النص المفهرس

صفحات 1-20

التُ الخَيَظُ التجاري
0(2)
فِسُشِرُح
جِعُ الإِمَّ مُسْلِمُ الحجاج
لَجَامِعِهِ الْفَقِيُرِ الإِصَوْلَه الغَنِالْقَدِرُ
مُحمّدَابرُ الشَّجُ العُلَّمَ بَلِ ينَ آدَمْ بِمُوسََّ الِأنيُوُبِالوَأْوِيّ
مُخْوَيَدْمِ العِلْمُ بِمَكّة المُكرَّة
عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وعَدُ وَالدِيُّه آمين
المَجَلّدِ الثَّلِثُ مَشْرٌ
كتَابُ المَسَاجِدُ ومَوَاضِعُ الصَّلاة
رقم الأحاديث (١٢٩٨ - ١٤٣٠)
دارابن الجوزي

بشير

الْتَحْرِ الخُطَ التجاري
في شرح
صَحِيُ الأمَّ مُسْلِمُ الحجاج

جِّقُوق الطّبْع محفوظة لِدَارابْنُ الجَوزي
الطَّعَة الأولى
ربيع الآخرْ ١٤٣٠هـ
حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٣٠ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
:
وابن
للنشـ
والتوزيع
دارابن الجوزي
لِلِنَّشرٌّ وَالْتَوزيْع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ -
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - حي الفلاح - مقابل جامعة الإمام - تلفاكس:
٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨ - الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ -
الخبر - ت: ٨٩٩٩٣٥٦ - فاكس: ٨٩٩٩٣٥٧ - بيروت - هاتف: ٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ -
القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠
البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

(٢٠) - بَابُ سُجُودِ التّلاوَة - حديث رقم (١٢٩٨)
براسم الرحمن الرحم
ليلة الاثنين المبارك بعد صلاة المغرب ١٤٢٦/١٠/٢٦ هـ أول الجزء
الثالث عشر من شرح ((صحيح الإمام مسلم)) المسمّى ((البحر المحيط
الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج، رحمه الله تعالى.
(٢٠) - (بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٢٩٨] (٥٧٥) - (حَدَّثَنِي(١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ،
وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ (٢)، قَالَّ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِهِ كَانَ يَقْرَأْ
الْقُرْآنَ، فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ، فَيَسْجُدُ، وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا
مَوْضِعاً لِمَكَانٍ جَبْهَتِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيد) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدَامة السَّرَخْسيّ،
نزيل نيسابور، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة))
٣٩/٦.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثني)).
(٢) وفي نسخة: ((عن يحيى بن سعيد القطّان)).
.

٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزَّمِنُ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمام
النقد [٩] (ت١٩٨) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيهٌ [٥] (ت سنة بضع ١٤٠) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٦ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ
[٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٧ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله رًِّا، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قَرَن بينهم .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: زُهير،
وعبيد الله، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني تفرّد به هو والبخاريّ،
والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه ابن المثنّى أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة
بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عبيد الله، وزُهير نسائيّ، ثم
بغداديّ، وعبيد الله بن سعيد سَرَخسيّ، ثم نيسابوريّ، والباقيان بصريّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن ابن عمر ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة،
والمشهورین بالفتوى.

٧
(٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٢٩٨)
شرح الحديث :
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ضَا (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) وفي الرواية التالية:
((ربّما قرأ رسول الله وَّر القرآن)) (فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ) وفي الرواية التالية:
((فَيَمُرّ بالسجدة)) (فَيَسْجُدُ) أي سجود التلاوة (وَنَسْجُدُ مَعَهُ، حَتَّى مَا) نافية (يَجِدُ
بَعْضُنَا مَوْضِعاً لِمَكَانٍ جَبْهَتِهِ) أي من كثرة الزحام، وفي الرواية التالية:
((فيسجد بنا حتى ازدحمنا عنده حتى ما يجد أحدنا مكاناً ليسجد فيه في غير
صلاة)) .
قال في ((الفتح)): وقع في الطبراني من طريق مصعب بن ثابت، عن
نافع في هذا الحديث، أن ذلك كان بمكة، لَمّا قرأ النبيّ منَِّ ﴿الَّجُ﴾، وزاد
فيه: حتى سجد الرجل على ظهر الرجل، قال: والذي يظهر أن هذا الكلام
وقع من ابن عمر على سبيل المبالغة في أنه لم يبق أحدٌ إلا سجد، وسياق
حديث الباب مُشْعِرٌ بأن ذلك وقع مراراً، فَيَحْتَمِل أن تكون رواية الطبرانيّ
بيّنت مبدأ ذلك، ويؤيده ما رواه الطبرانيّ تَخْتُهُ عن المسور بن مَخْرَمة، عن
أبيه قال: أظهر أهل مكة الإسلام - يعني في أول الأمر - حتى إنه كان
النبيّ ◌َ﴾ ليقرأ السجدة، فيسجُدُ، وما يستطيع بعضهم أن يسجُد من الزحام،
حتى قَدِمَ رؤساء أهل مكّة، وكانوا بالطائف، فرجّعوهم عن الإسلام، واستدلّ
به البخاريّ على السجود لسجود القارئ، وعلى الازدحام على ذلك(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٩٨/٢٠ و١٢٩٩] (٥٧٥)، و(البخاريّ) في
(١) راجع: ((الفتح)) ٢/ ٦٥٢ ((كتاب سجود القرآن)) رقم (١٠٧٩).

٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(سجود القرآن)) (١٠٧٥ و١٠٧٦ و١٠٧٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٤١٢
و٤١٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٧/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٩٤٧
و١٩٤٨ و١٩٤٩)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٧١ و١٢٧٢)، و(ابن
خزيمة) في ((صحيحه)) (٥٥٧ و٥٥٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٦٠)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)» (٧٦٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة سُجود التلاوة، وقد أجمع العلماء عليه،
وقد اختلف فيه هل هو سنّة، كما هو رأي الجمهور، أو واجبٌ، كما هو
رأي الحنفيّة؟ وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله
تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان مشروعية السجود للقارئ والمستمع له، قال
النوويّ كَّلُ: ويستحب أيضاً للسامع الذي لا يَسْمَع، لكن لا يتأكد في حقّه
تأكده في حقّ المستمع المصغي. انتهى (١).
٣ - (ومنها): استحباب قراءة القرآن؛ اقتداء بالنبيّ ◌َلو.
في الخير ومسابقتهم عليه، حتى
٤ - (ومنها): بيان حرص الصحابة
إنهم لیزحمون عليه.
٥ - (ومنها): الاقتداء بأفعال النبيّ وَلتر، كالاقتداء بأقواله سواءً، فقد
قال الله وَّ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] الآية،
فعمّ جميع ما يصدر منه وَّ، قولاً، أو فعلاً، أو غير ذلك، إلا ما خصّه
الدليل على أنه من خُصوصیّته.
٦ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ تَّتُ قال في ((صحيحه)): ((باب من لم
يجد موضعاً للسجود مع الإمام من الزحام»، ثم أورد حديث ابن عمر
هذا، قال ابن بطال تَُّ: لم أجد هذه المسألة إلا في سجود الفريضة،
(١) ((شرح النوويّ)) ٧٤/٥.

٩
(٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٢٩٨)
واختَلَف السلف، فقال عمر رظُه: يسجد على ظهر أخيه، وبه قال
الكوفيون، وأحمد، وإسحاق، وقال عطاء، والزهريّ: يؤخر حتى يرفعوا،
وبه قال مالك، والجمهور، وإذا كان هذا في سجود الفريضة، فيجري مثله
في سجود التلاوة، وظاهر صنيع البخاريّ أنه يذهب إلى أنه يَسْجُد بقدر
استطاعته، ولو على ظهر أخيه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم سجود التلاوة:
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن سجود التلاوة سنة، وليس بواجب،
وممن قال بهذا عمر بن الخطاب، وسلمان الفارسي، وعمران بن حصين،
ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود،
وغيرهم
وذهب أبو حنيفة: إلى أن سجود التلاوة واجب على القارئ،
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ
والمستمع، واحتج له بقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
اَلْقُرْءَانُ لَا يَسْجُدُونَ﴾﴾ [الانشقاق: ٢٠، ٢١]، وبقوله تعالى: ﴿فَعْجُدُواْ لِلَّهِ وَأَعْبُدُوا﴾ٌ﴾
[النجم: ٦٢]، وبالأحاديث الصحيحة أن النبيّ وَله سجد للتلاوة، وقياساً على
سجود الصلاة .
واحتجّ الأولون بالأحاديث الصحيحة:
(منها): حديث زيد بن ثابت ظته، قال: قرأت على رسول الله وَلقوله
﴿وَالنَّجْمُ﴾ [النجم: ١] فلم يسجد فيها. متفق عليه.
(ومنها): ما احتج به الشافعيّ تَُّ في هذه المسألة، وهو حديث
الأعرابيّ: ((خمس صلوات في اليوم والليلة))، قال: هل عليّ غيرها؟ قال:
((لا، إلا أن تطوّع)). متفق عليه.
(ومنها): ((أن عمر بن الخطاب ظُه قرأ يوم الجمعة على المنبر ((سورة
النحل))، حتى إذا جاء السجدةَ نزل، فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت
الجمعة القابلة، قرأها، حتى إذا جاء السجدةَ، قال: يا أيها الناس إنما نَمُرّ

١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
بالسجود، فمن سجد، فقد أصاب، ومن لم يسجد، فلا إثم عليه، ولم يسجد
عمر)). وفي رواية قال: ((إن الله لم يَفْرِض السجود إلا أن نشاء))، أخرجهما
البخاري تخلّثُ في ((صحیحه)).
قال النوويّ كَّلُهُ: وهذا القول من عمر رُه في هذا الموطن، والْمَجْمَع
العظيم دليلٌ ظاهرٌ في إجماعهم على أنه ليس بواجب، ولأن الأصل عدم
الوجوب حتى يثبت صحيح صريح في الأمر به، ولا معارض له، ولا يوجد
هنا .
وأما الجواب عن الآية التي احتجوا بها، فهي إنما وردت في ذمّ
الكفار في تركهم السجود استكباراً، وجحوداً، وأما المراد بالسجود في
الآية الثانية سجود الصلاة، والأحاديث التي احتجّوا بها محمولة على
الاستحباب، جمعاً بين الأدلة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ كَّلُهُ
من ((مجموعه))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور، وهو
عدم وجوب سجود التلاوة هو الراجح؛ لقوة حجته، كما ذُكِر آنفاً .
ومن الأدلة على أن سجود التلاوة ليس بواجب ما أشار إليه الطحاويّ:
من أن الآيات التي في سجود التلاوة، منها ما هو بصيغة الخبر، ومنها ما هو
بصيغة الأمر، وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر، هل فيها سجود أو لا؟
وهي ثانية الحجّ، وخاتمة النجم، واقرأ، فلو كان سجود التلاوة واجباً لكان ما
ورد بصيغة الأمر أولى أن يُتَّفَقَ على السجود فيه مما ورد بصيغة الخبر. انتهى.
وهو بحثٌ جيّدٌ.
والحاصل أن القول باستحباب سُجود التلاوة هو الأرجح، فتبصّر
بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد سجود القرآن:
(١) ((المجموع شرح المهذّب)) ٦١/٤ - ٦٢.

١١
(٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٢٩٨)
قال الإمام ابن المنذر تَظُّهُ: اختلفوا في عدد سجود القرآن، فرَوَينا عن
ابن عباس، وابن عمر ﴿ه أنهما كانا يَعُدّان سجود القرآن، فقالا:
((الأعراف))، و((الرعد))، و((النحل))، و((بني إسرائيل))، و((مريم))، و((الحج)) أولها،
و((الفرقان))، و﴿طسَّ﴾، و﴿أَلَمْ نَنِيلٌ﴾، و﴿صَ﴾، و﴿أَلَمْ﴾ السجدة، إحدى
عشرة سجدةً.
ورَوَينا عن ابن عباس ظمه رواية أخرى أنه عَدَّها عشراً، وأسقط السجود
في ﴿صّ﴾ .
وقد اختُلِف عن ابن عمر في السجدة الثانية من سورة الحج.
وقالت طائفة: سجود القرآن أربع عشرة سجدةً، في الحج منها سجدتان،
وفي المفصل ثلاثة، وليس في ﴿صَّّ﴾ منها شيء، هكذا قال الشافعيّ، وقال
أبو ثور كقول الشافعيّ في العدد، غير أنه أثبت السجود في ﴿صٍ﴾، وأسقط
السجود من سورة النجم، خالف الشافعيّ في هاتين السجدتين.
وقال إسحاق في سجود القرآن: خمس عشرة: ((الأعراف))، و((الرعد))،
و((النحل))، و(بنو إسرائيل))، و((مريم))، وفي ((الحجّ)) سجدتان مباركتان، وفي
(الفرقان))، و((النمل))، و((ألم)) تنزيل السجدة، وفي ﴿صَّ﴾، وفي ﴿حمّ
السجدة، وفي ﴿وَالنَّحْرِ﴾، وفي ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ ﴾﴾، و﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى
خَلَقَ
وقال أصحاب الرأي كما قال إسحاق، إلا في السجود في الحجّ، فإنهم
قالوا: فيها سجدة واحدة، وقولهم كقوله في سائر سجود القرآن. انتهى كلام
ابن المنذر نَّتُهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: عندي ما ذهب إليه إسحاق ابن راهويه من كون
عدد السجود خمس عشرة سجدةً أظهر، وأقرب، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الطهارة لسجود
التلاوة :
قال النوويّ كَّثهُ: (واعلم): أنه يشترط لجواز سجود التلاوة، وصحته

١٢
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
شروط صلاة النفل من الطهارة عن الحدث، والنجس، وستر العورة، واستقبال
القبلة، ولا يجوز السجود حتى يتم قراءة السجدة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مسألة اشتراط الطهارة في سجود التلاوة
فيها خلافٌ، فقد صحّ عن ابن عمر ريًّا، وغيره عدم اشتراط ذلك، وهو ظاهر
مذهب البخاريّ تَكْثُ، فإنه ترجم («باب سجود المسلمين مع المشركين،
والمشركُ نجسٌ ليس له وضوء»، قال: وكان ابن عمر ظًا يسجد على غير
وضوء. انتهى.
ورَوَى ابن أبي شيبة من طريق عُبيد بن الحسن، عن رجل زعم أنه
كنفسه، عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عمر ◌ّ ينزل عن راحلته، فيهريق
الماء، ثم يركب، فيقرأ السجدة، فيسجد، وما يتوضأ.
وأما ما رواه البيهقيّ بإسناد صحيح عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر،
قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، فيجمع بينهما - كما قال الحافظ - بأنه
أراد بقوله: ((طاهر)) الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار، والأول
على الضرورة.
ووافق ابن عمرَ على جواز السجدة بلا وضوء الشعبيُّ، أخرجه ابن أبي
شيبة عنه بسند صحيح، وأخرج أيضاً عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ أنه كان يقرأ
بالسجدة، ثم يسجد، وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يومئ
إيماء، قاله في ((الفتح)).
وقال العلامة الشوكانيّ تَّلهُ: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدلّ
على اعتبار أن يكون الساجد متوضئاً، وقد كان يسجد معه وَّهُ مَن حضر
تلاوته، ولم يُنقَل أنه أمر أحداً منهم بالوضوء، ويَبعُد أن يكونوا جميعاً
متوضئين، وأيضاً قد كان يسجد معه المشركون، كما تقدم، وهم أنجاس، لا
يصح وضوؤهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأولى أن لا يسجُد على غير وضوء،
وأما إيجاب الوضوء فيحتاج إلى دليل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.

١٣
(٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٢٩٩)
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في سجود التلاوة في أوقات
النهي :
قال النوويّ كَُّهُ: يجوز عندنا سجود التلاوة في الأوقات التي نُهي عن
الصلاة فيها؛ لأنها ذات سبب، ولا يكره عندنا ذوات الأسباب، وفي المسألة
خلاف مشهور. انتهى (١).
وقال الشوكانيّ تَخّْتُهُ: رُوي عن بعض الصحابة أنه يُكره سجود التلاوة في
الأوقات المكروهة، والظاهر عدم الكراهة؛ لأن السجود المذكور ليس بصلاة،
والأحاديث الواردة في النهي خاصة بالصلاة. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أن القول بعدم كراهة السجود في أوقات
النهي هو الأرجح؛ لما قاله الشوكانيّ، وعلى فرض أنها كالصلاة فتجوز في
هذه الأوقات؛ لأنها من ذوات الأسباب، وقد حقّقنا أن جواز الصلاة ذات
السبب في أوقات النهي هو الحقّ، كما سيأتي في محلّه(٣)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٩٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا(٤) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ،
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
الْقُرْآنَ، فَيَمُرُّ بِالسَّجْدَةِ، فَيَسْجُدُ بِنَا، حَتَّى ازْدَحَمْنَا عِنْدَهُ، حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا
مَكَانَاً لِيَسْجُدَ فِيهِ (٥) فِي غَيْرِ صَلَاةٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠]
(٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
(١) ((شرح مسلم)) ٧٩/٥.
(٢) ((نيل الأوطار)) ١٢٦/٣.
(٣) ((باب الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها)) برقم (٨٢٥).
(٤) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٥) وفي نسخة: ((مكاناً يسجد فيه)).

١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ نَّ) قال ابن هشام في ((مغني اللبيب)):
((رُبّ)) حرف جرّ، خلافاً للكوفيين في دعوى اسميّتها، وإذا زيدت ((ما)) بعدها
فالغالب أن تكفّها عن العمل، وتُهيّئها للدخول على الجملة الفعليّة، وليس
معناها التقليل دائماً خلافاً للأكثرين، ولا التكثير دائماً خلافاً لجماعة. انتهى.
وقوله: (فَيَمُرُّ بِالسَّجْدَةِ) أي بآية السجدة.
وقوله: (فَيَسْجُدُ بِنَا) أي يسجد هو، ونسجد نحن معه وَلَه .
وقوله: (حَتَّى ازْدَحَمْنَا عِنْدَهُ) أي لضيق المكان، وكثرة الساجدين.
وقوله: (حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا) أي بعضنا، كما سبق في الرواية الماضية،
وليس المراد منه كلَّ واحد، ولا واحداً معيّناً، قاله في ((العمدة))(١).
وقوله: (مَكَانَاً لِيَسْجُدَ فِيهِ) وفي نسخة: ((مكاناً يسجد عليه))، والجملة في
محلّ نصب صفة لـ((مكاناً)).
وقوله: (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) يعني أن ذلك السجود ليس من سجود الصلاة،
وإنما هو سجود خارج الصلاة لأجل التلاوة.
والحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٣٠٠] (٥٧٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَسْوَدَ
يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ قَرَأَ ﴿وَالنَّجْرِ﴾، فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ
(١) ((عمدة القاري)) ١١٣/٧.

١٥
(٢٠) - بَابُ سُجُودِ الثّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠٠)
كَانَ مَعَهُ، غَيْرَ أَنَّ شَيْخاً أَخَذَ كَفّاً مِنْ حَصَّى أَوْ تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ:
يَْفِينِي هَذَا، قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِراً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل حديث.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار) بن عثمان الْعَبديّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذليّ، أبو عبد الله البصري المعروف بغُندر، ثقةٌ
صحيح الكتاب [٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج البصريّ الإمام الحجة الناقد الحافظ [٧]
(ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
٥ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد الْهَمْدانيّ السبيعيّ الكوفيّ،
ثقةٌ عابدٌ، يُدلّس، واختلط بآخره [٣] (١٢٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
٦ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، مخضرم، مكثرٌ [٢] (ت٤ أو٧٥) (ع) تقدم في ((الطهارة))
٣٢/ ٦٧٤.
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود رضيُّه تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف دَّثُ، وله فيه شيخان، قرن بينهما .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا
واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع، إلا في شعبة.
٥ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني
بالکوفیین.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو إسحاق، عن الأسود،
والله تعالى أعلم.

١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ
الْأَسْوَدَ) بن يزيد النخعي، فيه تصريح أبي إسحاق بالسماع، وهو مدلّس، فأُمن
من التدليس، على أن الراوي عنه هنا شعبة، وهو لا يروي عن المدلّسين إلا ما
صرّحوا بسماعه، وقد سبق عنه أنه قال: كَفَيتكم شرّ تدليس ثلاثة: أبي
(عَنِ النَّبِيِّ ◌َهـ
إسحاق، وقتادة، والأعمش (يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود تَظْ
أَنَّهُ قَرَأَ ﴿وَالنَّجْرِ﴾) أي سورة ﴿وَالنَّحْمِ إِذَا هَوَى ﴾، وفي رواية البخاريّ: ((قرأ
النبيّ ◌َ﴿ النجم بمكة)) (فَسَجَدَ) وَلَهَ أي بعدما قرأ قوله تعالى: ﴿فَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ
وَأَعْبُدُواُْ (1)﴾ (فِيهَا) أي بسبب قراءته الآية المذكورة، فـ((في)) بمعنى الباء
السببيّة، كما في حديث: ((دخلت امرأة النار في هرّة ربطتها ... )) الحديث،
متّفقٌ عليه (وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ) أي مع النبيّ ◌ََّ، وكلمة ((من)) موصولة بمعنى
الذین.
وقال النوويّ كَّلُهُ: معنى قوله: ((وسجد من كان معه)): من كان حاضراً
قراءته من المسلمين، والمشركين، والجنّ، والإنس، قاله ابن عباس رضيها وغيره
حتى شاع أن أهل مكة أسلموا (١)، وانصرف من كان هاجر إلى الحبشة لذلك.
قال القاضي عياض ◌َخّْتُهُ: وكان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود
أنها أوّلُ سجدة نزلت، قال القاضي تَّتُهُ: وأما ما يرويه الأخباريُّون
والمفسِّرون أن سبب ذلك ما جَرَى على لسان رسول الله وَّه من ذكر الثناء على
آلهة المشركين في سورة النجم فباطل، لا يصحّ فيه شيءٌ، لا من جهة النقل،
ولا من جهة العقل؛ لأن مدح إله غيرِ الله تعالى كُفْرٌ، ولا يصح أن ينزل على
النبيّ وَ﴿ كفرٌ، ولا أن يقول النبيّ وَّ ذلك من قِبَل نفسه مُداراً لهم، ولا أن
يقوله الشيطان على لسانه وَل؛ إذ لا يصحّ أن يقول على النبيّ وَّل شيئاً خلاف
ما هو عليه، فقد قال ◌ّلي لمن رآه في المنام: ((فقد رآني، فإن الشيطان لا
يتمثّل بصورتي))، فكيف في طريق القرآن، وما هو كفر، ولا يصح تسلُّط
الشيطان على ذلك؛ لأنه يدعو إلى الشكّ في المعجزة، وصدق النبيّ وَّ، وكلُّ
(١) ((عمدة القاري)) ٧/ ١٥٤.

١٧
(٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠٠)
هذا لا يصحّ. انتهى كلام القاضي بتصرّف(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي القاضي عياض من تفنيده ما اشتهر
من قصّة الغرانيق هو الحقّ الذي لا ينبغي لمسلم أن يعتقده، وإن حاول بعض
العلماء في تصحيح حديث، كما يظهر من كلام الحافظ، فمما لا يُلتفت إليه،
وقد ذكرت ما قاله المحقّقون في هذه المسألة في ((شرح النسائيّ))، فراجعه
تستفد علماً(٢).
ثم رأيت الشيخ الألبانيّ تَّثُ، أجاد في هذا الموضوع، وألّف فيه رسالة
سمّاها ((نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق))، فأحسن وأفاد، فعليك
بمراجعتها، فإنها قد استوفت الموضوع، وحقّقته تحقيقاً بليغاً، والله تعالى وليّ
التوفيق.
(غَيْرَ) وفي رواية البخاريّ: ((غيرَ شيخ أخذ كفّاً))، و((غيرَ)) منصوب على
الاستثناء، كما قال في ((الخلاصة)):
بِمَا لِمُسْتَثْنَى بِـ((إِلَّا)) نُسِبًا
وَاسْتَثْنِ مَجْرُوراً بِـ(غَيْرٍ)) مُعْرَبَا
(أَنَّ شَيْخاً) وقع تسميته عند البخاريّ في ((تفسير سورة النجم)) من طريق
إسرائيل، عن أبي إسحاق بأنه أمية بن خَلَف، قال في ((الفتح)): ووقع في ((سيرة
ابن إسحاق)) أنه الوليد بن المغيرة.
وفيه نظر؛ لأنه لم يُقْتَل، وفي ((تفسير سُنيد)»: الوليد بن المغيرة، أو
عُتبة بن ربيعة بالشك، وفيه نظرٌ؛ لما أخرجه الطبرانيّ من حديث مَخْرَمة بن
نوفل، قال: ((لَمّا أظهر النبي ◌َّر الإسلام، أسلم أهل مكة، حتى إنه كان ليقرأ
السجدة فيسجدون، فلا يقدر بعضهم أن يسجد من الزحام، حتى قَدِم رؤساء
قريش: الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وغيرهما، وكانوا بالطائف، فرجعوا،
وقالوا: تَدَغُون دین آبائكم)).
لكن في ثبوت هذا نظرٌ؛ لقول أبي سفيان في الحديث الطويل: إنه لم
يَرْتَدّ أحدٌ ممن أسلم.
(١) ((إكمال المعلم)) ٥٢٥/٢.
(٢) ((ذخيرة العقبى)) ٢٠٦/١٢ - ٢٠٩.

١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ويمكن أن يُجْمَع بأن النفي مُقَيَّد بمن ارتَدّ سُخطاً لا بسبب مراعاة خاطر
رؤسائه.
ورَوَى الطبريّ من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، أن الذي رفع
التراب فسجد عليه، هو سعيد بن العاص بن أمية، أبو أُحيحة، وتبعه النَّحّاس،
وذكر أبو حيان شيخ شيوخنا في ((تفسيره)) أنه أبو لهب، ولم يذكر مُستنده.
وقال في ((الفتح)) في ((كتاب التفسير)) عند شرح قوله: ((وهو أمية بن
خلف)) ما خلاصته: لم يقع ذلك في رواية شعبة، وقد وافق إسرائيل على
تسميته زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عند الإسماعيليّ، وهذا هو
المعتمد، وعند ابن سعد أن الذي لم يسجد هو الوليد بن المغيرة، قال: وقيل:
سعيد بن العاص بن أمية، قال: وقال بعضهم: كِلاهما جميعاً.
وجزم ابن بطال في ((باب سجود القرآن)) بأنه الوليد، وهو عجيب منه مع
وجود التصريح بأنه أمية بن خلف، ولم يُقْتَل ببدر كافراً من الذين سُمُّوا عنده
غيره.
ووقع في ((تفسير أبي حيّان(١)) أنه أبو لهب، وفي ((شرح الأحكام لابن
بزيزة)) أنه منافق، ورُدّ بأن القصة وقعت بمكة بلا خلاف، ولم يكن النفاق ظهر
بعدُ .
وقد جزم الواقديّ بأنها كانت في رمضان سنة خمس، وكانت المهاجرة
الأولى إلى الحبشة خَرَجت في شهر رجب، فلما بلغهم ذلك رجعوا، فوجدوهم
على حالهم من الكفر، فهاجروا الثانية.
ويَحْتَمِل أن يكون الأربعة لم يسجدوا، والتعميم في كلام ابن مسعود
بالنسبة إلى ما اطّلع عليه، كما قلته في المطلب، لكن لا يُفسَّر الذي في حديث
ابن مسعود إلا بأمية؛ لما ذكرته. انتهى ما في ((الفتح))(٢)، وهو بحث نفيسٌ
جدّاً .
(١) وقع في النسخة ((ابن حبّان))، وهو غلط، والصواب ((أبي حيّان)) كما بيّنه في ((كتاب
الصلاة))، فتنبه.
(٢) ((الفتح)) ٤٨١/٨ - ٤٨٢ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٨٦٣).

١٩
(٢٠) - بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ - حديث رقم (١٣٠٠)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن ظاهر الحديث، وإن دلّ
على أن الذي لم يسجد رجل واحدٌ فقط، وهو الذي رفع كفّاً من حصى،
فقال: يكفيني هذا، لكن جاء في الأحاديث ما يدلّ على عدم سجود غيره
أيضاً، كما سبق آنفاً .
ومن ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) عن أبي هريرة ◌َظ ◌ُه :
((سجدوا في النجم إلا رجلين من قريش أرادا بذلك الشُّهْرة)).
ومنه ما أخرجه النسائيّ من حديث المطَّلِب بن أبي وَدَاعة، قال: ((قرأ
رسول الله ◌َ﴿ النجم، فسجد، وسجد مَن معه، فرفعت رأسي وأبيت أن
أسجد، ولم يكن الْمُطَّلب يومئذ أسلم))، زاد في رواية أحمد: ((وكان بعد ذلك
لا يسمع أحداً قرأها إلا سجد)»، وفي رواية: ((قال المطّلب: فلا أدع السجود
فيها أبداً)).
ويُجاب بأن ابن مسعود رُه لعله لم ير غير ذلك الرجل، فاقتصر عليه،
أو خَصّه بالذكر؛ لاختصاصه بأخذ الكفّ من التراب دون غيره، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (أَخَذَ كَفّاً) جملة في محلّ رفع خبر ((أن))، وقوله: (مِنْ حَصَّى)
بيان لـ(كفّاً))، والمعنى أنه أخذ ملأ كفّ من حصَى (أَوْ) للشكّ من الراوي
(تُرَابٍ، فَرَفَعَهُ) أي الكفّ (إِلَى جَبْهَتِهِ، وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا) أي عن السجود على
الأرض، وإنما قال ذلك تكبّراً وتعاظماً على الله تعالى، وقيل: قاله ظنّاً منه أن
المقصود منه التواضع، والانقياد لله تعالى بوضع أشرف الأعضاء على الأرض،
وقد حصل بالتراب، والوجه الأول هو الصواب؛ إذ ظاهر السياق يدلّ عليه،
فتأمل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود نَظُه (لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعها
عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد ذلك الوقت، وفي رواية البخاريّ: ((فرأيته
بعد ذلك))، وكان قتله يوم بدر (قُتِلَ) بالبناء للمفعول (كَافِراً) منصوب على
الحال، وذلك لشؤم تكبّره عن السجود الذي اشترك فيه المسلمون والمشركون،
إلا هو، فآل به الأمر أن قُتل كافراً.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ كَّتُهُ في ((التفسير)) من ((صحيحه)) من رواية

٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
إسرائيل، عن أبي إسحاق: أول سورة أنزلت فيها سجدةٌ ﴿ وَالنَّجْرِ﴾، قال في
(الفتح)): واستُشكِل هذا بأن ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾ أول السُّوَر نزولاً، وفيها أيضاً
سجدةٌ، فهي سابقة على النجم.
وأجيب: بأن السابق من ﴿اقْرَأ﴾ أوائلها، وأما بقيتها فَتَزَل بعد ذلك بدليل
قصّة أبي جهل في نهيه للنبيّ وَّر عن الصلاة.
ويَحْتَمل أن تكون الأولية مُقَيَّدةً بشيء محذوف بيَّنَته رواية زكريا بن أبي
زائدة، عن أبي إسحاق، عند ابن مردويه، بلفظ: ((إن أول سورة استَعْلَن بها
رسول الله وَلقر: والنجم))، وله من رواية عبد الكبير بن دينار، عن أبي إسحاق:
((أول سورة تلاها على المشركين ... ))، فذكره.
فيُجْمَع بين الروايات الثلاث بأن المراد أول سورة فيها سجدةٌ تلاها جهراً
على المشركين. انتهى(١).
[تنبيه آخر]: أخرج البخاريّ كَّتُ عن ابن عباس ظه: ((أن النبيّ
سجد بالنجم (٢)، وسجد معه المسلمون، والمشركون، والجنّ، والإنس)).
قال في ((الفتح)): كأن ابن عبّاس ◌ًَّا استَنَد في ذلك إلى إخبار النبيّ وَّل
إما مشافهةً له، أو بواسطة؛ لأنه لم يحضر القصّ؛ لصغره، وأيضاً فهو من
الأمور التي لا يطلع عليها الإنسان إلا بتوقيف، وتجویز أنه گُشف له عن ذلك
بعيدٌ؛ لأنه لم يحضرها قطعاً (٣).
وإنما أعاد ذكر الجن والإنس مع دخولهم في المسلمين؛ لنفي توهم
اختصاص ذلك بالإنس، قال الكرمانيّ: سجد المشركون مع المسلمين؛ لأنها
أول سجدة نزلت فأرادوا معارضة المسلمين بالسجود لمعبودهم، أو وقع ذلك
منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المجلس من مخالفتهم.
قال الحافظ: والاحتمالات الثلاثة فيها نظر، والأول منها لعياض،
(١) ((الفتح)) ٦٤٢/٢.
(٢) زاد الطبرانيّ في ((الأوسط)): ((بمكة))، فأفاد اتّحاد قصّة ابن عبّاس وابن
مسعود ، قاله في ((الفتح)).
(٣) ((الفتح)) ٦٤٥/٢ (كتاب سجود القرآن)) رقم (١٠٧١).