النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ (٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠٠) والثاني يخالفه سياق ابن مسعود، حيث زاد فيه أن الذي استثناه منهم أخذ كفّاً مِن حصى فوضع جبهته عليه، فإن ذلك ظاهر في القصد، والثالث أبعد؛ إذ المسلمون حينئذ هم الذين كانوا خائفين من المشركين لا العكس. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رضيته هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٠٠/٢٠] (٥٧٦)، و(البخاريّ) في ((سجود القرآن)) (١٠٦٧ و١٠٧٠) و((مناقب الأنصار)) (٣٨٥٣) و((التفسير)) (٣٨٦٣) و((المغازي)) (٣٩٧٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٤٠٦)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) (١٦٠/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٨٨/١ و٤٠١ و٤٣٧ و٤٤٣ و٤٦٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٤٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٥٥٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٦٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩٥٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٧٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة السجود في تلاوة القرآن. ٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة السجود أيضاً لسامع القرآن، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): أن فيه الردّ على من قال: إن المفصّل لا سجود فيه للتلاوة، وعلى من قال: إن ((النجم)) لا سجود فيها، وردّ أيضاً لقول ابن القصّار تَخْدَثُ إن الأمر بالسجود في ((النجم)) ينصرف إلى الصلاة، لا إلى سجود التلاوة؛ لأن هذا الحديث صريحٌ في كونه ◌َ ﴿ سجد هو ومن معه؛ لأجل (١) ((الفتح)) ٨/ ٤٨١. ٢١ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة تلاوته، كما يؤيّده سجود المشركين معه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في سجود التلاوة في ﴿النَّجْمُ﴾ وغيرها من «المفصّل)»: قال الإمام ابن المنذر تَّهُ: اختلفوا في السجود في ((النجم))، فكان عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وابن عمر يسجدون في ((النجم))، وسئل علي بن أبي طالب نظُّله عن عزائم السجود، فذكر ((النجم)) . وممن رأى السجود في ((النجم)) سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذهب طائفة إلى أنه ليس في ((المفصّل)) سجود، وممن رُوي عنه أنه قال ذلك: ابن عباس، وأَبيّ بن كعب، والحسن البصري، وسعيد بن المسيِّب، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وطاوس، ومالك، قال ابن المنذر تَّتُهُ: ثبتت الأخبار عن رسول الله وسلم أنه سجد في المفصَّل في غير سورة منه، وبذلك نقول. انتهى كلام ابن المنذر وَّتُهُ باختصار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر تَخَّتُهُ هو الحقّ عندي؛ الأحاديث الصحيحة التي ثبت أنه وَّ سجد فيها. وقال النوويّ تَخْذَلُهُ: احتج بهذا الحديث مالك، ومن وافقه، في أنه لا سجود في المفصّل، وأن سجدة ((النجم))، و((إذا السماء انشقت))، و((اقرأ باسم ربك)) منسوخات بهذا الحديث - يعني زيد بن ثابت ظ له الآتي بعد هذا - وبحديث ابن عباس ظًا: ((أن النبيّ وَّ لم يسجد في شيء من المفضَّل منذ تحوّل إلى المدينة))، وهذا مذهب ضعيف، فقد ثبت حديث أبي هريرة ◌ُه، أنه قال: سجدنا مع النبيّ وَّ﴿ في ((إذا السماء انشقت))، و((اقرأ باسم ربك)). رواه مسلم، وقد أجمع العلماء على أن إسلام أبي هريرة رظُه كان سنة سبع من الهجرة، فدلّ على السجود في المفصل بعد الهجرة، وأما حديث ابن عباس رضيًّا فضعيف الإسناد، لا يصح الاحتجاج به، وأما حديث زيد لـ ٢٣ (٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠٠) فمحمول على بيان جواز ترك السجود، وأنه سنة ليس بواجب، ويُحتَاج إلى هذا التأويل، للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة نظُه، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَّتُهُ (١)، وهو كلام نفيسٌ. وقال الحافظ تَّتُهُ عند قول الإمام البخاريّ تَظّتُهُ: ((باب من قرأ السجدة، ولم يسجد)) ما حاصله: يشير بذلك إلى الردّ على من احتج بحديث الباب على أن المفضَّل لا سجود فيه كالمالكيّة، أو أن ((النجم)) بخصوصها لا سجود فيها، كأبي ثور؛ لأن ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدلّ على تركه مطلقاً، لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك، إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت كان وقت كراهة، أو لكون القارئ لم يسجد، أو ترك حينئذ لبيان الجواز، وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعيّ؛ لأنه لو كان واجباً لأمره بالسجود، ولو بعد ذلك. وأما ما رواه أبو داود وغيره من طريق مَطَرِ الْوَرَّاق، عن عكرمة، عن ابن عباس ظًّا ((أن النبيّ ◌َّي لم يسجد في شيء من ((المفصل)) منذ تحول إلى المدينة))، فقد ضعَّفه أهل العلم بالحديث؛ لضعفٍ في بعض رواته، واختلاف في إسناده، وعلى تقدير ثبوته فرواية من أثبت ذلك أرجح؛ إذ المثبت مقدَّم على النافي، فسيأتي في حديث أبي هريرة ◌َظُه ثبوت السجود في ﴿إِذَا السَّمَآءُ (٣)﴾ [الانشقاق: ١]. أُنشَقَتْ ورَوَى البزار، والدارقطني، من طريق هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة نظرُله ((أن النبيّ ◌ُّله سجد في سورة النجم، وسجدنا معه)). والحديث رجاله ثقات. وروى ابن مردويه في ((التفسير)) بإسناد حسن عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه رأى أبا هريرة رَظُله سجد في خاتمة ((النجم))، فسأله، فقال: إنه رأى رسول الله ولله يسجد فيها، وأبو هريرة رضيُه إنما أسلم بالمدينة. (١) ((شرح النووي)) ٧٦/٥ - ٧٧. ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ورَوَى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد، عن عمر بأنه ﴾ [الانشقاق: ١]. ومن طريق نافع، عن ابن سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ عمر ها، أنه سجد فيها . وفي هذا ردّ على من زعم أن عمل أهل المدينة استمرّ على ترك السجود في ((المفصل)). ويَحْتَمِل أن يكون المنفيّ المواظبة على ذلك؛ لأن ((المفصَّل)) تكثر قراءته في الصلاة، فتُرِك السجود فيه كثيراً، لئلا تختلط الصلاة على من لم يفقه، أشار إلى هذه العلة مالك في قوله بترك السجود في ((المفضَّل)) أصلاً. وقال ابن القصار: الأمر بالسجود في ﴿وَالنَّجْرِ﴾ ينصرف إلى الصلاة. وردّ بفعل النبيّ ◌َ ﴿ كما تقدم قبلُ. وزعم بعضهم أن عمل أهل المدينة استمرّ بعد النبيّ ◌َ﴿ على ترك السجود فيها . وفيه نظر؛ لما رواه الطبري بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمر رَّه أنه قرأ ((النجم)) في الصلاة، فسجد فيها، ثم قام، فقرأ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]، ومن طريق إسحاق بن سُويد، عن نافع، عن ابن عمر ظ﴾ أنه سجد في ((النجم)). انتهى حاصل كلام الحافظ تَّتُهُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيَّن مما سبق من الأدلة الصحيحة أن المذهب الصحيح هو مذهب الجمهور، وهو مشروعية السجود في ((المفصل))، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٠١] (٥٧٧) - (حَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٢٥ (٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: لَا قِرَاءَةَ مَعَ الْإِمَامِ فِي شَيْءٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ: ﴿وَالنَّجْرِ إِذَا مَوَى (﴾﴾، فَلَمْ يَسْجُدْ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، أبو زكريّا، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٤ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّقيّ، أبو إسحاق المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٦ - (يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ) هو: يزيد بن عبد الله بن خُصَيفة بن عبد الله بن يزيد الكنديّ، نُسِب لجدّه، ثقةٌ [٥] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٠٣/٣١. ٧ - (ابْنُ قُسَيْطٍ) هو: يزيد بن عبد الله بن قُسيط - بقاف ومهملتين، مصغَّراً - ابن أُسامة بن عُمَير الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ الأعرج، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن ابن عمر، وأبي هريرة، وابن المسيب، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وداود بن عامر بن سعيد، وأبي الحسن مولى بني نوفل، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعُبيد بن جُريج، ومحمد بن أسامة بن زيد، ومحمد بن شُرَحبيل العبديّ، وعطاء بن يسار، وغيرهم. ورَوَى عنه ابناه: عبدُ الله والقاسم، ويزيد بن عبد الله بن خُصيفة ومالك، ٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وأبو صخر حميد بن زياد، وعمرو بن الحارث، وابن إسحاق، وابن أبي ذئب، والوليد بن كثير، والليث بن سعد، وآخرون. قال ابن معين: ليس به بأسٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن عديّ: مشهور عندهم، وهو صالح الروايات، وقال إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق: حدّثني يزيد بن عبد الله بن قُسيط، وكان فقيهاً ثقةً، وكان ممن يُستعان به في الأعمال لأمانته وفقهه. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: صالحٌ، قال أبو حاتم: قال عبد الرزاق: قلت لمالك: ما لَكَ لا تحدّثني بحديث ابن المسيِّب عن عمر وعثمان في المعاطاة؟، قال: العمل عندنا على خلافه، والرجل ليس هناك، يعني يزيد بن عبد الله بن قُسيط، وقال أبو حاتم: ليس بالقويّ؛ لأن مالكاً لم یرضه . وتَعَقّب ابن عبد البر في ((الاستذكار)) كلام أبي حاتم بأن قول عبد الرزاق: إن مراد مالك بقوله: والرجل ليس هناك، يعني به يزيد بن قُسيط غلط من عبد الرزاق؛ لظنه أن مالكاً سمعه منه، وإنما سمعه مالك عنه بواسطة رجل لم يُسَمِّه، كما رواه الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك، عمن حدّثه عن يزيد بن عبد الله بن قُسيط، قال: فإنما أراد مالك الرجل الذي كتم اسمه. قال الحافظ: لكن ليس في رواية عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن مالك، أن بينه وبين ابن قسيط آخر، وهذا يستلزم أن يكون مالك، إنما دَلَّس، قال ابن عبد البرّ: ويزيد قد احتَجَّ به مالك في مواضع من ((الموطأ))، وهو ثقةٌ من الثقات. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ربما أخطأ . قال ابن سعد: مات سنة اثنتين وعشرين ومائة، وكان ثقةً كثير الحديث، وذكر ابن حسان الزياديّ أنه بلغ تسعين سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٥٧٧) و(٩٤٥) و(١١٨٧) و(١٩٦٧) و(٢٨١٥) و(٢٨٢٠) و(٢٩٧٤). ٨ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولى ميمونة، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٢٧ (٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠١) ٩ - (زَيْدُ بْنُ ثَابِت) بن الضحّاك الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابيّ الشهير بظل اله، مات سنة (٥ أو ٤٨) وقيل: بعد الخمسين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٩٣/٢٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف نَّثُ، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بینهم. ٢ - (ومنها): أن قوله: ((قال يحيى بن يحيى: أخبرنا))، وقال الآخرون: (حدّثنا إسماعيل بن جعفر)) فيه إشارة إلى اختلاف صيغتي الأداء؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل، فلما كان يحيى سمع من إسماعيل بقراءة غيره عليه، قال: ((أخبرنا))، ولما كان الآخرون سمعوا من لفظه، قالوا: ((حدّثنا))، فقوله: ((إسماعيل بن جعفر)) تنازعه الفعلان قبله، فتنبّه لهذه الدقائق. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه الأربعة. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: يزيد بن خُصيفة، عن ابن قُسيط، عن عطاء بن يسار. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه رَظُله من مشاهير الصحابة ﴿ه، كان كاتب الوحي، وكان من الراسخين في العلم، وأعلم الناس بالفرائض، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) الضمير المنصوب الأول لعطاء، والثاني لابن قُسيط، أي أن عطاء بن يسار أخبر يزيد بن عبد الله بن قُسيط (أَنَّهُ) أي عطاء، وفيه التفاتٌ؛ إذ الظاهر أن يقول: ((أني (عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ الْإِمَام؟) أي عن حكم سألت إلخ)) (سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ) ، (لَا قِرَاءَةَ مَعَ الِإِمَّامِ فِي شَيْءٍ) أي قِفْه قراء المأموم خلف إمامه (فَقَالَ) زید من الصلوات، يعني أنه لا يُشرع للمأموم أن يقرأ خلف إمامه، وهذا مذهب زيد وطائفة، وقد خالفهم كثير من الصحابة فمن بعدهم، فأوجبوا على المأموم قراءة الفاتحة؛ تبعاً للنصوص الصحيحة الصريحة التي توجب قراءتها ٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة خلف الإمام، فإنها مقدّمة على رأي هؤلاء الذي لا يَعتَمِد على نصّ صحيح مرفوع، فتفطّن. قال النوويّ تَخْتُ: أما قوله: ((لا قراءة مع الإمام في شيء))، فيستدل به أبو حنيفة وغيره ممن يقول: لا قراءة على المأموم في الصلاة، سواء كانت سرّيةً، أو جهرية، ومذهبنا أن قراءة الفاتحة واجبة على المأموم في الصلاة السرية، وكذا في الجهرية على أصح القولين، والجواب عن قول زيد هذا من و جھین : أحدهما: أنه قد ثبت قول رسول الله وَل : ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن))، وقوله وَله: ((إذا كنتم خلفي فلا تقرءوا إلا بأم القرآن))، وغير ذلك من الأحاديث، وهي مقدَّمة على قول زيد وغيره. والثاني: أن قول زيد محمول على قراءة السورة التي بعد الفاتحة في الصلاة الجهرية، فإن المأموم لا يشرع له قراءتها، وهذا التأويل متعين؛ لِيُحْمَل قوله على موافقة الأحاديث الصحيحة، ويؤيد هذا أنه يُسْتَحبّ عندنا، وعند جماعة للإمام أن يسكت في الجهرية بعد الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، وجاء فيه حديث حسن في سنن أبي داود وغيره، فيقرأ المأموم الفاتحة في تلك السكتة، فلا يحصل قراءته مع قراءة الإمام، بل في سكتته. انتهى كلام النوويّ رشُ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد قدّمنا البحث في هذه المسألة مُستوفىّ في أبواب القراءة، وأن الراجح قول من أوجب الفاتحة على المصلّي مطلقاً إماماً كان، أو مأموماً، أو منفرداً؛ لقوله وقالفيه: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))، متّفقٌ عليه، وقوله: ((لعلّكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها))، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود، وغيرهما، وهذا هو مذهب كبار الصحابة وهو مذهب الإمام البخاريّ، فقد قال في ((صحيحه)): ((باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلّها، في الحضر، والسفر، وما يُجهَر فيها، وما يُخافت)). انتهى. فإن أردت الاستفادة والتحقيق، فارجع إلى ما أسلفته هناك، وبالله تعالى التوفيق. ٢٩ (٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠١) (وَزَعَمَ) من باب قتل، وفي الزعم ثلاث لغات: فتح الزاي للحجاز، وضمها لأسد، وكسرها لبعض قيس، قاله في ((المصباح)). قال النوويّ تَخُّْهُ: المراد بالزعم هنا القول المحقَّق، والزعم يُطلَق على القول المحقّق، والكذب، وعلى المشكوك فيه، ويُنَزَّلُ في كل موضع على ما يليق به. انتهى كلام النووي بتغيير يسير(١). وقال ابن منظور كَّتُهُ ما حاصله: الزعم مثلث: الأول: القول، وقيل: هو القول يكون حقّاً، ويكون باطلاً، وقيل: الزعم الظنّ، وقيل: الكذب، وقال ابن بَرّيّ: الزعم يأتي في كلام العرب على أربعة أوجه: ١ - يكون بمعنى الكفالة والضمان، كقول عمر بن أبي ربيعة [من الرمل]: قُلْتُ: كَفّي لَكِ رَهْنٌ بِالرّضَا وَازْعُمِي يَا هِنْدُ قَالَتْ: قَدْ وَجَبْ ٢ - ويكون بمعنى الوعد، كقول عَمْرو بن شَأْس [من الطويل]: تَقُولُ: هَلَكْنا إِنْ هَلَكْتَ وإِنَّمَا عَلَى الله أرْزَاقُ الْعِبَادِ كَمَا زَعَمْ وقال الهرويّ: زَعَمَ هنا بمعنى أخبر، ويجوز أن يقال: إن زعم بمعنى ضَمِنَ، ومنه الحديث: ((الزعيم غارِم))(٢) (٣). ٣ - ويكون بمعنى القول والذِّكْر، كقول أبي زُبَيدِ الطائيّ [من البسيط]: يَا لَهْفَ نَفْسِيَ إِنْ كَانَ الَّذِي زَعَمُوا حَقّاً وَمَاذَا يَرُدُّ الْقَوْمَ تَلْهِيفِي ٤ - ويكون بمعنى الظن، كقول عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة بن مسعود [من الطويل]: فَذُقْ هَجْرَهَا قَدْ كُنْتَ تَزْعُمُ أنَّهُ رَشَادٌ أَلَا يَا رُبَّمَا كَذَبَ الزَّعْمُ قال: فهذا البيت لا يَحْتَمِل سوى الظنّ، وبيت عمر بن أبي ربيعة لا يَحْتَمِل سوى الضمان، وبيت أبي زُبَيد لا يحتمل سوى القول، وما سوى ذلك (١) ((شرح النوويّ)) ٧٦/٥. (٢) حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن غير النسائيّ، بإسناد صحيح، وفيه إسماعيل بن عيّاش، لكنه من روايته عن أهل بلده، وهو صحيح الحدیث عنهم، فتنبه. (٣) ذكر قول الهرويّ في ((المفهم)) ١٩٩/٢. ٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة على ما فُسِّرَ. انتهى كلام ابن منظور باختصار، وزيادة(١). (أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَار) بفتح همزة ((أن))؛ لوقوعها موقع المصدر، لأنها مفعول ((زَعَمَ))، كما قال في ((الخلاصة)) : وَهَمْزَ إنَّ افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرٍ مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكُسرٍ (﴿وَالنَّجْرِ إِذَا هَوَى ﴾﴾ [النجم: ١]) مفعول ((قرأ)) مَحْكيّ، أي قرأت ((سورة النجم)) (فَلَمْ يَسْجُدْ) أي لم يسجد النبيّ وَّ تلك السجدة. واستنبط بعضهم من هذا الحديث أن القارئ إذا تلا على الشيخ لا يُندَب له سجود التلاوة ما لم يسجُد الشيخ، أدباً مع الشيخ. وتُعُقّب بأنه لا يلزم من تركه عدم ندبيّته، وإنما يستفاد منه أنه تركه لبيان الجواز، وقد سبق تحقيق هذا في المسألة الرابعة من الحديث الماضي، فتنبّه. وقال القرطبيّ: وهذا الحديث يدلّ على أن قوله تعالى في ((سورة [النجم: ٦٢] لا يراد منه سجود التلاوة؛ إذ النجم)): ﴿فَأَعْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُواهُ (® لو كان له لَمَا تركه النبيّ وَّرَ، ولذا قال مالك: إنها ليست من العزائم. قال الجامع عفا الله عنه: قول القرطبيّ هذا متعقَّبٌ بمثل ما قبله، فيقال: إن ترك النبيّ وَّ السجود فيه إنما يدلّ على الجواز، لا على عدم المشروعيّة؛ لأنه قد ثبت أنه رَ له سجد فيه، فتبصّر. قال: وحديث أبي هريرة رظُله في سجود النبيّ وَّ في ((الانشقاق)) و((اقرأ)) حجة لابن وهب، ومن قال بقوله، وقد قدّمنا أن ذلك كان من فعله متقدّماً، وأن العمل استقرّ على ترك ذلك، ويصحّ الجمع بين الأحاديث المختلفة في سجدات المفضَّل بما قد رُوي عن مالك أنه خَيَّر فيها. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجواب الأخير هو المعتمد، وأما قوله: ((وأن العمل استقرّ على ترك ذلك)) فدعوى عاطلة، لا بيّنة عليها. بَيِّنَاتٍ أَبْنَاؤُهَا أَدْعِيَاءُ وَالدَّعَاوِي إِنْ لَمْ تُقِيمُوا عَلَيْهَا وسيأتي أنه قد ثبت العمل منه رَّة، والخلفاء الراشدين كما قاله الحافظ (١) ((لسان العرب)) ٢٦٤/١٢ - ٢٦٥ بزيادة من ((المفهم)) ١٩٩/٢. ٣١ (٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠٢) ابن عبد البرّ تَخُّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حدیث زید بن ثابت (المسألة الثانية): في تخريجه: هذا متفق عليه . أخرجه (المصنّف) هنا [١٣٠١/٢٠] (٥٧٧)، و(البخاريّ) في ((سجود القرآن)) (١٠٧٢ و١٠٧٣)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٤٠٤ و١٤٠٥)، و(الترمذيّ) فيها (٥٧٦)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) (٩٦٠) وفي ((الكبرى)) (١٠٣٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٣/٥ و١٨٦)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٢٥١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٤٨٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٥٦٦ و٥٦٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٦٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩٥١ و١٩٥٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٧٤)، و(الدارقطنيّ) في (سننه)) (٤٠٩/١ و٤١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٤٤/٢ و٣٧/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٧٦٩)، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): اتَّفَق ابن أبي ذئب، ويزيد بن خُصيفة في هذا الإسناد على ابن قُسَيط، وخالفهما أبو صَخْر، فرواه عن ابن قُسيط، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، أخرجه أبو داود، والطبرانيّ، فإن كان محفوظاً حُمِل على أنَّ لابنِ قُسَيط فيه شيخين . وزاد أبو صَخْر في روايته: ((وصليت خلف عمر بن عبد العزيز، وأبي بكر بن حزم، فلم يسجدا فيها)). انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣٠٢] (٥٧٨) - (حَدَّثَنَا(٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، (١) ((الفتح)) ٢/ ٦٤٧. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا). ٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَرَأَ لَهُمْ ﴿إِذَا اُلسَّمَةُ أَنْشَقَّتْ (﴾﴾، فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ سَجَدَ فِيهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) تقدّم في السند الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ) ويقال: مولى الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ المدنيّ المقرئ الأعور، أبو عبد الرحمن، ثقة من [٦]. رَوَى عن زيد بن أبي عياش، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير. ورَوَى عنه يحيى بن أبي كثير، ومالك، وإسماعيل بن أمية، وصفوان بن سليم، وأسامة بن ليث الرَّبَذِيُّ، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه؟ فقال: ثقة، فقيل له: حجة؟ قال: إذا روى عنه مالك، ويحيى بن أبي كثير، وأسامة، فهو حجة، وقال العجلي: مدني ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). وقال ابن الأثير في تاريخه: مات سنة (١٤٨). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثاً. ٤ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري، المدني، ثقة مكثر فقيه، من [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣. تقدم فى ((المقدمة)) ٤/٢. مضى ٥ - (أبو هريرة) لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف نَخْلُهُ، وفيه التحديث، والقراءة، والعنعنة. ٣٣ (٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠٢) ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة بن عبد الرحمن مشهور بكنيته، لا اسم له غيرها، على الصحيح، وقيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وهو أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قَرَأَ لَهُمْ) وفي رواية (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) النسائيّ: ((قرأ بهم)) (﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ ﴾﴾) يعني أنه صلى بهم صلاةً قرأ فيها بهذه السورة (فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي سلم من تلك الصلاة (أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ سَجَدَ فِيهَا) وفي رواية البخاريّ من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، قال: ((رأيت أبا هريرة ◌َ﴿به قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ الشَقَّتْ ﴾﴾ [الانشقاق: ١]، فسجد بها، فقلت: يا أبا هريرة، ألم أَرَكَ تسجد؟ قال: لو لم أر النبيّ وَّل یسجد لم أسجد». وفي رواية له من طريق بكر بن عبد الله المزنيّ، عن أبي رافع، قال: ((صلّيت خلف أبي هريرة ﴿به العَتَمَةَ، فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ أُنشَقَّتْ ﴾﴾ [الانشقاق: ١]، فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم بَّ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه)). وقول أبي سلمة: ((ألم أرك تسجد؟))، قيل: هو استفهام إنكار من أبي سلمة يُشْعِر بأن العمل استمَرّ على خلاف ذلك؛ ولذلك أنكره أبو رافع. قال الحافظ تَخْذَلُهُ: وفيه نظرٌ، وعلى التّنَزُّل، فيمكن أن يَتَمَسَّك به من لا يَرَى السجود في الصلاة، أما تركها مطلقاً، فلا. ويدل على بطلان المدَّعَى أن أبا سلمة، وأبا رافع لم يُنازعا أبا هريرة رضيبه بعد أن أعلمهما بالسنّة في هذه المسألة، ولا احتجًا عليه بأن العمل على خلاف ذلك. ٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رَُّ: وأيُّ عَمَلٍ يُدَّعَى مع مخالفة النبيّ ◌َّ، والخلفاء الراشدين بعده؟. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما أجود كلام الحافظ ابن عبد البرّ تَخْتُهُ، فقد خالف مذهبه المالكيّ في ثبوت سجود التلاوة في المفصَّل؛ لمعارضته النصوص الصحيحة، وهكذا ينبغي لمقلّدي المذاهب أن يكونوا مثله، فيقولوا إذا خالف مذهبهم النصّ الصحيح: وأيُّ قول يُدَّعى مع ثبوت النصّ الصحيح؟، وهذا هو مقتضى الإيمان الصادق، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآية، وقال النبيّ وَلّ: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده، والناس أجمعين))، متّفقٌ عليه. وأخرج البخاريّ في ((صحيحه)) عن عبد الله بن هشام، قال: كنّا مع النبيّ وَلّ، وهو آخذٌ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحبُّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبيّ وَّ: ((لا والذي نفسي بيده حتى أكونَ أحب إليك من نفسك))، فقال له عمر: فإنه الآن، والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبيّ وَّ: ((الآن يا عمر)). ورُوي عنه وَ لو أنه قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به))، حسّنه النوويّ، وأعلّه ابن رجب، لكن يشهد له ما قبله. والحاصل أن الواجب على المسلم إذا خالف مذهبه الحديث الصحيح، أن يتركه، ويعمل بما صحّ من النصّ، ويَعتَذِر عن إمامه بأنه لم يَصِل إليه هذا النصّ، أو وصل إليه لكن تأوّله، فتنبّه أيها العاقل؛ فإن هذا الأمر مهمّ جدّاً، وقد وقع في مخالفته كثير ممن يُظنّ فيهم الخير والصلاح، إلا أن الإنسان عُرْضة للخطأ، كما قال الإمام مالك تَُّ: كلٌّ يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ◌َ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿به هذا مُتَّفقٌ عليه. ٣٥ (٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠٣) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا (١٣٠٢/٢٠ و١٣٠٣ و١٣٠٤ و ١٣٠٥ و ١٣٠٦ و١٣٠٧ و١٣٠٨ و١٣٠٩] (٥٧٨)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٧٦٦ و٧٦٨) و((سجود القرآن)) (١٠٧٤ و١٠٧٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (١٤٠٨)، و(النسائيّ) في ((الافتتاح)) (٩٦١ و٩٦٢ و٩٦٣ و٩٦٤ و٩٦٥ و٩٦٦ و٩٦٧ و٩٦٨) وفي ((الكبرى)) (١٠٣٣ و١٠٣٤ و١٠٣٥ و١٠٣٦ و١٠٣٧ و١٠٣٨ و١٠٣٩ و١٠٤٠)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٢٠٥/١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٤٣/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩٥٣ و١٩٥٤ و١٩٥٥ و١٩٥٦ و١٩٥٧ و١٩٥٨ و١٩٥٩ و١٩٦٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٧٥ و١٢٧٦ و١٢٧٧ و١٢٧٨ و١٢٧٩ و١٢٨٠ و١٢٨١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٩٥٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٦١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٧٦٧)، والله وَّ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٣٠٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى (١)، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: (ح) وَحَذَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة : ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء الرازيّ، يلقّب بالصغير، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت بعد ٢٢٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢١. ٢ - (عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مُرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧) وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. (١) وفي نسخة: ((عيسى بن يونس)). ٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ جليلٌ إمامٌ [٧] (١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى) تقدّم قبل حدیثین. ٥ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. ٦ - (هِشَام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٧ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم الياميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (١٣٢) (ع) تقدّم في (شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤. والباقيان ذُكرا في السند الماضي. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) أي الأوزاعيّ وهشام الدستوائيّ. وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة. [تنبيه]: أما رواية هشام الدستوائيّ، فساقها البخاريّ كَّتُهُ، فقال: (١٠٧٤) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، ومعاذ بن فَضَالة قالا: أخبرنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سلمة، قال: رأيت أبا هريرة ظبه قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾، فسجد بها، فقلت: يا أبا هريرة، ألم أَرَكَ تسجد؟ قال: لو لم أر النبي وَل10 یسجد لم أسجد. انتھی. ورواية الأوزاعيّ لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٠٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٣٧ (٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠٥) ﴿﴾، وَ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ رَيِّكَ﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمام حجةٌ، رأس [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٣ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص، أبو موسى المكيّ الأمويّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٥٠/١١. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ مِينَاءَ) - بكسر الميم، والمدّ، ويُقصَر - أبو معاذ المدنيّ، أو البصريّ، صدوقٌ [٣] تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٨/٧٧. والباقيان ◌ُكرا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، . وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٣٠٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، مَوْلَى بَنِي مَخْزُوم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: سَجَّدَ رَسُولُ اللهِ وَهِ فِي ﴿إِذَا الَّءُ اُنْشَقَّتْ ء ٣ وَ﴿ اقْرَأْ بِأَسِ رَيَّكَ﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن مُهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ الإمام الحجّة الثبت الفقيه [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٢. ٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيه، يُرسل [٥] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٤ - (صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْم) الزهريّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مُفتٍ عابدٌ رُمي بالقدر [٤] (ت١٣٢) عن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ مَوْلَى بَنِي مَخْزُوم) هو: عبد الرحمن بن سَعْد، أبو حُميد المدنيّ الْمُفْعَد، مولى بني مخزوم، ثقةً [٣]. رَوَى عن أبي سَرِيحة، حُذيفة بن أسيد الغِفَاريّ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبي هريرة. ورَوَى عنه صفوان بن سُليم، والزهريّ، وابن أبي ذئب، وأبو الأسود يتيم عروة. قال ابن معين: لا أعرفه، وقال أبو داود: روى عنه الزهريّ، وابن أبي ذئب حديثاً غريباً، وقال النسائيّ: ثقةٌ. رَوَى له مسلم حديثاً واحداً في السجود في ﴿إِذَا السَماءُ انْتَقَّتْ ﴾﴾، ووقع عنده عن الأعرج، مولى بني مخزوم، فذكره أبو مسعود الدمشقيّ في ترجمة عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج؛ فوهم لأن ابن هُرْمز مولى بني هاشم، وفَرَّق بينهما الدارقطنيّ، قال الْمِزّيّ: وقد فرَّق غير واحد بين هذا وبين مولى الأسود بن سفيان المذكور قبله، والأسود بن سفيان مخزوميّ، فَيَحْتَمِل أن يكونا واحداً. انتهى. قال الحافظ تَخْتُ: قول الْمِزّيّ: إن أبا مسعود ذكر الحديث في ترجمة عبد الرحمن بن هُرْمُز مع كونه ذكر صفوان بن سُليم هنا في الرواية عن عبد الرحمن بن سَعْد مغاير لما جزم به في ((الأطراف))، فعقد لعبد الرحمن بن سعد الأعرج مولى بني مخزوم، عن أبي هريرة ترجمةً، وذكر فيها حديث السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ ﴾﴾، وهو هذا، فقد ذكر على الصواب هنا، لكنه ذكره في ترجمة عبد الرحمن بن هُرمز من وجه آخر، فعقد لعبيد الله بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي هريرة ترجمةً، وأورد هذا الحديث فيها، وأقرَّه المزيّ، وأقرّه أبو عليّ الجيانيّ بأن الأعرج المذكور هو ابن سعد، لا ابن هرمز، والجيانيّ معذور؛ لأن مسلماً أخرج الحديث من رواية صفوان بن سُليم، فقال: عن عبد الرحمن الأعرج، مولى بني مخزوم، عن أبي هريرة، ثم ٣٩ (٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠٥) ساقه، من طريق عبيد الله بن أبي جعفر، فقال عن عبد الرحمن الأعرج، والظاهر أن الثاني هو الأول. ويؤيده أن الدارقطنيّ جزم في ((العلل)) أن ابن هُرْمُز لم يرو هذا الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً، إنما رواه عن أبي هريرة، عن عمر موقوفاً، والذي رواه عن أبي هريرة، مرفوعاً هو عبد الرحمن بن سعد، والله أعلم، وقال الأزديّ: عبد الرحمن بن سعد فيه نظر. انتهى كلام الحافظ تحدّثُ(١). وقال النوويّ ◌َُّهُ: قال الحميديّ في ((الجمع بين الصحيحين)) في آخر ترجمة أبي هريرة: الأعرجُ الأَوَّل، مولى بني مخزوم، اسمُهُ عبد الرحمن بن سعد الْمُفْعَد، وكنيته أبو حُميد، وذكره البخاريّ في الكنى المجرّدة، وهو قليل الحديث، وأما عبد الرحمن الأعرج الآخر، فهو ابن هُرْمُز، كنيته أبو داود، مولى ربيعة بن الحارث، وهو كثير الحديث، وروى عنه جماعات من الأئمة، قال: وقد أخرج مسلم عنهما جميعاً في سجود القرآن، قال: فرُبَّما أشكل ذلك، قال: فمولى بني مخزوم يَرْوِي ذلك عنه صفوان بن سُليم، وأما ابن هُرْمُز فيروي ذلك عنه عبيد الله بن أبي جعفر، هذا كلام الحميديّ(٢)، قال النوويّ: وهو مَلِيحٌ نَفِيسٌ، وكذا قال الدارقطنيّ: إن الأعرج اثنان، يرويان عن أبي هريرة، أحدهما وهو المشهور، عبد الرحمن بن هرمز، والثاني عبد الرحمن بن سعد مولى بني مخزوم، وهذا هو الصواب، وقال أبو مسعود الدمشقيّ: هما واحدٌ، قال أبو عليّ الغسانيّ الجيانيّ: الصواب قول الدار قطنيّ، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَّتُهُ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: قول النوويّ: وكذا قال الدارقطنيّ إلخ فيه نظرٌ؛ لأنه يوهم أن رأي الدارقطنيّ مثل رأي الحميديّ في حديث الباب، والصواب أن الحميديّ يرى أن الأعرج الأول عند المصنّف هو مولى بني مخزوم، وأما (١) ((تهذيب التهذيب)) ٥١١/٢. (٢) راجع: ((الجمع بين الصحيحين)) ٨٧/٣ وص ٣٢٢. (٣) ((شرح النوويّ)) ٧٧/٥ - ٧٩ بزيادة من ((الجمع بين الصحيحين)) للحميديّ ٨٧/٣ و ٣٢٢. ٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الثاني فهو ابن هُرمُز، فالحديث عند المصنّف عنهما جميعاً، وليس كذلك عند الدارقطنيّ، فإنه وإن كان يرى كون الأعرج اثنين، إلا أن الذي رواه عنه صفوان بن سُلَيم في السند الأول عند المصنّف هو الأعرج الثاني الذي روى عنه عبيد الله بن أبي جعفر، ودونك عبارة الدارقطنيّ في ((العلل)) (٢٢٤/٨ - ٢٢٦) : (١٥٣٤) وسئل عن حديث عبد الرحمن، عن أبي هريرة: ((سجد رسول الله وَل﴿ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ الشَقَّتْ ﴾﴾))، فقال: يرويه الزهريّ، وصفوان بن سُليم، فرواه يزيد بن أبي حبيب وعُمَر بن صُبْح عن صفوان بن سُليم، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، وبيَّن نسبه قُرّةُ بن عبد الرحمن، رواه عن الزهريّ وصفوانَ بنِ سُليم، عن عبد الرحمن بن سَعْد، عن أبي هريرة، ويكنى أبا حُميد، وليس بعبد الرحمن الأعرج، صاحب أبي الزناد؛ لأن ذلك هو عبد الرحمن بن هُرْمز، يكنى أبا داود، وهما أعرجان، وجميعاً يرويان عن أبي هريرة، وأما عبد الرحمن بن هُرْمز، فإنما يروي هذا الحديث عن أبي هريرة، أن عمر سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ ﴾﴾، رَوَى ذلك عنه مالك، ومعمر، ويونس، وغيرهم، عن الزهريّ، حدَّث به عُمَر بن شَبَّة، عن أبي عاصم، عن مالك، عن الزهريّ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن النبيّ وَّ سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ ﴾﴾، ووَهِمَ فيه عُمر بن شَبَّة وَهَماً قبيحاً، والصواب عن مالك ما رواه الثقات عنه، عن الزهريّ، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن عمر سجد. انتهى عبارة الدارقطنيّ كَّتُهُ في ((العلل))(١). وكتب الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ ◌َّثهُ بعد كلام الدارقطنيّ المذكور ما نصّه: وأما أبو مسعود الدمشقيّ، فجعله من حديث عبد الرحمن بن هُرْمُز، صاحب أبي الزناد، وذكره في كتاب ((الأطراف)) في موضعين: في حديث صفوان، وفي حديث عبيد الله بن أبي جعفر، كلاهما عن عبد الرحمن بن هُرْمُز، رَكِبَ طريق الْمَجَرَّةَ (٢)، وقول أبي الحسن أولى بالصواب - إن شاء الله تعالی ۔۔ (١) ((العلل)) ٢٢٤/٨ - ٢٢٦. (٢) كناية عن الطريق المشهور.