النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤) قال: وأما قوله وَله: (ينزل تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا))، فقد أكثر الناس التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة، أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول الله وَّه، ويصدِّقون بهذا الحديث، ولا يكيّفون، والقول في كيفية النزول، كالقول في كيفية الاستواء، والمجيء، والحجةُ في ذلك واحدة. وقد قال قوم من أهل الأثر أيضاً: إنه ينزل أمره، وتنزل رحمته، ورُوي ذلك عن حبيب كاتب مالك وغيره، وأنكره منهم آخرون، وقالوا: هذا ليس بشيء؛ لأن أمره ورحمته لا يزالان ينزلان أبداً في الليل والنهار، وتعالى الملك الجبار الذي إذا أراد أمراً قال له: كن فيكون، في أيّ وقت شاء، ويَختص برحمته من يشاء متى شاء، لا إله إلا هو الكبير المتعال. وقد رَوَى محمد بن علي الجبليّ، وكان من ثقات المسلمين بالقيروان، قال: حدّثنا جامع بن سوادة بمصر، قال: حدّثنا مطرِّف عن مالك بن أنس، أنه سئل عن الحديث: ((إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا))؟ فقال مالك: يتنزل أمره. وقد يَحْتَمِل أن يكون كما قال مالك على معنى أنه تتنزل رحمته، وقضاؤه بالعفو والاستجابة، وذلك من أمره، أي أكثر ما يكون ذلك في ذلك الوقت، والله أعلم. ولذلك جاء فيه الترغيب في الدعاء، وقد رُوي من حديث أبي ذرّ ◌ُه أنه قال: يا رسول الله أيُّ الليل أسمع؟ قال: ((جوف الليل الغابر)) يعني الآخر، وهذا على معنى ما ذكرنا، ويكون ذلك الوقت مندوباً فيه إلى الدعاء، كما نُدِب إلى الدعاء عند الزوال، وعند النداء، وعند نزول غيث السماء، وما كان مثله من الساعات المستجاب فيها الدعاء، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره أبو عمر من تأويل ((ينزل ربّنا ... إلخ)) بتنزل رحمته ... إلخ غير صحيح؛ إذ يردّه قوله في تمام الحديث: ((من يدعوني، فأستجيب له ... إلخ))، فإن الرحمة لا يمكن أن تقول ذلك، وكذا ما نقله عن مالك في هذا المعنى يُرَدّ بمثل ما رَدّ به أبو عمر نفسه على مجاهد في تفسيره قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِهَا نَاظِرَةٌ (٣)﴾ [القيامة: ٢٣] بقوله: إلی ثواب ربّها . ٢٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة فقد ردّ عليه بما حاصله: قول مجاهد هذا مردود بالسنّة الثابتة عن النبيّ وَلَّ، وأقاويل الصحابة، وجمهور السلف، وهو عند أهل السنّة مهجور، والذي عليه جماعتهم ما ثبت في ذلك عن نبيهم ◌َّ، وليس من العلماء أحد إلا ويؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله لَله . ومجاهد وإن كان أحد المقدّمين في العلم بتأويل القرآن، فإن له قولين في تأويل آيتين، هما مهجوران عند العلماء، مرغوب عنهما. أحدهما هذا، والآخر في قول الله رَتْ: ﴿عَسَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا ◌َّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: يوسّع له على العرش، فيُجلسه عليه، وهذا قولٌ مخالف للجماعة من الصحابة، ومن بعدهم، فالذي عليه العلماء في تأويل هذه الآية أن المقام المحمود: الشفاعة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: فنحن نقول هنا فيما نُقِل عن مالك - إن صحّ عنه -: إنه مردود بالسنّة الصحيحة، وبما ثبت عن السلف في هذا الباب. قال الإمام الترمذيّ في ((جامعه)) في شرح حديث قبول الصدق(١) ما نصّه: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات، من الصفات، ونزول الرب تبارك وتعالى كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا، ويُؤْمَنُ بها، ولا يُتَوَهَّمُ، ولا يقال: كيف، هكذا رُوِي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذَكَر الله رَت في غير موضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات، ففسّروها على غير ما فَسَّر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ها هنا القوّة. (١) هو ما أخرجه الترمذيّ برقم (٥٩٧) عن أبي هريرة به قال: قال رسول الله وَّه: ((ما تصدق أحد بصدقة من طيِّب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، تربو في كَفّ الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فَلُوَّه، أو فصیله))، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى. ٢٤٣ (٧) - بَابُ تَحْرِيِمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤) وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يدٌ كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يدٌّ، وسمعٌ، وبصرٌ، ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهاً، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. انتهى كلام الترمذيّ كَّتُهُ. فتبيّن بهذا أن مالكاً ممن أثبت نزول الربّ رَك إلى السماء الدنيا كلّ ليلة على ظاهره، فنقل التأويل عنه محلّ نظر، وعلى تقدير صحته، فجوابه جواب مجاهد فيما خالف فيه السلف في تفسير الآيتين السابقتين، كما قال ابن عبد البرّ. والحاصل أن المعنى الصحيح الذي عليه السلف أن نزول الربّ رَ على ظاهره، فينزل كلّ ليلة، كما أخبر النبيّ وَّر بذلك في الحديث الصحيح، حقيقةً لا مجازاً، نزولاً يليق بجلاله، والله تعالى أعلم. ولنعد إلى كلام أبي عمر تَُّ . قال: وقال آخرون: ينزل بذاته، ثم أخرج عن نعيم بن حمّاد قال: ينزل بذاته، وهو علی کرسیّه. قال أبو عمر: ليس هذا بشيء عند أهل الفهم، من أهل السنة؛ لأن هذا كيفية، وهم يفزعون منها؛ لأنها لا تصلح إلا فيما يُحاط به عياناً، وقد جَلَّ الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وَصَفَ نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله وَّآ، فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. قال الجامع عفا الله عنه: المنكر على حمّاد قوله: ((بذاته))، فإنه لم يرد في الكتاب، ولا في السنة زيادة هذه اللفظة، فهي منكرة، والله تعالى أعلم. قال أبو عمر: أهل السنة مُجْمِعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يُكَيِّفون شيئاً من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفةً محصورةً. وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلَّها، والخوارج، فكلهم ينكرها، ٢٤٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ولا يَحْمِل شيئاً منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقرّ بها مُشَبِّه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود. والحقُّ فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله تعالى، وسنة رسوله وَله، وهم أئمة الجماعة، والحمد لله. رَوَى حرملة بن يحيى، قال: سمعت عبد الله بن وهب يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: مَن وَصَفَ شيئاً من ذات الله مثل قوله: ﴿وَقَالَتِ الْهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُوَةٌ﴾ الآية [المائدة: ٦٤]، وأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فأشار إلى عينيه أو أذنه، أو شيئاً من بدنه قُطِع ذلك منه؛ لأنه شَبَّهَ الله بنفسه. ثم قال مالك: أما سمعت قول البراء عظُبه حين حَدَّث أن النبيّ وَّ قال: ((لا يُضَخَّى بأربع من الضحايا ... ))، وأشار البراء بيده، كما أشار النبيّ وَفيه بيده، قال البراء: ويدي أقصر من يد رسول الله وَعليه، فكَرِه البراء أن يصف رسول الله ﴿ ﴿ إجلالاً له، وهو مخلوق، فكيف الخالق الذي ليس كمثله شيء. ثم أخرج عن أبي هريرة تظله قال: قال رسول الله وَلّى: (لا يزال الناس يتسائلون، حتى يقولوا: هذا خَلَقَ اللهُ الخلقَ، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً، فليقل: آمنت بالله))، متّفقٌ عليه. وفي رواية: ((قال: فإذا قالوا ذلك، فقولوا: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ثم ليتفُل عن يساره ثلاثاً، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم))، رواه أحمد، وأبو داود بسند حسن. قال: ورُوي عن محمد ابن الحنفية أنه قال: ((لا تقوم الساعة حتى تكون خصومة الناس في ربهم))، وقد رُوي ذلك مرفوعاً عن النبيّ وَّو. وقال سَحْنُون: من العلم بالله الجهلُ بما لم يُخْبِر به عن نفسه. قال: وهذا الكلام أخذه سحنون عن ابن الماجشون، قال: أخبرني الثقة، عن الثقة، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لقد تكلم مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير على هذه الأعواد بكلام ما قيل قبله، ولا يقال بعده، قالوا: وما هو يا أبا سعيد؟ قال: قال: الحمد لله الذي من الإيمان به الجهل بغير ما وَصَفَ من نفسه. ٢٤٥ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤) ثم أخرج عن سحنون بن منصور، قال: قلت لأحمد بن حنبل: ينزل ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ ويَرَى أهل الجنة ربهم، وبحديث: ((لا تقبحوا الوجوه، فإن الله خلق آدم على صورته))، و((اشتكت النار إلى ربها حتى يضع الله فيها قدمه))، وأن موسى ◌ِلَّا لَطَم ملك الموت - صلوات الله عليه -؟ قال أحمد: كلُّ هذا صحيح، وقال إسحاق: كلُّ هذا صحيح، ولا يَدَعُهُ إلا مبتدع، أو ضعيف الرأي. وقال أبو عمر أيضاً: الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة، وما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبيّ وَّر فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه. ثم أخرج بسنده عن أحمد بن نصر، أنه سأل سفيان بن عيينة، قال: حديث عبد الله: ((إن الله رَمَك يجعل السماء على إصبع))، وحديث: ((إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن))، و((إن الله يَعْجَب، أو يضحك ممن يذكره في الأسواق))، و((إنه رَّ ينزل إلى السماء الدنيا كلَّ ليلة))، ونحو هذه الأحاديث؟ فقال: هذه الأحاديث نَرْوِيها، ونُقِرُّ بها كما جاءت بلا كيف. قال أبو داود: وحدَّثنا الحسن بن محمد، قال: سمعت الهيثم بن خارجة، قال: حدّثني الوليد بن مسلم، قال: سألت الأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات؟ فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف. وذَكَر عباس الدُّوريّ، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: شَهِدت زكريا بن عديّ سأل وكيع بن الجراح، فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث، يعني مثل: الكرسيُّ موضع القدمين، ونحو هذا؟ فقال: أدركت إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعراً يُحَدِّثون بهذه الأحاديث، ولا يفسرون شيئاً. قال الجامع عفا الله عنه: المراد بالتفسير هو تفسير الكيفيّة، وتوضيح معانيها على وجه التشبيه، والتمثيل، لا تفسير معناه اللغويّ، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين. قال عباس بن محمد الدُّوريّ: وسمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذُكِر ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة له عن رجل من أهل السنة، أنه كان يقول: هذه الأحاديث التي تُرْوَى في الرؤية والكرسيُّ موضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وإن جهنم لتمتلئ، وأشباه هذه الأحاديث، وقالوا: إن فلاناً يقول: يقع في قلوبنا أن هذه الأحاديث حقٌّ، فقال: ضَعّفتم عندي أمره، هذه الأحاديث حقٌّ لا شكّ فيها، رواها الثقات، بعضهم عن بعض، إلا أنا إذا سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نُفَسِّرها، ولم نذكر أحداً يفسِّرها. قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت المراد بالتفسير هنا آنفاً فلا تنس. قال: وقد كان مالك يُنكر على مَن حدّث بمثل هذه الأحاديث، ذكره أصبغ، وعيسى، عن ابن القاسم، قال: سألت مالكاً عمن يحدث الحديث: (إن الله خلق آدم على صورته))، والحديث: ((إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة))، و((إنه يُدخل في النار يده حتى يُخرج من أراد))، فأنكر ذلك إنكاراً شديداً، ونَهَى أن يحدِّث به أحداً. قال أبو عمر: وإنما كره ذلك مالك خشيةً الخوض في التشبيه بكيف ها هنا . وأخرج عن ابن وضاح: سألت يحيى بن معين عن التنزل؟ فقال: أَقِرَّ به، ولا تَحُدّ فيه بقول، كلُّ مَن لقيت من أهل السنة يُصَدِّق بحديث النزول، قال: وقال لي ابن معين: صَدِّقْ به، ولا تصفه. وأخرج عن مهديّ بن جعفر، عن مالك بن أنس، أنه سأله عن ﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ قال: قول الله وَت: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى فأطرق مالك، ثم قال: استواؤه غير مجهول(١)، والفعل منه غير معقول، والمسألة عن هذا بدعة. وأخرج عن أيوب بن صلاح المخزوميّ قال: كنا عند مالك، إذ جاءه عراقيّ، فقال له: يا أبا عبد الله مسألة أريد أن أسألك عنها، فطأطأ مالك رأسه، فقال له: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى ﴾﴾، كيف استوى؟ (١) وقع في النسخة: بلفظ ((مجهول)) دون لفظة ((غير))، وهو غلط، كما يتبيّن من الراوية التالية، فتنبه. ٢٤٧ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤) قال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول، إنك امرؤٌ سَوْءٌ، أخرجوه، فأخذوا بضبعيه فأخرجوه. وقال يحيى بن إبرهيم بن مزين: إنما كره مالك أن يُتَحَدَّث بتلك الأحاديث؛ لأن فيها حدّاً وصفةً وتشبيهاً، والنجاة في هذا الانتهاء إلى ما قال الله رجَمَك، ووصف به نفسه بوجه، ويدين، وبسط، واستواء، وكلام، فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوْطَانٍ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ،﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى فليقل قائل بما قال الله، ولينته إليه، ولا يَعْدُوه، ولا يفسِّره، ولا يقل: كيف؟، فإن في ذلك الهلاك؛ لأن الله كلف عبيده الإيمان بالتنزيل، ولم يكلفهم الخوض في التأويل، الذي لا يعلمه غيره. وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم يَرَ بأساً برواية الحديث: ((إن الله ضحك))، وذلك لأن الضحك من الله، والتنزل، والملالة، والتعجب منه ليس على جهة ما يكون من عباده. قال أبو عمر: الذي أقول: إنه مَن نظر إلى إسلام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين الله أفواجاً، عَلِمَ أن الله رَّ لم يعرفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة، ودلائل الرسالة، لا من قِبَل حركة، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجباً، وفي الجسم ونفيه، والتشبيه ونفيه لازماً، ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نَطَقَ القرآن بتزكيتهم، وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك من عملهم مشهوراً، أو من أخلاقهم معروفاً لاستفاض عنهم، ولشُهِرُوا به كما شُهِروا بالقرآن، والروايات. وقول رسول الله وَعليه: ((ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)) عندهم مثل قول الله رَمن: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفَّا (٣)﴾ [الفجر: ٢٢]، كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء، بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء؟، وكيف يتجلى؟، وكيف ينزل؟، ولا من أين ٢٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة جاء؟ ولا من أين تجلى؟ ولا من أين ينزل؟؛ لأنه ليس كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له. وفي قول الله رَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ دلالةٌ واضحةٌ أنه لم يكن قبل ذلك متجلياً للجبل، وفي ذلك ما يُفَسِّر معنى حديث النزول. قال: ومن أراد أن يَقِفَ على أقاويل العلماء في قوله رَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾، فلينظر في تفسير بَقِيّ بن مَخْلَد، ومحمد بن جرير، وليقف على ما ذَكَرًا من ذاك، ففيما ذَكَرا منه كفاية، وبالله العصمة والتوفيق. انتهى المقصود من كلام الحافظ أبي عمر بن عبد البرّ بتصرّف واختصار. ولقد أجاد في هذا الموضوع وأفاد لمن أراد الله رَّ له السعادة بفهم النصوص كما فَهِمها السلف ظّه، ووفقه لاتّباع منهجهم، ﴿رَبَّنَا لَ تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ [آل عمران: ٨]، ((اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت))، ((اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحقّ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))، آمين آمين آمين. فإن أردت الزيادة من الفوائد، فعليك بمراجعة كتاب ((التمهيد)) (١٢٨/٧ - ١٥٩). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٢٠٥] (.) - (حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّم قبل باب. ٢٤٩ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٥) ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ إمام [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ) يعني إسناد يحيى بن أبي كثير الماضي، وهو: عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحکم څڅه. [تنبيه]: رواية الأوزاعيّ هذه ساقها النسائيّ ◌َُّهُ، في ((سننه))، فقال: (١٢١٨) أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: حدّثنا محمد بن يوسف، قال: حدّثنا الأوزاعيّ، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، قال: حدّثني عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السُّلَميّ، قال: قلت: يا رسول الله، أنا حديث عهد بجاهلية، فجاء الله بالإسلام، وإن رجالاً مِنّا يتطيرون؟، قال: ((ذاك شيء يجدونه في صدورهم، فلا يصدنّهم))، ورجال منا يأتون الكُهّان؟ قال: ((فلا تأتوهم))، قال: يا رسول الله، ورجال منا يَخُطُون؟ قال: ((كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك)). قال: وبينا أنا مع رسول الله وَ ﴿ في الصلاة، إذ عَطَسَ رجلٌ من القوم، فقلت: يرحمك الله، فحدَّقَنِي القوم بأبصارهم، فقلت: واتُكْلَ أُمِياه، ما لكم تنظرون إلىّ؟ قال: فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُسَكِّتوني، لكني سكتّ، فلما انصرف رسول الله ◌َ﴾ دعاني بأبي وأمي هو، ما ضربني، ولا كَهَرني، ولا سبني، ما رأيتُ مُعَلِّماً قبله ولا بعده، أحسن تعليماً منه، قال: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وتلاوة القرآن)). قال: ثم اطّلعت إلى غُنيمة لي، ترعاها جارية لي في قبل أُحُد، والْجَوَّانية، وإني اطّلعت، فوجدت الذئب قد ذهب منها بشاة، وأنا رجل من بني آدم آسَفُ كما يَأْسَفُون، فصككتها صَكَّةً، ثم انصرفت إلى رسول اللهِ وَّه فأخبرته، فَعَظّم ذلك عليّ، فقلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: ((ادعها))، فقال لها رسول الله وَله: ((أين الله وَك؟))، قالت: في السماء، قال: ((فمن أنا؟))، قالت: أنت رسول الله وَله، قال: ((إنها مؤمنة، فأعتقها)). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٦] (٥٣٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلِ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ، فَتَرُّدُّ عَلَيْنَا؟، فَقَالَ: ((إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلاً))(١)). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَیْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابین. ٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصین الْكِنديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) أحد مشايخ السنّة بلا واسطة تقدم في ((المقدمة)) ٤/ ١٧. ٤ - (ابْنُ فُضَيْل) هو: محمد بن فُضيل بن غزوان، تقدّم قريباً. والباقون تقدّموا قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخَّتُهُ، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد صيغة الأداء، وفيه التحديث، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي بكر، وزُهير، فما أخرج لهما الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، وزهير دخل الكوفة. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد مما قيل فيه: إنه أصح الأسانيد، كما نُقل (١) وفي نسخة: ((إن في الصلاة لشُغْلاً)). ٢٥١ - (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٦) ذلك عن ابن معين كَخَّتُهُ، قال: أصحّ الأسانيد: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود ربه، وإليه أشار في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال : كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ(١) ٥ - (ومنها): أن فيه ((عبد الله)) مهملاً، لم يُنسب إلى أبيه، وفي الصحابة من يُسمّى بعبد الله كثيرون، ويعلم الفرق بالرواة، فإذا كان الراوي كوفيّاً كما هنا فهو ابن مسعود ربه، وقد بيّن هذا السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث))، حيث قال: طَيْبَةَ فَابْنُ عَمَرٍ وَإِنْ يَفِي وَحَيْثُمَا أُظْلِقَ عَبْدُ اللهِ فِي بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أَوْ جَرَى وَالشَّامِ مَهْمَا أُظْلِقَ ابْنُ عَمْرٍو وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرٍ شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود نَظَّه أنه (قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ) جملة حاليّة من ((رسول الله ◌َ)). وأخرج الحديث أبو داود في ((سننه)) من طريق أبي وائل، عن عبد الله قال: كنا نسلِّم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول الله وَّه، وهو يصلي، فسلمت عليه، فلم يردَّ عليّ السلام، فأخذني ما قَدُمَ وما حَدُثَ، فلما قضى رسول الله وَللهو الصلاة، قال: ((إن الله يُحدث من أمره ما يشاء، وإن الله جَلَّ وعَزّ قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة))، فردَّ عليَّ السلام. (فَيَرُدُ عَلَيْنَا) أي يردُّ السلام علينا بالقول، وهو في الصلاة؛ لكون الكلام كان مباحاً (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيّ) بفتح النون، وقيل: بكسرها، وتخفيف الجيم، وبالشين المعجمة، وتخفيف الياء، وتُشَدَّد كياء النسب. وفي ((القاموس)): النجاشيّ بتشديد الياء، وبتخفيفها أفصح، وتُكسر نونها، أو هو أفصح، أصحَمَةُ، ملك الحبشة. انتهى (٢). (١) راجع: ((شرحي)) على الألفية المذكورة ٣٧/١ - ٣٨. (٢) ((القاموس المحيط)) ٢٨٩/٢. ٢٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقال ابن الأثير: النجاشيّ الياء مشدّدة، وقيل: الصواب تخفيفها. (١) . انتھی وأفاد ابن التين أنه بسكون الياء، يعني أنها أصليّة، لا ياء النسبة، وحكى غيره تشديد الياء أيضاً، وحكى ابن دحية كسر نونه، وهو لقبٌ لكل من ملك الحبشة، كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك فارس، وفرعون لملك مصر، واسمه أصحمة، أسلم في زمن النبيّ وَّ ر، ومات سنة تسع من الهجرة عند الأكثر، وصلّى عليه النبيّ وَّ بأصحابه بالمدينة(٢). [تنبيه]: (اعلم): أن جماعة من الصحابة ◌ّ هاجروا من مكة إلى الحبشة قبل هجرة المدينة. قال ابن إسحاق: لَمّا احْتَمَل المسلمون من أذى الكفار، واشتَدَّ ذلك عليهم، قصد بعضهم الهجرة فراراً بدينهم من الفتنة، قال: ولما رأى رسول الله ◌َ﴿ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله تعالى، ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها مَلِكاً لا يُظْلَم عنده أحدٌ، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون، من أصحاب رسول الله ومجه إلى أرض الحبشة؛ مخافةً الفتنة، وفراراً إلى الله تعالى بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام. وقال الواقديّ: كانت هجرتهم إلى الحبشة في رجب سنة خمس من النبوة، وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلاً، وأربع نسوة، وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماشٍ وراكبٍ، فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة، وهم: عثمان بن عفان، وامرأته رُقيّة بنت رسول الله وَّهِ، وأبو حذيفة بن عتبة، وامرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوّام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة الْعَنَزيّ، وامرأته ليلى بنت أبي (١) ((النهاية)) ٢٢/٥. (٢) راجع: ((المرعاة)) ٣٤٣/٣. ٢٥٣ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٦) حثمة، وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم، وحاطب بن عمرو، وسُهَيل بن بيضاء، وعبد الله بن مسعود وقال ابن جرير: وقال الآخرون: كانوا اثنين وثمانين رجلاً، سوى نسائهم وأبنائهم، وعمار بن ياسر يشك فيه، فإن كان فيهم فقد كانوا ثلاثة وثمانين رجلاً، ولما رجعوا من عند النجاشيّ كان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن المسلمين الذين ذكرناهم أنهم هاجروا إلى الحبشة بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتَدَّ الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضاً، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود مع الفريقين(١). [تنبيه آخر]: اختُلِف في مراده بقوله: ((فلما رجعنا)) هل أراد الرجوع الأول، أو الثاني؟. فمالت جماعة، منهم أبو الطيب الطبريّ إلى الأول، وقالوا: تحريم الكلام كان بمكة، وحَمَلُوا حديث زيد بن أرقم ظُبه على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع من أن يتقدم الحكم ثم تنزل الآية بوفقه. ومالت طائفة إلى الترجيح، فقالوا بترجيح حديث ابن مسعود نظابه، فإنه حَكَى لفظ النبيّ ◌ُلّ﴾ بخلاف زيد، فلم يَحْكِه. وقالت طائفة: إنما أراد ابن مسعود رجوعه الثاني، وقد ورد أنه قَدِمَ المدينة، والنبي ﴾﴾ یتجهز إلى بدر. ورَوَى الحاكم في ((مستدركه)) من طريق أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، قال: ((بعثنا رسول الله وَله إلى النجاشيّ ثمانين رجلاً ... ))، فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: ((فتعجل عبد الله بن مسعود، فشهد بدراً))، وقال ابن إسحاق: إن المؤمنين وهم بالحبشة لما بلغهم أن النبيّ وَّ هاجر إلى المدينة، رجع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلاً، فمات منهم رجلان بمكة، وحُبِس بها منهم سبعة، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلاً، فشهدوا بدراً، فبان من ذلك أن ابن مسعود كان من هؤلاء، وأن اجتماعهم بالنبيّ وَّ كان (١) ((عمدة القاري)) ٣٩٠/٧ - ٣٩١. ٢٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة بالمدينة، قاله في ((العمدة))(١). (سَلَّمْنَا عَلَيْهِ) وََّ، والمراد أنهم سلّموا عليه، وهو يصلّي (فَلَمْ يَرُدَّ) بفتح الدال، ويجوز ضمّها، وكسرها (عَلَيْنَا) أي بالقول، وإلا فقد رَوَى ابن أبي شيبة من مرسل ابن سيرين أن النبيّ ◌َّه ردّ على ابن مسعود رَظُه في هذه القصّة السلام بالإشارة، أفاده في ((الفتح))(٢). (فَقُلْنَا) أي بعد الصلاة (يَا رَسُولَ اللهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ) أي قبل أن نهاجر إلى الحبشة (فَتَرُدُّ عَلَيْنَا؟) أي ترد علينا السلام بالقول، فلماذا تركت ذلك؟ (فَقَالَ) وَ ((إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلاً)) وفي رواية أحمد: ((لشُغلاً)) بلام التوكيد، وأشار في هامش نسخة محمد ذهني إلى أنه موجود في بعض نسخ مسلم . و((الشغل)): بضمّ الشين، وسكون الغين المعجمتين، وبضمّهما، قال القرطبيّ تَّتُهُ: اكتفى بذكر الموصوف عن الصفة، فكأنه قال: شُغْلاً كافياً، أو مانعاً من الكلام وغيره، ويُفهم منه التفرّغ للصلاة من جميع الأشغال، ومن جميع المشوّشات، والإقبال على الصلاة بظاهره وباطنه. انتهى (٣). وقال الطيبيّ ◌َُّهُ: التنكير فيه يَحْتَمِل التنويع، يعني أن شغل الصلاة قراءة القرآن، والذكر، والدعاء، لا الكلام، ويَحْتَمِلُ التعظيم، أي شُغلاً، أيَّ شغل؛ لأنها مناجاة مع الله تبارك وتعالى، واستغراق في خدمته، فلا تصلح للاشتغال بغيره. انتهى (٤). وقال النوويّ كَّلُهُ: معناه: أن وظيفة المصلي الاشتغال بصلاته، وتدبّر ما يقوله، فلا ينبغي أن يُعرِّج على غيرها من ردّ السلام ونحوه. انتهى(٥) . وزاد في رواية أبي وائل المتقدّمة: ((إن الله يُحدث من أمره ما يشاء، وإن الله قد أحدث أن لا تكلّموا في الصلاة))، وزاد في رواية كلثوم الخزاعيّ: (١) ((عمدة القاري)) ٣٩١/٧. (٢) ((الفتح)) ٨٨/٣. (٣) ((المفهم)) ٢/ ١٤٧. (٤) راجع: ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠٦٩/٣. (٥) ((شرح النوويّ)) ٢٧/٥. ٢٥٥ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٦) ((إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم، فقوموا لله قانتين، فأمرنا بالسكون))، قاله في ((الفتح)) (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود رعايته هذا متفقٌ عليه. [تنبيه]: انتقد أبو الفضل بن عمّار الشهيد هذا الإسناد في ((علله))، فقال : ووجدت فيه حديث ابن فُضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، كنا نسلّم على النبيّ وَطِّ ... الحديث. وبعده لِهُرَيم بن سُفيان، عن الأعمش مثله. قال أبو الفضل: وافقهما على ذلك جماعة: أبو عوانة، وأبو بدر شُجاع بن الوليد، ورواه الثوريّ، وشعبة، وزائدة، وجرير، وأبو معاوية، وحفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله، ولم يذكروا علقمة، وهؤلاء الذين أرسلوه أثبت، وأجلّ ممن وصله، ورواه الحكم بن عتيبة أيضاً، عن إبراهيم، عن عبد الله مرسلاً أيضاً، إلا ما رواه أبو خالد الأحمر عن شعبة موصولاً، فإنه وَهِمَ فيه أبو خالد. انتهى كلام أبي الفضل ◌َّتُهُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أبو الفضل في كلامه هذا ترجيح انقطاع الحديث على وصله، وجه الانقطاع أن إبراهيم النخعي لم يلق ابن مسعود، فروايته عنه منقطعة، وإنما رجّح أبو الفضل الانقطاع على الاتّصال؛ لكثرة من رووه كذلك، فإن الذين رووه موصولاً بذكر علقمة هم: محمد بن فُضيل، وهُريم بن سفيان، وأبو عوانة، وأبو بدر شُجاع بن الوليد، أربعة. (١) ((الفتح)) ٨٨/٣. (٢) راجع: ((شرح المقدّمة)) ١٤٧/١. ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة والذين رووه عن إبراهيم، عن عبد الله بدون ذكر علقمة هم: الثوريّ، وشعبة، وزائدة، وجرير بن عبد الحميد، وأبو معاوية، وحفص بن غياث، ستة . فرجّح أبو الفضل رواية هؤلاء؛ لجلالتهم، وهم أكثر أيضاً، لكن الذي يظهر لي أن الأرجح كونه موصولاً، كما هو صنيع الشيخين، حيث اتّفقا على إخراج الحديث موصولاً، وذلك لأن الذين رووه موصولاً جماعة، ثقات، حفّاظ، وأن الذين رووه منقطعاً، وإن كانوا أجلّ وأكثر، إلا أن للأولين مرجحین : [أحدهما]: أن الانقطاع بين إبراهيم وابن مسعود له حكم الاتّصال؛ لأن إبراهيم لا يرسل عنه إلا ما سمعه من أكثر من واحد، فقد ذكر ذلك الترمذيّ عنه بسند حسن، عن الأعمش، أنه قال: قلت لإبراهيم النخعيّ: أَسْنِدْ لي عن عبد الله بن مسعود، فقال: إذا حدّثتك عن رجل، عن عبد الله، فهو الذي سَمَّيتُ، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد. انتهى. قال الحافظ ابن رجب في ((شرحه)): وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، لكن عن النخعيّ خاصّةً فيما يُرسله عن ابن مسعود ظُه خاصّة. قال: وقد قال أحمد في مراسيل النخعيّ: لا بأس بها، قال: وقال ابن معين: مرسلات إبراهيم صحيحة إلا حديث تاجر البحرين، وحديث الضحك في الصلاة. انتهى باختصار(١). وإلى هذا أشرت في ((شافية الغُلَل)» حيث قلت: سِوَى حَدِيثَيْنٍ لَدَى يَحْيَى الثَّبَتْ وَمُرْسَلَاتُ النَّخَعِيِّ صُحِّحَتْ وَتَاجِرُ الْبَحْرَيْنِ فَاهْجُرُ مَا تُرِكْ حَدِيثُ إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِالضَّحِكْ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ عَزَاهَا قُلْ قَمِنْ وَكَوْنُهَا أَعْلَى مِنَ الْمُسْنَدِ إِنْ وراجع ما كتبه في شرح هذه الأبيات(٢). والحاصل أن مرسل إبراهيم النخعيّ عن ابن مسعود صحيح. (١) راجع: ((شرح علل الترمذيّ)) لابن رجب ٢٩٤/١. (٢) ((مزيل الخلل عن أبيات شافية الغُلل)) (ص ٥٧). ٢٥٧ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٦) [والثاني]: أن الحديث روي متّصلا عن ابن مسعود من طرق كثيرة، غير هذا الطريق، فقد أخرجه أحمد من طريق زائدة بن قُدامة، وأبو داود، من طريق أبان بن يزيد العطار، والنسائيّ من طريق ابن عيينة، ثلاثتهم عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: ((كنا نسلم في الصلاة، ونأمر بحاجتنا، فقدِمتُ على رسول الله بَّ، وهو يصلي، فسلمت عليه، فلم يُرُدّ عليّ السلام ... )) الحديث. وأخرجه النسائيّ من طريق الثوريّ، عن الزبير بن عديّ، عن كُلْثُوم الخزاعيّ، عن عبد الله وأخرجه ابن ماجه، والطحاويّ من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن أبي الأحوص، عن عبد الله وأخرجه أحمد من طريق أبي الجهم(١)، عن أبي الرَّضْرَاض(٢)، عن عبد الله بن مسعود، قال: ((كنت أُسْلُّم على رسول الله وَّ﴿ في الصلاة، فيردُّ عليّ ... )) الحديث. والحاصل أن الحديث متّصلاً أرجح، كما هو رأي الشيخين، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢٠٦/٧ و١٢٠٧] (٥٣٨)، و(البخاريّ) في (كتاب العمل في الصلاة)) (١١٩٩ و١٢١٦)، و((المناقب)) (٣٨٧٥)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٩٢٣)، و(النسائيّ) في ((السهو)) (١٢٢٠ و١٢٢١)، وفي ((الكبرى)) (١١٤٣ و١١٤٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٩/٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٤)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٧٧/١ و٤٣٥ و٤٦٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٨٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٨/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) هو سليمان بن الجهم، وثقه العجلي، وابن حبّان. (٢) اسمه رضراض، وثقه العجليّ، وابن حبّان. ٢٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١ - (منها): بيان تحريم الكلام في الصلاة. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن الكلام كان مباحاً في الصلاة، ثم حُرِّم، وكذلك في حديث زيد بن أرقم الآتي بعد هذا، واختلفوا متى حُرِّم؟ فقال قوم: بمكة، واستدلَّوا بحديث ابن مسعود ﴿ه، ورجوعه من عند النجاشيّ إلى مكة، وقال آخرون: بالمدينة، بدلیل حديث زيد بن أرقم فإنه من الأنصار، أسلم بالمدينة، وسورة البقرة مدنية، وسيأتي الخلاف قريباً - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): جواز السلام على من يُصلي؛ لأنه وَّر لم ينكر على من سلّم عليه، وهو في الصلاة، وإنما ترك الردّ عليه. ٤ - (ومنها): مشروعيّة ردّ السلام في الصلاة بالإشارة؛ لأنه ◌َ * ردّ بها. ٥ - (ومنها): أن الإشارة بالسلام لا تُبطل الصلاة؛ خلافاً لأبي حنيفة، والحديث يردّ عليه. ٦ - (ومنها): استحباب ردّ السلام باللفظ بعد الصلاة، وإن ردّ فيها بالإشارة؛ لأنه لو ردّ على ابن مسعود في الصلاة بالإشارة، وبعدها باللفظ، ففي رواية أبي داود من طريق عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: كنا نسلم في الصلاة، ... الحديث، وفي آخره: ((فردَّ عليّ السلام). ٧ - (ومنها): بيان أن الواجب في الصلاة اشتغال المصلي بقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، ولا يشتغل بما ينافيها، من السلام على الناس، وردّ سلامهم، وتشميت العاطس، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٧] ( ... ) - (حَدَّثَنِي(١) ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ، حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٢٥٩ (٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٧) رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (ابْنُ نُمَيْر) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ الجيّانيّ في كتابه ((تقييد المهمل)) بعد سوقه هذا الإسناد ما نصّه: هكذا رواه مسلم عن ابن نُمير، ووقع في بعض النسخ بدل ((ابن نُمير)): ((نا ابن مثنّى، قال: نا إسحاق بن منصور))، وفي بعضها أيضاً: ((نا ابن كثير، نا إسحاق)) وهذا كلّه خطأ، والحديث يرويه محمد بن عبد الله بن نُمير، عن إسحاق بن منصور، وكذلك خرّجه البخاريّ في ((الجامع))، عن محمد بن عبد الله بن نُمير، عن إسحاق السَّلُوليّ. انتهى كلام الجيّانِيّ كَّهُ(١). ٢ - (إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ) - بفتح السين المهملة، ولامين الأولى مضمومة - مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ تُكُلُّم فيه للتشيّع [٩] (ت٢٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٨/٢٢. ٣ - (هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ) - بهاء، وراء، آخره ميم، مصغّراً - البجليّ، أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ، من كبار [٩]. رَوَى عن إسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، والأعمش، ومنصور، وأبي إسحاق الشيبانيّ، وسهيل بن أبي صالح، وعبد ربه بن سعيد الأنصاريّ، وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن منصور السَّلُوليّ، وأسود بن عامر شاذان، وأبو غَسّان النَّهْديّ، وأبو داود الْحَفَريّ، وأبو نعيم، وأحمد بن عبد الله بن يونس، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن شاهين في ((الثقات)): قال عثمان بن أبي شيبة: هو صدوقٌ ثقةٌ، وقال البزار: صالح الحديث، ليس بالقويّ، وقال الدارقطنيّ: صدوقٌ. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. (١) ((تقييد المهمل، وتتمييو المشكل)) ٨١٣/٣. ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .. كتاب المساجد ومواضع الصلاة وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو: عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. وقوله: (نَحْوَهُ) هذه العبارة أيضاً هي عبارة البخاريّ، فإنه أخرج الحديث بإسنادي المصنّف، وذكر في الثاني هذه العبارة، قال الحافظ رَّتُهُ: ظاهرٌ في أن لفظ رواية هُرَيم غير مُتّحِد مع لفظ رواية ابن فضيل، وأن معناهما واحدٌ، وكذا أخرج مسلم الحديث من الطريقين، وقال في رواية هُرَيم أيضاً: ((نحوه)). قال: ولم أقف على سياق لفظ هُرَيم إلا عند الْجَوْزقيّ(١)، فإنه ساقه من طريق إبراهيم بن إسحاق الزهريّ، عنه، ولم أر بينهما مغايرةً، إلا أنه قال: ((قَدِمْنا)) بدل ((رجعنا))، وزاد: ((فقيل له: يا رسول الله))، والباقي سواء. قال: وللحديث طُرُقٌ أخرى، منها عند أبي داود، والنسائيّ من طريق أبي وائل(٢)، عن ابن مسعود، وعند النسائيّ من طريق كُلُثُوم الخزاعيّ، عنه، وعند ابن ماجه، والطحاويّ من طريق أبي الأحوص، عنه دَّثُ. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله عنه: لم يطّلع الحافظ على رواية أبي نعيم في ((مسنده المستخرج على صحيح مسلم))، فإنه ساقه بتمامه فيه، فالعزو إليه أولى من الْجَوزقيّ، وأيضاً فالمغايرة فيه ظاهرة، كما سيظهر لك في التنبيه التالي، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية هُريم هذه ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (٤٦٣/١)، فقال: (١٧٢٠) حدّثنا القاضي إبراهيم بن إسحاق بن أبي العنبس أبو إسحاق، قال: ثنا إسحاق بن منصور السَّلُوليّ، عن هُرَيم بن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نسلم على رسول الله وَال في الصلاة، فيرُدُّ علينا، فلما قَدِمنا من عند النجاشيّ، سلمنا عليه، فلم يُرُدّ، فقيل له، فقال: ((إن في الصلاة شُغْلاً)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) سيأتي في التنبيه أن أبا عوانة أخرجها في ((مسنده))، فتنبّه. (٢) وقع في نسخة ((الفتح)): ((أبي ليلى))، وهو تصحيف، فتنبّه. (٣) ((الفتح)) ٨٩/٣.