النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ (٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِإِثْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَّارٍ وَسَكِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٢) ٣ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة؛ لقوله: ((فما أدركتم فصلَّوا))، ولم يُفَصِّل بين القليل والكثير، وبهذا قال الجمهور. قال ابن حزم تَّلهُ: وهذا خبر زائد على الخبر الذي فيه: ((من أدرك من الصلاة مع الإمام ركعة، فقد أدرك الصلاة)). قال: وروينا عن ابن مسعود أنه أدرك قوماً جلوساً في آخر صلاتهم، فقال: أدركتم إن شاء الله، وعن شقيق بن سلمة: من أدرك التشهد فقد أدرك الصلاة، وعن الحسن، قال: إذا أدركهم سجوداً سجد معهم، وعن ابن جريج: قلت لعطاء: إن سمع الإقامة والأذان، وهو يصلي المكتوبة، أيقطع صلاته، ويأتي الجماعة؟ قال: إن ظن أنه يدرك من المكتوبة شيئاً، فنعم. وذهب الغزالي من الشافعية إلى أن الجماعة لا تدرك بأقل من ركعة. انتھی . وقال في ((الفتح)): واستُدِلّ بهذا الحديث على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة، لقوله: ((فما أدركتم، فصلوا))، ولم يفصل بين القليل والكثير، وهذا قول الجمهور، وقيل: لا تدرك الجماعة بأقل من ركعة؛ الحديث: ((من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك))، وقياساً على الجمعة، وأجيب عنه بأنه ورد في الأوقات، وأن في الجمعة حديثاً خاصّاً بها . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الجماعة تُدْرَك بإدراك جزء من الصلاة وإن قلَّ هو الحقّ؛ لوضوح حجّته. والله تعالى أعلم بالصواب. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضاً على استحباب الدخول مع الإمام في أيّ حالة وُجِد عليها، وفيه حديثٌ أصرح منه، أخرجه ابن أبي شيبة، من طريق عبد العزيز بن رُفيع، عن رجل من الأنصار، مرفوعاً: ((مَن وجدني راكعاً، أو قائماً، أو ساجداً، فليكن معي على حالتي التي أنا عليها))، قاله في ((الفتح)) (١). ٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ وليّ الدين تَّلهُ: هذا الحديث ناسخ لما (١) ((الفتح)) ٢ /١٤٠. ٣٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة روي أن الصحابة ه كانوا إذا سُبِقوا ببعض الصلاة صلوا ما فاتهم منفردين، ثم دخلوا مع الإمام فصلوا معه بقية الصلاة، كما رواه أبو داود في أبواب الأذان عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحابنا، قال: كان الرجل إذا جاء يسأل، فيخبر بما سبق من صلاته، وأنهم قاموا مع رسول الله وَالار من بين قائم، وراكع، وقاعد، ومصل مع رسول الله به لتر، فجاء معاذ، فأشاروا إليه، فقال معاذ: لا أراه على حال إلا كنت عليها، فقال: ((إن معاذاً قد سَنَّ لکم، كذلك فافعلوا)). ورواه الطبراني في ((معجمه)) من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ رَظُه، وفي لفظ له: فقال: ((قد سَنّ لكم معاذ، فاقتدوا به، إذا جاء أحدكم، وقد سُبِق بشيء من الصلاة، فليصل مع الإمام بصلاته، فإذا فرغ الإمام، فليقض ما سبقه به)). قال المزني: قوله: ((إن معاذاً قد سَنّ لكم)) يحتمل أن يكون النبيّ وَّه أُمِر أن يَسُنَّ هذه السنّة، فوافق ذلك فعل معاذ، وذلك أن بالناس حاجة إلى رسول الله وَ ل﴿ في كل ما يَسُنّ، وليس بهم حاجة إلى غيره. انتهى. ويَحْتَمِل أن يقال: لا نسخ في هذه القضية، ولكن الأمران جائزان، أعني متابعة الإمام فيما هو فيه، ثم استدراك ما بقي بعد سلامه، والدخول في الصلاة منفرداً، ثم الاقتداء بالإمام في أثناء الصلاة، وكان الصحابة يفعلون أحد الأمرين، فلما فَعَلَ معاذ الأمر الآخر استحسنه النبيّ وَّ، ورجحه على الأمر الأول، لا أنه حتّمه، وصَيَّره ناسخاً بحيث إنه امتنع فعل الأمر الآخر، والله تعالى أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: كونه ناسخاً هو الأظهر كما لا يخفى على من تأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب. ٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن من أدرك الإمام راكعاً لم تُحْسَب له تلك الركعة؛ للأمر بإتمام ما فاته؛ لأنه فاته الوقوف، والقراءة فيه، وهو قول أبي هريرة، وجماعة، بل حكاه البخاريّ في ((جزء القراءة خلف الإمام)) عن كل مَن ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، واختاره ابن خزيمة، والضَّبَعيّ، وغيرهما من محدثي الشافعية، وقوّاه الشيخ تقي الدين السبكيّ من المتأخرين. ٣٠٣ (٢٨) - بَابُ بَيّانِ الأَمْرِ بِْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٢) وذهب الجمهور إلى أنها تُحسب له، وسيأتي تمام البحث في هذا مع ترجيح القول الأول قريباً - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب. ٧ - (ومنها): أن ابن حزم ◌َّتُهُ استدلّ بهذا الحديث على أنه إذا وجد الإمام جالساً في آخر الصلاة قبل أن يسلم، وجب عليه أن يدخل معه، سواء طَمِع بإدراك الصلاة من أولها في مسجد آخر، أم لا، فحَمَل الأمر في قوله ◌َله: ((فما أدركتم فصلوا))، على الوجوب على عادته، ثم ذكر آثاراً عن السلف بالأمر بصلاة ما أدركه، يمكن حملها على الاستحباب كما حمل الجمهور الأمر في هذا الحديث على ذلك. ورَوَى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن جرير، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن رجل من أهل المدينة، عن النبيّ وَّلي أنه سمع خفق نعلي، وهو ساجد، فلما فرغ من صلاته قال: ((من هذا الذي سمعت خفق نعله؟)) قال: أنا يا رسول الله، قال: ((فما صنعت؟))، قال: وجدتك ساجداً، فسجدت، قال: ((هكذا فاصنعوا، ولا تعتدُّوا بها، من وجدني راكعاً، أو قائماً، أو ساجداً، فليكن معي على حالتي التي أنا عليها)). انتهى كلام وليّ الدين دَّثُ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن ما قاله ابن حزم من وجوب المتابعة هو الأقرب إلى الصواب؛ لأن الأمر للوجوب على الراجح عند الأصوليين، إلا إذا وجد له صارف، ولم يذكر الجمهور دليلاً صارفاً عن الوجوب، فكيف يُحْمَل على الاستحباب؟ فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله بَله: ((وما فاتكم، فأتموا)) على أن ما أدركه المسبوق مع الإمام هو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام هو آخر صلاته، وهو مذهب الشافعي، وجماعة. وذهب آخرون إلى أن ما أدركه مع الإمام هو آخر صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام هو أول صلاته، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وسيأتي تمام البحث في هذا قريباً - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الإسراع في المشي إلى الصلاة : ٣٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال الإمام الترمذيّ رَّتُهُ في ((جامعه)): اختَلَف أهل العلم في المشي إلى المسجد، فمنهم من رأى الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى، حتى ذَكَر بعضهم أنه كان يُهَرْوِل إلى الصلاة، ومنهم من كَرِه الإسراع، واختار أن يمشي على تُؤَدة ووَقَار، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقالا: العمل على حديث أبي هريرة نظُه. وقال إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى، فلا بأس أن يسرع في المشي. انتهى كلام الترمذيّ كَُّهُ. قال وليّ الدين كَُّهُ: ورَوَى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) هذا المعنى - يعني عدم الإسراع مطلقاً - عن عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، والزبير بن العوام، وأبي ذرّ، وعليّ بن الحسين، ومجاهد، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد. ورَوَى ابن أبي شيبة الهرولة إلى الصلاة عن ابن عمر، والأسود، وسعيد بن جبير، وعن إبراهيم النخعي، قال: رأيت عبد الرحمن بن يزيد مسارعاً إلى الصلاة، وعن ابن عمر أنه سمع الإقامة بالبقيع، فأسرع المشي، وعن ابن مسعود أنه قال: أحقُّ ما سعينا إلى الصلاة. وقال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)) بعد نقل ما تقدم عن ((مصنف ابن أبي شيبة)): والظاهر أن من أطلق الإسراع عن ابن عمر وغيره، إنما هو عند خوف فوت تكبيرة الإحرام كما قيّده الترمذيّ، فقد رَوَى ابن أبي شيبة من رواية محمد بن زيد بن خليدة قال: كنت أمشي مع ابن عمر إلى الصلاة، فلو مشت معه نملة، لرأيت أن لا يسبقها . وحُكِي عن ابن مسعود أيضاً الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى، وحُكي عن مالك أنه إذا خاف فوت الركعة أسرع، وقال: لا بأس لمن كان على فرس أن يُحَرِّك الفرس، قاله القاضي عياض، وتبعه صاحب ((المفهم))، وتأوله بعضهم على الفرق بين الراكب والماشي؛ لأنه لا ينهز كما ينهز الماشي . وحُكي أيضاً عن إسحاق أنه يُسرع إذا خاف فوت الركعة، وهو مخالف لما حكاه الترمذيّ عن إسحاق من تعليق الإسراع بخوف فوات التكبيرة الأولى، ولعله يقول بالإسراع في الموضعين، والله تعالى أعلم. انتهى. ٣٠٥ (٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِإِثْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَّارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٢) وقال أبو إسحاق المروزي من الشافعية بالإسراع إذا خاف فوت تكبيرة الإحرام. وقال ابن بطال بعد نقله عن ابن عمر أنه سمع الإقامة، فأسرع المشي: وهذا يدل على ما رُوي عنه أنه لا يسرع المشي إلى الصلاة أنه جعل معنى قوله: ((وعليكم بالسكينة)) على ما إذا لم يخش فوت الصلاة، وكان في سعة من وقتها، قال: وقوله: ((إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة))، يَرُدّ فعلَ ابن عمر، ويُبَيِّن أن الحديث على العموم، وأن السكينة تلزم من سمع الإقامة كما تلزم من كان في سعة من الوقت. انتهى. وأما الجمعة، فلا نعلم أحداً قال بالإسراع لها دون غيرها من الصلوات، وأما قوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فإن المراد بالسعي فيه مطلق المضيّ، أو القصد. وقال عكرمة، ومحمد بن كعب القرظيّ: السعي: العمل، وبَوَّب البخاريّ على هذا الحديث: ((باب المشي إلى الجمعة))، وقول الله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ومن قال: السعي: العمل والذهاب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. انتهى. وقال الحافظ أبو بكر بن المنذر بعد ذكر نحو ما تقدّم من الخلاف ما نَصُّهُ: يمشي المرء إذا خرج إلى الصلاة على عادته التي يمشي في سائر الأوقات، وأغفل من قال: يسعى إذا خاف فوات التكبيرة الأولى، ومن قال: جائز أن يسعى إذا خاف فوات الركوع، والخروج عن ظاهر خبر رسول الله (وَ ل ( غير جائز. انتهى (١). وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ كَُّ بعد ذكر الخلاف أيضاً ما نَصُهُ: معلوم أن النبيّ ◌َّ﴿ إنما زجر عن السعي من خاف الفوت: ((إذا أقيمت الصلاة))؛ و((إذا ثُوِّب بالصلاة))؛ وقال: ((فما أدركتم فصَلَّوا))، فالواجب أن يأتي الصلاة من خاف فوتها، ومن لم يخف بالوقار والسكينة، وترك السعي، وتقريب الخطا، لأمر النبيّ وَ ﴿ بذلك، وهو رَّ الحجة. انتهى (٢). (١) ((الأوسط)) ١٤٧/٤. (٢) ((التمهيد) ٢٣٣/٢٠ - ٢٣٤، و((الاستذكار)) ٣٨/٤. ٣٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هذان الإمامان: أبو بكر بن المنذر، وأبو عمر بن عبد البرّ - رحمهما الله تعالى - من أن الخروج عن ظاهر خبر رسول الله * غير جائز، وأنه ◌َّ هو الحجة دون غيره تحقيقٌ حقيقٌ بالقبول، لا يسع أن يتعدّاه ذوو العقول، ويعتذر عمن خالفه من أهل العلم بأنه لم يصل إليهم النهي، أو وصل إليهم ولكن تأولوه، وما قصدوا مخالفته، فحاشاهم أن يُظَنّ بهم ذلك، فالقوم أهل اتباع، لا أهل ابتداع، إلا أن الخطأ لا يسلم منه إلا من عصمه الله، فرضي الله تعالى عنهم جميعاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في أن ما أدركه المسبوق هل هو أول صلاته، أم آخرها؟: قال الحافظ وليّ الدين ◌َّتُهُ: استُدِلّ بقوله وَله: ((وما فاتكم، فأتموا)) على أن ما أدركه المسبوق مع الإمام هو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام هو آخر صلاته، وهو مذهب الشافعي، ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن عمر، وعلي، وأبي الدرداء، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، والحسن، وسعيد بن جبير، وحكاه ابن المنذر عن هؤلاء، خلا سعيد بن جبير، وقال: إنه لا يثبت عن عمر، وعلي، وأبي الدرداء، وحكاه أيضاً عن مكحول، وعطاء، والزهري، والأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق ابن راهويه، والمزني، قال ابن المنذر: وبه أقول. ورواه البيهقي عن ابن عمر، ومحمد بن سيرين، وأبي قلابة، وهو منصوص مالك في ((المدونة))، فإنه قال فيها: إن ما أدرك فهو أول صلاته، إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة. قال ابن بطال: ورواه ابن نافع عن مالك، وقال سحنون في ((العتبية)): هو الذي لم نعرف خلافه، وهو قول مالك، أخبرني به غير واحد، وحكاه ابن بطال عن أحمد بن حنبل، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء، والسلف، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف. وذهب آخرون إلى أن ما أدركه مع الإمام هو آخر صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإمام هو أول صلاته، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. ٣٠٧ (٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِإِثْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٢) ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن ابن مسعود، وابن عمر، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وأبي قلابة، وعمرو بن دينار، والشعبيّ، وابن سيرين، وعبيد بن عمير، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وسفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، فأما مالك فهو المشهور في مذهبه، كما قال القاضي عبد الوهاب. قال ابن بطال: وهو قول أشهب، وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب، وقال: الذي يقضي هو أولها؛ لأنه لا يستطيع أن يخالف إمامه، فتكون له أولى، وللإمام ثانية، أو ثالثة. انتهى. وأما الشافعي، فليس هذا مذهبه، وما رأيت أحداً حكاه عنه، إلا أن النووي حكاه في ((الروضة))، قال: إنه حُكي عنه قول غريب أنه يجهر. وأما أحمد، فكذلك حكاه عنه الخطابي أيضاً، وهو خلاف ما حكاه عنه ابن بطال، كما تقدم. واستَدَلّ هؤلاء بقوله في الرواية الأخرى: ((وما فاتكم فاقضوا))، فلما استعمل لفظ القضاء في المأتيّ به بعد سلام الإمام، دلّ على أنه مؤخر عن محله، وأنه أول الصلاة، لكنه يقضيه. وأجاب الجمهور عنه بجوابین: [أحدهما]: تضعيف هذه اللفظة، كما تقدم عن غير واحد. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الأصح صحتها، فتبصر، والله تعالى أعلم. [الثاني]: أن قوله: ((اقضوا)) بمعنى أتموا، والعرب تستعمل القضاء على غير معنى إعادة ما مضى، قال الله تعالى: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقالوا: قضى فلان حقّ فلان، فيُحْمَل القضاء في هذا الحديث على هذا المعنى جمعاً بين الروايتين. وفي المسألة مذهب ثالث: وهو أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال، وهي رواية عن مالك تَظْتُهُ، ويوافقه ما نصّ عليه الشافعيّ: من أنه لو أدرك ركعتين من رباعية، ثم قام للتدارك يقرأ السورة في الركعتين . واختَلَف أصحابه في هذا، فقال بعضهم: هو تفريع على قوله: يستحب ٣٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قراءة السورة في جميع الركعات، وقال بعضهم: هو تفريع على القولين معاً؛ لئلا تخلو صلاته عن السورة، وصححه النوويّ، ويوافقه ما رواه البيهقيّ عن علي بن أبي طالب ربه أنه قال: ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن. انتهى المقصود من كلام وليّ الدين تَّتُهُ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن مذهب القائلين بأن ما يقضيه المسبوق أول صلاته هو الأرجح، لظهور دليله؛ لأن ((ما)) في قوله: ((وما فاتكم)) للعموم، فكل ما فات المسبوق من الأفعال والأقوال يجب عليه الإتيان به، لعموم هذا النصّ، والذي وجب عليه الإتيان به هو الذي فاته، وما فاته إلا أول صلاته، فإذا أتى به فقد قضاه، وما في رواية الأكثرين من لفظ: ((فأتموا)) لا ينافي هذا المعنى؛ إذ لولا إتيانه بما فاته من أول صلاته لَمَا حَصَلَ الإتمام، فإن الذي أدركه مع الإمام ناقص لا يتم حتى يقضي ما فاته، فإذا قضاه فقد أتم نقصه، ولا يستلزم ذلك أن يكون ما يقضيه أخيراً. والحاصل أنه يجب عليه الإتيان بما سبق به من قراءة الفاتحة، والسورة، وسائر الأفعال التي فاتته مع الإمام، وإذا كانت الصلاة جهرية جَهَرَ فيها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في إدراك الركعة بإدراك الركوع : ذهب الجمهور إلى أن من أدرك الإمام راكعاً تحتسب له تلك الركعة، على تفصيل في حد إدراك الركوع عندهم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن من أدرك الإمام راكعاً لم تحسب له تلك الركعة، للأمر بإتمام ما فاته؛ لأنه فاته الوقوف والقراءة، وهو قول أبي هريرة ظه، وجماعة، بل حكاه البخاري في ((جزء القراءة خلف الإمام)) عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، واختاره ابن خزيمة والصبغي وغيرهما من محدثي الشافعية، وقوّاه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين، قاله في ((الفتح)). وقال العلامة الشوكانيّ تَخْتُ عند البحث عن وجوب قراءة الفاتحة على كل إمام ومأموم في كل ركعة ما نصه: ومن ههنا يتَبَيَّن لك ضعف ما ذهب إليه ٣٠٩ (٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِثْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَّارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٢) الجمهور أن من أدرك الإمام راكعاً دخل معه، واعتدّ بتلك الركعة، وإن لم يدرك شيئا من القراءة. واستدلُّوا على ذلك بحديث أبي هريرة رحلته: ((من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة، فليضف إليها ركعة أخرى))، رواه الدارقطنيّ من طريق ياسين بن معاذ، وهو متروك، وأخرجه الدارقطنيّ بلفظ: ((إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجمعة، فقد أدرك، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى))، ولكنه رواه من طريق سليمان بن داود الحرانيّ، ومن طريق صالح بن أبي الأخضر، وسليمان متروك، وصالح ضعيف. على أن التقييد بالجمعة في كلا الروايتين مُشْعِرٌ بأن غير الجمعة بخلافها، وكذا التقييد بالركعة في الرواية الأخرى يدل على خلاف المدَّعَى؛ لأن الركعة حقيقة لجميعها، وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز، لا يصار إليه إلا لقرينة، كما وقع عند مسلم من حديث البراء بظلاله بلفظ: ((فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله، فسجدته))، فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام، والاعتدال، والسجود، قرينة تدلّ على أن المراد بها الركوع. وقد ورد حديث: ((من أدرك ركعة من صلاة الجمعة)) بألفاظ لا تخلو طرقها عن مقال، حتى قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) عن أبيه: لا أصل لهذا الحديث، إنما المتن: ((من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدركها)). وكذا قال الدارقطنيّ، والْعُقَيليّ، وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: ((من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه))، وليس في ذلك دليل لمطلوبهم، لما عرفت من أن مسمى الركعة جميع أذكارها، وأركانها حقيقة شرعية وعرفية، وهما مقدمتان على اللغوية، كما تقرر في الأصول، فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة، وما قبله قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي. فإن قلت: فأي فائدة على هذا في التقييد بقوله: ((قبل أن يقيم الإمام صلبه))؟ . قلت: دفع توهّم أن من دخل مع الإمام، ثم قرأ الفاتحة، وركع الإمام قبل فراغه منها غير مدرك. ٣١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة إذا تقرر لك هذا، علمت أن الواجب الحمل على الإدراك الكامل للركعة الحقيقية؛ لعدم وجود ما تحصل به البراءة من عهدة أدلة وجوب القيام القطعية، وأدلة وجوب الفاتحة. وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الظاهر، وابن خزيمة، وأبو بكر الصبغي. روى ذلك ابن سيد الناس في ((شرح الترمذيّ))، وذكر فيه حاكياً عمن روى عن ابن خزيمة أنه احتَجّ لذلك بما روي عن أبي هريرة أنه وَ ل قال: ((من أدرك الإمام في الركوع، فليركع معه، وليعدَّ الركعة)). وقد رواه البخاري في ((القراءة خلف الإمام)) من حديث أبي هريرة أنه قال: ((إن أدركت القوم ركوعاً لم تعتدّ بتلك الركعة)). قال الحافظ: وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفاً، وأما المرفوع فلا أصل له. وقال الرافعيّ تبعاً للإمام: إن أبا عاصم العباديّ حكى عن ابن خزيمة أنه احتجّ به. وقد حَكَى هذا المذهب البخاري في ((القراءة خلف الإمام)) عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، وحكاه في ((الفتح)) عن جماعة من الشافعية، وقوّاه الشيخ تقي الدين السبكي، وغيره من محدثي الشافعية، ورجحه المقبلي، قال: وقد بحثت هذه المسألة، وأحطتها في جميع بحثي فقهاً وحديثاً، فلم أحصل منها على غير ما ذكرت - يعني من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط -. قال العراقيّ تَُّ في ((شرح الترمذيّ) بعد أن حَكَى عن شيخه السبكي أنه كان يختار أنه لا يعتدّ بالركعة من لا يدرك الفاتحة، ما لفظه: وهو الذي نختاره. انتهى. والعجب ممن يَدَّعِي الإجماع، والمخالف مثل هؤلاء. وأما احتجاج الجمهور بحديث أبي بكرة حظيبه، حيث صلى خلف الصفّ مخافةَ أن تفوته الركعة، فقال ◌َ له: ((زادك الله حرصاً، ولا تعد))، ولم يؤمر بإعادة الركعة، فليس فيها ما يدلّ على ما ذهبوا إليه؛ لأنه كما لم يأمره بالإعادة لم يُنْقَل إلينا أنه اعتدّ بها، والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها؛ لأن ٣١١ (٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِتْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٢) الكون مع الإمام مأمور به، سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتمّ معتدّاً به، أم لا، كما في حديث: ((إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدّوها شيئاً))، أخرجه أبو داود وغيره على أن النبيّ وَّر قد نهى أبا بكرة عن العودة إلى مثل ذلك، والاحتجاج بشيء قد نُهِي عنه لا يصح. وقد أجاب ابن حزم في ((المحلى)) عن حديث أبي بكرة ظُه، فقال: إنه لا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه اجتزاء بتلك الركعة. ثم استدلّ على ما ذهب إليه من أنه لا بد في الاعتداد بالركعة من إدراك القيام والقراءة بحديث: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)). ثم جزم بأنه لا فرق بين فوت الركعة، والركن، والذكر المفروض؛ لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به، قال: فهو مأمور بقضاء ما سبقه به الإمام وإتمامه، فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك بغير نصّ آخر، ولا سبيل إلى وجوده . قال: وقد أقدم بعضهم على دعوى الإجماع على ذلك، وهو كاذب في ذلك؛ لأنه قد رُوي عن أبي هريرة أنه لا يعتدّ بالركعة حتى يقرأ أم القرآن، ورُوي القضاء أيضاً عن زيد بن وهب. ثم قال: فإن قيل: إنه يكبر قائماً، ثم يركع، فقد صار مدركاً للوقفة. قلنا: وهذه معصية أخرى، وما أمر الله تعالى قط، ولا رسوله وَل أن يدخل في الصلاة من غير الحال التي يجد الإمام عليها، وأيضاً لا يجزئ قضاء شيء يسبق به من الصلاة إلا بعد سلام الإمام، لا قبل ذلك. وقال أيضا في الجواب عن استدلالهم بحديث: ((من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة)): إنه حجة عليهم؛ لأنه مع ذلك لا يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة. انتهى. والحاصل أن أنهض ما احتج به الجمهور في المقام حديث أبي هريرة رضيبه باللفظ الذي ذكره ابن خزيمة؛ لقوله فيه: ((قبل أن يقيم صلبه)) كما تقدم، وقد عَرَفت أن ذكر الركعة فيه مناف لمطلوبهم، وابن خزيمة الذي عوّلوا عليه في هذه الرواية من القائلين بالمذهب الثاني، كما عرفت، ومن البعيد أن ٣١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة يكون هذا الحديث عنده صحيحاً، ويذهب إلى خلافه (١). ومن الأدلة على ما ذهبنا إليه في هذه المسألة حديث أبي قتادة، وأبي هريرة ﴿ها المتفق عليه بلفظ: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)). قال الحافظ في ((الفتح)): قد استُدِلَّ بهما على أن من أدرك الإمام راكعاً لم تحتسب له تلك الركعة؛ للأمر بإتمام ما فاته؛ لأنه فاته القيام والقراءة فيه، ثم قال: وحجة الجمهور حديث أبي بكرة. وقد عرفت الجواب عن احتجاجهم به. وقد ألَّف السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رسالة في هذه المسألة، ورجّحَ مذهب الجمهور، وقد كتبت أبحاثاً في الجواب عليها. انتهى كلام الشوكانيّ كَذَهُ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي في هذه المسألة قول من قال بعدم الاعتداد بالركعة بإدراك الركوع إلا إذا أدرك القيام والقراءة؛ لقوة دليله، كما عرفت تفصيله فيما سبق. وهو الذي رجحه الإمام البخاريّ، ونقله عن كل من قال بوجوب القراءة على المأموم، كما حققه في ((جزء القراءة))، وابن خزيمة، وابن حزم، ورجحه من متأخري الشافعية التقي السبكيّ، والحافظ العراقيّ، والعلامة الشوكانيّ في ((نيل الأوطار))، كما مرّ تحقيقه. لكن من الغريب أن الشوكانيّ تراجع عن هذا القول، فقال بترجيح مذهب الجمهور في فتاواه المعروف بـ((الفتح الربانيّ))، كما نقل نصه العلامة محمد (١) لم يصحّح ابن خزيمة هذا الحديث، بل أشار إلى ضعفه، فقد قال بعد إخراجه ما نصّه: قال أبو بكر: في القلب من هذا الإسناد، فإني كنت لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة ولا جرح ... إلخ، وقال أيضاً: والنبيّ وَّ إن صحّ عنه الخبر أراد بقوله: ((فلا تعدّها شيئاً))، أي لا تعدّها سجدةً إلى آخر كلامه، فأفاد: أن الحديث لم يصحّ عنده، وإن كانت ترجمته تدلّ على أنه يقول بمذهب الجمهور، وأما ما عزاه إليه في ((الفتح))، وتبعه الشوكانيّ من أنه من القائلين بعدم الاعتداد، فلعلّه في كتبه الأخرى، غير ((صحيحه))، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (٢) ((نيل الأوطار)) ٦٧/٣ - ٧٠. ٣١٣ (٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِإِثْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَّارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٣) شمس الحق صاحب ((عون المعبود» في شرح أبي داود (١٥٧/٣) لكنه ما أتى بدليل مُقْنع، إنما ذكر ما تقدم في أدلة الجمهور التي أجاب هو عنها قريباً، فأجاد، وأفاد. والحاصل أن مذهب القائلين بعدم الاعتداد بالركعة بإدراك ركوعها هو المذهب القويّ، فلا تعدل عنه أيها الموفق إلى غيره، وإن كثر القائلون، فالشأن في قوّة الدليل، لا في كثرة القال والقيل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقد أشبعت البحث بأطول مما هنا في شرح النسائيّ، فراجعه تستفد(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣٦٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ، فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأَتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوْا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُوا، فَإِنَّ أحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ(٢) فَهُوَ فِي صَلَاةٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمَقَابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيد) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. (١) ((ذخيرة العقبى)) ٣٦٧/١٠ - ٣٨٢. (٢) وفي نسخة: (يعمد للصلاة)). ٣١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرَقيّ، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ [٥] مات سنة بضع و(١٣٠) (زم ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ المدنيّ مولى الْحُرَقة، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. وقوله: ((إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ) وفي رواية ابن سيرين الآتية: ((بالصلاة)) بالباء، ومعناه: إذا أقيمت، سُمِّيت الإقامة تثويباً؛ لأنها دعاء إلى الصلاة بعد الدعاء بالأذان، من قولهم: ثاب: إذا رجع(١). وقوله: (فَإِنَّ أحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ) أي يقصد إليها، وفي نسخة: ((للصلاة))، يقال: عَمَدتُ للشيء عَمْداً، من باب ضَرَبَ، وعَمَدتُ إليه: قصدته، وتعمّدته أيضاً: قصدت إليه(٢). وقوله: (فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) أي في حكمها من حيث الأجر والثواب، وليس المراد أنه في الصلاة حقيقةً. قال النوويّ: فيه الندب الأكيد إلى إتيان الصلاة بسكينة ووقار، والنهي عن إتيانها سعياً، سواءٌ فيه صلاةُ الجمعة وغيرها، سواءٌ خاف فوت تكبيرة الإحرام أم لا . قال: والحكمة في إتيانها بسكينة، والنهي عن السعي أن الذاهب إلى صلاة عامدٌ في تحصيلها، ومتوصلٌ إليها، فينبغي أن يكون متأدباً بآدابها، وعلى أكمل الأحوال، وهذا معنى قوله: «فإن أحدكم إذا كان يَعْمِد إلى الصلاة، فهو في صلاة)). انتهى(٣). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) (شرح النوويّ)) ١٠٠/٥. (٣) راجع: ((شرح النووي)) ٩٩/٥. (٢) راجع: ((المصباح)) ٤٢٨/٢. ٣١٥ (٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِإِنْبَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَّارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٤ - ١٣٦٥) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْلِتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٦٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ (١)، فَأَتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوْا، وَمَا فَاتَكُمْ(٢) فَأَتِقُوا))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر الحميريّ مولاهم، ثقةٌ حافظٌ مشهورٌ، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (٢١١) عن (٨٥) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في (المقدمة)) ١٨/٤. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَّبِّه) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. وقوله: (إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ) وفي نسخة: ((للصلاة))، والمراد الإقامة، فهو بمعنى قوله: ((إذا ثُوِّب بالصلاة))، وقوله: ((إذا أُقيمت الصلاة)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٦٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا(٣) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ، بَعْنِي ابْنَ (١) وفي نسخة: ((للصلاة)). (٣) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((وما سبقكم)). ٣١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَلَا يَسْعَ(١) إِلَيْهَا أَحَدَكُمْ، وَلَكِنْ لِيَمْشٍ، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ، وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الْفُضَيْلُ بْنَ عِيَاضٍ) التيميّ، أبو عليّ الزاهد خراسانيّ الأصل، نزيل مكة، ثقةٌ عابد إمامٌ [٨] (ت١٨٧) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن عُليّة تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الْقُردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القدر [٣] (ت١١٠) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٠٨. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ) قيل: هما بمعنى واحد، وجُمِعٍ بينهما تأكيداً، والظاهر أن بينهما فرقاً، وأن السكينة التأني في الحركات، واجتناب العبث، ونحو ذلك، والوقار في الهيئة، وغضّ البصر، وخفض الصوت، والإقبال على طريقه بغير التفات، ونحو ذلك. وفيه دليلٌ على أنه ينبغي للذاهب إلى الصلاة أن لا يعبث بيده، ولا يتكلّم بقبيح، ولا ينظر نظراً قبيحاً، ويجتنب ما أمكنه مما يجتنبه المصلّي، فإذا وصل إلى المسجد، وقعد ينتظر الصلاة كان الاعتناء بما ذُكر أشدّ وآكد، والله تعالى أعلم. والحديث مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) وفي نسخة: ((فلا يسعى)). ٣١٧ (٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِإِثْيَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَارٍ وَسَكِينَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٦) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٦٦] (٦٠٣) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ، قَالَ: بَيَّنُمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهُ، فَسَمِعَ جَلَبَةً، فَقَالَ: ((مَا شَأَنْكُمْ؟))، قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: ((فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ، فَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ(١)، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلَّوْا، وَمَا سَبَقَكُمْ فَأَتِّمُّوا))). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُور) بن بَهْرَام الكوسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ /١٥٦. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ) هو: محمد بن المبارك بن يعلى القرشيّ الصوريّ، أبو عبد الله القلانسيّ، سكن دمشق، ثقة، من كبار [١٠]. رَوَى عن الهيثم بن حُميد، ومعاوية بن سلّام، وصدقة بن خالد، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه محمد، وعمران بن بكّار، والذَّهْليّ، وغيرهم. قال أبو زرعة الدمشقيّ، عن الوليد بن عتبة: سمعت مروان بن محمد يقول: ليس فينا مثله. قال أبو زرعة: وشهدت جنازته في شوّال سنة (٢١٥) وصَلَّى عليه أبو مسهر، فلما فرغ أثنى عليه، وقال: يرحمه الله، فذكر جميلاً. وقال محمود بن خالد: قال ابن معين: محمد بن المبارك شيخ الشام بعد أبي مسهر. وقال العجليّ، وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان مولده سنة (١٥٣) ومات سنة (٢١٥) وكان من العبّاد. وذكره ابن شاهين في ((الثقات)). وقال الخليليّ: ثقة. وقال الذهليّ: كان أفضل أهل الشام. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٠٣)، و(١٩٧٥): ((أصلح هذا اللحم ... )). (١) وفي نسخة: ((فعليكم بالسكينة)). ٣١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة [تنبيه]: قوله: ((الصُّوريّ)) بضمّ الصاد، وسكون الواو، وفي آخره راء: نسبة إلى مدينة صُور من بلاد ساحل الشام، قاله في ((اللباب))(١) . ٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّام) - بتشديد اللام - أبو سلّام الدمشقيّ، وسكن حِمْصَ، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٠٩/٤٩. ٤ - (يَحْبَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت٩٣) (ع) تقدم في ((الطهارة» ٦١٩/١٨. ٦ - (أَبُوهُ) أبو قتادة الأنصاريّ الحارث، أو عمرو، أو النعمان بن رِبْعِيّ بن بُلْدُمة السَّلَميّ الصحابيّ المشهور، مات ظُه سنة (٥٤) على الأصحّ (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظُّهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه. شرح الحديث : (عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَاهُ) أبا قتادة ◌َظُه (أَخْبَرَهُ) وقوله: (قَالَ) بيان وتوضيح لمعنى الإخبار (بَيْنَمَا) هي ((بين)) الظرفيّة زيدت عليها ((ما))، وربّما تزاد الألف، فيقال: ((بينا))، وهي ظرف زمان، بمعنى المفاجأة، وتضاف إلى جملة فعليّة، أو اسميّة، وتحتاج إلى جواب يتمّ به المعنى، وقد يقترن الجواب بـ((إذ))، و((إذا))، والأكثر عدم اقترانه بهما، وقد تقدّم البحث فيها مستوفَّى في غير هذا المحلّ. (نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ) وقوله: (فَسَمِعَ جَلَبَةً) جواب ((بينما)) - بفتحات -: أي (١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٥٦/٢. ٣١٩ (٢٨) - بَابُ بَيَانِ الأَمْرِ بِتْبَانِ الصَّلَاةِ بِوَقَارٍ وَسَكِيَةٍ، ... إلخ - حديث رقم (١٣٦٦) أصواتاً لحركتهم وكلامهم واستعجالهم، وفي رواية البخاريّ: ((جَلَبة الرجال))، وفي رواية كريمة والأصيليّ: ((جلبة رجال))، بغير ((أل))، وهي للعهد الذهنيّ. واستُدلّ به على أن التفات خاطر المصلي إلى الأمر الحادث لا يُفسد صلاته(١)، حيث إنه وَّ التفت خاطره إليهم لَمّا سمع جَلَبتهم. (فَقَالَ: ((مَا) استفهاميّة مبتدأ، خبره قوله: (شَأَنْكُمْ؟))) بالهمزة، ويُخفّف بحذفها، أي أيُّ شيء حالكم؟ حيث وقع منكم الجلبة، وأراد به الإنكار على ما سمعه من الجلبة المنافية لحال الصلاة (قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ) أي إلى إدراكها معك، والسين والتاء للطلب، أو للصيرورة، أي طلبنا من أنفسنا العجلة إلى الصلاة، أو صرنا عَجِلين إلى الصلاة (قَالَ) وَ ((فَلَا تَفْعَلُوا) الفاء في جواب شرط مقدّر، أي إذا تأخّرتم فلا تفعلوا الاستعجال المؤدّي إلى الإخلال بآداب المشي إلى الصلاة، والنهي عن الاستعجال بلفظ النهي عن الفعل فيه مبالغة؛ لأنه من العامّ الذي يدخل ضمنه الخاصّ كذا قيل(٢). (إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ) أي مكان الصلاة لأجل أدائها (فَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ) وفي نسخة: ((بالسكينة))، وهو اسم فعل بمعنى الزموا، ويجوز كونه مبتدأ خبره ((علیکم))، وتقدّمِ البحث فيه (فَمَا أَدْرَكْتُمْ) أي القدر الذي أدركتموه من الصلاة مع الإمام (فَصَلُّوْا) معه (وَمَا سَبَقَكُمْ) أي فاتكم (فَأَتِمُوا) قال الحافظ ابن رجب تَذْتُ: وقد وُجد في بعض نسخ ((صحيح البخاريّ)) في حديث أبي قتادة هذا: ((وما فاتكم فاقضوا»، وقد خرّجه الطبرانيّ من طريق أبي نُعيم الذي خرّج عنه البخاريّ، وقال في حديثه: ((ليُصلّ أحدكم ما أدرك، وليقض ما فاته))، وخرّجه بقيّ بن مَخْلَد في ((مسنده)) عن ابن أبي شيبة، عن معاوية بن هشام، عن شيبان، وقال في حديثه: ((وما سُبِقتم فاقضوا))، وخرّجه الإسماعيليّ، ولفظه: ((وما فاتكم فاقضوا)). انتهى(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((الفتح)) ١٣٨/٢. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٢١٩/٥، و((فتح المنعم)) ٢٩٢/٢. (٣) ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٨٨/٥ - ٣٨٩. ٣٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي قتادة ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٦٦/٢٨ و١٣٦٧] (٦٠٣)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٣٥)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٠٦/٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢١٤٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٤٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٣٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٨/٢)، وفوائد الحديث تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٦٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب. ٢ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَام) القصّار، أبو الحسن الكوفيّ، مولى بني أسد، ويقال له: معاوية بن أبي الَّعبّاس، صدوقٌ له أوهام، من صغار [٩] (ت٢٠٤) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٩١/٩١. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. [تنبيه]: كان ينبغي للمصنّف تَخْتُ أن يقول: ((حدّثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير))، قال النوويّ كَُّ: قوله: ((حدّثنا شيبان بهذا الاسناد))، يعني حدّثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير بإسناده المتقدم، وكان ينبغي لمسلم أن يقول: ((عن يحيى))؛ لأن شيبان لم يتقدم له ذكرٌ، وعادة مسلم وغيره في مثل هذا أن يذكروا في الطريق الثاني رجلاً، ممن سبق في الطريق الأول، ويقولوا: بهذا الإسناد، حتى يُعْرَف، وكأنّ مسلماً كَثُ اقتصر على شيبان؛ للعلم بأنه في