النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (١٣) - بَابُ التَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢٩) بدفنه في المسجد، ولا بأن يبصق في ثوبه ويدلكه، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وهو كذلك. قال ابن عبد البرّ كَخَّتُهُ: ولا أعلم خلافاً في طهارة البصاق، إلا شيئاً يُرْوَى عن سلمان رَُّه، والسنن الثابتة ترده، وحكاه الزكيّ عبد العظيم في (حواشيه)) على ((السنن)) عن النخعيّ أيضاً. ٥ - (ومنها): تفقُّد الإمام أحوال المساجد، وتعظيمها، وصيانتها . ٦ - (ومنها): أن للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة، ولا تفسد صلاته. ٧ - (ومنها): أن البصاق طاهرٌ، وكذا النخامة والمخاط، خلافاً لمن يقول: كلُّ ما تستقذره النفس حرام. ٨ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن التحسين والتقبيح إنما هو بالشرع، فإن جهة اليمين مفضّلة على اليسار، وأن اليد مفضلة على القدم. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قصر في ((الفتح)) التحسين والتقبيح على الشرع فقط، وهو مذهب الأشاعرة، والحقّ أن التحسين والتقبيح بالشرع والعقل، وإنما الذي يختصّ بالشرع هي الأحكام الشرعيّة، من الإيجاب والتحريم، ومقدار الثواب والعقاب، ونحو ذلك، وقد حقّقت المسألة في ((التحفة المرضيّة)) و((شرحها))، فراجعهما تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٩ - (ومنها): الحث على الاستكثار من الحسنات، وإن كان صاحبها مليّاً؛ لكونه وَل ◌َه باشر الحكّ بنفسه، وهو دالّ على عِظَم تواضعه ◌َّهور، زاده الله تشريفاً وتعظيماً وَله. ١٠ - (ومنها): أن في أمره و 18 بدفن النخامة في المسجد دليل على تنظيف المسجد وتنزيهه عما يستقذر، ورَوَى أبو داود وابن ماجه من حديث عائشة لقالت: ((أمر رسول الله وَل ببناء المساجد في الدور، وأن تُنَظّف، وتُطَيَّب))(١) . وقال ابن عبد البرّ ◌َّتُهُ: وفي حكم البصاق في المسجد تنزيهه عن أن (١) حديث صحيح. ٣٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة يؤكل فيه مثل البَلَّوط نوع من الشجر والزبيب لعَجَمِه - أي نواه - وما له دسم وتلويث، وحَبّ رقيق، وما يَكْنُسُه المرء من بيته. ١١ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ كَّتُهُ: فيه أن للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة إذا لم يبصق قبل وجهه، ولا يقطع ذلك صلاته، ولا يفسدها إذا غلبه ذلك، واحتاج إليه، ولا يبصق قبل وجهه الْبَنَّةَ. ١٢ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ: أيضاً في إباحة البصاق في المسجد لمن غلبه ذلك دليلٌ على أن النفخ، والتنحنح في الصلاة إذا لم يقصد به صاحبه اللعب والعبث، وكان يسيراً، لا يضر المصلي في صلاته، ولا يفسد شيئاً منها؛ لأنه قلما يكون بصاق، إلا ومعه شيء من النفخ، والنحنحة، والبصاق، والنخاعة، والنخامة كل ذلك متقارب. قال: والتنخم، والتنخع ضرب من التنحنح، ومعلوم أن للتنخم صوتاً كالتنحنح، وربما كان معه ضرب من النفخ عند القذف بالبصاق، فإن قصد النافخ أو المتنحنح في الصلاة بفعله ذلك اللعب، أو شيئاً من العبث أفسد صلاته، وأما إذا كان نفخه تأوُّهاً من ذكر النار إذا مرّ به ذكرها في القرآن، وهو في الصلاة فلا شيء عليه. ثم ذكر اختلاف العلماء في ذلك، فروى ابن القاسم عن مالك أنه يقطع الصلاة النفخ والتنحنح، وروى ابن عبد الحكم، وابن وهب أنه لا يقطع الصلاة النفخ، والتنحنح، وقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: يقطع النفخ إن سمع، وقال أحمد وإسحاق: لا يقطع، وقال الشافعي: ما لا يُفْهِم منه حروف الهجاء فليس بكلام. قال ابن عبد البر: وقول مَن راعى حروف الهجاء، وما يُفْهَم من الكلام أصحّ الأقاويل، إن شاء الله. انتهى. ومذهب الشافعي في النحنحة، والضحك، والبكاء، والنفخ، والأنين أنه إن بان منه حرفان بطلت ما لم يكن معذوراً بغلبة، أو تعذر قراءة الفاتحة ما لم يكثر الضحك، وإن كان مغلوباً فإنه يضر. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) راجع: ((طرح التثريب)) ٣٨٠/٢ - ٣٨٦. ٣٦٣ (١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢٩) (المسألة الرابعة): هل المراد بقوله في حديث أبي هريرة نظابه عند البخاري: (( ... فإنه مُنَاج لله رم ما دام في مصلاه))، أي المكان الذي صلى فيه، أو المسجد الذي صلَى فيه، أو المراد بالمصلَّى نفس الصلاة؟ والأول هو الحقيقة، فحمله عليه أولى، ويدل على الثاني قوله في حديث ابن عمر حظها: ((فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى))، والله تعالى أعلم. وقال الحافظ تَّهُ: قوله: ((ما دام في مصلاه)) يقتضي تخصيص المنع بما إذا كان في الصلاة، لكن التعليل المتقدم بأذى المسلم يقتضي المنع في جدار المسجد مطلقاً، ولو لم يكن في صلاة، فيُجْمَع بأن يقال: كونه في الصلاة أشدّ إثماً مطلقاً، وكونه في جدار القبلة أشدّ إثماً من كونه في غيرها من جدار المسجد، فهي مراتب متفاوتة مع الاشتراك في المنع. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): ثبت في رواية أبي داود تعليل النهي عن البصاق في اليمين بأن فيه ملكاً، قال الحافظ تَخّتُهُ: فإن قلنا: المراد بالملك الكاتب، فقد يُسْتَشْكَل اختصاصه بالمنع مع أن عن يساره ملكاً آخر. وأجيب باحتمال اختصاص ذلك بملك اليمين تشريفاً له وتكريماً، هكذا قال جماعة من القدماء، ولا يخفى ما فيه. وأجاب بعض المتأخرين بأن الصلاة أمّ الحسنات البدنية، فلا دخل الكاتب السيئات فيها، ويَشهَد له ما رواه ابن أبي شيبة من حديث أبي أمامة في هذا الحديث: ((فإنه يقوم بين يدي الله، وملكه عن يمينه، وقرينه عن يساره)). انتھی. فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين، وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه يتحوّل في الصلاة إلى اليمين، والله تعالى أعلم. انتهى (٢)، وهو توجيه حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أَطْلق في هذا الحديث الإذن في أن يبصق عن (١) ((الفتح)) ٧٣/٢ - ٧٤. (٢) ((الفتح)) ٧٤/٢. ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة يساره، وهو محمول على ما إذا كان جهة يساره فارغاً من المصلين، بدليل ما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ من حديث طارق بن عبد الله المحاربيّ نَظُه وفيه: (( ... ولكن تلقاء يساره، إن كان فارغاً، أو تحت قدمه اليسرى)). قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وكذا يدل عليه قوله في بعض طرق حديث أبي هريرة الآتي للمصنّف، بلفظ: ((فليتنخع عن يساره تحت قدمه، فإن لم يجد فليقل هكذا)) أي فإن لم يجد جهة شماله فارغاً، قاله العراقيّ كَخَذَتُهُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): قد ذكر العراقيّ في ((طرح التثريب)) فوائد تتعلق بحديث الباب، أحببت إيرادها هنا، مع المناقشة لبعضها، وإن كان بعضها تقدم تكميلاً للفوائد، وتكثيراً للعوائد، قال تَّقُ. [الأولى]: هذا النهي في البصاق أمامه، أو عن يمينه، هل يفيد كونه في المسجد أو عام في المصلين في أيّ موضع كانوا؟. الظاهر أن المراد العموم؛ لأن المصلي مُنَاجٍ لله تعالى في أي موضع صلى، والملك الذي عن يمينه معه، أيّ موضع صلى، ولكن البخاريّ بوّب على هذا الحديث: ((باب دفن النخامة في المسجد))، وإنما قيّده البخاريّ بالمسجد؛ لأنه لم يأمر بدفن النخامة في غير المسجد. ويدل عليه ما في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد أنه وَله رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاة، فحَكّها، فقال: ((إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمنّ قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى)). لفظ البخاريّ، ولم يَسُق مسلم لفظه. [الثانية]: هل المراد بالقيام للصلاة يعني قوله: ((إذا قام أحدكم للصلاة فلا يبصق أمامه)) الدخول فيها، أو النهوض، والانتصاب لها ولو قبل الإحرام؟. والجواب: أنه إن كان في غير المسجد، أو غيره، فلا حرج في ذلك قبل الشروع في الصلاة إذا كان في غير المسجد، وإن كان المراد بذلك تقييد كونه في المسجد، فسواء في ذلك بعد الإحرام، أو قبله، بل دخول المسجد كان في ٣٦٥ (١٣) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢٩) النهي عن البزاق فيه، وإن لم يكن قام إلى الصلاة، كما ثبت في حديث أنس المتفق عليه: ((البزاق في المسجد خطيئة)). [الثالثة]: هذا النهي عن بصاق المصلي أمامه، أو عن يمينه، هل هو على التحريم، أو التنزيه؟. قال القرطبيّ تَخْذَلُ: إن إقباله وسي* على الناس مُغْضباً يدل على تحريم البصاق في جدار القبلة، وعلى أنه لا يُكَفَّر بدفنه، ولا بحكه، كما قال في جملة المسجد: ((البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها)). قال العراقيّ ◌َخّْثهُ: ويدل على تحريم البصاق في القبلة ما رواه أبو داود بإسناد جيِّد من حديث السائب بن خلاد ◌ُبُه: أن رجلاً أمَّ قوماً، فبصق في القبلة، ورسول الله * ينظر إليه، فقال حين فرغ: ((لا يصلي لكم ... )) الحديث. وفيه أنه قال له: ((إنك آذيت الله ورسوله)). وأطلق جماعة من الشافعيين كراهية البصاق في المسجد، منهم المحامليّ، وسُلَيم الرازيّ، والرويانيّ، وأبو العباس الجرجانيّ، وصاحب (البيان)) رحمهم الله، وجزم النوويّ كَُّ في ((شرح المهذّب))، و((التحقيقِ)) بتحريمه، وكأنه تمسك بقوله في الحديث الصحيح: ((إنه خطيئة)). وقال أبو الوليد الباجيّ كَّلُهُ: فأما من بصق في المسجد، وستر بصاقه، فلا إثم عليه، وحكى القرطبيّ ◌َّتُهُ أيضاً عن ابن مكيّ إنه إنما يكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه، قال القرطبيّ: وقد دل على صحة هذا قوله في حديث أبي ذرّ ◌َظُله عند مسلم: ((ووجدت في مساوي أعمالها: النخامة تكون في المسجد، لا تدفن))، فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد، بل بذلك، وببقائها غير مدفونة. قال العراقيّ ◌َخْتُ: ويدل عليه أيضاً إذنه ◌َّ في ذلك في حديث الباب بقوله: ((أو تحت رجليه، فيدفنه))، إن حملنا الحديث على إرادة كونه في المسجد، كما تقدم، وهو مصرح به في حديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التفصيل عندي هو الأولى جمعاً بين الأحاديث. ٣٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة والحاصل أن البصاق في المسجد محرَّم إذا لم يدفن، والله تعالى أعلم. [الرابعة]: علَّل النهي عن البصاق أمامه بكونه مناجياً لله تعالى، وفي حديث ابن عمر بأن الله قِبَل وجهه إذا صلى، وفي حديث أبي هريرة الآتي: ((ما بال أحدكم يقوم مستقبلاً ربه، فيتنخع أمامه)). ولا منافاة بين ذلك، فإن المراد إقبال الله تعالى عليه، كما سيأتي. وقال ابن عبد البر كَّثهُ: وهذا كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وإكرامها، قال: وقد نزع بهذا الحديث بعض من ذهب مذهب المعتزلة إلى أن الله تعالى في كل مكان، وليس على العرش، قال: وهذا جهل من قائله، لأن قوله في الحديث: ((يبصق تحت قدمه، وعن يساره)) ينقض ما أصَّلُوه في أنه في كل مكان. قال العراقي: هذا كلام ابن عبد البر، وهو أحد القائلين بالجهة، فاحذره، وإنما ذكرته لأنّبه عليه؛ لئلا يُغْتَرّ به، والصواب ما قدمناه بدليل ما أخرجه القاضي إسماعيل بإسناد صحيح من حديث حذيفة ظله أن رسول الله وَ#، قال: ((إذا قام الرجل في صلاته أقبل الله تعالى عليه بوجهه، فلا يبزقن أحدكم في قبلته ... )) الحديث. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله العراقيّ ردّاً على ابن عبد البر، وصوّبه غير صواب؛ بل الصواب مع ابن عبد البر، وهو الذي عليه أهل الحديث، وهو مذهب سلف هذه الأمة، وذلك أن ابن عبد البرّ من كبار المحدثين، ومن محققي الفقهاء والأصوليين، ومذهب هؤلاء: الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه، أو صحّ عن رسول الله وَل﴿ وصفُهُ به، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل. فيا أيها العقلاء، ويا أصحاب الألباب، فهل من يؤمن بقوله تعالى: ﴿الرَّحَْنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ﴾﴾ [طه: ٥] الآية، بأن الله تعالى استوى على العرش على معناه اللغويّ العربيّ، استواء يليق بجلاله، وبقوله وَّر في الحديث الذي اتفقت الأمة على صحته وقبوله: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا ... )) الحديث، بأن الله تعالى ينزل نزولاً حقيقيّاً يليق بجلاله من غير ٣٦٧ (١٣) - بَابُ التَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢٩) تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تشبيه، ولا تمثيل، فهل هو على الصواب؟ أم من يعتقد أن معنى استوى: استولى، وأن معنى ينزل: ينزل ملكه، ويسلك مسلك التحريف والتأويل هو الذي على الصواب؟! فبالله أنصفوا، وقولوا الحقّ، أيهما على الصواب؟، وأيهما معه الحق؟! ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا السَّلَلٌ﴾ [يونس: ٣٢]. اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمواتِ والأرضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَة، أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفون، اهْدِنَا لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ، إنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وقال صاحب ((المفهم)): إنه لما كان المصلي يتوجه بوجهه وقصده وكلّيته إلى هذه الجهة؛ نزّلها في حقه وجود منزلة الله تعالى، فيكون هذا من باب الاستعارة، كما قال: ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض))، أي بمنزلة يمين الله. قلت: وقد أوّل الإمام أحمد هذا الحديث. قال القرطبي: وقد يجوز أن يكون من باب حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، فكأنه قال: مستقبل قبلة ربه، أو رحمة ربه، كما قال في الحديث الآخر: ((فلا يبصق قبل القبلة، فإن الرحمة تواجهه)). قال العراقي: ولا أحفظ هذا اللفظ في البصاق، وإنما هو في مسح الحصى، كما رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي ذرّ ◌َظُه، عن النبيّ ◌َل، قال: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصا فإن الرحمة تواجهه)). انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام صاحب ((المفهم)) هو عين ما قاله العراقي فتنبه. وأما قوله: وقد أوَّل الإمام أحمد هذا الحديث، فقد ردّه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في ((مجموع الفتاوى)) (٣٩٨/٥). قال نَظُّ: وأما ما حكاه أبو حامد الغزاليّ عن بعض الحنابلة: أن أحمد لم يتأول إلا ثلاثة أشياء: ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض))، و((قلوب العباد بين أصبعين من أصابع ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الرحمن))، و((إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمين))، فهذه الحكاية كَذِبٌ على أحمد، لم ينقلها أحد عنه بإسناد؛ ولا يُعرَف أحد من أصحابه نَقَل ذلك عنه، وهذا الحنبليّ الذي ذكر عنه أبو حامد مجهول لا يُعْرَف، لا علمه بما قال، ولا صدقه فيما قال. انتهى كلام شيخ الإسلام، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، فتمسّك به تسلم من التدليس والتلبيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٢٣٠] ( ... ) - (حَدَّثَنِي (١) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ(٢)، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ، أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ رَأَى نُخَامَةً، بِمِثْلِ(٣) حَدِيثٍ ابْنِ عُيَيْنَةَ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (أَبُوِ الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم قريباً. ٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريباً أيضاً. ◌َ ـ (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ الحافظ الفقيه، تقدّم قريباً أيضاً. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريباً أيضاً. ٥ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١. ٦ - (أبوه) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقة حجة [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. (١) وفي نسخة: ((وحدّثني)). (٣) وفي نسخة: ((مثلَ)). (٢) وفي نسخة: ((وحرملة بن يحيى)). ٣٦٩ (١٣) - بَابُ التَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٣١) والباقون تقدّموا في الباب. وقوله: (كِلَاهُمَا) يعني يونس، وإبراهيم بن سعد. [تنبيه]: رواية يونس بن يزيد هذه، ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (١/ ٣٣٥) فقال: (١١٩٥) حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: حدّثني حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد الخدريّ يقولان: رأى رسول الله وَّهَ نُخامةً في القبلة، فتناول حصاةً فحَكّها، ثم قال: ((لا يتنخم أحدكم في القبلة، ولا عن یمینه، وليبصُقْ عن يساره، أو تحت رجله)). انتهى. وأما رواية إبراهيم بن سعد هذه فساقها البخاريّ في ((صحيحه))، فقال: (٤٠٩) حدّثنا موسى بن إسماعيل، قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه، أن رسول الله وَ﴿ رأى نخامة في جدار المسجد، فتناول حصاةً، فحكها، فقال: ((إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه، ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه اليسرى)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٢٣١] (٥٤٩) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ بَّهِ رَأَى بُصَاقاً فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ، أَوْ مُخَاطً، أَوْ نُخَامَةً، فَحَكَّهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربما دلّس [٥] (ت٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠. ٣٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧. ٣ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ظُنَا، توفيت سنة (٥٧) أو بعدها، تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلُ. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، وقُتيبة، وإن كان بَغْلانيّاً إلا أنه دخل المدينة . ٣ - (ومنها): أن رواته كلهم رواة الجماعة. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ينا من المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠). شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّهَا (أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ رَأَى بُصَاقاً) بالضمّ: هو البزاق، قال النوويّ تَخْلَتُهُ: قال أهل اللغة: المخاط من الأنف، والبصاق والبزاق من الفم، والنخامة، وهي النُّخاعة من الرأس أيضاً، ومن الصدر، ويقال: تنخَّم، وتنخَّع. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخْلُ: النُّخاعة، والنّخامة: ما يخرُج من الصدر، يقال: تنخّم، وتنخّع بمعنى واحد، والبُصاق بالصاد والزاي: ما يخرُج من الفم، والمخاط: ما يخرُج من الأنف، ويقال: بَصَقَ الرجل يبصُقُ، وبزَقَ كذلك، وتَفَلَ بفتح العين يَتْفِلُ بكسرها، وبالتاء المثنّاة، ونفث ينفُث، قال ابن مكيّ في ((تثقيف اللسان)): التَّفَل بفتح الفاء: نفخٌ لا بُصاق معه، والنفثُ: لا بدّ أن (١) ((شرح النووي)) ٣٨/٥ - ٣٩. ٣٧١ (١٣) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٣١) يكون معه شيء من الريق، قاله أبو عُبيد، وقال الثعالبيّ: الْمَجّ: الرمي بالريق، والتفلُ أقلُّ منه، والنفث أقلّ منه. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((يَتْفُل بكسر التاء)) فيه قصور، فإن فيه الضم أيضاً، قال في ((المصباح)): تَفَلَ تَفْلاً، من بابي ضَرَبَ وقَتَلَ، من البُزاق، يقال: بَزَقَ، ثم تَفَلَ، ثم نَفَثَ، ثم نفَخَ. انتهى(٢). (فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ) متعلّق بصفة لـ((بُصاقاً))، أي كائناً في جدار المسجد من جهة القبلة (أَوْ مُخَاطًاً، أَوْ نُخَامَةً) وفي رواية البخاريّ: ((رأى في جدار القبلة مُخاطاً، أو بُصاقاً، أو نُخامةً))، قال في ((الفتح)): كذا هو في ((الموظّأ)) بالشكّ، وللإسماعيلي من طريق مَعْن، عن مالك: ((أو نُخاعاً))، بدل ((مُخاطاً))، وهو أشبه، قال: والفرق بينهم أن النخاعة ما يخرُج من الصدر، وقيل: النخاعة بالعين من الصدر، وبالميم من الرأس. انتهى(٣). (فَحَكَّهُ) وفي رواية: ((فحتّها)) وهما بمعنى واحد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة غيّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٣١/١٣] (٥٤٩)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٠٧)، و(ابن ماجه) فيها (٧٦٤)، و(مالك) في ((الموطأ) (١٩٥/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٥٢٠٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٠٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((المفهم)) ٢/ ١٥٧. (٣) ((الفتح)) ٦٠٥/١ و٦٠٧. (٢) ((المصباح المنير)) ٧٦/١. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّقُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٣٢] (٥٥٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنٍ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ، فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ، فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَتَخَّعَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا))، وَوَصَفَ الْقَاسِمُ، فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ مِهْرَانَ) الْقَيسيّ، مولى بني قيس بن ثَعْلَبة، خال هُشيم، ثقةٌ (١) [٦]. رَوَى عن أبي رافع الصائغ، وعنه شعبة، وعبد الوارث، وهُشيم، وعبد الله بن دُكين الكوفيّ، وإسماعيل ابن علية. قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس عندهم إلا هذا الحديث فقط . ٢ - (أَبُو رَافِع) نُفَيعُ الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته [٢] تقدّم في ((شرحًّ المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٦٢. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لاختلاف صيغ الأداء. (١) قال عنه في ((التقريب)): صدوقٌ، وعندي أنه ثقة؛ لأنه روى عنه جماعة، ووثقه ابن معين، وأخرج له المصنّف تغلُّهُ، وقال أبو حاتم: صالح، ولم يتكلّم فيه، فهو ثقة، فتنبه. ٣٧٣ (١٣) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٣٢) ٢ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة تظله رأس المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ رَأَى نُخَامَةً) تقدّم أنها ما يكون من الرأس كالنخاعة (فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ) أي في الجهة التي هي قبلة المسجد النبويّ (فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((مَا بَالُ أَحَدِكُمْ) ((ما)) استفهامية))، والاستفهام إنكاريّ، أي ما شأنه، وما حاله، وقوله: (يَقُومُ) جملة حالية من ((أحدكم))، وقوله: (مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ) منصوب على الحال من فاعل ((يقوم)) (فَيَتَنَجَّعُ أَمَامَهُ) أي جهة قُدّامه (أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ) بالبناء للمفعول، أي يستقبله أحد من الناس (فَيُتَتَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟) بالبناء للمفعول أيضاً، والمعنى: أنه كما يكره، أن يقابله أحد، ثم يتنخّع في وجهه، كذلك ينبغي له أن يعظمّ ربّه، ويعظم القبلة التي يواجه فيها ربّه (فَإِذَا تَتَخَّعَ) أي أراد أن يتنخّع (أَحَدُكُمْ، فَلْيَتَنَشَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ) قال النوويّ تَُّهُ: فيه نهي المصلي عن البصاق بين يديه، وعن يمينه، وهذا عامّ في المسجد وغيره. وقوله وَله: ((وليبزق تحت قدمه وعن يساره)) هذا في غير المسجد، أما المصلي في المسجد فلا يبزق إلا في ثوبه؛ لقوله وتلقى: ((البزاق في المسجد خطيئة))، فكيف يأذن فيه وَل﴾؟ . وإنما نُهِي عن البصاق عن اليمين؛ تشريفاً لها، وفي رواية البخاريّ: ((فلا يبصق أمامه، ولا عن يمينه، فإن عن يمينه ملكاً)). قال القاضي عياض: والنهي عن البزاق عن يمينه هو مع إمكان غير اليمين، فإن تعذر غير اليمين بأن يكون عن يساره مصلٍّ، فله البصاق عن يمينه، لكن الأولى تنزيه اليمين عن ذلك ما أمكن. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قول القاضي: فله البصاق عن يمينه، فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأنه * أرشد فيما إذا لم يمكن البصاق عن اليسار بأن يتنخّع في ثوبه، ثم يدلكه، ولم يبح التفل في يمينه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ٣٩/٥. ٣٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا))) أي فليتفُل، ففيه إطلاق القول على الفعل، وهو شائع، وقد سبق تحقيقه غير مرّة. ولفظ أبي نعيم في ((مستخرجه)) من طريق هشيم، عن القاسم بن مِهْران: ((فإن لم يستطع فليبزُق في ناحية ثوبه، ثم ليردّ بعضه على بعض)). (وَوَصَفَ الْقَاسِمُ) بن مِهْران كيفيّة ما أشار إليه بَّه بقوله: ((فليقل هكذا)) (فَتَفَلَ) تقدّم أنه من بابي ضرب، وقَتَل (فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ) يعني أنه دلك ذلك التفل حتى يتلاشى، ويذهب أثره، فلا يظهر عليه قبح المنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظ﴾ هذا من أفراد المصنّف نَظُّ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٣٢/١٣ و١٢٣٣] (٥٥٠)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤١٥/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٩٧)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٢٠٩ و١٢١٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩١/٢ و٢٩٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٢٣٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوَخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةً، وَزَادَ فِي حَدِيثٍ هُشَيْمَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ نِّهِ يَرُدُّ ◌َوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد، تقدم قريباً أيضاً. ٣٧٥ (١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٣٤) والباقون تقدّموا قريباً، فمن قبل القاسم تقدّموا قبل أربعة أبواب، ومنه ذكروا في هذا الباب. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْقَاسِم بْنِ مِهْرَانَ) الضمير لعبد الوارث، وهُشيم، وشعبة . [تنبيه]: رواية عبد الوارث، وشعبة ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (١/ ٣٣٦) فقال: (١١٩٧) حدّثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة وأبيه، عن القاسم بن مِهْران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ لهو رأى نخامة، أو بزاقاً في القبلة، فحكّها، وقال: ((أيسُرُ أحدكم إذا قام يصلي أن يأتيه رجل، فيتنخع في وجهه؟ فإذا قام أحدكم فلا يتنخعنّ، أو يبزقنّ بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره تحت قدمه، فإذا لم يجد فليفعل هكذا)، وبزق في ثوبه، ثم دله. وأما رواية هشيم، فساقها أبو عوانة أيضاً (٣٣٧/١) فقال: (١١٩٩) حدّثنا محمد بن يحيى، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا هشيم، عن القاسم بن مِهْران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: رأيت النبيّ ◌َّ بزق في ثوبه، وهو في الصلاة، فلقد رأيته يُرُدّ بعضه على بعض. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٣٤] (٥٥١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزَّمِنُ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الحجة الناقد البصير [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبت، رأس [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن سِنان الصحابيّ الشهير، مات سنة (٢ أو ٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما، وفيه التحديث، والسماع، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخيه أحد المشايخ التسعة الذين اشترك أصحاب الكتب الستّة بالرواية عنهم بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن أنساً ظُله من مشاهير الصحابة ﴿ه، أحد المكثرين السبعة (٢٢٨٦) حديثاً، وخدم النبيّ وَّ عشر سنين، وهو من المعمّرين، قد جاوز المائة، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبُهُ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ) وفي رواية البخاريّ من طريق حميد، عن أنس: ((أن النبيّ وَّ رأى نُخامة في القبلة، فشقّ ذلك عليه حتى رُؤي في وجهه، فقام فحگّه بيده، فقال: ((إن أحدكم إذا قام في صلاته ... )) (فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ) أي يُسارّه، تقول: ناجيته: إذا ساررته، والاسم النجوى، وتناجى القومُ: ناجى بعضهم بعضاً (فَلَا يَبْزُقَنَّ) ٣٧٧ (١٣) - بَابُ التَّهْىِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٣٥) بضم الزاي، من باب نصر (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي قُدّامه؛ لأن الله قِبَل وجهه، وفي رواية البخاريّ: ((فلا يبزقنّ قِبَل قبلته)) (وَلَا عَنْ يَمِينِهِ) لأن الملك عن يمينه (وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ) أي ليبزُق من جهة شماله؛ لكونها مكان قرينه من الشيطان (تَحْتَ قَدَمِهِ)) وتقدّم أن أكثر الروايات ((أو تحت قدمه)) بـ(أو))، وهي أعمّ؛ لكونها تشمل من تحت القدم وغير ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك رُّّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٣٤/١٣] (٥٥١)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٠٥ و٤١٢ و٤١٣ و٤١٧) و((المواقيت)) (٥٣١ و٥٣٢) و((العمل في الصلاة)) (١٢١٤)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (١٦٩٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٦٤/٢)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (١٢٣١٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣/ ١٧٦ و٢٧٣ و٢٧٨ و٢٩١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٤/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٠٣ و١٢٠٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢١١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٢٦٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٥/١ و٢٩٢/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٩١ و٤٩٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٢٣٥] (٥٥٢) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَقْنُهَا))). (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٣٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقة ثبتٌ [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والباقون تقدّموا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخَّتُهُ، وهو (٧٦) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) رَبه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((الْبُزَاقُ) مبتدأ (فِي الْمَسْجِدٍ) متعلّق بـ(البُزاق))، وفيه بيان أنه لا يشترط كون الفاعل في المسجد، وإنما الشرط كون الفعل فيه، حتى لو بصق مَن هو خارج المسجد فيه تناوله النهي، أفاده في ((الفتح)) (١). وقوله: (خَطِيئَةٌ) خبر المبتدأ، أي ذنب ومعصيةٌ. قال القاضي عياض نَّتُهُ: كونه خطيئة إنما هو لمن تَفَل فيه، ولم يَدفِن؛ لأنه يُقدِّر المسجد، ويتأذِّى به من يَعْلَق به، أو رآه، كما جاء في الحديث الآخر: ((لئلا تُصيب جلد مؤمن، أو ثوبه، فتؤذيه))(٢)، فأما من اضطرّ إلى ذلك، فدَفَنَ، وفَعَل ما أمر به، فلم يأت خطيئةً، فكأن بدفنه لها أزال عنه الخطيئة وكفّرها، لو قدّرنا بصاقه فيه، ولم يَدفنه، وأصل التكفير: التغطية، فكأن دفنها غطاء لما يُتصوّر عليه من الذّمّ، والإثم لو لم يَفعل، وهذا كما سُمّيت تَحِلّةُ (١) ٦١٠/١. (٢) هو ما أخرجه الإمام أحمد في ((مسنده)) (١٥٤٦) بسند صحيح، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه سعد ظه، قال: سمعت رسول الله صل* يقول: ((إذا تنخم أحدكم في المسجد، فليغيِّب نخامته، أن تصيب جلد مؤمن، أو ثوبه فتؤذیه)) . ٣٧٩ (١٣) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٣٥) اليمين كفّارةً، وليست اليمين بمأثم فتُكفَّرَ، ولكن لَمَّا جعلها الله تعالى فُسحةً لعباده في حَلّ ما عقده من أيمانهم، ورفعاً لحكمها سمّاها كفّارةً، ولهذا جاز إخراجها قبل الحنث، وسقوط حكم اليمين بها عند جماعة من العلماء، وهو الأصحّ، هذا هو تأويل لفظها إلا على قول من أثبتها خطيئةً، وإن اضطرّ إليها، لكن تُكفّرها التغطيةُ. انتهى كلام القاضي تَظُّهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ مفيدٌ. وقال النوويّ كَّثُ: اعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقاً، سواء احتاج إلى البزاق، أو لم يحتج، بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة، وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق، هذا هو الصواب أن البزاق خطيئة، كما صرح به رسول الله وَل﴾، وقاله العلماء، وللقاضي عياض فيه كلامٌ باطلٌ، حاصله أن البزاق ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة، واستَدَلّ له بأشياء باطلة، فقوله هذا غلطٌ صريحٌ مخالفٌ لنصّ الحديث، ولما قاله العلماء، نبهت عليه؛ لئلا يُغْتَرَّ به. انتهى كلام النوويّ ◌َُّهُ . قال الجامع عفا الله عنه: ردّ النوويّ على القاضي غير مسلّم، بل ما قاله هو الحقّ، كما يتبيّن تحقيقه، بعدُ، فتنبّه. وقال في ((الفتح)): قال القاضي عياض: إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فلا، ورَدّه النوويّ، فقال: هو خلاف صريح الحديث. قلت: وحاصل النزاع أن هنا عمومين تعارضا، وهما قوله: ((البزاق في المسجد خطيئة))، وقوله: ((وليبصُق عن يساره، أو تحت قدمه))، فالنوويّ يجعل الأول عامّاً، ويخُصّ الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه يجعل الثاني عامّاً، ويخص الأول بمن لم يُرِد دفنها . وقد وافق القاضي جماعة، منهم ابن مكيّ في ((التنقيب))، والقرطبيّ في ((المفهم))، وغيرهما، ويشهد لهم ما رواه أحمد بإسناد حسن، من حديث سعد بن أبي وقاص ته مرفوعاً قال: ((مَن تنخّم في المسجد، فَلْيُغَيِّب نخامته، أن تصيب جِلْدَ مؤمن، أو ثوبه فتؤذیه)). (١) راجع: ((إكمال المعلم)) ٢/ ٤٨٧. ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد أيضاً، والطبرانيّ بإسناد حسن، من حديث أبي أمامة به مرفوعاً قال: ((من تنخع في المسجد، فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة))، فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوه حديثُ أبي ذرّ ◌َظُّه الآتي للمصنّف بعد حديث مرفوعاً قال: ((ووجدت في مساوي أعمال أمتي النخاعةَ، تكون في المسجد لا تُدْفَرُ)). قال القرطبيّ: فلم يُثبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل به وبترکها غیر مدفونة. انتھی. ورَوَى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح ظُّ أنه تنخَّم في المسجد ليلةً، فَنَسِيَ أن يَدْفِنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شُعْلةً من نار، ثم جاء فطلبها حتى دفنها، ثم قال: الحمد لله الذي لم يكتب عليّ خطيئة الليلة. فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها، لا بمن دفنها، وعلة النهي ترشد إليه، وهي تأذِّي المؤمن بها . ومما يدل على أن عمومه مخصوصٌ جواز ذلك في الثوب، ولو كان في المسجد بلا خلاف. وعند أبي داود من حديث عبد الله بن الشِّخِّير ◌َبه أنه صلى مع النبيّ ◌َّل، فبصق تحت قدمه اليسرى، ثم دلكه بنعله دَّثُ، وإسناده صحيحٌ، وأصله في مسلم، والظاهر أن ذلك كان في المسجد، فيؤيِّد ما تقدم. وتوسط بعضهم، فحَمَل الجواز على ما إذا كان له عذر، كأن لم يتمكن من الخروج من المسجد، والمنعَ على ما إذا لم يكن له عذر، وهو تفصيل حسنٌ والله أعلم. وينبغي أن يُفَصَّل أيضاً بين من بدأ بمعالجة الدفن قبل الفعل، كمن حَفَر أوّلاً ثم بصق، ووارى، وبين من بصق أوّلاً بنية أن يدفن مثلاً، فيجري فيه الخلاف، بخلاف الذي قبله؛ لأنه إذا كان المكفِّر إثم إبرازها هو دفنها، فكيف يأثم من دفنها ابتداء؟. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن قول القاضي (١) ((الفتح)) ٦٠٩/١ - ٦١٠.