارض التشبه بعبدة الشمس، فادّعاء المعارضة بينهما باطل، وإن قطع النظر عن ذلك فلا وجه لعدم الجواز في الفجر، والجواز في العصر، فإن الوقت شرط لكلتيهما، فإذا غربت الشمس بأداء ركعة أو ركعتين لم يبق الوقت المشروط لصحة الباقي، فكيف يمكن لهم القول بأن الصلاة تامة؟، إذ ليس ذلك إلا قولاً بعدم اشتراط الوقت، فعلى هذا يلزم عليهم جواز صلاة من شرع في الصلاة، وثوبه نجس بقدر الدرهم، أو دونه، ثم بعد أدائه ركعة وضع عليه رجل شيئاً نجساً ليس ذلك إلا أداء الصلاة على الكيفية التي التزمها، أو من أخذ في الصلاة، وهو يدافعه الأخبثان، فلما قضى ركعة أو ركعتين، بال أو تغوّط، أو ليس نظير ما قالوا؟ فإنه أدّى صلاته بعد الحدث على نحو مما التزمه .. . إلى آخر ما قال، وأطال في الردّ عليهم. قال صاحب ((المرعاة)): قلت: ويلزمهم أيضاً أن يقولوا بفساد صلاة العصر إذا شرع فيها في الجزء الصحيح الكامل، أي قبل الاصفرار، ومدّها إلى أن غربت، مع أنها لا تكره عندهم فضلاً عن أن تفسد، وما اعتذروا عنه بعذر الخشوع والخضوع لا ينفع، كما أقر به صاحب ((فيض الباري))، فإن الاحتراز