النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
(٦) - بَابُ جَوَازِ الإِفْعَاءِ عَلَى الْعَقِبَيْنِ - حديث رقم (١٢٠٣)
بالأرض، وتوسّد ساقيه قيل: فرطش، كذا وقع، وصوابه فرشط، بالفاء،
وتقديم الشين المعجمة، والطاء المهملة، وقد ذكره أبو عبيد في ((المصنَّف»،
قال القاضي عياض: والأشبه عندي في تأويل الإقعاء الذي قال فيه ابن
عبّاس ◌َّ: إنه من السنّة، الذي فسّره به الفقهاء من وضع الأليتين على العقبين
بين السجدتين، وكذا جاء مفسَّراً عن ابن عبّاس ﴿يَا: ((من السّنّة أن تُمِسّ
عقبيك أليتيك))، وقد روي عن جماعة من السلف والصحابة أنهم كانوا
يفعلونه. انتهى (١).
وقال النوويّ كَُّ: (اعلم): أن الإقعاء ورد فيه حديثان، ففي هذا
الحديث إنه سنةٌ، وفي حديث آخر النهي عنه، رواه الترمذيّ وغيره، من رواية
عليّ نَظُه، وابن ماجه من رواية أنس ظله، وأحمد بن حنبل من رواية سمرة
وأبي هريرة رضيها، والبيهقيّ من رواية سمرة وأنس ﴿ه، وأسانيدها كلّها ضعيفة.
وقد اختَلَف العلماء في حكم الإقعاء، وفي تفسيره اختلافاً كثيراً لهذه
الأحاديث، والصواب الذي لا مَعْدِلَ عنه أن الاقعاء نوعان:
[أحدهما]: أن يُلْصِقِ أَلْيتيه(٢) بالأرض، ويَنصِب ساقيه، ويَضَع یدیه على
الأرض، كإقعاء الكلب، هكذا فسَّره أبو عبيدة، معمر بن المثنَّى، وصاحبه أبو
عبيد، القاسم بن سَلَّام، وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي
ورد فيه النھي.
[والنوع الثاني]: أن يَجْعَل أَلْيَتَيْهِ على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو
مراد ابن عباس رضيًّا بقوله: ((سنة نبيكم وَّ﴾))، وقد نَصَّ الشافعيّ كَّتُهُ في
(البويطيّ))، و((الإملاء)) على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وحَمَل
حديث ابن عباس رضيها عليه جماعات من المحققين، منهم البيهقيّ، والقاضي
عياض، وآخرون - رحمهم الله تعالى -.
(١) «المفهم)) ١٣٦/٢.
(٢) ((الأَلْيَةُ)): أَلْيَة الشاة، قال ابن السِّكِّيت وجماعة: لا تُكسَر الهمزة، ولا يقال: لِيَّةٌ،
والجمعُ أَلَيَات، مثلُ سَجْدَة وسَجَدَات، والتثنية: أَلْيان بحذف الهاء على غير
قياس، وبإثباتها في لغة على القياس. انتهى. ((المصباح)) ٢٠/١.

٢٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال القاضي: وقد رُوِيَ عن جماعة من الصحابة والسلف، أنهم كانوا
يفعلونه، قال: وكذا جاء مفسَّراً عن ابن عباس ظه: ((من السنة أن تُمِسّ
عقبيك أَلْبيك))، هذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس ◌ًا، وقد ذكرنا
أن الشافعيّ على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وله نصٌّ آخر، وهو
الأشهر أن السنة فيه الافتراش.
وحاصله أنهما سنتان، وأيُّهما أفضل؟ فيه قولان.
وأما جِلْسَةُ التشهد الأول، وجِلْسة الاستراحة فسنتهما الافتراش، وجِلْسة
التشهد الأخير السنة فيه التورك، هذا مذهب الشافعيّ تَخْلُهُ، وقد سبق بيانه مع
مذاهب العلماء - رحمهم الله تعالى. انتهى كلام النوويّ كَّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصواب في تفسير الإقعاء
المذكور في حديث الباب أن يجعل أليتيه على عقبيه، وهما منصوبتان، وهذه
الكيفيّة من سنن الصلاة لا كراهة فيها، وأما الإقعاء الذي ورد فيه النهي، فهو
أن يُلْصِقِ أَلْيتيه بالأرض، ويَنصِب ساقيه، ويَضَع يديه على الأرض، كهيئة
جلوس الكلب، فهذا تفصيل المسألة.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾.
(٧) - (بابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٢٠٤] (٥٣٧) - (حَدَّثَنَا(٢) أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْبَةَ، وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
حَجَّاجِ الصَّوَّافِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَا (٣) أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلَّهِ إِذْ
(١) ((شرح النووي)) ١٩/٥.
(٣) وفي نسخة: ((بينما)).
(٢) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).

٢٠٣
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ:
وَانُكْلَ أُمَِّاهْ، مَا شَأْنْكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ،
فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي (١)، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّ صَلَّى رَسُولُ اللهِوَِّ، فَبِأَبِي هُوَ وَأَمِّي،
مَا رَأَيْتُ مُعَلِّماً قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيماً مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِ، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا
شَتَمَنِي، قَالَ(٢): ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ
التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ))، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالاً يَأْتُونَ الْكُهَّانَ،
قَالَ: (فَلَا تَأْتِهِمْ))، قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، قَالَ: ((ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي
صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ - قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ(٣) -: فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ))، قَالَ: قُلْتُ وَمِنَّا
رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: ((كَانَ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ))، قَالَ:
وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ، تَرْعَى غَنَمَاً لِي قِبَلَ أُحُدٍ، وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا
الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي
صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّهِ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ(٤): يَا رَسُولَ اللهِ،
أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: ((اثْتِنِي بِهَا))، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: ((أَيْنَ اللهُ؟)) قَالَتْ: فِي
السَّمَاءِ، قَالَ: (مَنْ أَنَا؟)) قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: ((أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٢٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقة حافظ مصنّف [١٠] (ت٢٣٥)
(خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
(١) وفي نسخة: ((يُصَمِّتُوني)) بالإدغام، وبدونه.
(٢) وفي نسخة: ((ثم قال)).
(٤) وفي نسخة: ((فقلت)).
(٣) وفي نسخة: ((وقال ابن الصبّاح)).

٢٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ
المعروف بابن عُلَيّة، ثقةٌ ثبت حافظ [٨] (ت١٩٣) عن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٣/٢.
٤ - (حَجَّاجُ الصَّوَّافُ) هو: حجّاج بن أبي عثمان ميسرة، أو سالم
الكنديّ مولاهم، أبو الصَّلْت البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت١٤٣) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣١٨/٥٢.
٥ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) واسمه صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو
نصر البصريّ، ثمّ اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويرسل [٥] (ت١٣٢) أو قبل ذلك
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤.
٦ - (هِلَالُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ) هو: هلال بن عليّ بن أُسامة، ويقال:
هلال بن أبي ميمونة، وهلال بن أبي هلال، العامريّ مولاهم المدنيّ، وبعضهم
نسبه إلى جدّه فقال: ابن أسامة، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وأبي سلمة بن
عبد الرحمن، وعطاء بن يسار، وأبي ميمونة المدنيّ.
ورَوَى عنه يحيى بن أبي كثير، وزياد بن سعد، ومالك، وفُليح، وسعيد بن
أبي هلال، وعبد العزيز بن الماجشون.
قال أبو حاتم: شيخٌ يُكْتَب حديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال
الدار قطنيّ: هلال بن عليّ ثقةٌ، وقال مسلمة في ((الصلة)): ثقةٌ قديمٌ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)).
قال الواقديّ: مات في آخر خلافة هشام بن عبد الملك.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٥٣٧)
وكرّره، و(١٠٥٢) و(١٥٦٦).
٧ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، مولی ميمونة، ثقةٌ فاضل،
صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٣] (ت٩٤) أو بعد ذلك (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٢٦/ ٢١٣.
٨ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ السُّلَمِيُّ) هو: معاوية بن الحكم بن خالد بن
صخر بن الشَّرِيد بن رَبَاح بنَ يقظة بن عُصيّةً بن خُفَاف بن امرئ القيس بن

٢٠٥
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
بهثة بن سُلَيم بن منصور(١) السُّلَميّ الصحابيّ
مضى
.
عنه
رَوَى عن النبيّ وَّ، وعنه ابنه كثير، وعطاء بن يسار، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن، قال البخاريّ: له صحبة، يُعدّ في أهل الحجاز، وقال أبو عمر
ابن عبد البرّ: كان ينزل المدينة، ويَسْكُن في بني سُلَيم، له عن النبيّ ◌َّ
حديث واحدٌ، في الكِهانة، والطّيَرة، والخطّ، وتشميت العاطس، وعتق
الجارية - يعني حديث الباب - قال: أحسن الناس له سياقةً يحيى بن أبي كثير،
عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء، عنه، ومنهم من يُقَطّعه، فيجعله أحاديث.
قال الحافظ: وله حديث آخر، من طريق ابنه كثير بن معاوية، عنه(٢). انتهى.
أخرج له البخاريّ في ((جزء القراءة))، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ،
وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
[تنبيه]: ((السُّلَميّ)) - بضمّ السين المهملة، وفتح اللام -: نسبة إلى
سُلَيم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس عَيْلان بن مُضَر، وهي قبيلة
مشهورة، قاله في ((اللباب))(٣) .
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف تََّتُهُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛
لاتفاقهما في صيغة الأداء، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن قوله: ((وتقاربا في اللفظ)) فيه إشارة إلى أن شيخيه بينهما
اختلاف قليل في لفظ الحديث، ومثله لا يضرّ الإجمال فيه، وقد أشرت إلى
هذه القاعدة في قولي:
مَعْنَى حَدِيثِهِمْ وَلَفْظُهُ افْتَرَقْ
وَلَوْ رَوَى عَنِ الشُّيُوخِ مَا اتَّفَقْ
وَيُورِدَ الْمَتْنَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ
يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ فِي السَّنَدِ
(١) راجع في نسبه: ((تحفة الأشراف)) ١١٦/٨.
(٢) هو ما ذكره في ((الإصابة)) ١١٨/٦ فقال: وأخرج البغويّ من طريق يعقوب بن
محمد الزهريّ، عن أسد بن موسى، عن ضِفَار بن حُميد، عن كثير بن الحكم
السُّلَميّ، عن أبيه، قال: كنا مع النبيّ وَّر، فأنزى أخي عليّ بن الحكم فرساً له
خندقاً ... فذكر الحديث.
(٣) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٤٦/١ - ٤٤٧.

٢٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
بِأَنْ أَشَارَ لِلْمُرَادٍ جَازَ لَهْ
مُبَيِّناً وَإِنْ يَكُنْ قَدْ أَجْمَلَهْ
وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى فَحَقِّقْ مَا رَأَوْا
فَقَالَ قَدْ تَقَارَبُوا فِي اللَّفْظِ أَوْ
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ، والصحابيّ، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأخرج له
البخاريّ في ((جزء القراءة)).
٤ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيين، وهم: هلال، وعطاء، ومعاوية،
وبصريين، وهم: إسماعيل، وحجاج، ويحيى، فهو بصريّ، يماميّ، وبغداديّ،
وهو أبو جعفر، وكوفيّ، وهو: أبو بكر بن أبي شيبة.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: يحيى، عن
هلال، عن عطاء، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة.
٦ - (ومنها): أن صحابيه ◌ُبه من المقلّين من الرواية، فليس له في
الكتب الستة إلا هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ) بضمّ، ففتح: نسبة إلى سُليم أحد
أجداده، أنه (قَالَ: بَيْنَا) وفي نسخة: ((بينما))، وقد تقدّم البحث فيها مستوفَّى
غير مرّة (أَنَا أُصَلِّ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ لِهِ إِذْ عَطَسَ) بفتح أوله وثانيه، يقال: عَطَسَ
عَظْساً، من باب ضَرَبَ، وفي لغة من باب قَتَلَ، والْمَعْطِسُ وزانُ مَجْلِس:
الأنف، وعَطَسَ الصبْحُ: أنار، على الاستعارة، قاله الفيّوميّ(١). (رَجُلٌ) بالرفع
على الفاعليّة (مِنَ الْقَوْم) متعلّق بصفة لـ((رجل)) (فَقُلْتُ: يَرْحَمَُكَ اللهُ) إنما قال له
ذلك لأنه وَّ أمره به، ففي رواية أبي داود: ((قال: لَمّا قَدِمتُ على رسول اللهِوَه
عُلُمْتُ أموراً من أمور الإسلام، فكان فيما عُلِّمتُ أن قال لي: إذا عَطَست
فاحمد الله، وإذا عطس العاطس، فَحَمِدَ الله، فقل: يرحمك الله، قال: فبينما
أنا قائم مع رسول الله وَّ في الصلاة، إذا عطس رجل، فَحَمِدَ الله، فقلت:
يرحمك الله، رافعاً بها صوتي، فرماني الناس بأبصارهم ... ))، الحديث.
(١) ((المصباح المنير)) ٤١٦/٢.

٢٠٧
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِّهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
(فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ) قال الطيبيّ تَخُّْهُ: أي أسرعوا في الالتفات
إليّ، ونفوذ البصر فيّ، استُعير من رمي السهم. انتهى (١).
وفي رواية النسائيّ: ((فحدّقني القوم بأبصارهم))، من التحديث، وهو شدّة
النظر، والمراد أنهم نظروا إليه نظرةً منكرة؛ إنكاراً عليه في تشميته ذلك
العاطس في الصلاة، وهو لا يجوز؛ لأنه من كلام الناس، وكلام الناس في
الصلاة لا يجوز (فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ) ((وا)) حرف نُدبة ونداء، والنُّدبة: نداءُ
الْمُتَفَجَّع عليه، نحو وازيداه، أو الْمُتَوَجَّع منه، نحو واظهراه.
و((الثكل)) بضمّ الثاء المثلّثة، وسكون الكاف، وبفتحهما لغتان، كالْبُخْل،
والْبَخَلِ، حكاهما الجوهريّ وغيره، وهو فقدان المرأة ولدها، يقال: ثَكِلتُهُ أمه
بكسر الكاف، من باب تَعِبَ: فقدته، وأثكله الله تعالى أمّه، وامرأة ثَكْلَى،
وثاكل، قاله النوويّ(٢).
وقال في ((المصباح)): ثَكِلَت المرأة ولدها ثَكَلاً، من باب تَعِبَ: فقدته،
والاسم: النُّكْلُ، وزانُ قُفْلٍ، فهي ثاكلٌ، وقد يقال: ثاكلةٌ، وثَكْلَى، والجمع:
ثَوَاكل، وثَكَالَى، وجاء فيهاً مِثْكَالٌ أيضاً بكسر الميم: أي كثيرة الثُّكْل، ويُعَدَّى
بالهمزة، فيقال: أثكلها الله ولدَهَا. انتهى(٣).
و (ثُكْلَ)) منادى مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة، و((أمياه)) بضمّ الهمزة،
وتشديد الميم، أصله: أُمّي، وهو مضاف إليه ((تُكْلَ))، ومضاف إلى ياء المتكلّم
المفتوحة، وزيدت الألف لمدّ الصوت، وأردف بهاء السكت الساكنة الثابتة في
الوقف المحذوفة في الوصل، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)) حيث قال:
مَتْلُؤُّهَا إِنْ كَانَ مِثْلَهَا حُذِفْ
وَمُنْتَهَى الْمَنْدُوبِ صِلْهُ بِالأَلِفْ
إلى أن قال:
وَإِنْ تَشَا فَالْمَدَّ وَالْهَا لَا تَزِدْ
وَوَاقِفاً زِدْ هَاءَ سَكْتٍ إِنْ تُرِدْ
فكأن معاوية ظ به قال: وافُقْدان أُمّي ولدها - يعني نفسه - وذلك لعلمه
بأنه فعل في الصلاة فعلاً منافياً لها .
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠٦٦/٣.
(٢) ((شرح النووي)) ٢٠/٥.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٨٣.

٢٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
(مَا شَأْنْكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟) ((ما)» استفهامية مبتدأ خبرها ((شأنكم)»، وفي
رواية النسائيّ: ((ما لكم تنظرون إلىّ؟)) (فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ)
وفي رواية النسائيّ: ((فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم))، وإنما فعلوا ذلك
زيادةً في الإنكار حتی یسکت.
قال القرطبيّ تَخْتُهُ: يَحْتَمِل أن يكون هذا الفعل منهم قبل نهي النبيّ وَلـ
عن التصفيق، والأمر بالتسبيح، ويَحْتَمِلُ أن يقال: إنهم فَهِمُوا أن التصفيق
المنهيّ عنه إنما هو ضرب الكفّ على الكفّ، أو الأصابع على الكفّ، ويبعُدُ
أن يُسمَّى مَن ضَرَبَ على فخذه، وعليها ثوبه مصفِّقاً، ولهذا قال: ((فجعلوا
يضربون بأيديهم على أفخاذهم))، ولو كان يسمَّى تصفيقاً لكان الأقرب في
اللفظ أن يقول: يُصفّقون، لا غير. انتهى(١).
وقال النوويّ رَّتُهُ: وفيه دليلٌ على جواز الفعل القليل في الصلاة، وأنه
لا تبطل به الصلاة، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة. انتهى (٢).
(فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي) بضمّ أوله، وتشديد الميم، أو تخفيفها، من
التصميت، أو الإصمات، قال الفيّومي: صَمَتَ صَمْتاً، من باب قتل: سكت،
وصُمُوتاً، وصُمَاتاً، فهو صامت، وأصمته غيره، وربّما استعمل الرباعيّ لازماً
أيضاً. انتهى(٣).
وقال المجد: الصَّمْتُ والصُّمُوتُ، والصُّمَاتُ: السكوت، كالإصمات،
والتصميت، قال: وأصمته، وصَمّته: أسكته، لازمان متعدّيان. انتهى (٤).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما ذكر أن المناسب لما هنا التعديّ،
من الإصمات، أو التصميت، وهو بنونين الأولى نون الرفع، والثانية نون
الوقاية، كما قال في ((الخلاصة)):
نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسِي)) قَدْ نُظِمْ
وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ
ويجوز إدغام نون الرفع في نون الوقاية، كقوله تعالى: ﴿أَتُحَُّونِ﴾
و﴿تَأْمُرُونِِّ﴾ .
(١) ((المفهم)) ١٣٨/٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٤٦/١ - ٣٤٧.
(٢) ((شرح النووي)) ٢٠/٥.
(٤) ((القاموس المحيط)) ١/ ١٥٢.

٢٠٩
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
وفي بعض النسخ: ((يُصمتوني)) بحذف إحدى النونين، والصحيح أنها نون
الرفع، كما هو معروف في محلّه.
وقوله: (لَكِنِّي سَكَتُّ) استدراك على محذوف جوابٍ لـ«لَمّا))، أي فلَمّا
رأيتهم يصمتونني أردت أن أُخاصمهم، لكني سكتّ عن ذلك.
وقال الطيبيّ كَُّهُ: قوله: ((لكني سكت)) هكذا في الأصول على ما ذُكر
في المتن، ولا بدّ من تقدير جواب ((لَمّا))، ومستدرك (لكن))؛ ليستقيم المعنى،
فالتقدير: فلما رأيتهم يصمتونني غَضِبتُ وتغيّرتُ، لكني سكت، ولم أعمل
بمقتضى الغضب. انتهى(١).
وقال الشوكانيّ كَُّهُ: قال المنذريّ ◌َّتُهُ: يريد لم أتكلّم، لكنّي سكتُ،
وورود ((لكن)) هنا مشكلٌ؛ لأنه لا بدّ أن يتقدّمها كلام مناقضٌ لما بعدها، نحو
ما هذا ساكتاً، لكنه متحرٌّ، أو ضدّ له، نحو ما هو أبيض، لكنه أسود.
ويَحْتَمل أن يكون التقدير هنا: فلما رأيتهم يصمّتوني لم أكلّمهم، لكني
سكتُ، فيكون الاستدراك لرفع ما تُؤُهّم ثبوته، مثلُ ما زيدٌ شُجاعاً، لكنه
كريمٌ؛ لأن الشجاعة والكرم لا يكادان يفترقان، فالاستدراك من توهّم نفي
کرمه.
ويَحْتَمِلُ أن تكون ((لكن)) هنا للتوكيد، نحو لو جاءني أكرمته، لكنه لم
يجئ، فأكّدت ((لكن)) ما أفادته (لو)) من الامتناع، وكذا في الحديث أكّدت
((لكن)) ما أفاده ضربهم من ترك الكلام. انتهى (٢).
(فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَّهِ﴾ أي انتهى من صلاته، قال الطيبيّ نَُّ:
جواب (لَمّا)) قوله: ((قال: إن هذه الصلاة ... إلخ))، وقوله: ((فبأبي هو وأمّي))
إلى قوله: ((قال)) معترضٌ بين (لَمّا)) وجوابها. انتهى كلام الطيبيّ، وتبعه ابن
حجر الهيتميّ، وقال: واعتُرض بينهما بما فيه غاية الالتئام والمناسبة لهما .
انتھی .
وقال ميرك: الأولى أن يقال: جواب قوله: ((فَلَمّا صلّى ... إلخ))
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠٦٦/٣.
(٢) (نيل الأوطار)) ٣٧١/٢.

٢١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
محذوف، وهو ما دلّ عليه جملة ((فبأبي هو وأمي ما رأيت معلّماً ... إلخ))،
أي اشتَغَل بتعليمي بالرفق، وحسن الكلام. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأحسن تقدير جواب (لَمّا)) بما وقع في
الرواية الأخرى، أي ((دعاني ... إلخ))، فقد وقع ذلك فيما أخرجه النسائيّ،
ولفظه: ((فلما انصرف رسول الله وَ ﴾ دعاني بأبي وأمي هو ... إلخ))، وإنما
استحسنت هذا؛ لأن خير ما فُسّر به الوارد بالوارد، ومعنى ((انصرف)) أي سلّم
من صلاته.
(فَبِأَبِي هُوَ وَأَمِّي) قال الطيبيّ ◌َُّهُ: هذه الفاء كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا
تَكُنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِ مِرْيَةٍ مِّنْ لِقَائِهِ.
وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ (٣)﴾ [السجدة: ٢٣]، فإنه عطف ﴿وَجَعَلْنَهُ﴾ على
﴿وَانَيْنَا﴾، وأوقعها معترضةً بين المعطوف والمعطوف عليه. انتهى.
وقوله: ((بأبي هو وأمّي)) الجارّ والمجرور متعلّق بمحذوف خبرٍ لـ((هو))
مقدّماً عليه، أي هو مفديّ بأبي وأميّ.
(مَا) نافية (رَأَيْتُ مُعَلِّماً قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ) بالنصب مفعول ثانٍ [((رأيتُ))
إن كانت علميّةً، أو منصوب على الحال، إن كانت بصريّةً، أي ما علمت، أو
ما أبصرت قبله وَله، ولا بعده معلِّماً أحسن منه، وقوله: (تَعْلِيماً) منصوب على
التمييز، أي من حيث التعليمُ (مِنْهُ) وَلّ متعلّق بـ((أحسن)).
ثم بيّن حسن تعليمه وَ له بقوله: (فَوَ اللهِ مَا كَهَرَنِي) ((ما)) نافيةٌ، و((كهر)) من
باب مَنَعَ، قال أبو عُبيد: الْكَهْرُ: الانتهار، وقيل: الْعُبُوسُ في وجه من يلقاه.
انتھی.
وقرأ ابن مسعود دَظُه: ﴿فَمَّا أَلْيَغِيَمَ فَلَا نَقْهَرْ
[الضحى: ٩] بالكاف.
والمعنى هنا: أنه لم ينتهرني، ولا أغلظ لي القول، ولا استقبلني بوجه
عَبُوس على ما فعلتُ من المخالفة في الصلاة.
(وَلَا ضَرَبَنِي) تأديباً على ما أسأت في صلاتي بقولي: يرحمك الله (وَلَا
شَتَمَنِي، قَالَ) وَّرَ، وهو جواب ((فلما صلى ... إلخ)) على ما قاله الطيبيّ،
(١) راجع ((المرعاة)) ٣٣٩/٣.

٢١١
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
وعلى ما قاله غيره جملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً، كأنه قيل له: ما الذي قاله لك
في تعليمه الحسن؟، فقال: ((قال: إن هذه الصلاة ... إلخ)).
وفي بعض ((النسخ)) ((ثم قال))، وهو واضح.
((إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ) وفي رواية النسائيّ: ((إن صلاتنا هذه))، والمراد مطلق
الصلاة، فيشمل الفرض والنفل (لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ) وفي رواية: ((لا يحلّ))،
وقوله: (يصلح)) بضمّ اللام وفتحها، يقال: صلح الشيءُ صُلُوحاً، من باب
قعد، وصلاحاً أيضاً، وصَلُحَ يَصْلُحُ بضمّ اللام فيهما لغةٌ، وهو خلاف فَسَدَ،
وصَلَحَ يَصْلَحُ بفتحتين لغةٌ ثالثةٌ، أفاده الفيّوميّ(١).
وقوله: (مِنْ كَلَامِ النَّاسِ) بيان لـ((شيء))، أي ما يجري في مخاطباتهم
ومحاوراتهم.
قال الشوكانيّ كَّتُهُ: و((كلام الناس)) اسم مصدر يراد به تارةً ما يُتكلّم به،
على أنه مصدر بمعنى المفعول، وتارةً يراد به التكليم للغير، وهو الخطاب،
والظاهر أن المراد به ههنا الثاني بشهادة السبب. انتهى (٢).
وقال السيوطيّ في ((شرح النسائيّ)): هذا من خصائص هذه الشريعة، ذكر
القاضي أبو بكر ابن العربيّ: أن شريعة بني إسرائيل كان يباح فيها الكلام في
الصلاة دون الصوم، فجاءت شريعتنا بعكس ذلك.
وقال ابن بطّال ◌َّتُهُ: إنما عيب على جُريج عدم إجابته لأمه، وهو في
الصلاة؛ لأن الكلام في الصلاة كان مباحاً في شرعهم، وفي شرعنا لا يجوز
قطع الصلاة لإجابة الأمّ؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. انتهى(٣).
(إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ)) ((هو)) ضمير يعود إلى الشيء
الذي يصلح في الصلاة، وهو مبتدأ خبره ((التسبيح ... إلخ))، وفي رواية: ((إنما
هي التسبيح))، أي الصلاة، وقوله: (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ) ((أو)) للشكّ من
الراوي، وهو معاوية بن الحكم، أو من دونه، أتى به تحرّياً واحتياطاً في
الألفاظ النبويّة، والله تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٤٥/١.
(٣) ((زهر الربى في شرح المجتبى)) ١٧/٣.
(٢) ((نيل الأوطار)) ٢١١/٣.

٢١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال النوويّ كَّلُهُ: معنى قوله: ((إنما التسبيح ... إلخ)): هذا ونحوه، فإن
التشهد والدعاء والتسليم من الصلاة، وغير ذلك من الأذكار مشروع فيها،
فمعناه: لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ومخاطباتهم، وإنما هي التسبيح،
وما في معناه من الذكر والدعاء، وأشباههما مما ورد به الشرع. انتهى.
وقال الشوكانيّ نَّثُهُ: قوله: ((إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)) هذا
الحصر يدلّ بمفهومه على منع التكلم في الصلاة بغير الثلاثة، وقد تمسكت به
الطائفة القائلة بمنع الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن من الحنفية، والهادوية.
ويجاب عنهم بأن الأحاديث المثبتة لأدعية، وأذكار مخصوصة في
الصلاة، مُخَصِّصة لعموم هذا المفهوم، وبناء العام على الخاص متعين، لا سيما
بعدما تقرر أن تحريم الكلام كان بمكة، كما قدمنا، وأكثر الأدعية والأذكار في
الصلاة كانت بالمدينة، وقد خصصوا هذا المفهوم بالتشهد، فما وجه امتناعهم
من التخصيص بغيره؟ وهذا واضح، لا يلتبس على من له أدنى نظر في العلم،
ولكن المتعصِّب أعمى، وكم من حديث صحيح، وسنة صريحة قد نصبوا هذا
المفهوم العام في مقابلتها، وجعلوه معارضاً لها، وردّوها به، وغَفَلُوا عن بطلان
معارضة العام بالخاص، وعن رجحان المنطوق على المفهوم، إن سَلِمَ
التعارض. انتهى كلام الشوكانيّ دَّثُ. وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
قال معاوية بن الحكم به (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ
بِجَاهِلِيَّةٍ) ولفظ أبي داود: ((إنا قوم حديثو عهد بجاهليّة))، فقوله: ((حديث عهد))
خبر ((إنّ))، ذكر في ((القاموس)) من معاني ((العهد)): المعرفة، والوقت، فيكون
المعنى هنا: قريب الوقت من الأمور الجاهليّة، أو قريب المعرفة بها(١).
وقال في ((المصباح)): هو قريب العهد بكذا: أي قريب العلم والحال.
(٢)
انتھی
.
و((الجاهليّة)): قال العلماء: هي ما قبل ورود الشرع، سُمُّوا جاهليّةً؛
لكثرة جهالاتهم، وفُحشهم(٣).
(١) ((القاموس المحيط)) ٣٢٠/١.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٢/٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٣٥/١.

٢١٣
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
والمراد أنه أسلم قريباً، ولا يعرف أحكام الدين.
(وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْإِسْلَام) قال السنديّ رَّتُهُ: عطف على مقدّر، أي كنّا
فيها، فجاء الله بالإسلام. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى هذا التقدير، فإن الكلام مستقيم
لا يحتاج إلى تقدير شيء، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وإنما ذكر معاوية به هذا الكلام تمهيداً للأسئلة التالية.
(وَإِنَّ مِنَّا رِجَالاً يَأْتُونَ الْكُمَّانَ) بضم الكاف، وتشديد الهاء: جمع كاهن،
يقال: كَهَنَ له، كمنع، ونصر، وكَرُم كَهَانةً بالفتح، وتكهّن تكهّناً: قَضَى له
بالغيب، فهو كاهن، وجمعه كَهَنَةٌ، وكُهّانٌ، ككافر وكَفَرَة، وكُفّار، وحرفته
الكِهانة بالكسر، أفاده في ((القاموس))(١).
وقال القرطبيّ كَُّ: ((الكُهّان)) جمع كاهنٍ، ككاتب وكُتّاب، والكاهن:
الذي يتعاطى علم ما غاب عنه، وكانت الْكِهانة في الجاهليّة في كثير من الناس
شائعةً فاشيةً، وكان أهل الجاهليّة يترافعون إلى الكهّان في وقائعهم وأحكامهم،
ويرجعون إلى أقوالهم، كما فَعَل عبد المطّلب حيث أراد ذبح ابنه عبد الله في
نذر كان نذره، فمنعته عشيرته من ذلك، وسَرَى أمرهم حتى ترافعوا إلى كاهن
معروف عندهم، فحكم بينهم بأن يَفْدُوه بمائة من الإبل على ترتيب ذُكِر في
السيرة، وإنما كان الكاهن يتمكّن من التكهّن بواسطة تابعه من الجنّ، وذلك أن
الجنّيّ كان يسترق السمع، فيَخطَّف الكلمة من الملائكة، فيُخبر بها وليّه،
فيتحدّث بها، ويزيد معها مائة كذبة، كما قال رسول الله وص له، فلما بعث الله
رسوله وَه ◌ُرسلت الشُّهُب على الجنّ، فلم يتمكّنوا مما كانوا يتمكّنون منه قبل
ذلك، فانقطعت الْكِهانة؛ لئلا يجُرّ ذلك إلى تغيير الشرع، ولبس الحقّ بالباطل،
لكنها وإن كانت قد انقطعت فقد بقي في الوجود قوم يتشبّهون بأولئك الْكُهّان،
فنهى رسول الله وَّ﴿ عن اتّباعهم؛ لأنهم كَذَبَةٌ مُمَخرِقُون مبطلون ضالّون
مضلّون، فيحرُم إتيانهم، والسماع منهم، وقد كثُر هذا النوع في كثير من نساء
الأندلس، وكثير من رجال غير الأندلس، فليُحْذَر الإتيان إليهم، والسماع
(١) ((القاموس المحيط)) ٤/ ٢٦٤.

٢١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
منهم. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّهُ(١).
وقال الخطابيّ كَُّ: كان في العرب كَهَنَةٌ يَدَّعُون أنهم يَعرِفون كثيراً من
الأمور، فمنهم مَن يزعُم أن له رَئِيّاً من الجنّ، يُلقي إليه الأخبار، ومنهم مَن
يَدَّعي استدراك ذلك بفهم أُعطيه، ومنهم من يُسَمَّى عَرّافاً، وهو الذي يزعم
معرفة الأمور بمقدَّمات أسباب، يستدل بها لمعرفة مَن سَرَقَ الشيء الفلانيّ،
ومعرفة مَن يُتَّهَم به المرأة، ونحو ذلك، ومنهم من يُسمّي المنجِّم كاهناً، قال:
والحديث يشتمل على النهي عن إتيان هؤلاء كلّهم، والرجوع إلى قولهم،
وتصدیقھم فیما يدَّعونه. انتهى.
(قَالَ: (فَلَا تَأْتِهِمْ))) أي الكُهّان، والنهي للتحريم، قال النوويّ كَُّهُ: قال
العلماء: إنما نُهِيَ عن إتيان الكُهّان لأنهم قد يتكلمون في مُغَيَّبات قد يُصادف
بعضها الإصابة، فيُخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك، ولأنهم يُلَبِّسُون على
الناس كثيراً من أمر الشرائع.
وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكُهّان، وتصديقهم
فيما يقولون، وتحريم ما يُعْطَون من الْحُلْوان، وهو حرام بإجماع المسلمين،
وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة، منهم أبو محمد البغويّ - رحمهم الله
تعالى -.
قال البغويّ: اتَّفَقَ أهل العلم على تحريم حُلْوان الكاهن، وهو ما أخذه
المتكهِّن على كهانته؛ لأن فعل الكهانة باطل، لا يجوز أخذ الأجرة عليه.
وقال الماورديّ في ((الأحكام السلطانية)): ويَمْنَعُ المحتَسِب الناس من
التكسب بالكهانة، واللهو، ويؤدِّب عليه الآخذ والمعطي.
وقال الخطابيّ تَخُّهُ: حُلْوان الكاهن ما يأخذه المتكهِّن على كِهانته، وهو
محرَّم، وفعله باطل، قال: وحُلْوان العرّاف حرام أيضاً، قال: والفرق بين
العرّاف والكاهن، أن الكاهن إنما يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل،
ويدَّعِي معرفة الأسرار، والعراف يتعاطى معرفة الشيء المسروق، ومكان
(٢)
الضالة، ونحوهما. انتهى
.
(١) ((المفهم)) ١٣٩/٢ - ١٤٠.
(٢) ((شرح مسلم)) ٢٣/٥.

٢١٥
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
(قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَّيَّرُونَ) أي يتشاءمون بالطيور، يقال: تطيّر من
الشيء، واطّر منه، والاسم الطََّرة، وزانُ عِنَبَة، وهي التشاؤم، وكانت العرب
إذا أرادت المضيّ لمهمّ مرّت بمجاثم الطير وأثارتها؛ لتستفيد هل تمضي، أو
ترجع؟ فَنَهَى الشرع عن ذلك، قاله الفيّومِيّ ◌َُّهُ(١).
وقال ابن الأثير رَخْتُهُ: ((الطَّيَرَة)) - بکسر الطاء، وفتح الياء، وقد تسكن -:
هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تَطَيَّر، يقال تَطَيَّرَ طِيَرَةً، وَتَخَيَّرَ خِيَرَةً، ولم
يجئ من المصادر هكذا غيرهما.
وأصل التطيُّر: التفاؤل بالطير، واستُعمل لكلّ ما يُتفاءل به، ويُتشاءم،
وكانت العرب تتطيّر بالطيور والظباء، فيستبشرون بالسَّوَانح، وهي أن يَمُرّ الطير
والصيد من اليسار إلى اليمين، ويتشاءمون بالْبَوَارِح، وهي مرور الطير والصيد
من اليمين إلى اليسار، وكان ذلك يصدّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع،
وأبطله، ونَهَى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع، أو دفع ضر. انتهى
بتصرّف(٢).
(قَالَ) النبيّ وَلَه جواباً عن سؤاله هذا: ((ذَاكَ) إشارة إلى التطيّر المفهوم
من ((يتطيّرون)) (شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ) أي ليس له أصلٌ يُستنَد إليه، ولا له
بُرهان يُعتمد عليه، ولا هو في كتاب منزل من عند الله تعالى، وقيل: معناه:
أنه معفُوّ عنه؛ لأنه يوجد في النفس بلا اختيار، نَعَم المشي على وفقه منهيّ
عنه، فلذا قال: (فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ))) أي لا يمنعنّهم عما هم فيه.
قال القرطبيّ ◌َّتُهُ: معنى ذلك أن الإنسان بحكم العادة يجد في نفسه
نفرةً وكراهةً مما يُتطيّر به، فينبغي له أن لا يلتفت إلى تلك النفرة، ولا لتلك
والكراهة، ويمضي لوجهه الذي خرج إليه، فإن تلك الطيرة لا تضرّ، وإن لم
تضرّ فلا تصدّ الإنسان عن حاجته، وأشار به إلى أن الأمور كلّها بيد الله
تعالى، فينبغي أن يُعوَّل عليه، وتُفَوَّضَ جميع الحوائج إليه، ويُفهَم منه أن هذا
الوجدان لتك النفرة لا يُلام واجدها عليها شرعاً؛ لأنه لا يقدر على الانفكاك
(١) ((المصباح المنير)) ٣٨٢/٢.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٥٢/٣.

٢١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
عنها، وإنما يلام الإنسان، أو يُمدَح على ما كان داخلاً تحت استطاعته.
انتھی(١).
وقال النوويّ كَُّهُ: قال العلماء: معناه أن الطَّرة شيء تجدونه في
نفوسكم ضرورةً، ولا عَتْبَ عليكم في ذلك، فإنه غير مُكْتَسَبٍ لكم، فلا تكليف
به، ولكن لا تمتنعوا بسببه عن التصرف في أموركم، فهذا هو الذي تقدرون
عليه، وهو مكتسب لكم، فيقع به التكليف، فنهاهم رَّ عن العمل بالطيرة،
والامتناع عن تصرفاتهم بسببها .
قال: وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في النهي عن التّطَيُّر والطَّرَة،
وهو محمول على العمل بها، لا على ما يوجد في النفس من غير عمل على
مقتضاه عندهم. انتهى.
(قَالَ) وفي نسخة: ((وقال)) (ابْنُ الصَّبَّاحِ) هو: محمد بن الصبّاح شيخه
الأول (فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ) يعني بكاف الخطاب بدلَ قول أبي بكر بن أبي شيبة: ((فلا
يصدّنّهم)) بضمير الغائبين، وهذا من احتياط المصنّف تَخْلُهُ، وشدّة ورعه في
المحافظة على أداء ما سمعه كما سمعه، وإن لم يختلف به المعنى، فلله درّه،
ما أحسن صنيعه تَخْتُ.
(قَالَ) معاوية بن الحكم رَّهُ (قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ) أي يستعملون
خطاً معروفاً عندهم يدّعون به التوصّل إلى معرفة النجاح والخيبة في قضاء
الحاجة.
قال في ((اللسان)): الخط: الكتابة ونحوها مما يُخَطّ، ورَوَى أبو العباس
عن ابن الأعرابيّ أنه قال في الطَّرْق(٢).
وقال في ((النهاية)): قال ابن عباس ﴿ّ: ((الخط)): هو الذي يَخُظُه
الحازي، وهو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي، فيُعطيه
حُلْواناً، فيقول له: اقعُد حتى أَخُطّ لك، وبين يدي الحازي غلام له، معه مِيلٌ
له، ثم يأتي إلى أرض رِخْوَة، فيخط الأستاذ خطوطاً كثيرة بالعجلة؛ لئلا
يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مَهَلٍ خطين خطين، فإن بقي من
(١) ((المفهم)) ١٤١/٢.
(٢) لسان العرب ٢٨٧/٧.

٢١٧
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
الخطوط خطان، فهما علامة قضاء الحاجة والنُّجْح، قال: والحازي يمحو،
وغلامه يقول للتفاؤل: ابْنَيْ عِيَان أَسْرِعًا البيان، قال ابن عباس: فإذا محا
الحازي الخطوط، فبقي منها خط واحد، فهي علامة الخيبة في قضاء الحاجة.
قال: وكانت العرب تُسَمِّي ذلك الخط الذي يبقى من خطوط الحازي:
الأَسْحَم، وكان هذا الخط عندهم مشؤوماً .
وقال الحربيّ: الخط هو أن يَخُطّ ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهنّ
بشعير، أو نَوَى، ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكِهانة.
قال ابن الأثير: الخط المشار إليه علم معروف، وللناس فيه تصانيف
كثيرةٌ، وهو معمول به إلى الآن، ولهم فيه أوضاع، واصطلاحٌ، وأسامِ،
ويستخرجون به الضمير وغيره، وكثيراً ما يصيبون فيه. انتهى (١).
(قَالَ) وَ ((كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ) قيل: المراد به إدريس، وقيل: دانيال
(يَخُطُّ) بالبناء للفاعل، من باب نصر، أي يستعمل الخطّ معجزةً له (فَمَنْ وَافَقَ
خَطَّهُ) يَخْتمل الرفع على الفاعليّة، والمفعول محذوفٌ، والنصب على
المفعوليّة، والفاعل الضمير المستتر في ((وافق)) يعود إلى النبيّ على حذف
مضاف، أي خطّ ذلك النبيّ، يعني أن من وافق من الناس خطُّهُ خطّ ذلك النبيّ
(فَذَاكَ))) خبر مبتدأ محذوف، واختُلف في تقديره، فقيل: فذاك مباحٌ، وقيل:
فذاك الذي تجدون إصابته فيما يقول، والجملة جواب الشرط.
وقال في ((المنهل)): قوله: ((فذاك)) أي فهو مُصيبٌ، وعالمٌ مثل ذلك
النبيّ، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقينيّ بالموافقة، وامتَنَعت الموافقة؛ لأن
خطّه كان معجزةً، ولأنه كان يَعرِف بالفراسة بواسطة نلك الخطوط، فلا يُلْحَق
به أحدٌ من غير الأنبياء في صفة ذلك الخطّ؛ لقوّة فراسته، وكمال علمه
وورعه. انتهى(٢).
وقال النوويّ نَّتُهُ: اختَلَفَ العلماءُ في معناه، فالصحيح أن معناه: من
وافق خظُّهُ فهو مباح، ولا طريق لنا إلى العلم اليقينيّ بالموافقة، فلا يباح،
والمقصود أنه حرام؛ لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها .
(١) ((النهاية)) ٢ / ٤٧.
(٢) ((المنهل العذب المورود)) ٣٢/٦.

٢١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وإنما قال النبيّ وَّرَ: ((فمَن وافق خطه فذاك))، ولم يقل: هو حرام بغير
تعليق على الموافقة؛ لئلا يَتَوهّم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبيّ الذي
كان يَخُط، فحافظ النبيّ وَّ على حرمة ذاك النبيّ، مع بيان الحكم في حقنا.
فالمعنى أن ذلك النبيّ لا منع في حقّه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا
علم لكم بها .
وقال الخطابيّ: هذا الحديث يَحْتَمِل النهي عن هذا الخطّ؛ إذ كان عَلَماً
النبوة ذاك النبيّ، وقد انقطعت، فتُهِينا عن تعاطي ذلك.
قال القاضي عياض: الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خطّ من
يوافق خطّه، لكن من أين نعلم الموافقة؟ والشرع منع من التخرُّص، وادّعاء
الغيب جملةً، وإنما معناه: أن من وافق خظُّه فذاك الذي تجدون إصابته فيما
يقول، لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم، وعليه يدلّ ظاهر
قول ابن عبّاس، قال: ويَحْتَمُل أن هذا نُسِخَ في شرعنا. انتهى كلام
القاضي(١).
قال النوويّ بعدما تقدّم: فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق
على النهي عنه الآن(٢).
وقال القرطبيّ: حَكَى مكيّ في ((تفسيره)) أنه رُوي أن هذا النبيّ كان يخطّ
بأصبعه السبابة والوسطى في الرمل، ثم يزجر. انتهى(٣).
(قَالَ) معاوية رَّهِ (وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ) أي أمة، سُمّيت جاريةً؛ تشبيهاً لها
بالسفينة الجارية في البحر؛ لجريها مُسخَّرةً في أشغال مواليها، والأصل فيها
الشابّة؛ لخفّتها، ثم توسّعوا حتى سَمَّوا كلَّ أمة جاريةً، وإن كانت عجوزاً لا
تقدر على السعي؛ تسميةً بما كانت عليه، وجمعها جواري، أفاده الفيّوميّ (٤).
(تَرْعَى غَتَمَاً لِي) ((الغنم)): اسم جنس يُطلق على الضأن والمعز، وقد يُجمع
على أغنام على معنى قُطْعَانات من الغنم، ولا واحد له من لفظه، قاله ابن
الأنباريّ، وقال الأزهريّ أيضاً: الغنم: الشاة، الواحدة: شاةٌ، وتقول العرب:
(١) ((إكمال المعلم)) ٢ / ٤٦٤.
(٣) («المفهم)) ١٤١/٢ _ ١٤٢.
(٢) «شرح النووي)) ٢٣/٥.
(٤) ((المصباح المنير)) ١/ ٩٨.

٢١٩
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ - حديث رقم (١٢٠٤)
راح على فلان غَنَمان، أي قَطِيعان من الغنم، كلُ قطيع منفرد بمرعَّى وراعٍ،
وقال الجوهريّ: الغنم اسم مؤنّثٌ موضوع لجنس الشاء، يقع على الذكور
والإناث، وعليهما، ويُصَغَّر، فتدخل الهاء، فيقال: غُنيمة؛ لأن أسماء الجموع
التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين، وصُغِّرت، فالتأنيث لازم
لها . انتھی(١).
(قِبَلَ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: أي جهةَ (أُحُدٍ) بضمّتين: الجبل
المعروف بقرب المدينة النبويّة من جهة الشام، وكانت به الوقعة المشهورة في
أوائل سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّرٌ، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على
توهّم البُقْعة، فيُمنع، وليس بالقويّ (٢). (وَالْجَوَّانِيَّةِ) بفتح الجيم، وتشديد
الواو، وبعد الألف نون مكسورة، ثم ياء مشدّدة، قال النوويّ: هكذا ضبطناه،
وكذا ذكر أبو عُبيد البكريّ، والمحققون، وحَكَى القاضي عياض عن بعضهم
تخفيف الياء، والمختار التشديد، والجوّانية بقرب أُحُد: موضع في شَمَاليّ
المدينة، وأما قول القاضي عياض: إنها من عَمَلِ الْفُرْع فليس بمقبول؛ لأن
الْفُرْع بين مكة والمدينة بعيد من المدينة، وأُحُد في شماليّ المدينة، وقد قال
في الحديث: ((قِبَلَ أُحُد، والجوّانيّة))، فكيف يكون عند الفُرْع؟. انتهى(٣).
(فَاطَّلَعْتُ) بتشديد الطاء المهملة، من الاطّلاع، يقال: اطّلعتُ على
الشيء: إذا أشرفت عليه، وعَلِمته، أي أشرفت تلك الغنم (ذَاتَ يَوْم) أي يوماً
من الأيام، و((ذات)) مقحمة (فَإِذَا الذِّيبُ) بكسر الذال المعجمة، بَعدها ياء،
ويقال: فيها أيضاً ذئب بالهمزة، وهو: كلبُ البرّ، قال في ((المصباح)): الذّئبُ:
يُهمز، ولا يُهمز، ويقع على الذكر والأنثى، وربّما دخلت الهاء في الأنثى،
فقيل: ذئبةٌ، وجمع القليل أذؤُب، مثلُ أفلس، وجمع الكثرة ذِئَّابٌ، ونُؤبان،
ويجوز التخفيف، فيقال: ذِيَاب بالياء؛ لوجود الكسرة. انتهى.
(قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا) وفي رواية النسائيّ: ((قد ذهب بشاة منها)) (وَأَنَا
رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ) بمدّ الهمزة، وفتح السين: أي أغضب، يقال: أَسِفَ
(١) ((المصباح المنير)) ٤٥٥/٢.
(٣) ((شرح النووي)) ٢٣/٥ - ٢٤.
(٢) ((المصباح)) ٦/١.

٢٢٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أَسَفاً، من باب تَعِبَ: حَزِنَ وتَلَهَّفَ، فهو أَسِفٌ، مثلُ تَعِبِ، وأَسِفَ مثلُ غَضِبَ
وزناً ومعنَى، ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: آسفته، قاله الفيّومَيّ(١). (كَمَا يَأْسَفُونَ)
أي كما يغضبُ بنو آدم إذا أُصيب مالهم (لَكِنِّ صَكَكْتُهَا صَكَّةً) أي لطمت تلك
الجارية لطمة، يقال: صكّه صَكّاً: إذا ضرب قفاه ووجهه بيده مبسوطة.
وقوله: ((لكنّي)) تقدّم مثله في قوله: ((لكني سكتُّ))، وأنه استدراك على
محذوف، فيقدّم هنا: فلما رأيت ذلك أردت أن أسامحها، لكني لم أفعل
ذلك، بل صككتها صكّةً، والله تعالى أعلم.
(فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ) معطوف على محذوف، وقد
صرّح به النسائيّ، أي فأخبرته، فعظّم ذلك عليّ، من التعظيم، أي جعل ما
فعلته فعلاً عظيماً منكراً.
(قُلْتُ) وفي نسخة: ((فقلت)) (يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟) بهمزة
الاستفهام، وكان هذا العتق لأجل كفّارة كانت عليه من نذر، أو نحوه، كما
بيّنه مالك في ((الموطّأ))، ولفظه: ((وعليّ رقبةٌ، أفأعتقها؟)).
ويَحْتَمِلُ أن يكون كفّارةً عن جنايته عليها بالصكّ، فكأنه لَمّا عظّم
النبيّ وَّي ذلك عليه أراد أن يكفّره بعتق رقبة، فسأل هل تكفي تلك الجارية عن
كفّارته؟.
(قَالَ) وَ (اثْتِنِي بِهَا))) وفي رواية النسائيّ: ((قال: ادعها))، وإنما أمره
بالإتيان بها؛ ليتبيّن كونها مؤمنةً يُعتقها صاحبها عن الرقبة التي عليه.
قال: (فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ) وَ (لَهَا) أي لتلك الجارية («أَيْنَ اللهُ؟))) رَى
(قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ) قال النوويّ: هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها
مذهبان :
أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه، مع اعتقاد أن الله تعالى
ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن سمات المخلوقات.
قال الجامع عفا الله عنه: إن أراد بعدم الخوض في معناه عدم الخوض
في معرفة الكيفيّة، فذاك صواب، وإن أراد عدم معرفة المعنى اللغوي من
(١) ((المصباح المنير)) ١٥/١.