النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ (٢٢) - بَابُ السَّلَامِ لِلنَّحَلَّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّتِهِ - حديث رقم (١٣١٦) لم يعلّمه كلّ الواجبات، بدليل أنه لم يعلّمه التشهد، والقعود، وغيرهما، ويَحْتَمِل أنه اقتصر على تعليمه ما رآه أساء فيه. وأما ما روي أن رسول الله صل﴾ (صلّى الظهر خمساً، فلما سلّم أُخْبِر بصنيعه، فثَنَى رجله، فسجد سجدتين))، أخرجه الجماعة عن ابن مسعود ته بطرق متعددة، وألفاظ مختلفة. قال الطحاويّ: في هذا الحديث أنه أدخل في الصلاة ركعةً من غيرها قبل التسليم، ولم يَرَ ذلك مُفسداً للصلاة، فدلّ ذلك على أن السلام ليس من أصلها، ولو كان واجباً وجوب السجدة في الصلاة لكان حكمه أيضاً كذلك، ولکنه بخلافه، فهو سنّة. ففيه أنه ليس فيه إلّا تأخير السلام، لا تركه رأساً، وهذا لا يدلّ على كون السلام من غير أصل الصلاة، مع أن ذلك كان في حالة النسيان، وعلى ظنّ عدم الزيادة والإدخال، والكلام هنا فيمن ترك السلام عمداً، وخرج من الصلاة بغير السلام مما ينافي الصلاة. وأما ما روي عن عبد الله بن عمر ظه مرفوعاً: ((إذا أحدث الرجل، وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلّم، فقد جازت صلاته))، أخرجه أبو داود، والترمذي . ففيه أنه حديث ضعيف مضطرب، قد تفرّد به عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الإفريقي، وقد ضعفه أكثر الحفّاظ، قال الترمذيّ رَُّهُ بعد إخراجه: ليس إسناده بذاك القويّ، وقد اضطربوا في إسناده. انتهى. فقد جمع بين ضعف الراوي، والاضطراب. وفيه أيضاً أنه مخالف للحديث الصحيح المذكور: ((وتحليلُها التسليمُ))، فلا يقوى على معارضته. قال الخطابي تَخُّْ في ((المعالم)) ١٧٥/١: هذا الحديث ضعيف، وقد تكلّم الناس في بعض نقلته، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد، والتسليم. انتهى. وأما ما رُوي أن رسول الله وَ﴿ أخذ بيد عبد الله بن مسعود نظره، فعلّمه التشهد في الصلاة، ثم قال: ((إذا قلت هذا، أو قضيت هذا، فقد قضيت ٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد))، أخرجه أحمد، وأبو داود، والدارقطنيّ. ففيه أن قوله: ((إذا قلت هذا إلخ)) مُذْرَج من قول ابن مسعود، قال الدارقطني: الصحيح أن قوله: ((إذا قلت هذا، فقد قضيت صلاتك)) من كلام ابن مسعود، فصله شَبَابة، عن زهير بن معاوية، وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه بالصواب ممن أدرجه، وقد اتفق مَن رَوَى تشهد ابن مسعود على حذفه، كذا في ((المنتقى)). قال الشوكانيّ: أما حديث ابن مسعود، فقال البيهقيّ في ((الخلافيّات)): إنه كالشاذّ من قول عبد الله، وإنما جعله كالشاذّ؛ لأن أكثر أصحاب الحسن بن الْحُرّ لم يذكروا هذه الزيادة، لا من قول ابن مسعود مفصولةً من الحديث، ولا مدرجةً في آخره، وإنما رواه بهذه الزيادة عبد الرحمن بن ثابت، عن الحسن، فجعلها من قول ابن مسعود، وزهير بن معاوية عن الحسن، فأدرجها في آخر الحديث في قول أكثر الرواة عنه، ورواها شبابة بن سَوّار عنه مفصولة، كما ذكره الدار قطني. وقد رَوَى البيهقي من طريق أبي الأحوص، عن ابن مسعود ما يخالف هذه الزيادة بلفظ: ((مفتاح الصلاة التكبير، وانقضاؤها التسليم، إذا سلم الإمام، فقم إن شئت)). قال: وهذا الأثر صحيح عن ابن مسعود . وقال ابن حزم ◌َّهُ: قد صحّ عن ابن مسعود إيجاب السلام فرضاً، وذکر رواية أبي الأحوص هذه عنه. قال البيهقيّ: إن تعليم النبيّ وَلر التشهد لابن مسعود كان قبل فرض التسلیم، ثم قُرض بعد ذلك. وقد صرّح بأن تلك الزيادة المذكورة في الحديث مدرجة جماعةٌ من الحفّاظ: منهم الحاكم، والبيهقي، والخطيب. وقال البيهقي في ((المعرفة)): ذهب الحفّاظ إلى أن هذا وَهَمٌ من زهير بن معاوية . وقال النوويّ في ((الخلاصة)): اتفق الحفّاظ على أنها مدرجة. انتهى. وقد رواه عن الحسن بن الحرّ حسين الجعفيّ، ومحمد بن عجلان، ٨٣ (٢٢) - بَابُ السَّلَامِ لِلتَّحَلُّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّتِهِ - حديث رقم (١٣١٦) ومحمد بن أبان، فاتفقوا على ترك هذه الزيادة في آخر الحديث، مع اتفاق كلّ من روى التشهد عن علقمة وغيره عن ابن مسعود على ذلك. انتهى كلام الشوكاني دخلتُهُ. وقد تأول القاضي أبو بكر ابن العربي في ((شرح الترمذي)) ١٩٩/٢ حديث ابن مسعود هذا: بأنه إنما يَعْنِي به فقد قضيت صلاتك، فاخرج منها بتحليل كما دخلتها بإحرام. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدم أن الحقّ كون هذه الزيادة مدرجةً من كلام ابن مسعود، وقد عارضها ما صحّ عنه عند البيهقي، وابن حزم من إيجابه السلام فرضاً، فلا تكون حجة أصلاً، وقد صح لدينا قوله وقيلله: ((وتحليلها التسليم)) مع مواظبته على التسليم من الصلاة من دون أن يوجد منه إخلال بذلك، ولو مرة واحدة، وقد قال: ((صلّوا كما رأيتموني أصلي))، فهذه الأدلة ظاهرة في إيجاب السلام من الصلاة. والحاصل أن ما عليه الجمهور من كون السلام ركناً من أركان الصلاة التي لا تتم الصلاة إلا به هو الحقّ، لوضوح أدلّته. وأما ما حاول به الشوكاني من ترجيح القول بعدم الوجوب فمما لا يعتمد عليه، لأنه لم يذكر دليلاً مقنعاً يردّ به أدلة الجمهور، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم التسليمتين: قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَخُّْهُ: اختلف أصحاب رسول الله وَله، ومن بعدهم في عدد التسليم، فقالت طائفة: يسلم تسليمتين عن يمينه، وعن شماله، روي هذا القول عن أبي بكر الصدّيق، وعلي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، ونافع بن الحارث، وعطاء بن أبي رباح، وعلقمة، والشعبي، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وبه قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: يسلّم تسليمة واحدة، كذلك قال ابن عمر، وأنس بن (١) راجع: ((نيل الأوطار)) ٣٥١/٢ - ٣٥٢، و((مرعاة المفاتيح)) ٢٩٧/٣ - ٢٩٩. ٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة مالك، وعائشة أم المؤمنين، وسلمة بن الأكوع، والحسن، ومحمد بن سیرین، وعمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك، والأوزاعيّ، وقال عمّار بن أبي عمّار: كان مسجد الأنصار يسلمون تسليمتين عن أيمانهم، وعن شمائلهم، وكان مسجد المهاجرين يسلّمون تسليمة واحدة. وفيه قول ثالث: وهو أن هذا من الاختلاف المباح، فالمصلي مخيّر، إن شاء سلّم تسليمة، وإن شاء سلّم تسليمتين، قال بهذا القول بعض أصحابنا . وكان إسحاق يقول: تسليمة تُجزي، وتسليمتان أحبّ إليّ. قال ابن المنذر تَّقُهُ: كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم يُجيز صلاة من اقتصر على تسليمة، وأحبّ أن يسلم تسليمتين، للأخبار الدّالة عن رسول الله وَ﴾، ويجزيه أن يسلّم تسليمة. انتهى كلام ابن المنذر ◌َُّهُ باختصار(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر تَّتُ من مشروعية التسليمتين، وهو الذي عليه الجمهور كما تقدم هو المذهب الراجح؛ لكثرة الأحاديث الصحاح على وفقه. قال الحافظ ابن رجب تَخّْتُهُ: وقد قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: ثبت عندنا عن النبيّ ◌َ﴿ من غير وجه أنه كان يُسلّم عن يمينه، وعن شماله حتى يُرى بياض خدّه. وقال العُقيلي: الأحاديث الصحاح عن ابن مسعود، وسعد بن أبي وقّاص، وغيرهما في تسلیمتین. وقد روي عن النبيّ ◌َلقر أنه كان يسلّم تسليمة واحدة من وجوه لا يصحّ منها شيء، قاله ابن المديني، والأثرم، والعقيليّ، وغيرهم. وقال الإمام أحمد: لا يُعرف عن النبيّ وَ﴿ في التسليمة الواحدة إلا حديثٌ مرسلٌ لابن شهاب الزهري، عن النبيّ وَّهِ. انتهى. ومراسيل ابن شهاب من أوهى المراسيل وأضعفها . ومن أشهرها حديث زهير بن محمد، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن (١) ((الأوسط)) ٢٢٠/٣ - ٢٢٣. ٨٥ (٢٢) - بَابُ السَّلَامِ لِلنَّحَلُّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّتِهِ - حديث رقم (١٣١٦) عائشة أن النبيّ ◌َ﴿ كان يسلّم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، ثم يميل إلى الشقّ الأيمن شيئاً، أخرجه الترمذي من رواية عمرو بن أبي سلمة التِّنِيسيّ، عن زهير به، وقال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، قال محمد بن إسماعيل: زُهير بن محمد أهل الشام يروون عنه مناكير، ورواية أهل العراق عنه أشبه. وأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زُهير به مختصراً. وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، وأخطأ فيما قال، فإن روايات الشاميين عن زهير مناكير عند أحمد، ويحيى بن معين، والبخاريّ، وغيرهم. قال أحمد في رواية الأثرم: أحاديث التنّيسي عن زُهير بواطيل، قال: وأظنّه قال: موضوعة، قال: فذكرت له هذا الحديث في التسليمة الواحدة، فقال مثل هذا. وذكر ابن عبد البرّ أن يحيى بن معين سُئل عن هذا الحديث؟ فضعّفه. وقال أبو حاتم الرازي: هو منكر، إنما هو عن عائشة موقوف، وكذا رواه وُهيب بن خالد، عن هشام، وكذا رواه الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن هشام، عن أبيه، موقوفاً، قال الوليد: فقلت لزهير: فهل بلغك عن رسول الله صَلّر فيه شيء؟ قال: نعم، أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاريّ أن رسول الله ◌َ سلّم تسليمة واحدة. قال العقيليّ: حديث الوليد أولى - يعني من حديث عمرو بن أبي سلمة - قال: وعمرو في حديثه وَهَم، وقال الدارقطني: الصحيح وقفه، ومن رفعه فقد وَهِمَ. وأخرج النسائيّ من حديث سعد بن هشام، عن عائشة في صفة صلاة النبيّ ◌َّه بالليل أنه كان يسلّم تسليمة يُسمعنا(١). وأخرجه الإمام أحمد، ولفظه: يسلم تسليمة واحدة ((السلام عليكم)) يرفع بها صوته حتى يُوقظنا . (١) أخرجه النسائيّ برقم (١٧١٩). ٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقد حمله الإمام أحمد على أنه كان يجهر بالواحدة، ويسرّ الثانية. ورَوَى عبدُ الوهّاب الثقفيّ عن حميد، عن أنس، أن النبيّ وَّ كان يُسلّم تسليمة واحدة. أخرجه الطبراني، والبيهقي، ورفعه خطأ، إنما هو موقوف، كذا رواه أصحاب حميد، عنه، عن أنس من فعله. ورَوَى جرير بن حازم، عن أيوب، عن أنس، أن النبيّ وَلَّ، وأبا بكر، وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة، أخرجه البزّار في ((مسنده))، وأيوب رأى أنساً، ولم يسمع منه، قاله أبو حاتم، وقال الأثرم: هذا حديث مرسل، وهو منكر، وسمعت أبا عبد الله يقول: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب. ورَوَى رَوح بن عطاء بن أبي ميمونة، ثنا أبي، عن الحسن، عن سَمُرَة، كان رسول الله ◌َّ﴿ يُسلّم في الصلاة تسليمة واحدة قُبَالة وجهه، فإذا سلّم عن يمينه سلّم عن يساره، أخرجه الدارقطني، والعقيليّ، والبيهقيّ، وغيرهم، وأخرجه بَقِيُّ بن مَخْلَد مختصراً، وروح هذا ضعّفه ابن معين وغيره، وقال الأثرم: لا يُحتجّ به. وفي الباب أحاديث أُخَرُ لا تقوم بها حجة، لضعف أسانيدها . وقد اختلف الصحابة، ومن بعدهم في ذلك، فمنهم من کان یُسلّم ثنتين، ومنهم من كان يُسلّم واحدة. قال عمّار بن أبي عمّار: كان مسجد الأنصار يُسلّمون تسليمتين، ومسجد المهاجرين يُسلّمون تسليمة واحدة. وأكثر أهل العلم على التسليمتين. وممن رُوي عنه ذلك من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وعمّار، وسهل بن سعد، ونافع بن عبد الحارث. وروي عن عطاء، والشعبي، وعلقمة، ومسروق، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن ميمون، وأبي وائل، وأبي عبد الرحمن السُّلَميّ، وهو قول النخعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي عُبيد، وأبي ثور، وحُكي عن الأوزاعي. ورُوي التسليمة الواحدة عن ابن عمر، وأنس، وعائشة، وسلمة بن الأكوع، ورُوي عن عثمان، وعليّ أيضاً، وعن الحسن، وابن سيرين، وعطاء ٨٧ (٢٢) - بَابُ السَّلَامِ لِلَّحَلُّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّتِهِ - حديث رقم (١٣١٦) أيضاً، وعمر بن عبد العزيز، والزهريّ، وهو قول مالك، والأوزاعيّ، والليث، وهو قولٌ قديم للشافعيّ، وحكاه أحمد عن أهل المدينة، وقال: ما كانوا يُسلّمون إلا واحدة، قال: وإنما حدثت التسليمتان في زمن بني هاشم، يعني في ولاية بني العبّاس، وقال الليث: أدركت الناس يُسلّمون تسليمة واحدة. وقد اختلف على كثير من السلف في ذلك. فروي عنهم التسليمتان، وروي عنهم التسليمة الواحدة، وهو دليل على أن ذلك كان عندهم سائغاً، وإن كان بعضه أفضل من بعض، وكان الأغلب على أهل المدينة التسليمة الواحدة، وعلى أهل العراق التسليمتان. وحُكي للشافعي قول ثالث قديم أيضاً، وقيل: إن الربيع نقله عنه، فيكون حينئذ جديداً: أنه إن كان المصلي منفرداً، أو في جماعة قليلة، ولا لغط عندهم فتسليمة واحدة، وإلا فتسليمتان. والقائلون بالتسليمتين أكثرهم على أنه لو اقتصر على تسليمة واحدة أجزأه، وصحّت صلاته، وذكره ابن المنذر إجماعاً ممن يَحفَظ عنه من أهل العلم . وذهبت طائفة منهم إلى أنه لا يخرج من الصلاة إلا بتسليمتين معاً، وهو قول الحسن بن حيّ، وأحمد في رواية عنه، وبعض المالكيّة، وبعض أهل الظاهر. واستدلّوا بقوله وَله: ((تحليلها التسليم))، وقالوا: التسليم إلى ما عُهد منه فعله، وهو التسليمتان، وبقوله ◌َالر: ((صلّوا كما رأيتموني أصلي))، وقد كان يُسلّم تسليمتين. ومن ذهب إلى قول الجمهور قال: التسليم مصدر، والمصدر يصدق على القليل والكثير، ولا يقتضي عدداً، فيدخل فيه التسليمة الواحدة. واستدلّوا بأن الصحابة قد كان منهم من يُسلّم تسليمتين، ومنهم من يُسلّم تسليمة واحدةً، ولم ينكر هؤلاء على هؤلاء، بل قد رُوي عن جماعة منهم التسليمتان، والتسليمة الواحدة، فدلّ على أنهم كانوا يفعلون أحياناً هذا، وأحياناً هذا، وهذا إجماع منهم على أن الواحدة تكفي. قال أكثر أصحاب أحمد: ومحلّ الخلاف عن أحمد في الصلاة ٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة المكتوبة، فأما التطوّع فيُجزئ فيه تسليمة، واستدلّوا بحديث عائشة في صلاة النبيّ ◌َّلَه بالليل، وقد سبق ذكره. وأخرج الإمام أحمد من حديث إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن ابن عمر ضًا، قال: كان رسول الله ولم يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة، يُسمعناها . وقد تأوّل حديث عائشة في هذا المعنى على أنه كان يُسمعهم واحدةً، ويُخفي الثانية، وقد نصّ أحمد على ذلك، وأن الأُولى تكون أرفع من الثانية في الجهر. وقد رَوَى أبو رزين قال: سمعت عليّاً يُسلّم في الصلاة عن يمينه، وعن شماله، والتي عن شماله أخفض. ومن أصحاب أحمد من قال: يجهر بالثانية، ويخفض بالأولى، وهو قول النخعيّ. انتهى كلام الحافظ ابن رجب تَّتُهُ ببعض تصرف. وقال العلّامة الشوكانيّ ◌َُّ بعد ذكره اختلافَ أهل العلم في هذه المسألة : والحقّ ما ذهب إليه الأولون - يعني القائلين بمشروعية التسليمتين - لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتين، وصحة بعضها، وحسن بعضها، واشتمالها على الزيادة، وكونها مثبتة، بخلاف الأحاديث الواردة بالتسليمة الواحدة، فإنها مع قلّتها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج بها، ولو سُلّم انتهاضها لم تصلح لمعارضتها أحاديثَ التسليمتين، لما عرفت من اشتمالها على الزيادة. وأما القول بمشروعية ثلاث(١) فلعلّ القائل به ظن أن التسليمة الواحدة - يعني في حديث عائشة وغيرها - غير التسليمتين، فجمع بين الأحاديث بمشروعية الثلاث، وهو فاسد، وأفسد منه ما رواه في ((البحر)) عن البعض من أن المشروع واحدة في المسجد الصغير، وثنتان في المسجد الكبير. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ ◌َّتُهُ حسنٌ جدّاً. (١) نقله الشوكانيّ عن عبد الله بن موسى بن جعفر من أهل البيت، فإنه ذهب إلى أن الواجب ثلاث: يميناً وشمالاً، وتلقاء وجهه، انظر: ((نيل الأوطار)) ٣٤٥/٢. ٨٩ (٢٢) - بَابُ السَّلَامِ لِلنَّحَلَّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّتِهِ - حديث رقم (١٣١٦) وحاصله ترجيح قول الجمهور في مشروعية التسليمتين، وتفنيد الأقوال الأخرى؛ لعدم استنادها إلى دليل يصلح للاعتماد عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في صيغ السلام: قال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ: واختلفوا في صفة التسليم، فقالت طائفة: صفة التسليم: ((السلام عليكم ورحمة الله))، وهذا مرويّ عن النبيّ وَّر من وجوه، وإليه ذهب أكثر العلماء، ولو اقتصر على قوله: ((السلام عليكم)) أجزأه عند جمهورهم، ولأصحاب أحمد فيه وجهان. وقالت طائفة: يزيد ((وبركاته))، ومنهم الأسود بن يزيد، كان يقولها في التسليمة الأولى، وقال النخعي: أقولها، وأخفيها، واستحبّه طائفة من الشافعية . وقد أخرج أبو داود من حديث وائل بن حُجر أنه صلّى مع النبيّ وَّل، فكان يُسلّم عن يمينه: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته))، وعن شماله: ((السلام عليكم ورحمة الله)). ومن أصحاب أحمد من قال: إنما فعل ذلك مرّة لبيان الجواز. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي الكلام على هذه الزيادة في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. قال: وكان من السلف من يقول في التسليمة الأولى: ((السلام عليكم ورحمة الله))، ويقتصر في الثانية على: ((السلام عليكم))، وروي عن عمّار، وغيره، وقد تقدّم حديث ابن عمر المرفوع بموافقة ذلك. وقالت طائفة: بل يقتصر على قوله: ((السلام عليكم)) بكلّ حال، وهو قول مالك، والليث بن سعد، وروي عن عليّ وغيره، وكذلك هو في بعض روايات حديث جابر بن سمرة المرفوع، وفي بعضها زيادة: ((ورحمة الله))، وقد أخرجه مسلم بالوجهين. انتهى كلام الحافظ ابن رجب تَُّ بتصرّف يسير. قال الجامع عفا الله عنه: الراحج عندي قول من قال: إنه يقول في التسليمتين: ((السلام عليكم ورحمة الله))، لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بذلك، وأما ما ورد من الاقتصار على ((السلام عليكم))، أو زيادة ((وبركاته))، ٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة فيُحْمَل على بيان الجواز، فيُعمل به في بعض الأوقات، وأما اتخاذه مذهباً دائماً، فغير صواب؛ لمخالفته لأكثر الأحاديث الصحيحة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في الكلام على زيادة ((وبركاته)) في التسليم: (اعلم): أنه ورد زيادة ((وبركاته)) في التسليم من الجانبين من حديث وائل بن حُجر ◌َظُه مرفوعاً، ومن حديث عبد الله بن مسعود ظُه مرفوعاً وموقوفاً، ومن حديث عمّار بن ياسر ظُه موقوفاً . فأما حديث وائل ظُه، فأخرجه أبو داود في ((سننه)) على ما هو في النسخة الصحيحة، فإن نسخه قد اختَلَفت، فسقط من بعضها زيادتها في الثانية، وثبت في بعضها فيهما، وهي الصحيحة عندي، لما يأتي. فأما النسخ التي ثبتت فيهما، فهي النسخة الهندية، وتوجد في ((المكتبة المحموديّة)) في المدينة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة، وأزكى التحيّة، ونصّها - ١٣٨/١ -: حدّثنا عَبْدة بن عبد الله، أخبرنا يحيى بن آدم، أخبرنا موسى بن قيس الحضرميّ، عن سلمة بن كُهيل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه قال: صلّيت مع النبيّ وَ ﴿، فكان يُسلّم عن يمينه: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته))، وعن شماله: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)). والنسخة الثانية هي النسخة التي ضِمْنَ الكتب التسعة التي طبعت على منهج ((المعجم المفهرس))، فقد ثبتت فيها من الجانبين أيضاً. والنسخة الثالثة هي التي حقّقها عزت دعاس ص٦٠٧، وهذه النسخة يَحْتَمِل أن تكون مأخوذة من النسختين السابقتين، أو من إحداهما، ويَحْتَمِل أن تكون نسخة أخرى، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه النسخ هي الصحيحة عندي، كما أشرت إليه سابقاً، دون النسخ الأخرى التي لا تثبت الزيادة لأمرين: (الأول): أن المحقّقين من حُفّاظ الحديث أثبتوا هذه الزيادة في الجانبين من حديث وائل بن حُجْرِ رَظُه في مؤلّفاتهم، وعَزَوا ذلك إلى ((سنن أبي داود)). فمن هؤلاء المحققين : ٩١ (٢٢) - بَابُ السَّلَامِ لِلنَّخَلُّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَِّهِ - حديث رقم (١٣١٦) الحافظ المجتهد العلامة ابن دقيق العيد تَّتُ في كتابه «الإلمام)) ١١٥/١ فقد أثبتها فيهما، وعزا ذلك إلى أبي داود. ومنهم: الحافظ ابن عبد الهادي تَّثُ في كتابه ((المحرّر)) ٢٠٧/١، فإنه أثبتها فيهما، وعزا ذلك إلى أبي داود. ومنهم: الحافظ ابن حجر نَّثُهُ، في كتابه («بلوغ المرام)»، فإنه أثبتها فیهما، وعزا ذلك إلى أبي داود. وقال في ((التلخيص الحبير)) ٢٧١/١ ما نصه: [تنبيه]: وقع في ((صحيح ابن حبّان)) من حديث ابن مسعود زيادة ((وبركاته))، وهي عند ابن ماجه أيضاً، وهي عند أبي داود أيضاً في حديث وائل بن حُجْر، فيُتَعجّب من ابن الصلاح، حيث يقول: إن هذه الزيادة ليست في شيء من کتب الحدیث. انتهى. والحاصل أن اتفاق هؤلاء الأئمّة على إثباتها فيهما، وعَزْوِ ذلك إلى أبي داود يؤكّد أن نسخ ((سنن أبي داود)) التي فيها الإثبات من الجانبين هي الصحيحة، وأما النسخ التي أثبتت في الأول فقط - وعليها كتب الشّرّاح - فقد دخلها الخلل، والله تعالى أعلم. (الأمر الثاني): صحّة ثبوتها في الجانبين من حديث غير وائل نظُبه، فقد ثبتت في حديث ابن مسعود رضيبه مرفوعاً وموقوفاً، وفي حديث عمار ظُه موقوفاً، كما أشرت إليه آنفاً . فأما حديث ابن مسعود رُّه، فأخرجه ابن ماجه، وابنا خزيمة، وحبّان في (صحيحيهما))، وأبو العبّاس السّرّاج في ((مسنده))، وابن حزم في ((الْمُحَلَّى))، وأخرجه عبد الرزّاق في ((مصنّفه)) موقوفاً عليه. فأما رواية ابن ماجه، فقد ثبتت في النسخة الصحيحة منه، كما عزاها إليه الحافظ تَخْذَلُهُ في ((التلخيص الحبير) ٢٧١/١. قال العلّامة الصنعانيّ كَّتُهُ في ((سُبُل السلام)) ٣٧٩/١ ما نصه: قال المصنّف: إلّا أنه قال ابن رسلان في ((شرح السنن)): لم نجدها في ابن ماجه، قلت: راجعنا ((سنن ابن ماجه)) من نسخة صحيحة مقروءة، فوجدنا فيه ما لفظه: (باب التسليم)) حدثنا محمد بن عبد الله بن نُمير، حدثنا عُمر بن عُبيد، ٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، أن رسول الله، ولقد كان يُسلّم عن يمينه، وعن شماله حتى يُرَى بياضُ خدّه: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)). انتهى بلفظه. وقال محقّق ((شرح السنّة)) للبغوي الشيخ شعيب الأرناؤوط ما نصّه: وعند ابن ماجه في نسخة خطيّة في دار الكتب الظاهرية زيادة ((وبركاته))، وقد سقطت بتحقيق فؤاد عبد الباقي، وهي زيادة صحيحة، نصّ عليها في ((التلخيص)). انتھی . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقد صرّح الحافظ أيضاً في ((نتائج الأفكار)) ٢٢٣/٢ بأنها ثابتة في ابن ماجه، وسيأتي نصّه قريباً، إن شاء الله تعالی. ثم وجدت نسخة محققة أثبتت الزيادة المذكورة في ((سنن ابن ماجه))، وهي النسخة الجديدة التي حققها الشيخ خليل مأمون شِيحا مع شرح السنديّ، وتعليقات (مصباح الزجاجة)) المطبوعة بتاريخ ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦م، وهي نسخة محققة على نسخة خطيّة مقروءة، كُتب عليها سماعات الحفاظ، كالحافظ المنذريّ ◌َُّهُ وغيره، كما بيّن ذلك المحقّق المذكور في الكلام على وصف النسخة الخطيّة أول الكتاب ١٢/١ - ١٥. والحاصل أن النسخة الصحيحة لـ ((سنن أبي داود)) بالنسبة لحديث وائل بن حجر رَظُبه، و((سنن ابن ماجه)) بالنسبة لحديث ابن مسعود نظرته هي النسخة التي أثبتت زيادة ((وبركاته)) في الجانبين، للأدلّة المذكورة، والله تعالى أعلم. وأما رواية ابن خزيمة كَّثُهُ، فقال في ((صحيحه)) ٣٦٠/١ : نا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، وزياد بن أيوب، قال إسحاق: حدثنا عُمر، وقال زياد: حدثني عمر بن عُبيد الطنافسيّ، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: كان رسول الله وَلٌ يُسلّم عن يمينه حتى يُرى بياضُ خدّه: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته))، وعن شماله حتى يبدو بياض خدّه: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)). انتهى(١). (١) أعلّ الشيخ الألبانيّ هذه الرواية فيما كتبه على ((صحيح ابن خزيمة)) فقال: إسناده ٩٣ (٢٢) - بَابُ السَّلَامِ لِلنَّحَلُّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّتِهِ - حديث رقم (١٣١٦) وأما رواية ابن حبّان رحمه الله تعالى، فقال في ((صحيحه)) ٣٣٣/٥ رقم ١٩٩٣ بتحقيق شعيب الأرنؤوط : أخبرنا الفضل بن الحباب، قال: حدّثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، أن النبيّ وَسلّ كان يُسلّم عن يمينه، وعن يساره حتى يُرَى بياض خدّه: ((السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)). انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى: هكذا نسخة ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) بإثباتها في الثاني دون الأول، عكس ما في بعض نسخ أبي داود، وهو تصرّف من النساخ بلا شكّ، بدليل أن الحافظ أبا بكر الهيثميّ: أثبتها في كتابه ((موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان)) في الجهتين، وكتابه مختصر من ((صحيح ابن حبّان))، وكذا عزا الحافظ كَُّهُ ثبوتها إلى ((صحيح ابن حبان)) في كتابه ((نتائج الأفكار)) ٢٢٣/٢. فتنبّه، والله تعالى أعلم. وأما رواية أبي العبّاس السّرّاج، فقد أخرجها الحافظ في أماليه ((نتائج الأفكار)) ٢٢١/٢ - ٢٢٣ من طريقه، فقال: أخبرني شيخنا الإمام أبو الفضل بن الحسين الحافظ تَثْتُهُ، أخبرني أبو الحرم بن أبي الفتح، قال: قُرئ على سيدة بنت موسى المازنية، ونحن نسمع، عن زينب بنت عبد الرحمن الشعري، قالت: أنا أبو المظفّر عبد المنعم ابن الإمام أبي القاسم القُشيريّ، أنا أبي، أنا أبو الحسين الْخَفّاف، ثنا أبو العبّاس السرّاج، ثنا عبد الله بن عمر - يعني ابن أبان - ثنا وكيع، وأبو نعيم، قالا: ثنا سفيان - هو الثوريّ - عن أبي إسحاق - هو السبيعي - عن أبي الأحوص - هو عوف بن مالك - عن عبد الله - هو ابن مسعود ظه، عن النبيّ وَّر، أنه كان يُسلّم عن يمينه، وعن يساره حتى يُرَى بياض خدّيه: ((السلام عليكم ورحمة الله وبر كاته)». ضعيف، أبو إسحاق هو السبيعيّ مختلطٌ مدلّس، أخرج أبو داود الحديث من طريق = زياد بن أيوب، وآخرون دون قوله ((وبركاته)). انتهى. وقد ذكرت الجواب عن هذا الإعلال فيما كتبته على النسائيّ، فراجعه ٣٠٢/١٥. ٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال: هكذا في أصل سماعنا من مسند السرّاج بخط الحافظ مجد الدين بن النجار، وكذلك وجدته بخط الحافظ زكيّ الدين البرزالي، وهو من روايتهما جميعاً عن زينب بنت عبد الرحمن. وهكذا أخرجه ابن حبّان في ((صحيحه)) عن أبي خليفة، عن محمد بن کثیر، عن سفيان الثوريّ، وذکر فیه ((وبركاته)). لكن أخرجه أبو داود عن محمد بن كثير، فلم يذكرها، وكذا من رواية وكيع، وكذا الترمذي، والنسائي من رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان. قال: وبهذا الإسناد إلى السرّاج: ثنا هَمّام السَّكُونيّ - هو الوليد بن شُجَاع بن الوليد - ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، فذكر مثله، لكن قال: ((عن شماله))، وقال: ((أَرَى)). وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن عُمر بن عُبيد، عن أبي الأحوص (١)، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، وفيه: ((وبركاته)). قال: فهذه عدّة طرق ثبت فيها ((وبركاته)) بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ - يعني النوويّ تَخْذَلُهُ - أنها رواية فردة. وأما رواية ابن حزم تَّتُهُ، فقال في كتابه ((المحلّى)) ٢٧٥/٣: حدّثنا حمام، ثنا ابن مفرج، ثنا ابن الأعرابي، ثنا الدّبريّ، ثنا عبد الرزّاق، عن سفيان الثوريّ ومعمر، كلاهما عن حمّاد بن أبي سليمان، عن أبي الضّحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: ما نسيت فيما نسيت عن رسول الله وقدر أنه كان يُسلّم عن يمينه: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) حتى يُرى بياض خدّه، وعن يساره: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)) حتى يُرى بياض خدّه أيضاً. انتهى. (١) هكذا في نسخة ((نتائج الأفكار)) بزيادة ((عن أبي الأحوص))، وهو سلّام بن سُليم بين عُمر بن عُبيد، وأبي إسحاق، لكن الموجود في نسخة ابن ماجه بإسقاطه، وكذلك أخرجه النسائيّ برقم (١٣٣٣) وليس فيه أبو الأحوص أيضاً، وهو الظاهر؛ لأن عمر بن عبيد يروي عن أبي إسحاق دون واسطة، كما هو مذكور في ترجمته في ((تهذيب التهذيب))، وهو الموجود أيضاً في ((تحفة الأشراف)) ١٢٤/٧ - ١٢٥، والله تعالى أعلم. ٩٥ (٢٢) - بَابُ السَّلَامِ لِلنَّحَلُّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّتِهِ - حديث رقم (١٣١٦) قال الجامع عفا الله عنه: رجال هذا الإسناد ثقات غير حماد بن أبي سليمان فصدوق، له أوهام، والله أعلم. وأخرجه عبد الرزّاق موقوفاً على ابن مسعود، فقال في ((مصنّفه)) ٢١٩/٢ : عبد الرزّاق، عن معمر، عن خُصيف الْجَزَريّ، عن أبي عُبيدة بن عبد الله، أن ابن مسعود كان يُسلّم عن يمينه: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته))، وعن يساره: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته))، يجهر بكلتيهما . قال الجامع عفا الله عنه: فيه خُصيف متكلّم فيه، قال في ((التقريب)): صدوق سيئ الحفظ، خلط بآخره، ورُمي بالإرجاء. انتهى. وفيه أبو عبيدة لم يسمع من أبيه، فهو منقطع، والله أعلم. وأما حديث عمّار بن ياسر ﴿ها، فأخرجه عبد الرّزّاق في ((مصنّفه)) أيضاً موقوفاً عليه، فقال ٢٢٠/٢ : عبد الرزّاق عن معمر، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب، أن عمّار بن ياسر كان يسلّم عن يمينه: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته))، وعن يساره مثل ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: رجال إسناده ثقات، والله أعلم. قال العلّامة الصنعاني تَخُّْ في ((سبل السلام)) عند شرح حديث وائل بن حُجْرِ نَظُه المتقدّم ما نصّه: وحديث التسليمتين رواه خمسة عشر من الصحابة بأحاديث مختلفة، ففيها صحيح، وحسن، وضعيف، ومتروك، وكلها بدون زيادة ((وبركاته)) إلّا في رواية وائل هذه، ورواية عن ابن مسعود عند ابن ماجه، وعند ابن حبّان، ومع صحّة رَظ ◌ُله كما قال المصنف - يعني الحافظ ابن حجر - يتعيّن إسناد حديث وائل قبول زيادته؛ إذ هي زيادة عدل، وعدم ذكرها في رواية غيره ليس رواية لعدمها. انتهى كلام الصنعاني تَخُّْ، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في هذه المسألة أن زيادة ((وبركاته)) ثابتة في التسليم من الصلاة من الجانبين، فمَن قَبِلَ زيادتها في التسليمة الأولى، فليقبلها في الثانية ٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة أيضاً؛ لثبوتها فيها بما ثبتت به الأولى، ولا يؤثّر على ذلك عدم وجودها في بعض النسخ؛ لما قدّمنا أن ذلك من تصرف النُّسّاخ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ثم إن زيادة ((وبركاته)) إنما يستحبّ في بعض الأوقات، فلا ينبغي التزامها في جميع الصلوات؛ لأن أكثر من نقل صفة صلاة رسول الله وَلا لم يذكرها، فلو كان ◌َّ التزمها لما أهملوها، فدلّ على أنه كان يزيدها في بعض الأوقات، فحفظها بعض الصحابة، ولم يعمل بها في معظم الأوقات، فلم يحفظها الأكثرون، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ شُعْبَةُ: رَفَعَهُ مَرَّةً، أَنَّ أَمِيراً، أَوْ رَجُلاً سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَنَّى عَلِقَهَا؟). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة، ثقةٌ حافظ فقيهٌ مجتهد، رأس الطبقة [١٠] (ت٢٤١) عن (٧٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٠/ ٤٢٧. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: رَفَعَهُ مَرَّةً) أي رفع الحكم هذا الحديث إلى النبيّ وَّل مرّة، وفي رواية الإمام أحمد في ((مسنده)): ((قال: سمعته مرّةً رفعه، ثم تر که ... )). وقوله: (أَنَّ أَمِيراً، أَوْ رَجُلاً) ((أو)) للشكّ من الراوي. وقوله: (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَنَّى عَلِقَهَا؟) أي قال عبد الله بن مسعود ظُه في حقّ ذلك الرجل: من أين تعلّم هذه السنّة، وممن أخذها؟ وهي تسليمه مرّتين يميناً وشمالاً، فكأنه تعجّب من معرفة ذلك الرجل بسنّة التسليم من الصلاة. وقوله: (أَنَّى عَلِقَهَا؟) أي قال عبد الله. ٩٧ (٢٢) - بَابُ السَّلَامِ لِلَّخَلُّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّتِهِ - حديث رقم (١٣١٨) [تنبيه]: رواية أحمد بن حنبل تََّتُ هذه ساقها الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال : (٤٢٢٧) حدّثنا يحيى، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن أبي مَعْمَر، عن عبد الله، قال: سمعته مرّةً رفعه، ثم تركه، رأى أميراً أو رجلاً، سَلَّم تسليمتين، فقال: أنى عَلِقَها؟. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣١٨] (٥٨٢) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللهِّهِ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، حَتَّى أَرَى بَیَاضَ خَدِّهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ مجتهد [١٠] (ت٢٣٨) عن (٧٢) سنةً (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٢ - (أَبُو عَامِرِ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عَمْرو الْقَيْسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَر) بن عبد الرحمن بن الْمِسْوَر بن مَخْرَمة - بسكون المعجمة، وفتح الراء المخفّفة - ابن نَوْفَل بن أَهيب بن عبد مناف الزُّهريّ الْمَخْرَمِيُّ، أبو محمد المدنيّ، ليس به بأس [٨]. رَوَى عن إسماعيل بن محمد بن سعد، وسعد بن إبراهيم، وعثمان بن محمد بن الأخنس، وغیرهم. وَرَوَى عنه إبراهيم بن سعد، وبشر بن عُمر، وإسحاق بن جعفر، وأبو عامر الْعَقَديّ، وغيرهم. قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس به بأس صدوق، وليس بثبت. وقال أبو زرعة: هو أحبّ إليّ ٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة من يزيد بن عبد الملك النوفليّ. وقال حنبل عن أحمد: ثقة ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: رأيت أحمد وابن معين يتناظران في ابن أبي ذئب والْمَخْرَمي، فقدّم أحمد المَخْرَميّ، فقال له يحيى: المَخْرَميّ شيخ، وليس عنده من الحديث بعض ما عند ابن أبي ذئب، وقدّمه على المخرميّ تقديماً متفاوتاً، قال يعقوب: فقلت لابن المديني بعد ذلك: أيهما أحبّ إليك؟ قال: ابن أبي ذئب، وهو صاحب حديث، وأَيْش عند المخرميّ؟ والمخرميّ ثقة، وقال ابن خراش: صدوق. وقال بكّار بن قُتيبة: ثنا أبو المطرّف، ثنا المخرمي، ثقة. وقال البَرْقيّ: ثبت. وقال الترمذيّ: مدني ثقة عند أهل الحديث، وقال في ((العلل)) عن محمد بن إسماعيل: صدوق ثقة. وقال النسائيّ: عبد الله بن جعفر هذا ليس به بأس، وعبد الله بن جعفر بن نَجِيح والد عليّ ابن المدينيّ متروك الحديث، وقال الحاكم: ثقة مأمون، وليس بابن جعفر المسكوت عنه - يعني المدائني الضعيف - وقال ابن حبّان: كان كثير الوهم، فاستحقّ الترك، كذا قال، وكأنه أراد غيره، فالتبس عليه. وقال ابن سعد: كان من أكثر رجال أهل المدينة علماً بالمغازي، والفتوى، ولم يزل يُؤمّل فيه أن يلي القضاء حتى مات، ولم يَلِهِ، قال محمد بن عمر: قال ابن أبي الزناد: لا أحسبه أقعده عن ذلك إلا خروجه مع محمد بن عبد الله بن حسن، قال: ومات بالمدينة سنة (١٧٠) وكان له يوم مات بضع وسبعون سنة، وكذا أرّخه يعقوب بن شيبة. عَلَّق عنه البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٥٨٢) و(٩٦٦) و(١٣٦٤) و(١٦٨٤) و(١٧١٨). ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّد) بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت١٣٤) (خ م ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٨٨/٧٢. ٥ - (عَامِرُ بْنُ سَعْد) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقة [٣] (ت١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٦ - (أَبُوهُ) ابن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب الزُّهريّ، الصحابيّ المشهور، مات رَظُه سنة (٥٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧١. ٩٩ (٢٢) - بَابُ السَّلَامِ لِلنَّحَلُّلِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَيْفِيَّتِهِ - حديث رقم (١٣١٨) لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتْهُ. ٢ - (ومنها): أن فيه روايةً تابعيّ، عن تابعيّ: إسماعيل عن عامر. ٣ - (ومنها): أن صحابيه أحد العشرة المبشرين بالجنة ﴿ه، وآخر من مات منهم، وأول من رَمَى بسهم في سبيل الله، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص ◌َظُه أنه (قَالَ: كُنْتُ أَرَى) بفتح الهمزة، مبنيّاً للفاعل: أي أُبصِر (رَسُولَ اللهِ وَِّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ) قال الطيبيّ تَخَّتُهُ: أي مُجاوزاً نظره عن يمينه، كما يُسلّم أحد على من في يمينه (وَعَنْ يَسَارِهِ) فيه مشروعيّة أن يكون التسليم إلى جهة اليمين، ثمّ إلى جهة اليسار (حَتَّى أَرَى) بالبناء للفاعل أيضاً (بَيَاضَ خَدِّهِ) بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الدال المهملة، جمعه خُدُودٌ، كفلس وفلُوس: وهو من الْمَحْجِرِ إلى اللَّخي من الجانبين، قاله في (المصباح)) (١). وقال في ((القاموس)): الْخَدّتان، والْخُدّتان بالضمّ: ما جاوز مُؤَخَّرَ العينين إلى مُنتهى الشِّدْق، أو اللذان يَكتنِفَان الأنف عن يمين وشمال، أو من لدن الْمَحْجَرِ إلى اللَّحْي، مذَكَّر. انتهى(٢). وقال الأبهريّ: معنى ((بياض خدّه: أي وَجْنته الخاليةُ عن الشعر، وكان مُشْرَباً بالحمرة. انتهى. والمعنى حتى أرى بياض خدّه الأيمن في الأولى، والأيسر في الثانية، وفيه دليل على المبالغة في الالتفات إلى جهة اليمين، وإلى جهة اليسار. وقال القاري في ((شرح المشكاة)): قوله: («بياض خدّه)): أي صفحة وجهه، وهو كذا بصيغة الإفراد في النسخ المصحّحة، وجعل ابن حجر - يعني الهيتمي - ((خدّيه)) بصيغة التثنية أصلاً، ثم قال: وفي نسخة: ((خدّه))، ولا تخالف بينهما؛ لأن معنى الأول: ((حتى أرى بياض خدّه الأيمن في الأولى، (١) ((المصباح المنير)) ١٦٥/١. (٢) ((القاموس المحيط)) ٢٩٠/١. ١٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة والأيسر في الثانية))، بدليل حديث ابن مسعود ظه: ((أن رسول الله وَ ل كان يُسلّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يُرى بياض خدّه الأيمن، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله: حتى يُرى بياض خدّه الأيسر))(١). انتهى(٢). قال النوويّ كَّلُهُ: فيه دلالة لمذهب الشافعيّ، والجمهور من السلف والخلف أنه يُسَنّ تسليمتان، وقال مالك، وطائفة: إنما تسنّ تسليمة واحدة، وتعلّقوا بأحاديث ضعيفة، لا تقاوم هذه الأحاديث الصحيحة، ولو ثبت شيء منها حُمِل على أنه فعل ذلك لبيان جواز الاقتصار على تسليمة واحدة. وأجمع العلماء الذين يُعتدّ بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة، فإن سَلّم واحدةً استُحِبّ له أن يسلّمها تلقاء وجهه، وإن سلّم تسليمتين جَعَل الأولى عن يمينه، والثانية عن يساره، ويلتفت في كلّ تسليمة حتى يَرَى مَن عن جانبه خدّه، هذا هو الصحيح، وقال بعض أصحابنا: حتى يَرَى خدَّه مَن عن جانبه، ولو سلّم التسليمتين عن يمينه، أو عن يساره، أو تلقاء وجهه، أو الأولى عن يساره، والثانية عن يمينه صحّت صلاته، وحصلت التسليمتان، ولكن فاتته الفضيلة في کیفیتهما. انتهى. وقد تقدّم تحقيق الخلاف بين العلماء في حكم التسليمتين، وأدلتهم في مسائل الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص ◌ُه هذا من أفراد المصنّف تَخْدَتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣١٨/٢٢] (٥٨٢)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (١٣١٦ و١٣١٧) و((الكبرى)) (١٢٣٩ و١٢٤٠)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في («مسنده)) (٣٦٩١)، و((الترمذيّ)) رقم (٢٧٢)، و((النسائيّ)) رقم (١٣٢٥). (٢) ((المرقاة)) ٢٨/٣ - ٢٩.