النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
(١٣) - بَابُ الَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٣٥)
عياض، ومن قال بقوله من أن كون البزاق في المسجد خطيئةً خاصّ بمن لا
يُريد دفنها هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، وأن قول النوويّ: ((إنه باطلٌ)) غير مقبول،
فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(وَكَفَّارَتُهَا دَقْنُهَا))) مبتدأ وخبر، وأنّث الضمير مع أن البُزاق مذكّر؛ نظراً
لمعنى الخطيئة، أي مُزيل هذه الخطيئة سترها ذلك البُزاق بالدفن.
وقال النوويّ تَخْلَتُهُ: معناه: أن من ارتكب هذه الخطيئة، فعليه تكفيرها،
كما أن الزنى والخمر وقتل الصيد في الإحرام محرَّمات وخطايا، واذا ارتكبها
فعليه عقوبتها .
واختَلَف العلماء في المراد بدفنها، فالجمهور قالوا: المراد دفنها في
تراب المسجد ورمله وحصاته، إن كان فيه تراب أو رمل أو حصاة ونحوها،
وإلا فيُخرِجها، وحَكَى الرويانيّ من أصحابنا قولاً أن المراد إخراجها مطلقاً،
والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قول الرويانيّ بإخراجها مطلقاً مبنيّ على تصويب
النووي كون البزاق في المسجد خطيئة مطلقاً، أراد دفنها أم لا، وقد عرفت ما
فيه، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٣٥/١٣ و١٢٣٦] (٥٥٢)، و(البخاريّ) في
((الصلاة)) (٤١٥)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٤٧٤ و٤٧٥ و٤٧٦ و٤٧٧)،
و(الترمذيّ) فيها (٥٧٢)، و(النسائيّ) في ((المساجد)) (٥٠/٢ - ٥١)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٦٩٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٨٨)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٦٥/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧٣/٣
و٢٣٢ و٢٧٤ و٢٧٧ و٢٨٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٤/١)، و(ابن خزيمة)
في (صحيحه)) (١٣٠٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٦٣٥ و١٦٣٧)،

٣٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩١/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (٤٠/١)، و(أبو
عوانة) في ((مسنده)) (١٢٠٣ و١٢٠٤ و١٢٠٥ و١٢٠٦ و١٢٠٧ و١٢٠٨)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢١٢ و١٢١٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٨٨)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٢٣٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي
ابْنَ الْحَارِثِ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَأَلْتُ قَتَادَةَ، عَنِ النَّفْلِ فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ:
سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((التَّقْلُ فِي الْمَسْجِدِ
خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) (م ٤) تقدم
في ((الإيمان)) ١٦٥/١٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ) قال النوويّ ◌َخُّْهُ: فيه تنبيه على أن قتادة
سمعه من أنس؛ لأن قتادة مُدَلِّس، فإذا قال: ((عن)) لم يَتَحَقَّق اتصاله، فإذا جاء
في طريق آخر سماعه تحققنا به اتصال الأول. انتهى(١).
وقوله: (التَّقْلُ) - بفتح التاء المثناة فوقُ، واسكان الفاء -: هو البُصاق
كما في الحديث الآخر: ((البزاق في المسجد خطيئة))، قاله النوويّ.
وقال في ((الفتح)): التَّفْلُ - بالمثناة من فوقُ - أخفُّ من البزاق، والنفثُ
بمثلثة آخره أخفّ منه. انتهى.
وقال القاضي عياضٌ تَخْذّثهُ: قوله: ((التفل في المسجد خطيئة)) بفتح التاء
(١) ((شرح النوويّ)) ٤١/٥ - ٤٢.

٣٨٣
(١٣) - بَابُ الَّهْىٍ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٣٧)
المثنّاة، وسكون الفاء: هو البزاق، كما جاء بهذا اللفظ في الحديث الآخر، قال
ابن مكيّ في ((تثقيف اللسان): قوله وَيه: ((فليتفل عن يساره))، وقوله: ((التفل في
المسجد) هذا مما يَغْلَط فيه الناس، فيجعلونه بالثاء، ويضمّون الفعل في المستقبل
يقولونه: ثَفَل الرجل: إذا بصق، والصواب تَفَلَ بالتاء يَتْفِل بالكسر في المستقبل
لا غير، وأما النفث بالثاء المثلّثة، فهو كالتفل إلا أن التفل نفخٌ لا بُصاق معه،
والنفث لا بدّ أن يكون معه شيء من الريق، هذا قول أبي عُبيد. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، شرحه، ومسائله تقدّمت قبله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣٧] (٥٥٣) - (حَدَّثَنَا(٢) عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ،
وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُوٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّلِيِّ(٣)، عَنْ أَبِي
فَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ بِ قَالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي، حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي
مَحَاسِنٍ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ،
تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ
جليلٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧.
٢ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطَيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي
بالقدر، من صغار [٩] (٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في
((الإيمان)) ١٥٧/١٢.
٣ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من
صغار [٦] (ت١٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٧/ ٢٩٧.
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٨٦/٢.
(٣) وفي نسخة: ((الدُّؤَلِيّ)).
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٣٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٤ - (وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُبَيْنَةَ) - بتحتانيّة مصغّراً - ابن المهلَّب بن أبي
صُفْرة الأزديّ البصريّ، صدوقٌ عابدٌ [٦].
رَوَى عن يحيى بن عُقَيل الْخُزاعي، والحسن بن أبي الحسن، ورجاء بن
حَيْوة، وأبي الزبير المكيّ، وعدّة.
وروى عنه هشام بن حسان، وهو من أقرانه، ومهديّ بن ميمون،
وحماد بن زيد، وشعبة، وعبد الوارث، وخالد بن عبد الله، وعباد بن عباد،
وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، وكذا قال إسحاق، عن ابن معين،
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال البزار:
ليس بالقويّ، وقد احتُمِل حديثه، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ، ورَوَى محمد بن
نصر في ((قيام الليل)) من طريق ابن مهديّ: كان واصل لا ينام من الليل إلا
يسيراً، فغاب غيبة إلى مكة، فكنت أسمع القراءة من غرفته على نحو صوته،
فلما جاء ذكرت له، فقال: هؤلاء سكان الدار.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود،
والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٥٣)
و (٧٢٠) و(١٠٠٦) و(٢٨٧٧).
٥ - (يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ) - بالتصغير - الْخُزاعيّ البصريّ، نزيل مَرْوَ،
صدوقٌ [٣].
رَوَى عن عمران بن حصين، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس بن مالك،
ويحيى بن يعمر، وعدّة.
وروى عنه سليمان التيميّ، وعَزْرَة بن ثابت، وعبد الله بن كيسان
المروزيّ، وواصل مولى أبي عُيينة، والحسين بن واقد، وغيرهم.
قال ابن معين: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود،
والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٥٣)
و (٧٢٠) و(١٠٠٦) و(٢٦٥٠).
٦ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) - بفتح التحتانيّة، والميم، ويجوز ضمّها، بينهما

٣٨٥
(١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٣٧)
مهملة ساكنة - البصريّ، نزيل مرو وقاضيها، ثقةٌ فصيحُ، وكان يُرسل [٣] مات
قبل المائتين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢.
٧ - (أَبُو الْأَسْوَدِ الدِّيلِيُّ) اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن
ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، ويقال: عمرو بن عثمان، أو عثمان بن عمرو
البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ مخضرم [٢] (ت ٦٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
٨ - (أَبوُ ذَرٍّ) جُنْدَب بن جُنَادة على الأصحّ، وقيل غير ذلك في اسمه
واسم أبيه، الصحابيّ الشهير، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدراً،
مات ربه (٣٢) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٤/٢٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف رَّلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ
بُه .
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيّ) - بكسر الدال المهملة، وسكون التحتانيّة، ويقال:
الدُّؤَليّ بالضمّ، بعدها همزة مفتوحة - كما وقع في بعض النسخ هنا، وهو نسبة إلى
الدُّئِل بن كنانة (١). (عَنْ أَبِي ذَرِّ) جندب جُنادة الغفاريّ ◌َُّ (عَنِ النَّبِيِّوَّ) أنه
(قَالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (أَعْمَالُ أُمَّتِي) وقوله:
(حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا) بدل من ((أعمالُ)) (فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنٍ أَعْمَالِهَا الْأَذَى) بفتحتين،
قال في ((المصباح)): أَذِيَ الشيءُ أَذِى، من باب تَعِبَ: بمعنى قَذِرَ، قال الله تعالى:
﴿قُلُّ هُوَ أَذَى﴾: أي مستقذَرُ، وأَذِي الرجلُ أذّى: وَصَلَ إليه المكروهِ، فهو أَذٍ، مثلُ
عَمِ، ويُعدّى بالهمزة، فيقال: آذيته إيذاءً، والأَذِيّة: اسم منه، فتأذَّى هو. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ كَّقُ: ((الأذى): هو كلّ ما يُتأذَّى به، من عظم، أو
حجر، أو نجاسة، أو قَذَر، أو غير ذلك. انتهى(٣).
(١) ((اللباب)) ٣٤٧/١.
(٣) ((المفهم)) ١٦١/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٠/١.

٣٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقوله: (يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ) بالبناء للمفعول، أي يُزال، ويُنخَّى ذلك الأذى عن
طريق المسلمين، والجملة حال من ((الأذى)) (وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ)
بالنصب على المفعوليّة، وتقدّم قريباً أن النخاعة هي النخامة ما نزل من الرأس
(تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ) اسم ((تكون)) ضمير ((النخاعة))، وخبرها الجارّ والمجرور،
ويَحْتَمِل أن تكون ((تكون)) تامّة، أي توجد تلك النخاعة في المسجد، والجملة حال
من ((النخاعة))، وكذا قوله: (لَا تُدْفَنُ))) بالبناء للمفعول، قال النوويّ كَُّهُ: هذا
ظاهره أن هذا القبح والذم لا يختص بصاحب النخاعة، بل يدخل فيه هو وكلُّ من
رآها، ولا يزيلها بدفن، أو حَكّ، ونحوه. انتهى، وهو بحثٌ حسنٌّ، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ ◌َُّبه هذا من أفراد المصنّف وَّلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٣٧/١٣] (٥٥٣)، و(ابن ماجه) في (٣٦٨٣)،
و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٢٣٠)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٨٣)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧٨/٥ و١٨٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢١١)،
و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (١٢١٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٦٤٠
و١٦٤١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩١/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٤٨٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان قبح النخاعة في المسجد.
٢ - (ومنها): أن قوله: ((لا تُدْفَن)) يؤيّد ما سبق من ترجيح قول القاضي:
أن كون النخاعة في المسجد خطيئة لمن لا يُريد دفنها، وإلا فلا، قال
القرطبيّ تَخْلُهُ: هذا يدلّ على صحّة التأويل المذكور؛ لأنه لم يُبت لها حكم
السيّئة لمجرّد إيقاعها في المسجد، بل بذلك، وببقائها غير مدفونة. انتهى (١).
(١) راجع: ((المفهم)) ٢/ ١٦١.

٣٨٧
(١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٣٨)
٣ - (ومنها): بيان فضل إماطة الأذى عن الطريق، وقد سبق حديث أبي
هريرة رضيالله قال: قال رسول الله وَله: ((الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون
شعبةً، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة
من الإيمان))، وأخرج الشيخان، عن أبي هريرة ظبه أن رسول الله وَ له قال: ((بينما
رجل يمشي بطريق، وَجَدَ غُصْن شوك على الطريق، فأخّره، فشكر الله له، فغفر له)).
٤ - (ومنها): بيان فضل الله تعالى على نبيّه وَّل، حيث يُطلعه على
المغيّبات من أحوال أمته، وغير ذلك، ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيَكَ عَظِيمًا﴾، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّقُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣٨] (٥٥٤) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
كَهْمَسٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَرَأَيْتُهُ تَتَخَّعَ، فَدَلَكَهَا بِنَعْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (أَبُوهُ) معاد بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ
القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/ ٧.
٣ - (كَهْمَس) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥]
(ت١٤٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) - بكسر الشين، وتشديد الخاء
المعجمتين - العامريّ، أبو العلاء البصريّ، ثقةٌ [٢] (ت١٠١) (ع) تقدم في
(«الحيض)) ٢٠/ ٧٨٣.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الله بن الشخّير بن عوف بن كعب بن وَقْدان بن الْحَرِيش
الْحَرَشِيّ العامريّ، له صحبة، رَوَى عن النبيّ وَِّ، وروى عنه بنوه: مُطَرِّف،
وهانئ، ويزيد، وعِداده في أهل البصرة، وذكره ابن سعد في طبقة مسلمة
الفتح، وقال ابن منده: وفدَ في وفدٍ بني عامر.

٣٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم
(٥٥٤)، وأعاده بعده، و(٢٩٥٨).
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلهُ .
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٤ - (ومنها): أنه ليس في الكتب الستّة من يُسمّى بكهمس، إلا هذا
عندهم، وإلا كهمس بن المنهال السّدوسيّ البصريّ، عند البخاريّ، له عنده
حديث واحد فقط.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب
الستّة إلا تسعة أحاديث فقط، راجع: ((تحفة الأشراف))(١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ) رَله أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَرَأَيْتُهُ تَتَخَّعَ) أي أخرج النُّخاعة (فَدَلَكَهَا) بتخفيف اللام: أي مَرَسها،
يقال: دَلَكتُ الشيءَ دَلْكاً، من باب نصر: إذا مَرَسْتَه بيدك، ودلكتُ النعل بالأرض:
إذا مسحتها بها(٢)، ويَحْتَمِل أن يكون بتشديد اللام؛ للمبالغة (بِنَعْلِهِ) وفي الرواية
التالية: ((فدلكها بنعله اليُسرى))، فتبيّن بها أن السنّة دلكها بالنعل اليُسرى، وفي رواية
أبي عوانة في ((مسنده)) من طريق أبي العلاء بن الشِّخِّير، عن أبيه، قال: ((رأيتُ
النبيّ وَ﴿ يُصلي، ثم تَفَلَ تحت قدمه اليسرى، فحكّها بنعله في الصلاة))، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن الشِّخِّير ظ ته هذا من أفراد
المصنّف تَخَذَتْهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((تحفة الأشراف)) ٢٥٢/٤ - ٢٥٧.
(٢) راجع: ((المصباح)) ١٩٩/١.

٣٨٩
(١٤) - بَابُ الصَّلَاةِ فِي التَّعْلَيْنِ - حديث رقم (١٢٤٠)
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٣٨/١٣ و١٢٣٩] (٥٥٤)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٤٨٢ و٤٨٣)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٦٨٧)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٢٥/٤ - ٢٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٢٧٢)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (١٢٠٩ و١٢١٠)، و(أبو نُعيم) في ((مستخرجه)) (١٢١٥)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٣٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْنَى، أَخْبَرَنَا (١) يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنِ
الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّرِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ صَلَى مَعَ
النَّبِّ ◌َِّ، قَالَ: فَتَنَخَّعَ، فَدَلَكَهَا بِنَعْلِهِ الْيُسْرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٢ - (الْجُرَيْرِيُّ) - بضمّ الجيم - سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ
اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت١٤٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٦٦/٤٠.
٣ - (أَبُو الْعَلَاءِ، يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) العامريّ البصريّ، ثقةٌ [٢]
(ت١١١) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٢٠/ ٧٨٣.
والباقيان ذُكرا في الباب، وشرح الحديث، ومسائله تقدمت قبله، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١٤) - (بَابُ الصَّلَاةِ فِي الَّعْلَيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٤٠] (٥٥٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ
أَبِي مَسْلَمَةَ سَعِيدٍ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكِ: أَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ).
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٢ - (أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ) بن مَسْلمة الأزديّ، ثمّ الطاحيّ(١)
البصريّ القصير، ثقة [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٦/٨٨.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَظْلُ، كتاليه، وهو (٧٧) من
رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصریین، سوی شیخه، فنيسابوريّ، وقد دخل
البصرة.
٣ - (ومنها): أن فيه أنساً رَُّه، وقد سبق الكلام فيه في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ) بفتح الميم، وسكون السين المهملة، وفتح اللام،
وقوله: (سَعِيدٍ بْنِ يَزِيدَ) بدل مما قبله، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكِ)
(أَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّر) الهمزة للاستفهام، وهو استفهام على سبيل الاستفسار
(يُصَلِّي فِي التَّعْلَيْنِ؟) وفي رواية البخاريّ: ((يصلي في نعليه))، قال العينيّ كَُّهُ:
أي على نعليه، أو بنعليه؛ لأن الظرفية غير صحيحة، والنعلُ: الحذاء، وهي
مؤنثة، وتصغيرها نُعيلة. انتهى. (قَالَ) أنس رَبِهِ (نَعَمْ) أي كان يصلي فيهما.
قال ابن بطال تَّتُ: معنى هذا الحديث عند العلماء إذا لم يكن في النعلين
نجاسة، فلا بأس بالصلاة فيهما، وإن كان فيهما نجاسة فليمسحهما، ويصلي فيهما .
واختلفوا في تطهير النعال من النجاسات؛ فقالت طائفة: إذا وطئ القَذَر
الرطب يجزيه أن يمسحهما بالتراب، ويصلي فيه.
وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يجزيه أن يُطَهِّر الرطب إلا بالماء، وإن كان
يابساً أجزأه حکه.
(١) الطاحي: نسبة إلى الطاحية بن سود بن الحجر بن عمران، بطن من الأزد، قاله في
((اللباب في تهذيب الانساب)) ٦٦/٢.

٣٩١
(١٤) - بَابُ الصَّلَاةِ فِي النَّعْلَيْنِ - حديث رقم (١٢٤٠)
وقال الشافعي: لا يُطَهِّرِ النجاسات إلا الماء في الخفّ والنعل وغيرهما.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح هو المذهب الأول؛ لما أخرجه
أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة عنه أن رسول الله وَ لو قال: ((إذا وطئ
أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهور))، وفي لفظ: ((إذا وطئ الأذى بخفيه
فطهورهما التراب))، وهو حديث صحيح. ولم يُفَرِّق بين الرطب واليابس، فدلّ
على أن النعل تطهر بالتراب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ◌َبه هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٤٠/١٤ و١٢٤١] (٥٥٥)، و(البخاريّ) في
((الصلاة)) (٣٨٦ و٥٨٥٠)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٤٠٠)، و(النسائيّ) في
(القبلة)) (٧٧٥)، وفي ((الكبرى)) (٨٥١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٠/٣
و١٨٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٣٨٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(١٠١٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده) (١٤٦٧ و١٤٦٨)، و(أبو نُعيم) في
(مستخرجه)) (١٢١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): دلّ حديث الباب على مشروعية الصلاة في النعال:
قال العلامة الشوكانيّ تَخْذُهُ: وقد اختَلَف نظر الصحابة والتابعين في
ذلك، هل هو مستحب، أو مباح، أو مكروه؟.
فُرُوِي عن عمر ظُه بإسناد ضعيف أنه كان يَكْرَه خلع النعال، ويشتدّ
على الناس في ذلك، وكذا عن ابن مسعود، وكان أبو عمرو الشيبانيّ يضرب
الناس إذا خلعوا نعالهم، وروي عن إبراهيم أنه كان يكره خلع النعال، وهذا
يشعر بأنه مستحب عند هؤلاء.
قال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): وممن كان يفعل ذلك - يعني لبس
النعل في الصلاة - عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود،
وعويمر بن ساعدة، وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع، وأوس الثقفيّ .

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ومن التابعين: سعيد بن المسيب، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسالم بن
عبد الله، وعطاء بن يسار، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وطاوس، وشريح
القاضي، وأبو مِجْلَز، وأبو عمرو الشيباني، والأسود بن يزيد، وإبراهيم
النخعي، وإبراهيم التيمي، وعلي بن الحسين، وابنه أبو جعفر.
وممن كان لا يصلي فيهما: عبد الله بن عمر، وأبو موسى الأشعريّ.
وقال العلامة ابن دقيق العيد تَخَّتُهُ: الحديث دليل على جواز الصلاة في
النعال، ولا ينبغي أن يؤخذ منه الاستحباب؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى
المطلوب من الصلاة. ثم أطال البحث في ذلك.
قال الشوكانيّ تَّتُهُ: إلا أن حديث: ((خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في
نعالهم، ولا في خفافهم)) أقلُّ أحواله الدلالة على الاستحباب، وقد أخرج
أبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ ر به أنه قال: قال رسول الله وَله:
((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر؛ فإن رأى في نعليه قذراً، أو أذّى
فلیمسحه، وليصل فيهما)).
ويمكن الاستدلال لعدم الاستحباب بما أخرجه أبو داود من حديث أبي
هريرة عن رسول الله وَ﴿ أنه قال: ((إذا صلى أحدكم، فخَلَع نعليه فلا يؤذ بهما
أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصلِّ فيهما))، وهو كما قال العراقيّ صحيح
الإسناد.
وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ظته، قال: ((رأيت
رسول الله ◌َ﴿ يصلي حافياً ومنتعلاً))، أخرجه أبو داود، وابن ماجه.
وروى ابن أبي شيبة بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: صلى
رسول الله 18َّ في نعليه، فصلى الناس في نعالهم، فخلع نعليه، فخلعوا، فلما
صلى قال: ((من شاء أن يصلي في نعليه فليصلِّ، ومن شاء أن يخلع فليخلع))،
قال العراقيّ تَخْلَثُ: وهذا مرسل صحيح الإسناد.
قال الشوكانيّ كَّشُهُ: ويجمع بين أحاديث الباب بجعل حديث أبي
هريرة رضيبه وما بعده صارفاً للأوامر المذكورة المعللة بالمخالفة لأهل الكتاب
من الوجوب إلى الندب؛ لأن التخيير والتفويض إلى المشيئة بعد تلك الأوامر

٣٩٣
(١٥) - بَابُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ - حديث رقم (١٢٤٢)
لا ينافي الاستحباب، كما في حديث: ((بين كل أذانين صلاة لمن شاء)»، وهذا
أعدل المذاهب، وأقواها عندي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التحقيق الذي قرره الشوكانيّ ◌َّهُ،
واختاره هو المختار عندي؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٢٤١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّاهُ بْنُ الْعَوَّامِ،
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو مَسْلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَساً(١)، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣.
٢ - (عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ) بن عُمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ
[٨] (ت١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٩/٨٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية عبّاد بن العوّام هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ .
(١٥) - (بَابُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٢٤٢] (٥٥٦) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: (ح)
وحَدَّثَنِي(٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
(١) وفي نسخة: ((أنس بن مالك)).
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ، لَهَا أَعْلَامٌ،
وَقَالَ(١): ((شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، فَاذْهَبُوا بِهَا، إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأَتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّهِ(٢)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا قبل باب، وكذا لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﴿ّا (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ) - بفتح الخاء
المعجمة، وكسر الميم، بعدها صاد مهملة -: كساء أسود مُعْلَمُ الطرفين،
ويكون من خَزّ، أو صوف، فإن لم يكن معلماً فليس بخميصة، قاله
الفيوميّ رَّتُهُ .
وقال العينيّ دَّثُهُ: كساءٌ أسود مُرَبَّعٌ، له علمان، أو أعلام، ويكون من
خزّ، أو صوف، ولا تسمى خَمِيصة إلا أن تكون سوداء مُعْلَمَة، سميت بذلك
للينها ورقّتها وصِغَر حجمها إذا طُوِيت، ومأخوذ من الخَمَص، وهو ضمور
البطن.
وقال ابن حبيب في ((شرح الموطأ)): الخميصة كساء صوف، أو مِرْعِزَّى
معلم الصنعة .
و((الأعلام)) - بالفتح -: جمع عَلَم - بفتحتين - مثل سبب وأسباب، يقال:
أعلمت الثوب: جعلتُ له علماً من طِراز وغيره (لَهَا أَعْلَامٌ) جملة في محلّ جرّ
صفة لـ((خَمِيصة))، وهي صفة مؤكّدة؛ لأن الخميصة كما سبق لا تسمّى بها إلا
إذا كان لها أعلام (وَقَالَ) وفي نسخة: ((ثمّ قال)) ((شَغَلَتْنِي) يقال: شغله الأمر
شَغْلاً، من باب نَفَعَ، فالأمر شاغلٌ، وهو مشغولٌ، والاسم الشُّغْل بضمّ
الشين، وتُضمّ الغين، وتسكّن للتخفيف، وقد سبق أنه لا يقال: أشغله بالألف،
فإنه من لحن العوامّ، وإن ذكر صاحب ((القاموس)) أنها لغة، فقد ردّ عليه
الشارح، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(أَعْلَامُ هَذِهِ) أي كادت تَشْغَلني، وتُلْهِيني عن كمال الحضور في الصلاة،
(١) وفي نسخة: ((ثم قال)).
-
(٢) وفي نسخة: ((بأنبجانيّته)).

٣٩٥
(١٥) - بَابُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ - حديث رقم (١٢٤٢)
وليس المراد أنها شَغَلته بالفعل؛ ففي رواية البخاري: ((كنت أنظر إلى عَلَمِها،
وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني))، وفي رواية مالك في ((الموطأ)): ((فإني
نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني)).
فإطلاق رواية الباب للمبالغة في القرب، لا لتحقق وقوع الشَّغْل، وعلى
تقدير وقوعه له وَل﴿، فليس فيه نقص في حقّه؛ لأنه بشر يؤثِّر فيه ما يؤثِّر في
البشر من الأمور التي لا تُؤَدِّي إلى نقص في مرتبته الشريفة بَّيقر، أفاده في
(المنهل)).
وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ تَخّْثُهُ: أثبت في هذه الرواية - يعني رواية
الشيخين - إِلْهَاءَ الخميصة له بقوله: ((فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي))، وقال في
رواية مالك: ((نظرت إلى علمها في الصلاة، فكاد يفتنني))، قال ابن
عبد البرّ تَخْتُ: فيه دليل على أن الفتنة لم تقع، قال: والفتنة هنا الشُّغْل عن
خشوع الصلاة. انتهى.
فيَحْتَمِل أن يقال: الفتنة فوق الإلهاء، فلهذا أثبته، ولم يُثْبِت الفتنة،
ويَحْتَمِل أن يقال: هما واحد، ويكون قوله: ((ألهتني)) أي كادت، وقاربت، كما
يقول المؤذن في الإقامة: ((قد قامت الصلاة)) أي قد قرب إقامتها، والله تعالى
أعلم.
وقال السندي في ((شرح النسائيّ)): قوله: ((شغلتني أعلام هذه)) هذا مَبْنِيّ
على أن القلب قد بلغ من الصفاء عن الأغيار الغايةَ حتى يظهر فيه أدنى شيء،
يظهر لك ذلك إذا نظرت إلى ثوب بلغ في البياض الغاية، وإلى ما دون ذلك،
فيظهر في الأول من أثر الوسخ ما لا يظهر في الثاني، والله تعالى أعلم.
انتھی .
(فَاذْهَبُوا بِهَا) أي بهذه الخميصة (إِلَى أَبِي جَهْم) - بفتح الجيم، وسكون
الهاء - ابن حُذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عُويج بن عديّ بن
كعب القرشي العدويّ، قال البخاريّ وجماعة: اسمه عامر، وقيل: اسمه عبيد
- بالضم ــ قاله الزبير بن بكار، وابن سعد، وقالا: إنه من مسلمة الفتح. وقال
البغويّ، عن مصعب: كان من مُعَمّري قريش، ومن مشيختهم.
وحَكَى ابن منده أن أبا عاصم فرَّق بين أبي جهم بن حذيفة، وعُبيد بن

٣٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .. كتاب المساجد ومواضع الصلاة
حُذيفة، قال الزبير: كان من مشيخة قريش، وهو أحد الأربعة الذين كانت
قريش تأخذ عنهم النسب، قال: وقال عمي: كان من المعمَّرين، حضر بناء
الكعبة مرتين؛ حين بنتها قريش، وحين بناها ابن الزبير، وهو أحد الأربعة
الذين تَوَلَّوا دفن عثمان.
وأخرج البغويّ من طريق حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، قال: لما أصيب عثمان أرادوا الصلاة عليه، فَمُنِعُوا، فقال أبو جَهْم:
دعوه؛ فقد صلى الله عليه ورسوله.
وأخرج ابن أبي عاصم في ((كتاب الحكماء)) من طريق عبد الله بن الوليد،
عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي الجهم، قال: سمعت أبا الجهم يقول: لقد
تركت الخمر في الجاهلية، وما تركتُها إلا خشية على عقلي، وما فيها من
الفساد.
مات في آخر خلافة معاوية، قاله ابن سعد، ويقال: إنه وَفَد على
معاوية، ثم على ابنه يزيد، وهذا يدلّ على أنه تأخرت وفاته، والله تعالى أعلم.
انتهى ملخصاً من ((الإصابة)).
قال في ((الفتح)): وإنما خصه ◌َله بإرسال الخميصة إليه لأنه كان أهداها
له ﴿ ﴿، كما رواه مالك في ((الموطأ)) من طريق أخرى عن عائشة ﴿يا قالت:
أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول الله وَ﴿ خميصة لها علم، فشهد فيها
الصلاة، فلما انصرف قال: ((رُدِّي هذه الخميصة إلى أبي جهم)).
ووقع عند الزبير بن بكّار ما يخالف ذلك، فأخرج من وجه مرسل «أن
النبيّ ◌َ﴿ أَتِي بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث الأخرى إلى أبي
جهم))، ولأبي داود من طريق أخرى: ((وأخذ كُرديّاً لأبي جهم، فقيل: يا
رسول الله، الخميصة كانت خيراً من الكردي)).
وقال ابن بطال كَُّ: إنما طلب منه ثوباً غيرها ليُعلِمه أنه لم يَرُدّ عليه
هديته استخفافاً به، قال: وفيه أن الواهب إذا رُدَّت عليه عطيته من غير أن
يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها من غير كراهة. قال الحافظ تَّتُهُ: وهذا
مبني على أنها واحدة، ورواية الزبير والتي بعدها تصرح بالتعدد. انتهى.
(وَأُتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ))) قال في ((النهاية)): المحفوظ بكسر الباء، ويروى

٣٩٧
(١٥) - بَابُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ - حديث رقم (١٢٤٢)
بفتحها، يقال: كساء أنْبَجَاني منسوب إلى مَنْبج المدينة المعروفة، وهي مكسورة
الباء، ففتحت في النسب، وأبدلت همزة، وقيل: إنها منسوبة إلى موضع اسمه
أنبجان، وهو أشبه، والأول فيه تعسف.
وهو كساء يُتَّخَذ من الصوف، وله خَمْلٌ، ولا عَلَمَ له، وهو من أدون
الثياب الغليظة، قال: وإنما بعث الخميصة إلى أبي جهم؛ لأنه هو الذي
أهداها له، وإنما طلب منه الأنبجانيّ لئلا يؤثّر رَدّ الهدية في قلبه. والهمزة
زائدة في قول.
وقال القاضي عياض: يُرْوَى بفتح الهمزة، وكسرها، وبفتح الباء
وكسرها، وبتشديد الياء وتخفيفها .
وقال في ((العمدة)): قد اختلفوا في ضبط هذا اللفظ، ومعناه؛ فقيل: بفتح
الهمزة، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء
النسبة، وقال ثعلب: يقال: كبش أنبجانيّ - بكسر الباء، وفتحها -: إذا كان
مُلْتفّاً كثير الصوف، وکساء أنبجانيّ كذلك.
وقال الجوهري: إذا نسبت إلى مَنْبج فتحت الباء، فقلت: كساء مَنَبجاني،
أخرجوه مخرج مَخْبَراني، ومَنْظَرَاني.
وقال أبو حاتم في لحن العامة: لا يقال: كساء أنبجاني، وهذا مما
تخطئ فيه العامة، وإنما يقول: مَنْبَجَاني - بفتح الميم والباء -، قال: وقلت
للأصمعي: لِمَ فتحت الباء، وإنما نسب إلى مَنبج - بالكسر - ؟، قال: خرج
مخرج منظراني، ومخبراني، قال: والنسب مما يُغَيِّرُ البناءَ.
وقال القزاز في ((الجامع)): والنِّبَاج موضع تنسب إليه الثياب المنبجانية.
وفي ((الجمهرة)): ومَنْبِج موضع أعجمي، وقد تكلمت به العرب، ونسبوا إليه
الثياب المنبجانية. وفي ((المحكم)): إن منبج موضع.
قال سيبويه: الميم فيه زائدة بمنزلة الألف؛ لأنها إنما كثرت مزيدة أوّلاً
فموضع زيادتها كموضع الألف، وكثرتها ككثرتها إذا كانت أوّلاً في الاسم
والصفة، وكذلك النِّبَاجِ، وهما نِبَاجان؛ نباج ثَيْتَل، ونباج ابن عامر، وكساء
منبجاني منسوب إليه على غير قياس.

٣٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وفي ((المغيث)): المحفوظ كسر باء الأنبجاني. وقال ابن الحصار في
((تقريب المدارك)): مَن زعم أنه منسوب إلى منبج فقد وَهِمَ.
ومَنْبِج - بفتح الميم، وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وفي آخره
جيم -: بلدة من كور قِنْسْرِين، بناها بعض الأكاسرة الذي غلب على الشام،
وسمّاها منبه، وبنى بها بيت نار، ووَكَّل بها رجلاً، فعُرِّبت، فقيل: منبج،
والنسبة إليها مَنْبَجيّ على الأصل، ومَنْبَجانيّ على غير قياس، والباء تفتح في
النسبة، كما يقال في النسبة إلى صَدِف - بكسر الدال ـ صَدَفي - بفتحها - ومَن
هذا قال ابن قرقول: نسبة إلى مَنْبج - بفتح الميم، وكسر الباء - ويقال: نسبة
إلى موضع، يقال له: أنبجان، وعن هذا قال ثعلب: يقال: كساء أنبجانيّ،
وهذا هو الأقرب إلى الصواب في لفظ الحديث.
وأما تفسيرها، فقال عبد الملك بن حبيب في ((شرح الموطأ)»: هي كساء
غليظ، يُشْبِهِ الشَّمْلة، يكون سَدَاه قُطناً غليظاً، أو كتّاناً غليظاً، ولُحمته صُوف، ليس
بِالْمُبْرَم في فَتْله لَيِّن غليظ، يُلْتَحَف به في الفِرَاش، وقد يُشْتَمَل به في شدة البرد.
وقيل: هي من أدون الثياب الغليظة تُتَخَّذ من الصوف، ويقال: هو كساء
غليظ لا عَلَمَ له، فإذا كان للكساء علم فهو خميصة، وإن لم يكن فهو
أنبجانية. انتهى ما في ((العمدة)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّنا هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٤٢/١٥ و١٢٤٣ و١٢٤٤] (٥٥٦)،
و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٣٧٣ و٧٥٢ و٥٨١٧)، و(أبو داود) في
((الصلاة)) (٩١٤) و((اللباس)) (٤٠٥٢ و٤٠٥٣)، و(النسائيّ) (٧٧١)، وفي
((الكبرى)) (٨٤٧)، و(ابن ماجه) (٣٥٥٠)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٩٧/١ -
(١) ((عمدة القاري)) ٤/ ١٣٧ - ١٣٨.

٣٩٩
(١٥) - بَابُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ - حديث رقم (١٢٤٢)
٩٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٣٨٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٧٢)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٣٧/٦ و٤٦ و١٩٩ و٢٠٨ و٣٠٠)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٩٢٨ و٩٢٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٣٣٧)، و(أبو عوانة)
في («مسنده)) (١٤٧٠ و١٤٧١ و١٤٧٢ و١٤٧٣ و١٤٧٤ و١٤٧٥)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١٢١٧ و١٢١٨ و١٢١٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/
٤٢٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٢٣ و٧٣٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كراهة لبس ما يشتغل القلب به عن كمال الحضور في
الصلاة، وتدبّر أذكارها، وتلاوتها، ومقاصدها، من الانقياد والخضوع.
٢ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على حضور القلب في الصلاة، وتدبر ما
ذكرناه، ومنع النظر من الامتداد إلى ما يَشْغَل، وإزالة ما يُخاف اشتغال القلب به.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه كراهية تزويق محراب المسجد، وحائطه، ونقشه،
وغير ذلك من الشاغلات؛ لأن النبيّ وَله جَعَل العلة في إزالة الخميصة هذا المعنى.
٤ - (ومنها): أن الصلاة تصحّ، وإن حصل فيها فكر في شاغل ونحوه،
مما ليس متعلقاً بالصلاة، قال النوويّ كَّتُهُ: وهذا بإجماع الفقهاء، وحُكِي عن
بعض السلف والزُّهّاد ما لا يصحّ عمن يُعْتَدّ به في الإجماع.
قال أصحابنا - يعني الشافعيّة -: يُستَحَبّ له النظر إلى موضع سجوده،
ولا يَتَجاوزه، قال بعضهم: يكره تغميض عينيه، وعندي لا يُكره إلا أن يخاف
ضرراً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: كيف يقول النووي: وعندي لا يُكره؟ فمن أين
له هذا؟ فهل ثبت في السنّة أنه ◌َ ﴿ كان يصلي مغمّض العينين؟، بل الأمر
بالعكس، فإنه وَ ﴿ كان ينظر في الصلاة، وقد قال ◌َله: ((صلَّوا كما رأيتموني
أصلي))، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): صحة الصلاة في ثوب له أعلام، وأن غيره أولى؛ وذلك
لأن النبيّ ◌َ﴿ صلى فيها، ولم يُعِد تلك الصلاة، بل أمر بإبعادها عنه خوفَ
الافتتان بها؛ فدلّ على صحتها، وأن تركه ذلك هو الأولى، فتنبّه.
وأما بعثە پڑ بالخميصة إلى أبي جهم، وطلب أنبجانيِّه، فهو من باب الإدلال

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
عليه؛ لعلمه بأنه يُؤثر هذا، ويَفْرَح به، والله تعالى أعلم، قاله النوويّ تَظُّهُ(١).
٦ - (ومنها): أنه استدل به بعض المالكية على كراهة غرس الأشجار في
المساجد؛ لما فيه من شغل المصلي بذلك.
٧ - (ومنها): جواز لبس الثوب الذي له عَلَمٌ، وكذلك الكساء ونحوه.
٨ - (ومنها): أن اشتغال الفكر في الصلاة يسيراً غير قادح في صحتها.
٩ - (ومنها): ما قال صاحب ((المفهم)): فيه سدُّ الذرائع، والانتزاع عما
يَشْغَل الإنسان عن أمور دينه.
١٠ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَخْلُ: فيه أن النبيّ وَ﴿ آنس أبا جهم
حين ردّها إليه بأن سأله ثوباً مكانها؛ لِيُعْلِمه أنه لم يَرُدّ عليه هديته استخفافاً به،
ولا كراهة للبسه، وقال صاحب ((المفهم)): وفيه قبول الهدايا من الأصحاب،
واستدعاؤه و ﴿ أنبجانية أبي جهم تطييب لقلبه، ومباسطة معه، وهذا مع من
يُعْلَم طيب نفسه، وصفاء ودّه جائز.
١١ - (ومنها): أن الواهب والمهدي إذا رُدّت إليه عطيته، من غير أن
يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها، إذ لا عار عليه في قبولها، قاله ابن
بطال، وابن عبد البرّ.
١٢ - (ومنها): أن للإنسان أن يشتري ما أهداه بخلاف الصدقة، قاله أبو
الوليد الباجيّ كلّثهُ .
١٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ وليّ الدين العراقيّ كَّلُهُ: جرت عادة
الأنبياء - لا - والصالحين بإخراج ما شَغَلهم عن بعض العبادات عن ملكهم
رأساً، وكذلك ما أعجبهم من ملكهم، كما قال الله تعالى في حق سليمان التّلام:
، رُدُّوُهَا عَلَّ فَطَفِقَ
(٣٢)
﴿فَقَالَ إِّ أَحْيَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِ حَّ تَوَارَتْ بِاَلِجَابِ
مَسْكَا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ
(د)﴾ [ص: ٣٢ - ٣٣].
وأخرج النبيّ بَّر الخميصة عن ملكه، ورَمَى بالخاتم أيضاً لما شغله،
كما رواه النسائي من حديث ابن عباس ظه: أن رسول الله ول# اتخذ خاتماً،
ولبسه، قال: ((شَغَلني هذا عنكم منذ اليوم، إليه نظرة، وإليكم نظرة، ثم ألقاه)).
(١) ((شرح النوويّ)) ٤٣/٥ - ٤٤.