النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ (١٢) - بَابُ الَّهْىٍ عَنْ مَسِّ الْخَصَى، وَتَسْوِيَةِ التُّرَابِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٢٢٤) بدراً، وكان على خاتم النبيّ وَّه، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال. رَوَى عن النبيّ وَّ، وعنه ابنه محمد، وابن ابنه إياس بن الحارث بن معيقيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. قال ابن عبد البرّ: كان قد نزل به داء الجذام، فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل فتوقف، وتُؤُفّي في خلافة عثمان، وقيل: بل في خلافة عليّ سنة أربعين. أخرج له السّة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط، كرّره ثلاث مرّات. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَحْذَلُهُ . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: يحيى، عن أبي سلمة. ٤ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة إلا هذا الحديث، وله حديث آخر عن أبي داود والنسائيّ، من رواية إياس بن الحارث بن المعيقيب، عن جدّه معيقيب، أنه قال: ((كان خاتم النبيّ وَّهِ حَدِيداً مَلْويّاً، عليه فضةٌ ... )) الحديث. ٦ - (ومنها): أنه ليس في الكتب الستة من يسمّى معيقيب غير هذا الصحابيّ ◌َظُه، وذكر ابن التين أنه ليس في الصحابة ﴿ه أحدٌ أجذم غيره، قاله في ((العمدة)) (١)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ مُعَيْقِيبٍ) رَظُه وفي رواية شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة الآتية: (١) ((عمدة القاري)) ٤١٥/٧. ٣٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ((قال: حدّثني معيقيبٌ))، وفي رواية الترمذيّ من طريق الأوزاعيّ، عن يحيى: حدّثني أبو سلمة))، فوقع التصريح بالتحديث من كلّ من يحيى، وأبي سلمة (قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ الْمَسْحَ فِي الْمَسْجِدِ، يَعْنِي الْحَصَى) أي يقصد بقوله: ((ذَكَر المسح)) أي مسح الحصى في المسجد، والعناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن من هو؟، وفي رواية يحيى بن سعيد التالية: ((أنهم سألوا النبيّ وَّر عن المسح في الصلاة))، وفي رواية شيبان: ((أن رسول الله ◌َو قال في الرجل يُسوّي التراب حيث يسجد)) (قَالَ) وَ ((إِنْ) بكسر الهمزة شرطيّة (كُنْتَ لَا بُدَّ) ((لا)) نافيةٌ للجنس، و((بُدّ)) بضمّ الباء، وتشديد الدال اسمها في محلّ نصب مبنيّ على الفتح؛ لتركّبه معها تركيب خمسة عشر. قال في ((اللسان)): ((ولا بُدّ منه)): أي لا مَحالةَ، وليس لهذا الأمر بُدّ، أي لا محالةَ، و((البُدّ)): الفراق، تقول: لا بدّ اليوم من قضاء حاجتي، أي لا (١) فِراق منه. انتهى(١) . والجملة معترضة بين ((كان)) وخبرها . (فَاعِلاً) أي مسوّياً للتراب، ولفظ الفعل أعمّ الأفعال، ولهذا جاء لفظ ﴿فَعِلُونَ﴾ في موضع مؤدّون، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمّ لِلِزَّكَوَةِ فَعِلُونَ [المؤمنون: ٤] (فَوَاحِدَةً)) الفاء رابطة لجواب الشرط، و((واحدةً)) منصوب على إضمار ناصب، تقديره: فامسح واحدةً، ويجوز أن تكون منصوبة على أنها صفة لمصدر محذوف، والتقدير: إن كنت فاعلاً فافعل فَعْلَةً واحدةً، يعني مرّةً واحدة، وكذا هو في رواية الترمذيّ: ((إن كنت فاعلاً فمرّةً واحدةً))، ويجوز رفعها على الابتداء، وخبرها محذوف، أي ففَعلةٌ واحدة تكفي، ويجوز أن تكون خبراً لمحذوف، أي المشروع فَعْلٌ واحدة، أفاده في ((العمدة)(٢). وقال النوويّ كَُّ: قوله وَالَ: ((إن كنت لا بُدّ فاعلاً فواحدةً)): معناه: لا تفعل، وإن فعلتَ فافعل واحدةً لا تزد، قال: واتَّفق العلماء على كراهة المسح؛ لأنه ينافي التواضع، ولأنه يَشْغَل المصلي، قال القاضي: وكره السلف (١) ((لسان العرب)) ٣/ ٨١. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٤١٥/٧. ٣٤٣ (١٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ مَسِّ الْخَصَى، وَتَسْوِيَةِ التُّرَابِ فِي الصَّلَاةِ- حديث رقم (١٢٢٤) مسح الجبهة في الصلاة، وقبل الانصراف، يعني من المسجد مما يتعلق بها من تراب ونحوه. انتهى (١). وأخرج الإمام أحمد، من حديث حذيفة ظته قال: سألت النبيّ وَّر عن كل شيء، حتى عن مسح الحصى، فقال: ((واحدةً، أو دَعْ))، وأخرج أصحاب ((السنن)) من حديث أبي ذرّ رَظُه مرفوعاً: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الرحمة تواجهه، فلا يمسح الحصی)). وأخرج أحمد بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله ﴿ًا قال: سألت النبيّ وَّر عن مسح الحصى؟ فقال: ((واحدةً، ولئن تُمْسِكْ عنها خير لك من مائة بدنة كلها سُودُ الْحَدَقَةِ))(٢) . وقوله: ((إذا قام)) المراد به الدخول في الصلاة؛ ليوافق حديث الباب، فلا يكون منهيّاً عن المسح قبل الدخول فيها، بل الأولى أن يَفْعَل ذلك حتى لا يَشتغل باله، وهو في الصلاة به، قاله في ((الفتح))(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معيقيب نصّبه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٢٤/١٢ و١٢٢٥ و١٢٢٦] (٥٤٦)، و(البخاري) في ((كتاب العمل في الصلاة)) (١٢٠٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٩٤٦)، و(الترمذيّ) فيها (٣٨٠)، و(ابن ماجه) فيها (١٠٢٦)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (١١٩٢) و((الكبرى)) (١١١٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١١٨٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤١١/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢٦/٣ و٥/ ٤٢٥)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢١٨ و١٣٩٤)، و(أبو عوانة) في (١) («شرح النووي)) ٣٧/٥. (٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) برقم (١٣٧٩٢)، وفي سنده شُرَحبيل بن سعد ضعّفه مالك، وابن عيينة، وابن سعد، وابن معين، وغيره. (٣) ((الفتح)) ٩٥/٣. ٣٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ((مسنده)) (١٨٩٤ و١٨٩٥ و١٨٩٦ و١٨٩٧ و١٨٩٨)، و(أبو نعيم) في (١٢٠٠ و١٢٠١ و١٢٠٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨٩٥ و٨٩٦)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٢٧٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٦٦٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم مسح الحصى في الصلاة : (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، فرخصّت فيه طائفة. وممن رَخَّص في ذلك: أبو ذرّ، وأبو هريرة، وحذيفة، وكان ابن مسعود، وابن عمر يفعلانه في الصلاة، وبه قال من التابعين إبراهيم النخعيّ، وأبو صالح. وحَكَى الخطابيّ في ((المعالم)) كراهته عن كثير من العلماء. وممن كرهه من الصحابة: عمر بن الخطاب، وجابر، ومن التابعين الحسن البصريّ وجمهور العلماء بعدهم. وحَكَى النوويّ في ((شرحه)) اتفاق العلماء على كراهته؛ لأنه ينافي التواضع، ولأنه يشغل المصلي. وتُعُقّب في حكايته الاتفاق؛ فإن مالكاً لم ير به بأساً، وكان يفعله في الصلاة، ولعلّه لم يبلغه الخبر. وفي ((التلويح)): رُوي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمسحون الحصى لموضع سجودهم مرةً واحدةً، وكَرِهوا ما زاد عليها . وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على المرة الواحدة، وقال ابن حزم: فرض عليه أن لا يمسح الحصى، وما يسجد عليه إلا مرةً واحدةً، وتركها أفضل، لكن يسوي موضع سجوده قبل دخوله في الصلاة. وأخرجه الترمذيّ عن أبي ذرّ ◌َظُه عن النبيّ وَّ قال: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يمسح الحصى، فإن الرحمة تواجهه))، ورواه أيضاً بقية الأربعة، وقال الترمذيّ: حديث أبي ذرّ حديث حسن، وتعليل النهي عن مسح الحصى بكون الرحمة تواجهه يدلّ على أن النهي حكمته أن لا يشتغل خاطره ٣٤٥ (١٢) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ مَسِّ الْحَصَى، وَتَسْوِيَةِ التُّرَابِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (١٢٢٥) بشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له، فيفوته حظه، وفي معنى مسح الحصى مسح الجبهة من التراب والطين والحصى في الصلاة. وروى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن أبي الدرداء تظ له قال: ((ما أحب أن لي حمر النعم، وأني مسحت مكان جبيني من الحصى، إلا أن يغلبني، فأمسح مسحةً))، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ نَظُه المتفق عليه ((أن النبيّ وَّ انصرف عن الصلاة، وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين)). قال القاضي عياض: وكَرِه السلف مسح الجبهة في الصلاة، وقبل الانصراف يعني من المسجد، مما يتعلق بها من تراب ونحوه. وحَكَى ابنُ عبد البرّ عن سعيد بن جبير، والشعبيّ، والحسن البصريّ أنهم كانوا يَكرَهون أن يمسح الرجل جبهته قبل أن ينصرف، ويقولون: هو من الجفاء، وقال ابن مسعود ظه: ((أربع من الجفاء: أن تصلي إلى غير سترة، أو تمسح جبهتك قبل أن تنصرف، أو تبول قائماً، أو تسمع المنادي ثم لا تجيبه))، ذكر هذا كلّه في ((العمدة))(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح عدم مسح الحصى في الصلاة، إلا أن يضطرّ إلى ذلك، فيمسح مرّة واحدة، كما نصّ عليه النبيّ وَّ حيث قال: ((إن كنت لا بدّ فاعلاً، فواحدة))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَغذّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(٢) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ مُعَيْقِيبٍ، أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ◌َّهِ عَنِ الْمَسْحِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((وَاحِدَةً))) رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ الزَّمِنُ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. (١) ((عمدة القاري)) ٤١٥/٧ - ٤١٦. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٣٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، الإمام الحجة الثبت الناقد [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥. والباقون تقدّموا قبله، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) على الأصحّ، وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٥. ٢ - (خَالِدُ بْنَ الْحَارِثِ) الْهُجَميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني إسناد هشام الماضي، وهو: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب. وقوله: (وَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ) فاعل ((قال)) ضمير خالد بن الحارث. [تنبيه]: رواية خالد بن الحارث هذه لم أجد من ساقها تامّة، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [ ... ] ( .. ) - (ح) (وَحَدَّثَنَاه، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ، قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَوَاحِدَةً)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الْمَوْصِل وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢١/٥٥. ٣٤٧ (١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢٧) ٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. والباقون تقدّموا في الباب. وقوله: (فِي الرَّجُلِ) أي في حكم الرجل، وذكر الرجل للغالب، وإلا فالحكم جار في النساء أيضاً. وقوله: (يُسَوِّي التُّرَابَ) أي يُعدّله. (حَيْثُ يَسْجُدُ) أي في مكان السجود، وهل يتناول العضو الساجد؟، لا يبعد ذلك، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٣) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَنَهْي الْمُصَلِّي أَنْ يَبْصُقَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٧] (٥٤٧) - (حَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ رَأَى بُصَاقً فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى))). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الأصبحيّ، رأس المتثبّتين، وكبير المتقنين، الإمام المشهور [٧] (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٧٨. (١) ((الفتح)) ٩٩/٣. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٣٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٣ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب العدوي، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ُ ◌ّه، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٧٥) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه وإن كان نيسابوريّاً إلا أنه دخل المدينة؛ للأخذ عن مالك. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح الأسانيد على الإطلاق كما نُقل عن الإمام البخاريّ تَُّ، قال يحيى بن بُكير لأبي زرعة الرازيّ: ليس ذا زَعْزَعَة عن زَوْبَعة(١)، وإنما ترفع السترة، فتنظر إلى النبيّ وَّ وأصحابه: مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﴾(٢)، وإذا زيد قبله أحمد، عن الشافعيّ، سُمّي سلسلة الذهب، وإلى هذا أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث)) بقوله: وَزِيدَ مَا لِلشَّفِعِي فَأَحْمَدِهْ فَمَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَيِّدِهْ ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﴿هَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ رَأَى بُصَاقاً) بضمّ الموحّدة، وبالصاد المهملة: لغة في الْبُزاق - بالزاي - يقال: بَصَقّ يَبْصُقُ (١) ((الزعزعة)): الاضطراب، والتحريك الشديد، و((الزَّوْبَعة)): الإعصار التي ترفع التراب إلى الهواء. (٢) ((تدريب الراوي)) ٧٨/١. ٣٤٩ (١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢٧) بَصْقاً، من باب نصر، قال في ((القاموس)): الْبُصَاق كغُرَاب، والْبُسَاقُ، والْبُزَاق: ماء الْفَم إذا خرج منه، وما دام فيه فهو ريقٌ. انتهى. (فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ) متعلّق بـ((رأى)، وفي الرواية التالية: ((رأى نُخامة في قبلة المسجد))، وفي رواية البخاريّ: ((في جدار المسجد)) (فَحَكَّهُ) أي قَشَرَهُ، يقال: حَكَكت الشيءَ حكّاً، من باب قتل: قَشَرْتُهُ. قاله في ((المصباح)). ولم يُبَيِّن في هذه الرواية بأي شيء حَكَّه، وسيأتي في حديث أبي سعيد ظُبه الآتي ((أن رسول الله ( صل﴿ رأى نخامة في المسجد فحكها بحصاة))، وفي حديث أنس رُّه عند البخاري ((أن رسول الله بَله رأى نخامة في المسجد فحكه بيده))، وفي حديث جابر ظله عند أبي داود ((أن رسول الله وَ له رأى نخامة في المسجد فحكها بعُرْجُون)). فالظاهر حمل المطلق هنا على المقيد في هذه الروايات، وأما اختلافها في كون الحكّ باليد، أو الحصى، أو العُرْجون، فيحمل على تعدد الواقعة، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ) بكسر القاف، وفتح الباء: أي جهة قُدّامه. وفيه تعظيم المساجد عن أثْفَال البدن، وعن القاذورات بالطريق الأولى، وفيه احترام جهة القبلة، وقد بيّن علة النهي بقوله: (فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ) هذا وأمثاله من أحاديث الصفات مما يجب الإيمان به، وإثباته كما صح عن رسول الله ◌َل﴿، بلا تأويل، ولا تشبيه، ولا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في جملة كلامه في آيات الصفات وأحاديثها ما نصه: وكذلك قوله وَله: ((إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله قِبَلَ وجهه، فلا يبصق قبل وجهه ... )) الحديث حقّ على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلي. بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء، أو ٣٥٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة يناجي الشمس والقمر، لكانت السماء، والشمس، والقمر فوقه، وكان أيضاً قبل وجهه. وقد ضرب النبيّ وَّر المثل بذلك - ولله المثل الأعلى - ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه؛ لا تشبيه الخالق بالمخلوق، فقال النبيّ وَلا ت: ((ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مخلياً به ... ))، فقال له أبو رَزِين الْعُقَيليّ ◌َُّبه: كيف يا رسول الله، وهو واحد ونحن جميع؟، فقال النبيّ ◌َل: ((سأنبيك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلَّكم يراه مُخلياً به، وهو آية من آيات الله، فالله أكبر)). انتهى كلامه باختصار، فإن أردت تمام كلامه فارجع إلى ((مجموع الفتاوى))، فقد حقق هذا الموضوع فيه تحقيقاً بالغاً لا تجده عند غيره ممن تكلم فيه (١). وقال في ((الفتح)): قال الخطابي: معناه أنَّ توجهه إلى القبلة مُفْضٍ بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير: فإن مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: هو على حذف مضاف، أي عظمة الله، أو ثواب الله. وقال ابن عبد البر: هو كلام خرج على التعظيم لشأن القبلة، وقد نَزَعَ به بعض المعتزلة القائلين بأن الله في كل مكان، وهو جهل واضح؛ لأن في الحديث أنه يبزق تحت قدمه، وفيه نقض ما أصّلُوه، وفيه الردّ على من زعم أنه على العرش بذاته، ومهما تُؤُوّل به هذا جاز أن يتأول به ذاك، والله تعالى أعلم. انتهى. وقد رد على ما ذكره صاحب ((الفتح)) هنا العلّامة المحقّق عبد العزيز بن باز تكّثهُ، فقال: ليس في الحديث المذكور ردّ على من أثبت استواء الرب سبحانه على العرش بذاته؛ لأن النصوص من الآيات، والأحاديث في إثبات استواء الرب على العرش بذاته محكمة قطعية واضحة لا تحتمل أدنى تأويل. وقد أجمع أهل السنة على الأخذ بها، والإيمان بما دلّت عليه على الوجه الذي يليق بالله سبحانه من غير أن يشابه خلقه في شيء من صفاته. وأما قوله في هذا الحديث: ((فإن الله قبل وجهه إذا صلى))، وفي لفظ: (١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) ١٠٧/٥. ٣٥١ (١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢٧) ((فإن ربه بينه وبين القبلة)) فهذا لفظ مُحْتَمِلٌ أن يفسر بما يوافق النصوص المحكمة، كما أشار الإمام ابن عبد البر إلى ذلك، ولا يجوز حمل هذا اللفظ وأشباهه على ما يناقض نصوص الاستواء الذي أثبتته النصوص القطعية المحكمة الصريحة، والله تعالى أعلم. انتهى كلامه نَّتُهُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الردّ حسنٌ جدّاً، إلا قوله: ((بذاته)) فإنها وإن وُجِدت في عبارة بعض العلماء لإيضاح المعنى، فلا ينبغي ذكرها؛ لئلا يكون زيادة على النصّ، وقد أنكر الحافظ الذهبيّ تَّتُهُ في كتابه ((العلو للعلي الغفار)) على من قال: ((هو تعالى فوق عرشه بذاته))؛ لعدم ورودها عن السلف، واعتبرها من فضول الكلام(١). وأما ما نقله في ((الفتح)) عن الخطابيّ، وكذا قول السنديّ: إنه يناجيه، ويقبل عليه تعالى في تلك الجهة، وهو تعالى من هذه الحيثية كأنه في تلك الجهة، فلا يليق إلقاء البصاق فيها. انتهى، ففيه نظر لا يخفى. والحاصل أن الصواب في هذا الباب إثبات النصوص كما وردت على ظاهر معناها على الوجه الذي أراده الله تعالى مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن مشابهة الخلق، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، والله تعالى أعلم. (إِذَا صَلَّى) أي دخل في الصلاة، ونصّ في الحديث على النهي عن البصاق قبل وجهه حال الصلاة، لفضيلة تلك الحال على سائر الأحوال، وإلا فالبصاق إلى جهة القبلة ممنوع مطلقاً، في الصلاة وغيرها، وفي المسجد وغيره، كما يأتي قريباً، خلافاً لمن خَصّه بقبلة المسجد، أو حال الصلاة. وقال الباجيّ كَظْلَتُ: يَحْتَمِل أن يكون خَصّ بذلك حال الصلاة؛ لأنه حينئذ يكون مستقبل القبلة، وفي سائر الأحوال قد تكون عن يساره، وهي الجهة التي أمر بالبصاق إليها. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) انظر: ((مختصر العلو)) للعلامة الألباني تقذفُ (ص ٢٥٥ - ٢٥٦). (٢) ذكره في: ((المنهل العذب المورود)) ٩٩/٤. ٣٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة مسائل تتعلق بهذا الحديث (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ها هذا مُتّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٢٧/١٣ و١٢٢٨] (٥٤٧)، و(البخاريّ) في (الصلاة)) (٤٠٦ و٧٥٣ و١٢١٣ و٦١١١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٤٧٩)، و(النسائيّ) في ((المساجد)) (٧٢٤)، و((الكبرى)) (٨٠٣)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (٧٤٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٥٣٣٤)، (وأبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٠٣ و١٢٠٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٢٠٠ و١٢٠١ و١٢٠٢)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٩٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن البصاق في الصلاة؛ لمنافاته التعظيم الله رَ؛ إذ المصلي يناجي ربّه رَ. ٢ - (ومنها): مشروعية إنكار المنكر لمن رآه، وإزالته باليد، وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ظُه، قال: سمعت رسول الله وَالله يقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). أخرجه مسلم وأصحاب السنن. ٣ - (ومنها): غضب الإمام على رعيته وزجرهم إذا رأى منهم إخلالاً بأمر من أمور الشرع، فعند أبي داود: ((فتغيّظ على الناس))، وفي حديث أنس ظُه في الصحيح: ((فشق ذلك عليه، حتى رئي في وجهه)). ٤ - (ومنها): وجوب احترام القبلة وتعظيمها، وقد عَلَّل ذلك بقوله: ((فإن الله رمت قبل وجهه)). قال في ((الفتح)): وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام، سواء كان في المسجد أو لا، ولا سيما من المصلي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أو للتحريم؟. وفي ((صحيح ابن خزيمة))، و ((ابن حبان)) من حديث حذيفة مرفوعاً: ((من تَفَلَ تُجَاه القبلة جاء يوم القيامة، وتَفْلُهُ بين عينيه))، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر ها مرفوعاً: ((يبعث صاحب النخامة في القبلة ٣٥٣ (١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢٧) يوم القيامة، وهي في وجهه))، ولأبي داود، وابن حبان، واللفظ لأبي داود من حديث السائب بن خلاد ربه: ((أن رجلاً أمَّ قوماً، فبصق في القبلة، ورسول الله ◌َ و ينظر، فقال رسول الله وَ ل حين فرغ: ((لا يصلي لكم)) فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله وم18 فذكر ذلك لرسول الله وثلاث، فقال: ((نعم))، وحسبت أنه قال: ((إنك آذيت الله ورسوله وَّل))(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ذكر ابن عبد البرّ رُبه في ((التمهيد)) عند هذا الحديث إجماع العلماء على أن العمل القليل في الصلاة لا يضرها. قال العراقيّ تَخَّتُهُ: فما أدري هل أراد بالعمل القليل نفس البصاق، أو أراد ما ورد في حديث آخر من كونه يبصق في ثوبه، أو أراد أن النبيّ وَلفر حكّه من القبلة، وهو في الصلاة؟ وهو الظاهر، فقد روى البخاريّ من رواية الليث، عن نافع، عن ابن عمر ﴿ه، قال: ((رأى رسول الله و لو نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي، فحتها، ثم قال حين انصرف ... )) الحديث. وفي بعض طرقه أنه كان يخطب، كما رواه أبو داود بإسناد صحيح من رواية أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ظه: ((بينما رسول الله وَله يخطب يوماً إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيّظ على الناس، ثم حكها، قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران، فلطخه به)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الحافظ العراقيّ تَّتُهُ: اختَلَفت الأحاديث في البصاق الذي وجده النبيّ وَّ في القبلة، هل كان ذلك في مسجده وَّر، أو في مسجد آخر؟. فقيل: إنه كان في مسجد الأنصار، بدليل ما رواه مسلم، وأبو داود من رواية عبادة بن الوليد، قال: أتينا جابراً، وهو في مسجده، فقال: أتانا رسول الله ﴿ في مسجدنا هذا، وفي يده عُرجون ابن طاب، فنظر، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فأقبل عليها، فحتها بالعرجون ... )) الحديث. لفظ أبي داود. (١) حديث حسن، راجع: ((صحيح أبي داود)) للشيخ الألبانيّ تَهُ ١ /٩٥. ٣٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وظاهر ما تقدم من كونه كان في الخطبة أنه كان في مسجد المدينة، والظاهر أنهما واقعتان، أو وقائع، ففي قصة مسجد الأنصار أنه حتّها بالعرجون، وفي ((الصحيحين)) من حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُبه: رأى رسول الله وَ﴿ نخامة في المسجد فحكها بحصاة، وفي قصة مسجد الأنصار: ((أروني عبيراً))، فقام فتى من الحيّ يشتد إلى أهله، فجاء بخَلُوق في راحته، فأخذه رسول الله ◌َ، فجعله على رأس العرجون، ثم لطخ به على أثر النخامة. وعند النسائيّ من حديث أنس به أنه رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خَلُوقاً، فقال رسول الله وَليّ: ((ما أحسن هذا)). وفي بعضها أنه كان في الصلاة، وفي بعضها أنه كان يخطب، كما تقدم، فهذا يدلّ على اختلاف واقعتين، أو وقائع من غير تعارض. انتهى كلام العراقيّ كَُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٢٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرِ، وَأَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيعاً عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ(٢)، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي أَبْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا(٣) ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّخَُّكُ - يَعْنِ ابْنَ عُثْمَانَ - (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدٍ، إِلَّ الضَّحَّكَ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكِ). (١) ((طرح التثريب)) ٣٨٦/٢ - ٣٨٧. (٣) وفي نسخة: ((وحدّثني)). (٢) وفي نسخة: ((قتيبة بن سعيد)). ٣٥٥ (١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢٨) رجال هذا الإسناد: عشرون: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) المذكور في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة تقدّم قبل باب. ٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريباً. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٦ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد المذكور قبل بابين. ٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح) بن المهاجر المذكور قريباً. ٨ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) الإمام المشهور المذكور قريباً أيضاً. ٩ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذُكر قبل بابين. ١٠ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُّ عُلَيَّةَ) تقدّم قريباً. ١١ - (أَيُّوبَ) بن أبي تميمة السختيانيّ، تقدّم قريباً أيضاً. ١٢ - (ابْنُ رَافِع) هو: محمد بن رافع، تقدّم قريباً أيضاً. ١٣ - (ابْنُ أَبِيَّ قُدَيْكٍ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الحيض)) ١٦ / ٧٧٥. ١٤ - (الضَّخَّاكُ بْنَ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الحِزاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٤. ١٥ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤. ١٦ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقةٌ ثقةٌ، اختلط في آخره [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم فى ((المقدمة)) ٩٤/٦. ١٧ - (ابْنُ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ ٣٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، لكنه يدلّس ويُرسل [٦] (ت١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ١٨ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] (ت١٤١) أو قبل ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (جَمِيعاً) يعني أن عبد الله بن نمير، وأبا أسامة معاً رويا عن عبيد الله بن عمر العمريّ. وقوله: (كُلَّهُمْ عَنْ نَافِع) أي كلّ هؤلاء الخمسة: عُبيد الله، والليث بن سعد، وأيوب، والضحّاك بن عثمانَّ، وموسى بن عقبة رووا عن نافع، عن ابن عمر پًا. وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ) يعني أن حديث هؤلاء الخمسة عن نافع یوافق معنی حدیث مالك عنه. [تنبيه]: رواية عبيد الله بن عمر هذه ساقها الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال: (٥١٣٠) حدّثنا يحيى، عن عبيد الله، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَّ رأى نُخامة في قبلة المسجد فحَتّها، ثم قال: ((إذا كان أحدكم في الصلاة، فلا يتنخم، فإن الله تعالى قِبَل وجه أحدكم في الصلاة)). انتهى. وأما رواية الليث بن سعد، فساقها أيضاً الإمام أحمد تَّتُهُ، فقال: (٥٣٨٥) حدثنا أبو سلمة (١)، أخبرنا ليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ ◌َ﴿ رأى نخامة في قبلة المسجد، وهو يصلي بين يدي الناس، فحتّها، ثم قال حين انصرف من الصلاة: ((إن أحدكم إذا كان في الصلاة، فإن الله برحمتك قِبَل وجهه، فلا يَتَنَخّمنّ أحد قِبَل وجهه في الصلاة)). انتهى. وأما رواية أيوب، فقد ساقها الإمام البخاريّ رَّتُهُ، فقال: (١٢١٣) حدّثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿ه أن النبيّ ◌َله رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيّظ على أهل المسجد، وقال: إن الله قِبَل أحدكم، فإذا كان في صلاته، فلا يبزقنّ، أو قال: (١) هو منصور بن سلمة الخزاعيّ. ٣٥٧ (١٣) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢٩) لا يتنخمنّ، ثم نزل، فحتّها بيده، وقال ابن عمر طًا: إذا بزق أحدكم فليبزق على يساره. انتهى. وأما رواية الضحّاك بن عثمان، وموسى بن عقبة، فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٢٢٩] (٥٤٨) - (حَدَّثَنَا(١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ بَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴾(٢) رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ أَمَامَهُ، وَلَكِنْ يَبْزُقُ(٣) عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ ۔ (بَحْیَی بْنُ یَحْتَی) تقدّم أول الباب. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي ٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (تخ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً) تقدّم قبل بابين. ٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريباً. ٦ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣(٤)] (ت١٠٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ الصحابيّ ابن (٢) وفي نسخة: ((أن رسول الله (وَل ◌َا)). (١) وفي نسخة: ((حدّثني)). (٣) وفي نسخة: ((ليبزُق)). (٤) جعله في التقريب من الثانية، والذي يظهر لي أنه من الثالثة، فتأمل. ٣٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة الصحابيّ ها، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخُّْ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل، فقال: قال يحيى: ((أخبرنا سفيان بن عيينة)) إيضاحاً بأنه صرّح بالإخبار، ونسب شيخه إلى أبيه، بخلاف الآخرين. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له أبو داود وابن ماجه، والثاني ما أخرج ه الترمذيّ، والثالث ما أخرج له الترمذي وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وابن عيينة مكيّ، ويحيى نيسابوريّ، وأبو بكر كوفيّ، وعمرو بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الزهريّ، عن حميد. ٥ - (ومنها): أن أبا سعيد صحابيّ ابن صحابيّ، أحد المكثرين السبعة، روی (١١٧٠) حديثاً . شرح الحدیث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ◌َهُ (أَنَّ النَّبِيَّ وََّ) وفي نسخة: ((أن رسول الله ◌ِ﴾)) (رَأَى نُخَامَةً) بضم النون، وتخفيف الخاء المعجمة كالنُّخَاعة وزناً ومعنى، يقال: تنخّم الرجلِ: إذا تنخع، وفي ((المطالع)): النُّخَامة: ما يخرج من الصدر، وهو البلغم اللَّزِج، وفي ((النهاية)): النخامة: البَزْقَة التي تخرج من الرأس، ويقال: النخامة: ما يخرج من الصدر، والبصاقُ: ما يخرج من الفم، والمخاط: ما يسيل من الأنف. قاله في ((العمدة))(١). (فِ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ) متعلق بـ((رأى))، أو بمحذوفٍ صفةٍ لـ((نخامة))، أي نخامةً كائنةً في حائط قبلة المسجد النبويّ. (١) ((عمدة القاري)) ١٤٩/٤. ٣٥٩ (١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، ... إلخ - حديث رقم (١٢٢٩) (فَحَكَّهَا) أي قَشَرَ تلك النخامة (بِحَصَاةٍ) هي واحدة الحصى، وهي صغار الحجارة. [فإن قيل]: ظاهر هذا الحديث كحديث ابن عمر ﴿ه الماضي يدلّ على أن الذي تولى إزالتها هو النبيّ وَله بنفسه، ورواية أنس عند النسائيّ بلفظ: ((فقامت امرأة من الأنصار، فحكّتها، وجعلت مكانها خَلُوقاً، فقال رسول الله وَل: ((ما أحسن هذا!)) يدلّ على أن الذي باشر ذلك امرأة من الأنصار، فكيف التوفيق بينهما؟. [أجيب]: بحمل الاختلاف على تعدد الواقعة، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ نَهَى) بالبناء للفاعل، أي منع النبيّ ◌َِّ (أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ) وعلة النهي عنه كونه محل ملك، فعند أبي داود من طريق ابن عجلان، وصححه الحاكم على شرط مسلم: أن النبيّ وَِّ كان يُحِبّ العَرَاجين، ولا يزال في يده منها، فدخل المسجد، فرأى نُخامة في قبلة المسجد، فحَكّها، ثم أقبل على الناس مُغْضَباً، فقال: ((أَيَسُرُّ أحدكم أن يُبصَقَ في وجهه؟، إن أحدكم إذا استقبل القبلة، فإنما يستقبل ربه وم*، والملك عن يمينه، فلا يتفل عن يمينه، ولا في قبلته، وليبصق عن يساره، أو تحت قدمه، فإن عجل به أمر فليقل هكذا))، ووصف لنا ابن عجلان ذلك أن يتفل في ثوبه، ثم يرد بعضه على بعض. (أَوْ أَمَامَهُ) وعلة النهي هو قوله في حديث أبي داود المذكور: ((فإنما يستقبل ربّه (3))، وفي حديث ابن عمر ﴿يا الماضي: ((فإن الله قبل وجهه)) (وَلَكِنْ يَبْزُقُ) وفي نسخة: ((لِيَبْزُق))، وهو بضمّ الزاي، يقال: بزق يَبْزُق من باب نصر بُزَاقاً: بَصَقَ، وهو إبدال منه (عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى) ووقع عند البخاريّ في رواية أبي الوقت: ((وتحت قدمه))، بالواو، وفي حديث أبي هريرة ظه الآتي للمصنّف من طريق أبي رافع، عنه: ((ولكن عن يساره تحت قدمه)) بحذف (أو))، وفي حديث أنس رظه: ((ولكن عن شماله تحت قدمه)). قال في ((الفتح)): والروايات التي فيها ((أو)) أعم؛ لكونها تَشْمَل ما تحت القدم، وغير ذلك. انتهى. وقال صاحب ((المفهم)): وظاهر ((أو)) الإباحة، أو التخيير ففي أيهما بصق ٣٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة لم يكن به بأس، قال: وإليه يرجع معنى قوله: ((عن شماله تحت قدمه))، فقد سمعنا من بعض مشايخنا أن ذلك إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب، أو الرمل، كما كانت مساجدهم في الصدر الأول، فأما إن كان في المسجد بُسُط، وما له بالٌ من الْحُصُر مما يُفسده البصاق، ويقذّره، فلا يجوز؛ احتراماً للماليّة. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدري نظُّبُهُ مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٢٩/١٣ و١٢٣٠] (٥٤٨)، و(البخاريّ) (٤٠٨ و٤٠٩ و٤١٠ و٤١١ و٤١٤)، و(النسائيّ) في ((المساجد)) (٧٢٥)، و((السنن الكبرى)) (٨٠٤)، (وابن ماجه) في ((الصلاة)) (٧٦١)، و(عبد الرزّاق) في (مصنّفه)) (١٦٨١)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٢٢٧)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٣٦٤/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/٣ و٥٨ و٨٨ و٩٣)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٢٨)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٩٧٥)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٨٧٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٥٥/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٢٦٨ و٢٢٦٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٩٥ و١١٩٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢٠٥ و١٢٠٦ و١٢٠٧)، و(البيهقيّ) (٢٩٣/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٩٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن البزاق في المسجد في الصلاة أو غيرها . ٢ - (ومنها): بيان النهي عن البزاق بين المصلّي وقبلته؛ لأنه يناجي ربّه. ٣ - (ومنها): النهي عن البزاق عن يمين المصلّي؛ لأنه مكان الملك. ٤ - (ومنها): بيان طهارة البصاق والنخامة؛ إذ لو لم يكن طاهراً لما أمر (١) ((المفهم)) ١٦٠/٢.