النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ (٢٤) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابٍ جَهَنَّمَ - حديث رقم (١٣٢٤) مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُبه هذا من أفراد المصنّف تَُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٢٣/٢٤] (٥٨٥)، و(النسائيّ) في ((الجنائز)) (٢٠٦١) وفي ((الكبرى)) (٢١٨٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٩٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٢٤] (٥٨٦) - (حَدَّثَنَا(١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانٍ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، قَالَتْ: فَكَذَّبْتُهُمَا، وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ: (صَدَقَتَا، إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ(٢) عَذَاباً تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ))، قَالَتْ(٣): فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر، تقدّم قبل باب. ٥ - (أَبُو وَائِلِ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في (المقدمة)) ٦/ ٥٧. (١) وفي نسخة: ((حدّثني)). (٣) وفي نسخة: ((ثمّ قالت)). (٢) وفي نسخة: ((ليُعذّبون)). ١٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٦ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرم [٢] (ت٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌َؤًُّا أنها (قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانٍ) تثنية عَجُوز، ووقع في رواية النسائيّ: ((عجوزتان)) بتاء التأنيث، والأول هو المشهور عند اللغويين، قال ابن السكّيت: الْعَجُوز: المرأة المسنّة، ولا يؤنّث بالهاء. والثانية أيضاً جائزة عند بعض اللغويين، فقد قال ابن الأنباريّ: ويقال أيضاً: عَجوزة بالهاء، لتحقيق التأنيث، ورُوي عن يونس أنه قال: سمعت العرب، تقول: عَجُوزة بالهاء. قاله في ((المصباح)). وقولها: (مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ) - بضم العين المهملة، والجيم، بعدها زاي ـ: جمع عَجُوز، مثل عَمُود، وعُمُد، ويجمع أيضاً على عجائز (فَقَالَتَا: إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ) والظاهر أنهما أخذتا هذا من أحبار اليهود (قَالَتْ) عائشة ◌ِّا (فَكَذَّبْتُهُمَا) ظنّاً منها أن هذا مما كذبه اليهود (وَلَمْ أُنْعِمْ) بضم الهمزة، وإسكان النون، وكسر العين المهملة، من الإنعام، رباعيّاً، يقال: أنعمتُ له - بالألف -: إذا قلتَ له: نَعَم، قال النوويّ تَُّهُ: أي لم تَطِبْ نفسي أن أُصدّقهما، ومنه قولهم في التصديق: نَعَم، وقولها: (أَنْ أُصَدِّقَهُمَا) ((أن)) مصدريّةٌ، والمصدر المؤوّل مفعول به لـ((أَنْعِم))، والمراد أنها لم تصدّقهما أوّلاً؛ لظهور كذب اليهود، وافتراءاتهم في الدين، وتحريفهم الكتاب، كما أخبر الله تعالى بذلك، فقال: ﴿يُحَرِّفُونَ أَلْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ اُلْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَبِ﴾ [آل عمران: ٧٨] الآية. (فَخَرَجَتَا) أي العجوزان من البيت (وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِنَّهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عَجُوزَيْنِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ دَخَلَتَا عَلَيَّ، فَزَعَمَتَا) أي قالتا، وقد تقدّم أن زعم أكثر ما يُستعمل فيما كان باطلاً، أو فيه ارتيابٌ، وهو هنا كذلك؛ بناء على ظنّ عائشة ◌ِؤُها (أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ بُعَذَّبُونَ) بالبناء للمفعول (فِي قُبُورِهِمْ، فَقَالَ) وَلِّرِ ((صَدَقَتَا) ظاهر هذا أن هذه الواقعة غير الواقعة السابقة؛ ١٢٣ (٢٤) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَعَذَابٍ جَهَنَّمَ - حديث رقم (١٣٢٥) لأنه فيها أنه ◌َّ أنكر ذلك، فتكون هذه بعدما أُوحي إليه، فقوله: (إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ) وفي نسخة: ((ليُعذّبون)) الضمير فيه لأهل القبور. ويَحْتَمِل أن تتّحد الواقعتان، فيكون قبل أن يوحَى إليه، ويكون الضمير في قوله: ((إنهم يعذّبون)) لليهود، والوجه الأول أقرب وأظهر، والله تعالى أعلم. قال الكرمانيّ كَّلُ: لعله سَمَّى أحوال العباد في القبر تعذيباً؛ تغليباً لفتنة العاصي على فتنة المطيع؛ لأجل التخويف، ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملائكة مما يَهاب منه ابن آدم في العادة. انتهى. (عَذَاباً تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ))) جمع بهيمة، قال في ((المصباح)): البَهيمة: كلُّ ذات أربع، من دوابّ البحر والبرّ، وكلُّ حيوان لا يُميِّز، فهو بهيمة، والجمع بَهَائم. انتهى(١). (قَالَتْ) وفي نسخة: ((ثمّ قالت))، أي عائشة ◌َّا (فَمَا) نافية (رَأَيْتُهُ) أي النبيّ وََّ (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ كما مرّ في الحديث الماضي، أي بعد هذه الواقعة، وفي الرواية التالية: ((وما صلّى صلاةً بعد ذلك إلا سمعته يتعوّذ من عذاب القبر)) (فِي صَلَاةٍ إِلَّا يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) أي لأنه أوحي إليه به. والحديث متّفقٌ عليه، وتقدّمت مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٢٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا (٢) هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ قَالَتْ: وَمَا صَلَّى صَلَةً بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا سَمِعْتُهُ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَنَّدُ بْنُ السَّرِيِّ) بن مصعب التميميّ، أبو السَّرِيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) عن (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤. (١) ((المصباح المنير)) ٦٥/١. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثني)). ١٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ فاضلٌ [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤. ٣ - (أَشْعَثُ) بن أبي الشعثاء المحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٢٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٣/١١. ٤ - (أَبُوهُ) سُليم بن الأسود بن حنظلة المحاربيّ، أبو الشعثاء الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (٨٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١٩/ ٦٢٢. وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بحديث عائشة ◌َّا الماضي. [تنبيه]: رواية أشعث، عن أبيه، عن مسروق هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيِبُ﴾ . (٢٥) - (بَابُ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ وسيلة أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣٢٦] (٥٨٧) - (حَدَّثَنِي(١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا(٢) أَبِي، عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُّوَلَ اللهِ وَهِ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَائِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((أخبرنا)). ١٢٥ (٢٥) - بَابُ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٧) ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٤ - (صَالِح) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] (ت بعد ١٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه ومسائله تأتي بعد حديث، أخّرتها إلى هناك؛ لكونه أتمّ مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣٢٧] (٥٨٨) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنْ وَكِيعِ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدٍّ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَليهِ: ((إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعِ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ جَهَثَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))). [تنبيه]: كذا وقع في النسخ الموجودة عندي كلِّها تقديم حديث أبي هريرة هذا على حديث عائشة الآتي بعده، وكان الأولى تأخيره عنه؛ ليتوالى حديثاها، ولعله من تصرّف النسّاخ، والله تعالى أعلم. رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتُ حافظ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ١٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذكر في السند الماضي. ٥ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٦ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمر الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٧ - (حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ) الْمُحاربيّ مولاهم، أبو بكر الدمشقيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٤]. رَوَى عن أبي أمامة، وعنبسة بن أبي سفيان، وخالد بن معدان، ومحمد بن أبي عائشة، وغيرهم. ورَوَى عنه الأوزاعيّ، وأبو غسّان المدني، والوليد بن مسلم، وغيرهم. قال حنبل عن أحمد، وعثمانُ الدارميُّ عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: كان قدريّاً. وقال سعيد بن عبد العزيز: هو قدريّ، فبلغ ذلك الأوزاعيّ، فقال: ما أغرّ سعيداً بالله، ما أدركت أحداً أشدّ اجتهاداً، ولا أعمل منه. وقال الجوزجانيّ: كان ممن يتوهم عليه القدر. وقال العجلي: شامي ثقة. وقال الأوزاعيّ: كان حسّان يتنحّى إذا صلّى العصر في ناحية المسجد، فيذكر الله حتى تغيب الشمس. وقال خالد بن نزار: قلت للأوزاعيّ: حسّان بن عطيّة عمن قال؟ فقال لي: مثل حسّان كنا نقوله عمن؟. وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكره البخاريّ في ((الأوسط)) في فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين ومائة، وقال: كان أفضل أهل زمانه. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده . ٨ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) المدني مولى بني أُميّة، سكن دِمَشق، خرج إليها مع بني أميّة حين أخرجهم ابن الزبير، يقال: اسم أبيه عبد الرحمن، حجازيّ ليس به بأس [٤]. ١٢٧ (٢٥) - بَابُ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ◌ِ ﴿ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٧) رَوَى عن أبي هريرة، وجابر، وعمن صلّى مع النبيّ ◌َّ، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن. ورَوَى عنه حسّان بن عطيّة، وأبو قلابة، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو إسحاق الحجازيّ، شيخ لبقيّة. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)). وذكر ابن أبي حاتم أنه أخو موسى بن أبي عائشة، وقال: سألت أبي عنه؟، فقال: ليس بمشهور، قلیل الحدیث. انتهى. قال الحافظ: وقع له ــ أي لابن أبي حاتم - وَهَمٌّ في ذكر الرواة عنه، وذلك أنه صحّف أبا قلابة، فقال: روى عنه أبو عوانة، ثمّ ضمّ إليه شعبة، والثوريّ، وهؤلاء إنما رووا عنه بواسطة، فسبحان من لا يسهو. انتهى. أخرج ه البخاري في ((جزء القراءة)) حديثاً واحداً، والباقون إلا الترمذي، له عندهم حديث الباب، وعند أبي داود حديث آخر: «ذهب أصحاب الدُّنُور بالأُجُور، يصلّون كما نصلي ... )) في الذكر عقب الصلاة، والله تعالى أعلم. ٩ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، سكن اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسَل [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤. ١٠ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر فقيه [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣. ١١ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَُّه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنف دَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخيه: نصراً، وأبا كريب من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستّة دون واسطة، وقد جمعتهم بقولي : اشْتَرَكَ الأَثِمَّةُ الْهُدَاةُ ذَوُو الأَصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ ١٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الْحَافِظِينِ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ ابْنُ الْعَلَاءِ وَزِيَادٌ يُحْتَذَى وَابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا وقد تقدّموا غير مرّة، وإنما أعدتهم تذكيراً؛ لطول العهد بهم. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: حسّان، عن محمد بن أبي عاشة. ٥ - (ومنها): أن الأوزاعيّ فيه سندان: حسّان، عن محمد بن أبي عائشة، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، فقوله: ((وعن يحيى ... إلخ)) عطف على قوله: ((عن حسّان ... إلخ)). ٦ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهم الذين جمعهم الحافظ العراقيّ ◌َُّهُ في قوله: خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةٌ وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ اللهِ أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ وقد تقدّموا أيضاً غير مرّة، وإنما أعدتهم تذكيراً؛ لطول العهد بهم. ٧ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ت به أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ) وفي رواية الوليد، عن الأوزاعيّ الآتية: ((إذا فرغ أحدكم من التشهّد الآخر ... )) ومعناه آخر الصلاة، فيَشْمَل ما فيه تشهد واحد، كالصبح، وفيه تقييد لحديث عائشة يا المذكور بعده: ((أن النبيّ ◌َّ كان يدعو في الصلاة اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ... ))، فَبَيَّن في هذا الحديث أن التعوذ يكون في آخر الصلاة. وفيه ردّ على ابن حزم فيما ذهب إليه من وجوب التعوّذ أيضاً في التشهّد الأول. ١٢٩ (٢٥) - بَابُ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َهِ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٧) قال النوويّ تَخْلُهُ: فيه التصريح باستحبابه في التشهد الأخير، والإشارة إلى أنه لا يُسْتَحَبُّ في الأول، وهكذا الحكم؛ لأن الأوّل مبنيّ على التخفيف. (١) انتھی(١). (فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ) ظاهره وجوب الاستعاذة من هذه الأربع، وإليه ذهب طاووس، حيث أمر ابنه بإعادة الصلاة لتركها، كما سيذكره المصنّف آخر الباب، وهو مذهب ابن حزم، وحمله الجمهور على الندب، وادَّعَى بعضهم الإجماع على الندب، وهو لا يتمّ مع مخالفة من ذكر. قال العلامة الشوكانيّ تَظّثُ: والحقّ الوجوب، إن علم تأخّر هذا الأمر عن حديث المسيء صلاته؛ لما عرّفناك في شرحه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ تَخْتُ هو الحقّ، والله تعالى أعلم. (مِنْ أَرْبَع) أي من أربع خصال، قال في ((المرعاة)): ينبغي أن يزاد على هذه الأربع التّعُوّذ من المأثم والمغرم المذكورين في حديث عائشة ثا الآتي بعد هذا(٢). وقوله: (يَقُولُ) تفسير لتلك الخصال الأربع، مع بيان الصيغة التي تقال (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ) قال ابن الأثير تَخْذُ: هي لفظة أعجميّة، اسم لنار الآخرة، وقيل: هي عربيّة، وسُمّيت بها لبعد قعرها، ومنه: ركِيّةٌ جِهِنَّامٌ - بكسر الجيم والهاء والتشديد -: أي بعيدة القعر، وقيل: تعريب كِهِنَّام بالعبرانيّ. انتهى (٣). وإنما قُدِّم التعوذ من عذاب جهنم؛ لكونه أشدّ وأبقى (وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) هو ضرب من لم يُوَفَّق للجواب عند السؤال بمقامع من حديد، فقد أخرج الشيخان عن أنس به، عن النبيّ وَلّر قال: ((العبد إذا وُضع في قبره، وتولى وذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد ◌َله؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، (١) ((شرح النوويّ)) ٨٧/٥ - ٠٨٨ (٣) ((النهاية)) ٣٢٣/١. (٢) ((المرعاة)) ٢٩٤/٣. ١٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة، قال النبيّ وَله: فيراهما جميعاً، وأما الكافر أو المنافق، فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دَرَيتَ، ولا تَلَيتَ، ثم يُضْرَب بِمِطرَقة من حديد ضربةً بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين)). وقال الإمام أحمد في ((مسنده)) (١٠٦١٧): حدّثنا أبو عامر، حدثنا عَبّاد - يعني ابن راشد - عن داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد الخدريّ ◌َظُه قال: شهدت مع رسول الله وَ﴿ جنازةً، فقال رسول الله وَلته: ((أيها الناس إن هذه الأُمة تُبْتَلَى في قبورها، فإذا الإنسان دُفن، فتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مِطراق فأقعده، قال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمناً قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: صدقت، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقول: هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت، فهذا منزلك، فَيُفْتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه، فيقول له: اسكن، ويُفْسَح له في قبره، وإن كان كافراً أو منافقاً، يقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً، فيقول: لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ، ولا اهتديت، ثم يُفْتَح له باب إلى الجنة، فيقول: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به فإن الله رَ أبدلك به هذا، ويُفْتَح له باب إلى النار، ثم يَقْمَعه قمعة بالْمِطْرَاق، يسمعها خلق الله كلهم غير الثقلين))، فقال بعض القوم: يا رسول الله ما أحدٌ يقوم عليه ملك في يده مِطْراق إلا هُبِلَ(١) عند ذلك، فقال رسول الله وَله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الشَِّتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. انتهى. وغير ذلك من أنواع العذاب، كشدّة الضغط، فقد ورد أنه يُضيَّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه(٢). (وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) قال أهل اللغة: الفتنة: الامتحان والاختبار، (١) أي سقط، ووقع من الرعب والخوف. (٢) حديث صحيح أخرجه أحمد، وصححه ابن خزيمة من حديث البراء ظاه الطويل. ١٣١ (٢٥) - بَابُ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَمَرَ النَِّيُّوَأَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٧) قال عياض: واستعمالها في العرف لكشف ما يُكره. انتهى. وتُطلَق على القتل، والإحراق، والنميمة، وغير ذلك. و((المحيا)) بالقصر مَفْعَل من الحياة، كالْمَمَات من الموت، والمراد: الحياة والموت، ويَحْتَمِل أن يريد زمان ذلك، ويريد بذلك مِحنة الدنيا وما بعدها، ويَحْتَمِل أن يريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر، وكأنه استعاذ من فتنة هذين المقامين، وسأل التثبيت فيهما. قاله القرطبيّ كَّثهُ. وقال ابن دقيق العيد رَّتُهُ: فتنة المحيا ما يَعرِض للإنسان مدّة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات، وأعظمها - والعياذ بالله - أمر الخاتمة عند الموت، وفتنة الممات يجوز أن يُراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، ويكون المراد بفتنة المحيا على هذا ما قبل ذلك، ويجوز أن بها فتنة القبر، وقد صحّ - يعني في حديث أسماء الآتي في ((الكسوف)): ((ولأنه قد أُوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور قريباً، أو مثل فتنة المسيح الدجّال))، ولا يكون مع هذا الوجه متكرّراً مع قوله: ((عذاب القبر))، لأن العذاب مترتب عن الفتنة، والسبب غير المسبب. وقيل: أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر، وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الْخَيْرة، وهذا من العامّ بعد الخاصّ؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجّال داخلة تحت فتنة المحيا. وأخرج الحكيم الترمذيّ في ((نوادر الأصول)) عن سفيان الثوريّ أن الميت إذا سئل ((من ربّك)) تراءى له الشيطان، فيُشير إلى نفسه إنّي أنا ربّك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل، ثمّ أخرج بسند جيّد إلى عمرو بن مرّة: ((كانوا يستحبّون إذا وُضع الميت في القبر أن يقولوا: اللَّهم أعذه من الشيطان))، قاله في ((الفتح)). (وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))) قيل: أَخّره؛ لأنه إنما يقع في آخر الزمان قربَ الساعة. قال القاري كَّلُ: قيل: له شرّ وخير، فخيره أن يزداد المؤمن إيماناً، ويقرأ ما هو مكتوب بين عينيه، من أنه كافر، فيزداد إيماناً، وشرّه أن لا يقرأه الكافر، ولا يعلمه. انتهى. ١٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة و(المسيح) - بفتح الميم، وتخفيف المهملة المكسورة، وآخره حاء مهملة - يُظْلَق على الدجّال، وعلى عيسى ابن مريم ثَلَّهِ ولكن إذا أريد الدجّال قُيّد به. وقال أبو داود في ((السنن)): ((الْمِسِّيح)) مثقّلاً: الدجّال، ومخففاً: عيسى، والمشهور الأول. وأما ما نقل الفِرَبْرِيّ في رواية المستملي وحده عنه، عن خلف بن عامر، وهو الهمداني أحد الحُفّاظ أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد، يقال للدجّال، ويقال لعيسى، وأنه لا فرق بينهما بمعنى لا اختصاص لأحدهما بأحد الأمرين، فهو رأي ثالث. وقال الجوهريّ: من قال بالتخفيف فلمسحه الأرض، ومن قاله بالتشديد فلكونه ممسوح العين، وحكى بعضهم أنه قال بالخاء المعجمة في الدّجّال، ونُسِب قائله إلى التصحيف. واختُلِف في تلقيب الدجّال بذلك، فقيل: لأنه ممسوح العين، وقيل: لأن أحد شقي وجهه خلق ممسوحاً، لا عين فيه، ولا حاجب، وقيل: لأنه يَمْسَح الأرض إذا خرج. وأما عيسى ظلَّ فقيل: سُمّي بذلك لأنه خَرَج من بطن أمّه ممسوحاً بالدهن، وقيل: لأن زكريّا مسحه، وقيل: لأنه كان لا يَمسح ذا عاهة إلّا برئ، وقيل: لأنه كان يَمسح الأرض بسياحته، وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص . لها، وقيل: للبسه المسوح، وقيل: هو بالعبرانية ماشيخا، فَعُرِّب المسيحَ، وقيل: المسيح الصدّيق، وذكر صاحب ((القاموس)) أنه جمع في سبب تسمية عيسى بذلك خمسين قولاً، أوردها في ((شرح المشارق)). و((الدّجّال)): الخَدّاعِ الكَذّاب. فَعّال، من الدَّجل، وهو الخدع، والكذب، والتغطية، والمراد به هنا الكذّاب المعهود الذي سيظهر في آخر الزمان، وفي معناه كلُّ مفسد مضلّ. والمراد بفتنة المسيح الدجّال هي ما يَظْهَر على يديه من الخوارق للعادة التي يُضِلّ بها مَن ضعف إيمانه، كما اشتملت عليه الأحاديث الكثيرة التي بيّنت خروجه في آخر الزمان، وما يَظهر معه من تلك الأمور، أعاذنا الله تعالى من شر فتنته، بمنّه وكرمه آمين. ١٣٣ (٢٥) - بَابُ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَمَرَ النَِّيُّ ◌َهِ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٨) زاد في رواية النسائيّ من طريق عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ: ((ثمّ يدعو لنفسه بما بدا له)). وهذا مما يؤكّد أن الأمر بالتعوذ من الأمور الأربعة للوجوب، حيث خيّر المصلي أن يدعو بما يشاء هنا، بخلاف ما تقدّم، فقد أمره دون تخيير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة حبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٢٧/٢٥ و١٣٢٩ و١٣٣٠ و١٣٣١ و١٣٣٢ و ١٣٣٣ و١٣٣٤ و١٣٣٥] (٥٨٨)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٣٧٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٩٨٣)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٦٠٤)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (١٣١٠) وفي ((الكبرى)) (١٢٣٣)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (٩٠٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّقه)) (١٩٠/١٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢/ ٤٦٩ و٤٨٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٣٥٠ و١٣٥١)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٦٤٨ و٦٥٧)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٠٧)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٢١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٠٠٢ و١٠١٨ و١٠١٩ و١٩٦٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٤٣ و٢٠٤٤ و٢٠٤٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣٠١ و١٣٠٢ و١٣٠٣ و١٣٠٤ و ١٣٠٥ و١٣٠٦ و١٣٠٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٤/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٦٩٣)، والله تعالى أعلم. وفوائد الحديث تأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٢٨] (٥٨٩) - (حَدَّثَنِي (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، (١) وفي نسخة: ((وحدّثني)). ١٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ وَّهِ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بَِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْبَا وَالْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَم))، قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق الصاغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٧٠) (٤٢) تقدم في ((الإيمان)) ١١٦/٤. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ، الحمصيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٢٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. ٣ - (شُعَيْب) بن أبي حمزة، اسم أبيه دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٦/٢٣. والباقون تقدّموا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رَّلهُ . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أن نصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، والأول حمصيّون، سوی شیخه، فبغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الراوي عن خالته. ٥ - (ومنها): أن فيه عروةَ أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم. ١٣٥ (٢٥) - بَابُ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَمَرَ الشَِّيُّ ◌َهِ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٨) شرح الحديث: (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ) ﴿ُّهَا، وقوله: (زَوْجَ النَّبِيِّ بَّه) منصوب على أنه بدل، أو عطف بيان لـ((عائشة))، والزوج بلا هاء يطلق على الرجل والمرأة على اللغة الفصحى، وبها جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿أَشْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، وقد يقال للمرأة: زوجة بالهاء (أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ) هذا مطلق لا يخصّ محلّاً من الصلاة، لكن يُعَيِّن أنه بعد التشهد الأخير ما يأتي للمصنّف في حديث أبي هريرة نظراته، من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، بلفظ: ((إذا فرغ أحدكم من التشهّد الأخير، فليتعوذ بالله من أربع ... )) فذكره، ويُعيّنه أيضاً ما أخرجه أحمد في ((مسنده))(١)، وصححه ابن خزيمة - واللفظ له ـ من رواية ابن جُریج، أخبرني عبد الله بن طاوس، عن أبيه، أنه كان يقول بعد التشهد كلماتٍ، يعظّمهنّ جدّاً، قلت: في المثنى كليهما؟، قال: بل في المثنّى الأخير بعد التشهّد،، قلت: ما هو؟، قال: ((أعوذ بالله من عذاب القبر، وأعوذ بالله من عذاب جهنّم، وأعوذ بالله من شرّ المسيح الدّجّال، وأعوذ بالله من عذاب القبر، وأعوذ بالله من فتنة المحيا والممات))، قال: كان يعظّمهنّ. قال ابن جريج: أخبرنيه عن أبيه، عن عائشة عن النبيّ مَّر. ففي هذا تعيين هذه أن محلّ هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهّد الأخير، فيكون سابقاً على غيره من الأدعية، وما ورد الإذن فيه أن المصلي يتخيّر من الدعاء ما شاء يكون بعد هذه الاستعاذة، وقبل السلام(٢). (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) تقدّم شرحه في الحديث الماضي (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) قال القرطبيّ كَُّ: أي الحياة والموت، ويَحْتَمِل زمان ذلك؛ لأن كلّ ما كان معلَّ العين من الثلاثيّ، فقد يأتي منه المصدر، والزمان، والمكان بلفظ واحد، ويريد بذلك مِحْنة الدنيا وما بعدها، ويَحْتَمِل أن يُريد بذلك حالة الاحتضار، وحالة المسألة في القبر، فكأنه لَمّا استعاذ من فتنة هذين المقامين سأل التثبيت (١) راجع: ((المسند)) ٦/ ٢٠٠. (٢) راجع: ((الفتح)) ٣٧١/٢. ١٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة فيهما، كما قال الله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، والله تعالى أعلم(١). (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثُم) أي مما يَأْثَم به الإنسان، أو مما فيه إثم، أو مما يوجب الإثم، أو الإثم نفسه، مصدر وُضع موضع الاسم. (وَالْمَغْرَمِ) قال ابن الأثير تَخْتُهُ: هو مصدر وُضع موضع الاسم، يريد به مغرم الذنوب والمعاصي. وقيل: المغرم كالغُرْم، وهو الدين، ويريد به ما استُدين فيما يكرهه الله، أو فيما يجوز، ثمّ عَجَز عن أدائه، فأما دين احتاج إليه، وهو قادر على أدائه، فلا يُستعاذ منه. انتهى. وقال الحافظ تَُّ: المغرم الدين، يقال: غَرِم - بكسر الراء - أي ادَّانَ، قيل: المراد به ما يُستدان فيما لا يجوز، أو فيما يجوز، ثم يَعْجِز عن أدائه، ويَحْتَمِل أن يراد به ما هو أعمّ من ذلك، وقد استعاذ ◌ٍَّ من غلبة الدين. وقال القرطبيّ كَُّ: المغرم الغُرْم، وقد نَّه في الحديث على الضرر اللاحق من المغرم. انتهى. وقال السنديّ تَخْتُهُ بعد ذكر الأقوال السابقة: قلت: والظاهر أن المراد ما يُفضي إلى المعصية بسببٍ ما. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله السنديّ تَخْتُهُ هو الصواب؛ ويؤيّده آخر الحديث، حيث بيّن النبيّ وَّ أن المغرم يترتّب عليه الكذب، وخُلْف الوعد، وهاتان من أخلاق المنافقين، وأما ما خلا عن ذلك فليس محلّ الاستعاذة؛ إذ الدين ليس مذموماً على إطلاقه، فقد أخرج البخاريّ في (صحيحه)) عن أبي هريرة عنه عن النبيّ وَ ل﴿ قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدَّى اللهُ عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله)). وقد أخرج الإمام أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، عن أم المؤمنين ميمونة ◌ٍّنا أنها كانت تَدَّانُ وتُكثر، فقال لها أهلها في ذلك، ولاموها، ووجدوا عليها، فقالت: لا أترك الدين، وقد سمعت خليلي وصفيي ◌َّ و يقول: (١) ((المفهم)) ٢٠٨/٢. ١٣٧ (٢٥) - بَابُ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ وَهُ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٨) ((ما من أحد يَدَّانُ دَيْناً، فعلم الله أنه يريد قضاءه، إلا أداه الله عنه في الدنيا))(١). ولفظ ابن ماجه: كانت تَدّان دَيناً، فقال لها بعض أهلها: لا تفعلي، وأنكر ذلك عليها، قالت: بلى، إني سمعت نبيي وخليلي وُّ﴾ يقول: ((ما من مسلم يَدّان ديناً يعلم الله منه أنه يريد أداءه، إلا أداه الله عنه في الدنيا)). فتبيّن بهذا أن الدين ليس مذموماً إلا إذا ساءت نيّة الإنسان، فعند ذلك يُذْمّ، ويكون ذنباً يعاقبه الله تعالى عليه، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج الحاكم في ((مستدركه)) (٢٤/٢)، عن ابن عمر ◌ًا، قال: قال رسول الله وَير: ((الدين راية الله في الأرض، فإذا أراد أن يُذِلّ عبداً وضعها في عنقه))، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. انتهى. وهذا من تساهلاته، فقد تعقّبه الحافظ الذهبيّ تَخَُّهُ، بأن في سنده بشر بن عبيد الدارسيّ، وهو وَاهٍ، وقال الشيخ الألبانيّ: إنه موضوع(٢). (قَالَتْ) عائشة رَؤُّنَا (فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ) هي عائشة ﴿ّا، كما بينته رواية النسائيّ من طريق معمر، عن الزهريّ، ولفظها: كان رسول الله وسل ◌ّ أكثر ما يتعوّذ من الْمَغْرَمِ والْمَأْثَم، قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تتعَوَّذ من المغرم؟، قال: ((إنه مَن غَرِمَ حَدّث، فَكَذَب، ووَعَد فأخلَفَ)). (مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، يَا رَسُولَ اللهِ؟) ((ما)) الأولى تعجبية، و((أَكْثَرَ)) - بفتح الراء - فِعْلُ تعجب، وَ((ما)) الثانية مصدريّة، والمصدر المؤوّل منصوب على أنه مفعولُ فِعْلِ التعجّب، كأن هذا القائل رأى أن الدين إنما يتعلق بضيق الحال، ومثله لا يَحْتَرِز عنه أصحاب الكمال، قاله السنديّ ◌َُّ . (فَقَالَ) وَلِّ جواباً عن هذا السوال ((إِنَّ الرَّجُلَ) المراد الجنس، وغالب حاله، ومثله المرأة (إِذَا غَرِمَ) - بكسر الراء - من باب تَعِبَ: أي لزمه دين، والمراد استدان، واتَّخَذَ ذلك دأبه وعادته، كما يدلّ عليه السياق (حَدَّثَ) (١) صححه الشيخ الألبانيّ دون قوله ((في الدنيا))، وهو كذلك لأنه يشهد له ما تقدّم من ((صحيح البخاريّ)). (٢) راجع: ((السلسلة الضعيفة)) ٦٨٦/١. ١٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - بتشديد الدّال ــ أي أخبر عن ماضي الأحوال لتمهيد عذره في التقصير (فَكَذَبَ) بفتح الذال المخفّفة، قال الفيّومي: كَذَبَ يَكْذِبُ كَذِباً، بفتح، فكسر، ويجوز التخفيف بكسر الكاف، وسكون الذال، فالكذِبُ هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، سواءٌ فيه العمد والخطأً، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل السنّة، والإثم يَتْبَعُ العمد. انتهى(١). والمعنى هنا: أنه يُحدّث ربّ الدين إذا تقاضاه، ولم يُحْضِر ما يُؤدِّي به دينه، فيكذب عليه؛ ليتخلص من يده، ويقول له: لي مال غائبٌ إذا حضر أُؤدِّي دينك منه، وليس له مالٌ، وإنما يريد التخلّص منه. (وَوَعَدَ) أي في المستقبل بأن يقول: أعطيك غداً، أو في المدّة الفلانية (فَأَخْلَفَ))) في وعده. وبما تقرّر عُلم أن ((غرم)) فعل شرط، و((حدّث)) جزاؤه، و((كذب)) عطف على الجزاء مرتب عليه، و((وعد)) عطف على ((حدّث))، لا على ((غَرِمِ))، و((أخلف)) مرتب عليه. وحاصل الجواب أن الدَّين يُؤدِّي إلى خلل بالدِّين، فلذلك وقعت العناية بالمسألة. واستُشكل دعاؤه وَّ بما ذُكِر مع أنه معصومٌ مغفورٌ له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. وأجيب بأجوبة: (أحدها): أنه قَصَد التعليم لأمته. (ثانيها): أن المراد السؤال منه لأمته، فيكون المعنى هنا: أعوذ بك لأمتي. (ثالثها): سلوك طريق التواضع، وإظهار العبوديّة، ولزوم خوف الله، وإعظامه، والافتقار إليه، وامتثال أمره في الرغبة إليه، ولا يمتنع تكرار الطلب مع تحقَّق الإجابة؛ لأن ذلك يُحصّل الحسنات، ويَرْفَع الدرجات، وفيه تحریض (١) ((المصباح المنير)) ٥٢٨/٢. ١٣٩ (٢٥) - بَابُ الأَشْيَاءِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٣٢٨) لأمته على ملازمة ذلك؛ لأنه إذا كان ◌َّ مع تحقّق المغفرة له لا يترك التضرّع، فمن لم يتحقّق له ذلك أحرى بالملازمة. وأما الاستعاذة من فتنة الدجّال مع تحققه أنه لا يُدْرِكه، فلا إشكال فيه على الوجهين الأولين، وقيل على الثالث يَحْتَمِل أن يكون ذلك قبل تحقّق عدم إدراكه، ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر عند مسلم: ((إن يَخرُج، وأنا فيكم، فأنا حجيجه ... )) الحديث، أفاده في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َؤُها هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٢٦/٢٥] (٥٨٧) و[١٣٢٨/٢٥] (٥٨٩)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٨٣٢) و((الاستقراض)) (٢٣٩٧) و((الدعوات)) (٦٣٦٨ و٦٣٧٥ و٦٣٧٦ و٦٣٧٧) و((الفتن)) (٧١٢٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٨٨٠)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤٩٥)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (١٣٠٩) و((الاستعاذة)) (٥٤٥٤ و٥٤٧٢) وفي ((الكبرى)) (١٢٣٢)، و(ابن ماجه) في ((الدعاء)) (٣٨٣٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٨٨/١٠ - ١٨٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٨/٦ - ٨٩ و٢٤٤)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٨٥٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٦٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعية الدعاء بهذا الدعاء في الصلاة. ٢ - (ومنها): إثبات عذاب القبر، خلافاً لمن نفاه من المعتزلة، والتعوّذ منه. ٣ - (ومنها): إثبات وجود الدجّال، وإثبات خروجه، وفتنته الناس. ٤ - (ومنها): التعوذ من فتنة الأشياء المذكورة فيه، وسؤال الله تعالى في دفعها . (١) راجع: ((الفتح)) ٣٧٢/٢. ١٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٥ - (ومنها): تعظيم شأن الدَّينِ، وأنه سبب للوقوع في الإثم، من الكذب في الحديث، والخلف في الوعد، وهما من صفات المنافقين. ٦ - (ومنها): الاستعاذة من الدين؛ لأنه يَشين في الدنيا والآخرة إذا خلا عن نيّة صالحة في قضائه، كما سبق بيانه قريباً. ٧ - (ومنها): ما قاله المهلّب ◌َغْلُهُ: يُستفاد منه سدّ الذرائع؛ لأنه وَل استعاذ من الدين؛ لأنه في الغالب ذريعة إلى الكذب في الحديث، والخلف في الوعد مع ما لصاحب الدين من المقال، ولا تناقض بين الاستعاذة من الدين، وجواز الاستدانة؛ لأن الذي استُعيذ منه غوائل الدين، فمن ادّان وسَلِم منها، فقد أعاذه الله تعالى، وفَعَل جائزاً. انتهى(١). ٨ - (ومنها): أن في سماع عائشة ؤثّا دعاء النبيّ وَلّ في صلاته دليلاً على أنه كان أحياناً يُسمع من يليه دعاءه، كما كان أحياناً يُسمع من يليه الآية من القرآن(٢) . ٩ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض تَخّْثُ: ودعاء النبيّ وَّل، واستعادته من هذه الأمور التي قد عُوفي منها، وعُصِم إنما فعله ليلتزم خوفَ الله تعالى، وإعظامه، والافتقار إليه، ولتقتدي به أمته، وليبين لهم صفة الدعاء، والمهمّ منه. انتھی. ١٠ - (ومنها): ما قاله في ((العمدة)): [فإن قلت]: قوله: ((فتنة المحيا والممات)) يَشْمَل جميع ما ذُكِر، فلأيّ شيء خُصِّصت هذه الأشياء الأربعة بالذكر؟ . [قلت]: لعظم شأنها، وكثرة شرّها، ولا شك أن تخصيص بعض ما يَشْمَله العامّ من باب الاعتناء بأمره؛ لشدة حكمه، وفيه أيضاً عطف العامّ على الخاصّ، وذلك لفَخَامة أمر المعطوف عليه، وعِظَم شأنه، وفيه اللفّ والنشر الغير المرتَّب؛ لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال تحت فتنة المحيا . (١) راجع: ((الفتح)) ٦١/٥. (٢) راجع: ((فتح الباري)) لابن رجب ٣٣٩/٧.