النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٥٧)
أراد ذلك لَجَهَر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة نظ الله عند
البزار(١).
من المحافظة على تتبع أحوال
٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة
النبيّ وَّ في حركاته، وسكناته، وإسراره، وإعلانه حتى حَفِظَ الله وَك بهم
الدین.
٥ - (ومنها): وفيه تفدية النبيّ وَله بالآباء والأمهات، ويجوز تفدية غيره
أيضاً، فليس خاصاً به بَّ، وفيه خلاف تقدم بيانه في غير هذا المحلّ.
٦ - (ومنها): أنه يدل على جواز الطهارة بماء الثلج والبرد، وذلك حيث
شَبَّه محو الذنوب عن الشخص بمحو الأوساخ بهذه الآلات، فأفاد أن هذه
الآلات تفيد الغسل الشرعيّ، وأنها مما يزال بها الأحداث والأخباث، قال في
((الفتح)): واستبعده ابن عبد السلام، وأبعد منه استدلال بعض الحنفية به على
نجاسة الماء المستعمل. انتهى.
٧ - (ومنها): ما قال الحافظ ابن رجب تَخَّتُهُ: إنما كان يدعو في استفتاح
الصلاة المكتوبة بهذا - والله أعلم - لأن الصلوات الخمس تُكفّر الذنوب
والخطايا كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَلَوَةَ طَرَفَ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ
يُذْهِبْنَ اُلسََّاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فإقامة الصلوات المفروضات على وجهها يوجب
مباعدة الذنوب، ويوجب أيضاً إنقاءها وتطهيرها، فإن مثل الصلوات الخمس
كمثل نهر جارٍ يُغْتَسَل فيه كلَّ يوم خمس مرّات(٢) .
ويوجب أيضاً تبريد الحريق الذي تُكسبه الذنوب وإطفاءه.
أخرج الطبرانيّ من حديث ابن مسعود ظله مرفوعاً: ((تحترقون حتى إذا
صلّيتم الفجر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون حتى إذا صلّيتم الظهر غسلتها، ثم
تحترقون تحترقون حتى إذا صلّيتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا
صلّيتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صلّيتم العشاء غسلتها))(٣)،
وقد روي موقوفاً، وهو أشبه.
(١) لكن في إسناده ضعفاً، فتنبّه.
(٣) ((الأوسط)) للطبرانيّ (٩٤٥٢).
(٢) متفقٌ عليه.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وخَرَّج أيضاً من حديث أنس عظ ته مرفوعاً: ((إن الله ملكاً ينادي عند كلّ
صلاة: يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم،
فأطفئوها))(١) .
وأخرج الإسماعيليّ من حديث عمر بن الخطّاب نظراته مرفوعاً:
(يَحترقون، فإذا صلَّوا الصبح غَسَلت الصلاة ما كان قبلها))، حتى ذكر الصلوات
الخمس .
ولَمّا كانت الصلاة صِلَةً بين العبد وربّه، وكان المصلِّي يُناجي ربّه، وربُّهُ
يُقرِّبه منه لم يَصلحِ للدخول في الصلاة إلا من كان طاهراً في ظاهره وباطنه،
ولذلك شُرع للمصلِّي أن يتطهّر بالماء، فيُكفِّر ذنوبه بالوضوء، ثم يمشي إلى
المساجد، فيكفّر ذنوبه بالمشي، فإن بقي من ذنوبه شيء كفّرته الصلاة.
قال سلمان الفارسيّ رُّّه: الوضوء يكفِّر الجراحات الصغار، والمشي
إلى المسجد يكفّر أكثر من ذلك، والصلاة تُكفّر أكثر من ذلك، أخرجه محمد بن
نصر المروزيّ وغيره.
فإذا قام المصلّي بين يدي ربّه في الصلاة، وشَرَع في مناجاته شُرِع له أوّلَ
ما يناجي ربّه أن يسأل ربّه أن يباعد بينه وبين ما يوجب له البعد من ربّه، وهو
الذنوب، وأن يُطهِّره منها؛ ليصلح حينئذ للتقريب والمناجاة، فيستكمل فوائد
الصلاة وثمراتها، من المعرفة والإنابة والمحبّة والخشية، فتصير صلاته ناهيةً له
عن الفحشاء والمنكر.
وقد رُوي أنه ◌َلير كان يستعيذ من صلاة لا تنفع، أخرجه أبو داود(٢).
وأخرج البزّار في ((مسنده)) بإسناد فيه ضعفٌ، عن سمرة بن جندب نضَّه
أن رسول الله وَ ﴿ كان يقول: ((إذا صلَّى أحدكم فليقل: اللهمّ باعد بيني وبين
خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهمّ إني أعوذ بك أن يُصدّ عني
وجهك يوم القيامة، اللهمّ نقّني من خطاياي كما يُنقّى الثوب الأبيض من
الدنس، اللهمّ أحيني مسلماً، وتوفّني مسلماً))(٣).
(١) رواه محمد بن نصر ١/ ١٥٧ بمعناه.
(٣) راجع: ((كشف الأستار)) (٥٢٣).
(٢) ((سنن أبي داود)) (١٥٤٩).

٢٦٣
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٥٧)
وهذا حديث غريبٌ، والاستعاذة من الإعراض مناسبة لهذا المقام، فإن
المصلّي قائم بين يدي الله لمناجاته، فيحسن أن يستعيذ به من أن يُعرِض بوجهه
عنه. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في دعاء الاستفتاح:
قال الإمام النوويّ كَُّ في ((شرحه)): وفي حديث أبي هريرة ◌ُه هذا
دليل للشافعيّ، وأبي حنيفة، وأحمد، والجمهور - رحمهم الله تعالى - أنه
يُستَحَبُّ دعاء الافتتاح، وجاءت فيه أحاديث كثيرة في ((الصحيح)). وقال
مالك تَخْتُ: لا يُستَحَب دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الإحرام، ودليل الجمهور هذه
الأحاديث الصحيحة. انتهى (٢).
وفي ((شرح المهذب)): يُستَحَبّ لكل مصلّ، من إمام، ومأموم، ومنفرد،
وامرأة، وصبيّ، ومسافر، ومفترض، ومتنفل، وقاعد، ومضطجع، وغيرهم أن
يأتي بدعاء الاستفتاح، وقال أيضاً: أما الاستفتاح فقال باستحبابه جمهور
العلماء من الصحابة، والتابعون، فمن بعدهم، ولا يُعرف من خالف فيه إلا
مالك، فقال: لا يأتي بدعاء الاستفتاح، ولا بشيء بين القراءة والتكبير أصلاً،
بل يقول: الله أكبر ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ [الفاتحة: ٢] إلى آخر
الفاتحة، واحتُجَّ له بحديث المسيء صلاته، فإنه ليس فيه استفتاح، وقد يُحتَجّ
له بحديث أنس مظله: ((كان رسول الله وَ له، وأبو بكر، وعمر ضيّا يفتتحون
[الفاتحة: ٢]))، مُتّفقٌ عليه.
الصلاة بـ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة، ولا جواب له عن واحد منها،
والجواب عن حديث المسيء صلاته أن النبيّ وَ﴿ إنما علّمه الفرائض فقط،
وليس هذا منها، والجواب عن حديث أنس به أن المراد يفتتحون القراءة،
كما في رواية مسلم، ومعناه أنهم يقرأون الفاتحة قبل السورة، وليس المقصود
أنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح، وقد بَيَّنَه حديث عائشة صوّها: ((كان رسول الله وَّل
﴾ [الفاتحة: ٢]))
٢
يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٦/ ٣٧٤ - ٣٧٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٩٦/٥ - ٩٧.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
مُتَّفَقٌ عليه. وكيف كان فليس فيه تصريح بنفي دعاء الاستفتاح، ولو صَرَّح بنفيه
كانت الأحاديث الصحيحة المتظاهرة بإثباته مقدمةً؛ لأنها زيادة ثقات، ولأنها
إثبات، وهو مقدَّم على النفي، والله أعلم.
وأما ما يُسْتَفْتَح به فيستفتح بـ ((وجهت وجهي للذي فطر السموات
والأرض ... إلخ))، وبه قال عليّ بن أبي طالب رضيُته.
وقال عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والأوزاعيّ، والثوريّ، وأبو
حنيفة، وأصحابه، وإسحاق، وداود: يستفتح بـ((سبحانك اللهم وبحمدك ...
إلخ)) الآتي، ولا يأتي بـ(وجهت وجهي)).
وقال أبو يوسف: يَجْمَع بينهما، ويبدأ بأيّهما شاء، وهو قول أبي إسحاق
المروزيّ، والقاضي أبي حامد من أصحاب الشافعية.
قال ابن المنذر: أيّ ذلك قال أجزأه، وأنا إلى حديث ((وجهت وجهي))
أمیل.
قال النوويّ: دليلنا أنه لم يثبت عن النبيّ ◌َّ في الاستفتاح بـ((سبحانك
اللَّهم)) شيء، وثبت ((وجهت وجهي))، فتعيّن اعتماده، والعمل به. انتهى كلام
النوويّ كَُّ ببعض تصرف(١) .
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر تَّتُهُ بعد ذكره أنواعاً من دعاء الاستفتاح
ما نصه: قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان سفيان الثوري، وأحمد،
وإسحاق، وأصحاب الرأي يقولون بالذي رَوَيناه عن عمر، وابن مسعود
وكان الشافعي يقول بحديث عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ
وكان أبو ثور يقول: أيّ ذلك قال يجزيه، مثل قوله: ((سبحانك اللَّهم
وبحمدك))، ومثل: ((وجهت وجهي))، ومثل قوله: ((الله أكبر كبيراً))، وما أشبه
ذلك.
فأما مالك بن أنس، فإنه كان لا يرى أن يقال شيء من ذلك، ولا
يستعمل منها شيء، إنما يكبر، ويقول: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
(١) ((المجموع)) ٣٢١/٣ - ٣٢٢.

(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٥٧)
٢٦٥
قال أبو بكر: والذي ذكرناه هو من الاختلاف المباح الذي مَن عَمِل به
بشيء منه أجزأه، ولو ترك ذلك كلّه ما كانت عليه إعادة، ولا سجود سهو،
وأصح ذلك إسناداً حديث عليّ رَبُه، فإن لم يقله فكالذي رُوي عن عمر، وابن
مسعود ◌ًّا يعني: ((سبحانك اللَّهم وبحمدك)). انتهى كلام ابن المنذر ◌َُّهُ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأصحّ في دعاء الاستفتاح ما جاء في
حديث أبي هريرة ظه المذكور في الباب، وهو: ((اللَّهم باعد بيني وبين
خطاياي ... إلخ)) المتفق عليه، وأما ((وجهت وجهي)) الذي في حديث عليّ،
فأخرجه مسلم فقط، فتبصر، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ تَّتُهُ: ونقل الساجيّ عن الشافعيّ استحباب الجمع بين
التوجيه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة، وجماعة من الشافعية، وحديث أبي
هريرة أصحّ ما ورد في ذلك. انتهى(١).
وقال المجد ابن تيمية في ((المنتقى)): واختيار هؤلاء الصحابة ظلم يعني
الذين ذكر أنهم يستفتحون بـ((سبحانك اللَّهم))، وجَهْرُ عمر به أحياناً بمحضر من
الصحابة ليتعلمه الناس، مع أن السنّة إخفاؤه يدلّ على أنه الأفضل، وأنه الذي
كان النبيّ وَّ﴿ يداوم عليه غالباً، وإن استَفْتَح بما رواه عليّ، أو أبو هريرة
فحسن؛ لصحة الرواية. انتهى.
قال العلامة الشوكانيّ تَخّْثُ: ولا يخفى أن ما صحّ عن النبيّ وَ ◌ّ أولى
بالإيثار والاختيار، وأصحّ ما رُوي في الاستفتاح حديث أبي هريرة ◌َظُبه - يعني
رَُّه - يعني: ((وجّهت وجهي ... إلخ))، وأما
حديث الباب - ثم حديث عليّ
حديث عائشة وأبي سعيد الخدريّ ﴿ّا - يعني حديثهما في استفتاح النبيّ ◌َّ بـ
((سبحانك اللَّهم)) - ففيه مقال.
وقال الإمام أحمد تَخّْتُهُ: أما أنا فأذهب إلى ما رُوي عن عمر، ولو أن
رجلاً استفتح ببعض ما رُوي كان حسناً .
وقال ابن خزيمة تَخْثُهُ: لا أعلم في الافتتاح بـ ((سبحانك اللَّهم)) خبراً
ثابتاً، وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد، ثم قال: لا نعلم أحداً، ولا سمعنا
(١) ((الفتح)) ٤٧٢/٢.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
به استعمل هذا الحديث على وجهه. انتهى كلام الشوكانيّ دَّلهُ ببعض
تصرف(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة المسألة أن دعوات الاستفتاح
التي ثبتت عن رسول الله وَ﴿ كما في حديث الباب، وغيره، يُسْتَحَبّ استعمالها
في الفرائض والنوافل، فإن تيسر للمصلي الجمع بينها فحسن، وإن اقتصر على
بعضها فحسن، وأصحها ما في حديث أبي هريرة ظُه المذكور في هذا الباب،
وهو متّفقٌ عليه، ويليه حديث عليّ رَظُه: ((وجهت وجهي)) الآتي للمصنّف في
أبواب قيام الليل، ويليه ((سبحانك اللَّهم)) عند أصحاب السنن، وأما قول
مالك تَخُّ بعدم مشروعية ذلك فقد عرفت الردّ عليه فيما سبق آنفاً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
ثمّ رأيت للحافظ ابن رجب تَُّهُ بحثاً استوفى فيه اختلاف المذاهب،
وحججهم، أحببت إيراده هنا؛ تتميماً للفائدة، وإن كان خلاصته تقدّم فيما
مضى، قال رَّتُهُ :
حديث أبي هريرة ظُه - يعني المذكور في الباب - استَدَلّ به من يقول:
إنه يستحبّ الاستفتاح بالذكر قبل الشروع في القراءة، وهو قول أكثر العلماء،
ثم اختلفوا، فقال كثيرٌ منهم: يُستَحَبّ استفتاح الصلاة بقول: ((سبحانك اللهم
وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك))، صحّ هذا عن عمر بن
الخطّاب، رُوي عنه من وجوه كثيرة، وعن ابن مسعود، ورُوي عن أبي بكر
الصدّيق، وعثمان بن عفّان، وعن الحسن، وقتادة، والنخعيّ، وهو قول
الأوزاعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق في رواية.
وقد رُوي في ذلك أحاديث مرفوعةٌ من وجوه متعدّدة أجودها من حديث
أبي سعيد، وعائشة
وقال الإمام أحمد: نذهب فيه إلى حديث عمر، رُوي فيه وجوهٌ ليست
بذاك، فذكر حديث عائشة، وأبي هريرة، فصرّح بأن الأحاديث المرفوعة ليست
قويّة، وأن الاعتماد على الموقوف على الصحابة؛ لصحّة ما رُوي عن عمر نظُه.
(١) ((نيل الأوطار)) ٣٦/٣.

٢٦٧
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٥٧)
ورُوي عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن أبي الخليل قال: سمعت عليّاً
حين افتتح الصلاة قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني قد ظلمت نفسي ظلماً
كثيراً، فاغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت(١).
ورُوي عن ابن عمر أنه افتتح الصلاة، فقال: الله أكبر كبيراً، وسبحان الله
وبحمده بكرة وأصيلاً، اللهم أجعلك أحبّ شيء إليّ، وأخشى شيء عندي(٢).
وذهبت طائفة إلى الاستفتاح بقول: ((وجّهت وجهي للذي فطر السموات
والأرض حنيفاً ... )) الآيات، وما بعده من الدعاء، أخرجه مسلم من حديث
عليّ بن أبي طالب ◌َظُه أن النبيّ وَّ كان يستفتح بذلك(٣).
وأخرجه الترمذيّ، وعنده أن النبيّ وَ﴿ كان يستفتح به في الصلاة
المكتوبة، وفي إسناده مقال، وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر كذلك، وأخرجه
النسائيّ من رواية محمد بن مسلمة أن النبيّ ◌َير كان إذا قام يصلي تطوّعاً يقول
ذلك.
وممن ذهب إلى الاستفتاح بهذا: الشافعيّ وأصحابه، وإسحاق في رواية،
ورُوي عن عليّ أنه كان يستفتح به من وجه منقطع.
وظاهر كلام الشافعيّ وبعض أصحابه أنه يستفتح به كلّه الإمام وغيره،
وقال كثير من أصحابه: يقتصر الإمام على قوله: ((وأنا من المسلمين)).
وقالت طائفة: يجمع بين قوله: ((سبحانك اللهم وبحمدك))، وقوله:
((وجّهت وجهي))، وهو قول أبي يوسف، وإسحاق في رواية، وطائفةٍ من
الشافعيّة، منهم أبو إسحاق المروزيّ، وطائفة قليلة من الحنابلة، وقد ورد في
الجمع بينهما أحاديث غير قويّة الأسانيد.
وكلُّ هذا على وجه الاستحباب، فلو لم يستفتح الصلاة بالذكر، بل بدأ
بالقراءة صحّت صلاته، ولو استفتح بشيء مما ورد حصلت به سنّة الاستفتاح
عند الإمام أحمد وغيره من العلماء، ولو كان الأفضل عند بعضهم غيره.
وقال أحمد في رواية الميمونيّ: ما أحسن حديث أبي هريرة في
(١) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٣٢/١ - ٢٣٣. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة ٢٣٣/١.
(٣) ((صحيح مسلم)) في (أبواب صلاة الليل)) رقم (٧٧١).

٢٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الاستفتاح - يعني الحديث الذي أخرجه الشيخان ها هنا - فقيل له: إن بعض
الناس يقول: هذا كلام، فقال متعجّباً: وهل الدعاء إلا كلام في الصلاة
ويجوز؟ والمنكر لهذا هو من يقول من الكوفيين: إنه لا يجوز الدعاء في
الصلاة إلا بلفظ القرآن.
فأما الثناء على الله، فمتّفقٌ على جوازه في الصلاة، وهذا مما يُرجَّح به
الاستفتاح بـ(سبحانك اللهمّ وبحمدك))؛ لاشتماله على أفضل الكلام، فإنه إذا
جُمع مع التكبير صار متضمِّناً لقول: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله،
والله أكبر))، وقد قال النبيّ وَّر فيهنّ: ((إنهنّ أفضل الكلام بعد القرآن)).
وذهب طائفةٌ قليلةٌ إلى أن من ترك الاستفتاح عمداً أعاد صلاته، منهم:
ابن بطّة من الحنابلة، وربّما حُكي عن أحمد.
وقال الحكم: إذا قال: سبحان الله حين يفتتح الصلاة، والحمد لله
أجزأه، وهذا يشعر بوجوبه.
وقال إسحاق: إن تركه عمداً فهو مسيءٌ، ولا يتبيّن لي إيجاب الإعادة؛
لما ذُكر في غير حديثٍ أن النبيّ وَّه كان إذا كبّر قرأ فاتحة الكتاب.
وحكى الترمذيّ عن بعض أهل الكوفة أن حديث عليّ بن أبي طالب
يُعمَلُ به في التطوّع دون الفريضة.
وقال أحمد في رواية ابن منصور: أنا أذهب إلى قول عمر (١)، وإن قال
كما رُوي عن النبيّ ◌َّ فلا بأس، وعامّة ما قال في صلاة الليل.
وقال الوليد بن مسلم: ذكرت ذلك لسعيد بن عبد العزيز، فأخبرني عن
المشيخة أنهم كانوا يقولون هؤلاء الكلمات حين يُقبلون بوجوههم إلى القبلة
قبل تكبيرة الاستفتاح - يعني وجّهت وجهي - قال: ثم يُتبعون تكبيرة الاستفتاح:
سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره.
وذهب مالك إلى أنه لا يُشرَع الاستفتاح في الصلاة، بل يُتْبع التكبير
بقراءة الفاتحة، وحكاه الإمام أحمد في رواية حنبل، عن ابن مسعود وأصحابه،
(١) وقع في النسخة ((ابن عمر))، وهو تصحيف، فقد تقدّم قول أحمد: نذهب إلى
حديث عمر، فتنبّه

٢٦٩
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٥٧)
وهذا غريبٌ. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رَّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق أن ذكرت أن الصحيح مذهب
الجمهور، وهو استحباب الافتتاح بالدعوات التي صحّت عن النبيّ وَلِّ، وأن
من قال بعدم مشروعيّة ذلك، فليس عنده حجة مقنعة، فتمسّك بما صحّ من
الحجج، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال الحافظ ابن رجب تَخْتُهُ: ومما يُستحبّ الإتيان
به قبل القراءة في الصلاة التعوّذ عند جمهور العلماء، واستدلّوا بقوله تعالى:
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [النحل: ٩٨]، والمعنى:
إذا أردت القراءة، هكذا فسّر الآية الجمهور.
وحُكي عن بعض المتقدّمين، منهم: أبو هريرة، وابن سيرين، وعطاء
التعوّذ بعد القراءة.
قال ابن رجب كَّلهُ: والمرويّ عن ابن سيرين قبل قراءة أم القرآن
وبعدها، فلعلّه كان يستعيذ لقراءة السورة كما يقرأ البسملة لها أيضاً.
وقد جاءت الأحاديث بأن النبيّ ◌َه كان يتعوّذ قبل القراءة في الصلاة،
فَرَوَى عَمرو بن مرّة، عن عاصم الْعَنَزيّ، عن ابن جبير بن مُطعِم، عن أبيه أنه
رأى النبيّ وَلّ يصلّي صلاةً، قال: ((الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر
كبيراً، والحمد لله كثيراً، سبحان الله بكرة وأصيلاً - ثلاثاً - أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم، من نفخه، ونَفْثه، وهَمْزه))، قال: نفتُهُ: الشِّعْرُ، ونفخه:
الكبر، وهمزه: الموتة، رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن حبّان في
((صحیحه))، والحاكم، وصحّحه(٢).
وابن جبير هو نافع، وقع مسمّى في رواية كذلك، وعاصم الْعَنَزيّ قال
أحمد: لا يُعرف، وقال غيره: رَوى عنه غير واحد، ذكره ابن حبّان في
((الثقات)).
ورَوَى عطاء السائب، عن أبي عبد الرحمن السلميّ، عن ابن
(١) (فتح الباري)) لابن رجب ٣٧٦/٦ - ٣٨٨.
(٢) لكنه ضعيف؛ لجهالة عاصم العنزيّ، كما سيأتي عن أحمد كَقَّهُ.

٢٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
مسعود نظُه، عن النبيّ وَ ◌ّ أنه كان إذا دخل في الصلاة يقول: ((اللهمّ إني
أعوذ بك من الشيطان، وهمزه، ونفخه، ونفثه))، رواه ابن ماجه، والحاكم،
وهذا لفظه، وقال: صحيح الإسناد، فقد استشهد البخاريّ بعطاء بن
السائب(١).
ورَوَى عليّ بن عليّ الرِّفاعيّ، عن أبي المتوكّل، عن أبي سعيد
الخدريّ نَظُبه، قال: كان رسول الله وَ﴿ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبّر، ثم
يقول: ((أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه
ونفثه))(٢)، أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وقال: كان يحيى بن سعيد
يتكلّم في عليّ بن عليّ، وقال أحمد: لا يصحّ هذا الحديث.
قال ابن رجب تَخّتُهُ: كذا قال، وإنما تكلّم فيه يحيى بن سعيد من جهة
أنه رماه بالقدر، وقد وثّقه وكيع، ويحيى بن معين، وأبو زرعة، وقال أحمد:
لا بأس به، إلا أنه رفع أحاديث، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، ولا يُحتجّ
بحديثه .
وإنما تكلّم أحمد في هذا الحديث؛ لأنه رُوي عن عليّ بن عليّ، عن
الحسن مرسلاً، وبذلك أعاد أبو داود، وأخرج في ((مراسيله)) من طريق
عمران بن مسلم، عن الحسن أن رسول الله وَ﴿ كان إذا قام من الليل يريد أن
يتهجّد يقول قبل أن يكبّر: ((لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، والله أكبر كبيراً، الله
أكبر كبيراً، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه))، ثم يقول:
((الله أكبر)).
وفي الباب أحاديث أُخَر مرفوعة فيها ضعفٌ، واعتماد الإمام أحمد على
المرويّ عن الصحابة يه في ذلك، فإنه رُوي التعوّذ قبل القراءة في الصلاة
عن عمر بن الخطّاب، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة ﴿ه، وهو قول
جمهور العلماء، كما تقدّم، والجمهور على أنه غير واجب.
(١) لكن عطاء مختلطٌ، وروى عنه محمد بن فُضيل بعد الاختلاط، وهذا من روايته،
وفي سماع أبي عبد الرحمن السلميّ من ابن مسعود كلام، فتنبّه.
(٢) وصححه الشيخ الألباني. انظر: ((صفة صلاة النبيّ ◌َّ)) (ص٩٥).

٢٧١
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٥٧)
وحُكي وجوبه عن عطاء، والثوريّ، وبعض الظاهريّة، وهو قول ابن بطّة
من الحنبليّة.
والجمهور على أنه يُسرّه في الصلاة الجهريّة، وهو قول ابن عمر، وابن
مسعود، والأكثرين.
ورُوي عن أبي هريرة الجهر به، وللشافعيّ قولان، وعن ابن أبي ليلى
الإسرار والجهر سواء.
واختلفوا هل يختصّ التعوّذ بالركعة الأولى، أم يُستحبّ في كلّ ركعة؟
على قولين :
أحدهما: يُستحبّ في كلّ ركعة، وهو قول ابن سيرين، والحسن،
والشافعيّ، وأحمد في رواية.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي هذا المذهب أرجح؛ لظاهر النصّ: ﴿فَإِذَا
قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية؛ لأن كلّ ركعة لها قراءةٌ مستقلّةٌ، والله تعالى
أعلم.
والثاني: أنه يختصّ بالركعة الأولى، وهو قول عطاء، والحسن،
والنخعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية عنه، وقال هشام بن
حسّان: كان الحسن يتعوّذ في كلّ ركعة، وكان ابن سيرين يتعوّذ في كلّ
ر کعتین .
وذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا يتعوّذ في الصلاة المكتوبة، بل يفتتح
بعد التكبير بقراءة الفاتحة من غير استعاذة، ولا بسملة، واستدلّوا بظاهر حديث
أنس ظُه: كان النبيّ وَله يفتتح الصلاة بـ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، متفقٌ عليه.
ويُجاب عنه بأنه إنما أراد أنه يفتتح قراءة الصلاة بالتكبير والقراءة
بـ ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ .
وافتتاح القراءة بـ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ إما أن يراد به افتتاحها
بقراءة الفاتحة كما يقوله الشافعيّ، أو افتتاح قراءة الصلاة الجهريّة بكلمة
﴿اَلْحَمْدُ﴾ من غير بسملة كما يقوله الآخرون، ودلّ عليه حديث أنس ظُه الذي
أخرجه مسلم صريحاً .
وعلى التقديرين فلا ينفي ذلك أن يكون يقول قبل القراءة ذكراً، أو دعاءً،

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أو استفتاحاً، أو تعوّذاً، أو بسملةً، فإنه لا يخرج بذلك عن أن يكون افتتح
القراءة بالفاتحة، أو افتتح الجهر بالقراءة بكلمة ولا يمكن حمل الحديث على
أنه كان أول ما يفتتح به الصلاة قراءة كلمة ﴿اَلْحَمْدُ﴾ فإنه لو كان كذلك لكان
لا يفتتح الصلاة بالتكبير، وهذا باطلٌ، غير مراد قطعاً. انتهى كلام ابن
رجب دَخَذَتُهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٥٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
ابْنُ فُضَيْلِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدٍ، يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ، كِلَاهُمَا عَنْ
عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ جَرِیٍ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم
في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي
أيضاً.
٣ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضّبّيّ مولاهم، أبو
عبد الرحمن الكوفَّيّ، صدوقٌ، رمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣.
٤ - (أَبُو كَامِلٍ) فُضيل بن حسين بن طلحة الْجَحْدريّ، البصريّ، ثقةٌ
حافظ [١٠] (ت٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٥ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١ / ٥٨٤.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب ٤٢٨/٦ - ٤٣٢.

٢٧٣
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٥٨)
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ) الضمير لمحمد بن فُضيل،
وعبد الواحد بن زياد.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) اسم الإشارة يعود إلى إسناد عمارة بن القعقاع
الماضي .
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثٍ جَرِيرٍ) يعني أن حديث ابن فضيل، وعبد الواحد
كلاهما عن عمارة بن القعقاع بمعنی حدیث جرير بن عبد الحميد عنه.
[تنبيه]: أما رواية عبد الواحد بن زياد، عن عمارة التي أحالها
المصنّف نَّتُ هنا على رواية جرير، فقد ساقها البخاريّ تَّتُ في ((صحیحه))،
فقال :
(٧٤٤) حدّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدّثنا عبد الواحد بن زياد،
قال: حدّثنا عمارة بن القعقاع، قال: حدّثنا أبو زرعة، قال: حدّثنا أبو هريرة،
قال: كان رسول الله وَ له يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكانةً، قال - أحسبه
قال: هُنَّةً - فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما
تقول؟ قال: أقول: ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق
والمغرب، اللهم نَقِّني من الخطايا كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم
اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد)). انتهى.
وأما رواية محمد بن فُضيل، عن عمارة بن القعقاع التي أحالها
المصنّف تَّتُهُ هنا على رواية جرير، عنه، فقد ساقها ابن ماجه تَّتُ في
((سننه))، فقال:
(٨٠٥) حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعليّ بن محمد قالا: حدّثنا
محمد بن فُضيل، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال:
كان رسول الله ◌َ﴿ إذا كبر سكت بين التكبير والقراءة، قال: فقلت: بأبي أنت
وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، فأخبرني ما تقول؟ قال: ((أقول:
اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نَقِّني
من خطاياي كالثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء
والثلج والبرد)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٥٩] (٥٩٩) - (قَالَ مُسْلِمٍ: وَحُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، وَيُونُسَ
الْمُؤَدِِّ، وَغَيْرِهِمَا، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ
الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا
نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِ﴿اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، وَلَمْ
يَسْكُتْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيّ البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٨)
تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٣.
٢ - (يُونُسُ الْمُؤَدِّبُ) هو: يونس بن محمد بن مسلم، أبو محمد
البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٥/١.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم) أي ابن الحجّاج، صاحب الكتاب، وقال: ((قال))
يَحْتَمِل أن يكون هو المصنّف نفسه، ويَحْتَمِل أن يكون ملحقاً من الرواة عنه.
وقوله: (وَحُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ ... إلخ) ببناء الفعل للمفعول،
وهكذا أورده المصنّف معلّقاً، وسيأتي بيان من وصله في المسألة الثالثة - إن
شاء الله تعالى -.
وقوله: (إِذَا نَهَضَ) أي قام، يقال: نَهَضَ من مكانه يَنْهَضُ كمنَعَ يَمْنَعُ
نُهُوضاً: ارتفع عنه، ونَهَضَ إلى العدوّ: أسرع إليه، ونَهَضتُ إلى فلان، وله
نَهْضاً ونُهُوضاً: تحرّكتُ إليه بالقيام، وانتهض أيضاً، وكان منه نهضةٌ إلى كذا:
أي حركةٌ، والجمع نَهَضَات، وأنهضتُهُ للأمر بالألف: أقمته إليه، أفاده في
((المصباح)) (١).
وقوله: (وَلَمْ يَسْكُتْ) يعني أنه لا يسكت عن قراءة الفاتحة، مشتغلاً
بدعاء الاستفتاح، كما يفعله في الركعة الأولى.
(١) ((المصباح المنير)) ٦٢٨/٢.

٢٧٥
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٥٩)
وفيه دليلٌ على أنه لا يُشرَع دعاء الاستفتاح في أول الركعة الثالثة،
كالأولى، وإنما يُشرع الاستفتاح في الركعة الأولى فقط، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف وَّلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٥٩/٢٧] (٥٩٩)، و(ابن خزيمة) في
(صحيحه)) (١٦٠٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٣٦)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (١٦٠١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٣٠)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٩٧/٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث أحد الأحاديث التي وقعت في ((صحيح
مسلم)) معلّقةً، وهي نحو اثني عشر موضعاً، وقد تقدّمت مفصّلة في ((شرح
المقدّمة))(١)، وهذا الحديث قد وصله الحافظ أبو عوانة تَّتُ في ((مسنده)) (١/
٤٣٠) فقال :
(١٦٠١) حدّثني أحمد بن سهل - هو ابن مالك - عن محمد بن سهل بن
عسكر، قال: ثنا يحيى بن حسّان، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن عمارة،
قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا أبو هريرة، كان النبيّ وَّ﴿ إذا نهض في الركعة
الثانية استفتح بـ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، ولم یسکت. انتهى.
ووصله أيضاً البزّار، وأبو نعيم في ((مستخرجه))، وقد تقدّم نصّهما في
((شرح المقدّمة))(٢)، وكذا وصله ابن خزيمة، وابن حبّان في (صحيحيهما))،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل .
(١) راجع: ((قرّة عين المحتاج)) ٨٧/١ - ١٤١.
(٢) راجع: ((قرّة عين المحتاج)) ١/ ٩١ - ٩٢.

٢٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٣٦٠] (٦٠٠) - (وَحَدَّثَنِي(١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا
حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ، وَثَابِتٌ، وَحُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلاً جَاءَ، فَدَخَلَ الصَّفَّ(٢)،
وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى
رَسُولُ اللهِ نَّهِ صَلَاَهُ قَالَ: ((أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟))، فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ:
(أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْساً»، فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسُ،
فَقُلْتُهَا، فَقَالَ (٣): ((لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكاً، يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَقَّانُ) بن مسلم الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من
كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٤/٦.
٣ - (حَمَّاد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت
الناس في ثابت، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس
[٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٥ - (ثَابِت) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات
سنة بضع (١٢٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦/ ٨٠.
٦ - (حُمَيد) بن أبي حُميد الطويل، أبو عُبيدة البصريّ، ثقةٌ [٥]
(ت١٤٢) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣.
٧ - (أَنَس) بن مالك الصحابيّ المشهور ﴿به تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرح له
الترمذيّ، وحماد علّق له البخاريّ، بل أخرج له حديثاً واحداً في ((الرقاق)).
(١) وفى نسخة: ((حدثنى)).
(٣) وفي نسخة: ((قال)).
(٢) وفي نسخة: ((فدخل في الصفّ)).

٢٧٧
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٦٠)
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن حماداً هنا، مُهْمَلٌ، وهو ابن سلمة؛ لأنّ الراوي عنه
هنا عفّان بن مسلم، قال السيوطيّ تَخَُّ في ((ألفية الحديث)):
حَمَّادُ لابْنِ زَيْدٍ وَابْنِ سَلَمَهْ
وَتَارَةً فِي اسْمٍ فَقَظْ ثُمَّ السِّمَهْ
أَوْ عَارِمٍ فَهْوَ ابْنُ زَيْدٍ جُعِلَا
فَإِنْ أَتَى عَنِ ابْنِ حَرْبٍ مُهْمَلَا
حَجَّاجِ أَوْ عَفَّانَ فَالثَّانِي رَأَوْا
أَوْ هُذْبَةٍ أَوِ الثَّبُوذَكِيِّ أَوْ
٥ - (ومنها): أن أنساً ظُبه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً،
وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، مات سنة ٩٣، وقيل: سنة ٩٢، وقيل
غير ذلك، وقد جاوز عمره مائة سنة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(أَنَّ رَجُلاً جَاءً) قال في ((التنبيه)): هو رفاعة بن
(عَنْ أَنَس) بن مالك
عبّه
رافع، قال الخطيب: وقد رُوي أن رفاعة حَكَى ذلك عن غيره، لا أنه مما
جرى له، قاله النوويّ. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: كون المراد رفاعة بن رافع بعيدٌ جدّاً؛ لأن سياق
الحدیث یرفعه، کما لا يخفى.
قال القرطبيّ تَُّ: وقد رَوَى البخاريّ من حديث رفاعة بن رافع
ـ٧٠
se
قال: كنّا نُصلّي يوماً وراء النبيّ وََّ، فَلَمّا رفع رأسه من الركعة قال: ((سَمِعَ الله
لمن حَمِدَه))، قال رجلٌ من ورائه: ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيّباً مباركاً
فيه، فلَمّا انصرف قال: ((من المتكلّم آنفاً؟)) قال: أنا، قال: ((رأيت بضعاً
وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيّهم يكتبها أوّل)).
قال: ومساق الحديث يدلّ على أنه حديث آخر، غير حديث أنس هذا،
فإن ذلك حَمِدَ الله على إدراكه الصلاة مع النبيّ وََّ، وهذا حَمِدَ الله عند الرفع
من الركوع، وعند قول النبيّ وَّ: (سَمِعَ الله لمن حَمِده))، وحينئذ لا يكون
بينهما تعارضٌ، وهذا أولى من أن يُقدِّرونها قصّةً واحدةً، ويُتَعَسَّف إما في
(١) (تنبيه المعلم)) (ص١٤٣).

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
التأويل، أو في المحلّ على الرواة. انتهى كلام القرطبيّ ◌َظُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ من كون قصّة حديث
أنس ظُبه غير قصّة رفاعة رابه هو الحقّ، كما لا يخفى على من تأمّله، والله
تعالى أعلم.
(فَدَخَلَ الصَّفَّ) وفي نسخة: ((فدخل في الصفّ))، وفي رواية النسائيّ:
((فدخل المسجد)) (وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ) - بفتح الحاء المهملة، والفاء، والزاي
المعجمة - من باب ضرب، أي أجهده وضاق به، من شدّة السعي إلى الصلاة
لإدراكها، وأصل الحَفْز الدفع، وفي ((النهاية)): الْحَفْزُ: الحثّ والإعجال.
وقال النووي تَّتُهُ قوله: ((وقد حَفَزه النفس)): بفتح حروفه، وتخفيفها:
أي ضَغطه؛ لسرعته. انتهى.
وقال ابن منظور تَذْتُ: الحَفْزُ: حَتُكَ الشيءَ من خلفه سَوْقاً وغير سوق،
وكلُّ دفع حَفْزٌ، وقوسٌ حَفُوزٌ: شديد الحَفْز والدفع للسهم، وحَفَزَه: أي دفعه
من خلفه يَحْفِزُه حَفْزاً. قال الراجز:
تُرِيحُ بَعْدَ النَّفَسِ الْمَحْفُوزِ
يُريد النفسَ الشديد المتتابعَ، كأنه يُحْفَزُ، أي يُدْفَعُ من سياق، ورأيت
فلاناً مَحْفُوزَ النَّفَس: إذا اشتدّ به. انتهى كلام ابن منظور تَخْتُ باختصار(٢).
و((النَّفَسُ)) - بفتحتين -: نسيم الهواء، وجمعه أنْفَاس. قاله في
((المصباح)).
والجملة في محل نصب على الحال من فاعل ((دخل)).
وسبب شدة عَدْوِهِ الحَذَرُ من أن تفوته الجماعة، كما قاله الطيبيّ تَخْشُهُ،
واعترض عليه القاري بأنه ينافي قوله وَ له: ((إذا أقيمت الصلاة، فلا تأتوها
تسعون، وائتوها تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم
فأتموا)).
وأجاب عنه ابن حجر الهيتميّ بأنه محمول على ما ذهب إليه بعض أئمتنا
من أن محل الكراهة فيمن علم أنه يدرك الجماعة لو لم يَسْعَ، أما من علم أنه
(١) ((المفهم)) ٢١٨/٢.
(٢) ((لسان العرب)) ٣٣٧/٥.

٢٧٩
(٢٧) - بَابُ مَا يُقَالُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٣٦٠)
لا يُدركها إلا أن يسعى فلا يكره له السعي، ثم قال: والأرجح عندنا أنه لا
فرق، وعدم إنكاره وَ﴿ على تقدير علمه بالعَدْوِ، إنما يدلّ على الجواز، لا
على نفي الكراهة، والكلام في غير الجمعة، أما هي فيجب السعي إذا توقف
عليه إدراكها، وهو إنما يحصل بإدراك ركوع الركعة الثانية. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول القاري: ((ينافي الحديث المذكور))
غير صحيح؛ لأن الظاهر من حال الرجل أنه لم يبلغه النهي، كما يدل عليه
سیاق الحدیث.
وكذا قول ابن حجر: ((محمول على ما ذهب إليه بعض أئمتنا ... إلخ))،
غير صحيح أيضاً؛ لأن هذا القول باطلٌ منابذٌ لصريح الحديث، فلا ينبغي
الحمل عليه.
وقوله أيضاً: ((وعدم إنكاره بكثير ... إلخ))، غير صحيح أيضاً، فقد صح
أنه أنكر عليه، ففي مسند أحمد من رواية حميد عن أنس ره، زاد في آخر
الحديث: ثم قال: ((إذا جاء أحدكم إلى الصلاة فلْيَمْشِ على هِينَتِهِ، فليصلّ ما
أدرك، ولیقض ما سبقه)).
وقوله أيضاً: (والكلام في غير الجمعة ... إلخ))، غير صحيح أيضاً؛ لأن
النص لم يُفَرِّق بين الجمعة وغيرها، بل قال: ((إذا أتيتم الصلاة، فلا تأتوها،
وأنتم تسعون)).
وأما الاستدلال بآية ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فغير صحيح
أيضاً؛ إذ المراد بها التوجه، والذهاب إليها، لا العَدْوُ، كما في قوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَرَدَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. كما بيّنه البخاريّ في (كتاب
الجمعة)) من «صحيحه»(١).
وسيأتي تمام البحث في هذا في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
(فَقَالَ) أي ذلك الرجل (الْحَمْدُ للهِ) وفي رواية النسائيّ: ((فقال: الله أكبر،
الحمد لله ... ))، وفيه تصريح بأن ذلك الرجل قال هذا الذكر بعد دخوله في
الصلاة (حَمْداً كَثِيراً) قال الطيبيّ ◌َُّهُ: منصوبٌ بمضمر يدلّ عليه الحمد،
(١) ((الفتح)) ٤٥٣/٢.

٢٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ويَحْتَمِل أن يكون بدلاً منه جارياً على محلّه، وقوله: (طَيِّباً) وصفٌ له، أي خالصاً
لوجهه تعالى، لا للرياء والسُّمْعة (مُبَارَكاً فِيهِ) أي يقتضي بركةً وخيراً كثيراً،
يترادف إرفادُه، ويتضاعف إمْدَادُه، وقال ابن الملك: أي حمداً جُعِلت البركة فيه،
يعني حمداً كثيراً غايةَ الكثرة. انتهى. وقيل: مباركاً بدوام ذاته، وكمال غاياته.
(فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ صَلَاتَهُ) أي أدَّاها، وأتمّها، وسلّم منها (قَالَ:
(أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟))) ((أل)) فيه للعهد الحضوريّ، أي بالكلمات التي
سمعناها آنفاً في هذه الصلاة (فَأَرَمَّ الْقَوْمُ) - بفتح الراء وتشديد الميم -: أي
سكتوا، ولم يجيبوا، وقال القاضي عياض: ورواه بعضهم في غير ((صحيح
مسلم)): ((فأزَمَ)) بالزاي المفتوحة، وتخفيف الميم، من الأزْم، وهو الإمساك،
وهو صحيح المعنى. انتهى.
وقال القرطبيّ تَخْتُ: الرواية المشهورة بالراء والميم المشدّدة، ومعناه:
سَكَتُوا، مأخوذ من المرَمّة، وهي الشفة، أي أطبقوا شِفاههم، ورواه بعضهم
في غير مسلم: ((فَأَزَمَ)) بزاي مفتوحة، وميم مخفّفة، مأخوذٌ من الأَزْمِ، وهو شدّ
الأسنان بعضها على بعض، ومعناه سكتوا. انتهى(١).
(فَقَالَ: ((أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟) أي بهذه الكلمات (فَإِنَّهُ) أي المتكلّم (لَمْ
يَقُلْ بَأْساً))) قال الطيبيّ ◌َخْذُهُ: يجوز أن يكون مفعولاً به، أي لم يتفوّهْ بما
يؤاخذ عليه، وأن يكون مفعولاً مطلقاً، أي ما قال قولاً يُشدَّد عليه.
يعني أن هذا المتكلّم لم يقل شيئاً يكون سبباً للخوف، وإنما قال ذلك
لَمَّا رأى سكوتَ القوم، وعدمَ إجابتهم؛ خوفاً من أن يغضب على المتكلِّم،
ويواجهه بالتعنيف، فأزاله بقوله: ((لم يقل بأساً)).
و(البأس)): العذاب، والشدّة في الحرب، وفي حديث عليّ نَظ ◌ُله: ((كنا
إذا اشتدّ البأس اتقينا برسول الله وَلي))(٢)، يريد الخوف، ولا يكون إلا مع
(١) ((المفهم)) ٢١٧/٢ - ٢١٨.
(٢) هو ما أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح، عن عليّ ظُه قال: لَمّا حضر البأس يوم
بدر اتقينا برسول الله *، وكان من أشدّ الناس ما كان، أو لم يكن أحد أقرب
إلى المشركين منه.
=