النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
(٤) - بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا - حديث رقم (١١٩٤)
[تنبيه]: قال الحافظ تَخّْلهُ: المراد بقوله: ((رَبيب ميمونة ◌َّ)) أنها رَبّته،
فقيل: كان مولاها، لا أنه ابن زوجها .
قال المنذريّ: وكذا وقع في ((رجال الموطأ)) لابن الْحَذّاء، وأفاد أن
الذي سَمَّى أباه الأسود هو الليث بن سعد.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ(١)، وله في هذا
الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٥٣٣) وأعاده بعده، وحديث (٢١٠٦): ((إن
الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة))، وأعاده بعده.
٦ - (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس الأمويّ،
أمير المؤمنين، استُشهِد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (٣٥)، وعمره
(٨٠) سنة، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٤/١٠.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َتُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتحاد صيغ أدائهما .
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٣ - (ومنها): ما قاله في ((الفتح)): في هذا الإسناد ثلاثة من التابعين في
نسق: بكير، وعاصم، وعبيد الله، وثلاثة من أوله مصريون، وثلاثة من آخره
مدنيون، وفي وسطه مدنيّ سكن مصر، وهو بكير، فانقسم الإسناد إلى مصريّ
ومدنيّ. انتهى(٢) .
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُّه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد
العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، ويُلقّب بذي النورين؛
لأنه تزوّج بنتي رسول الله وَّ: رُقّة، وأم كلثوم ◌ًَّا، والله تعالى أعلم.
(١) قال في ((التهذيب)): له عندهم حديثُ: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا
تصاوير))، وعند الشيخين: ((من بَنَى مسجداً))، وعند أبي داود في الوضوء. انتهى.
(تهذيب التهذيب)) ٣/٧.
(٢) ((الفتح)) ٦٤٨/١.

١٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
شرح الحديث:
عن عَاصِم بن عمر بن قتادة (أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ الْخَوْلَانِيَّ) - بفتح الخاء
المعجمة، وسكون الواو -: نسبة إلى خَوْلان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن
مُرّة بن أُدَد بن يَشْجُب بن عُريب بن زيد بن كَهْلان بن سَبَأْ، وبعض خولان
يقولون: خولان بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، وهكذا قال ابن الكلبيّ،
واسم خولان: أفكل، وهي قبيلة نزلت الشام، ينسب إليها جماعة من العلماء،
قاله في ((اللباب))(١).
(يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) ◌َهُ (عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ) أي في
عثمان رَظُه، وقد وقع بيان ذلك في رواية محمود بن لبيد الأنصاريّ التالية،
قال: لما أراد عثمان بناء المسجد، كَرِهَ الناس ذلك، وأحبوا أن يدعوه على
هيئته، أي في عهد النبيّ ◌َّد.
وقال البغويّ في ((شرح السنة)): لعل الذي كَرِهَ الصحابة من عثمان بناؤه
بالحجارة المنقوشة، لا مجرد توسيعه. انتهى.
قال الحافظ: ولم يَبْنِ عثمان المسجد إنشاءً، وإنما وَسّعه وشَيَّده، فيؤخذ
منه إطلاق البناء في حقّ من جدّد كما يُطلَق في حقّ من أنشأ، أو المراد
بالمسجد هنا بعض المسجد، من إطلاق الكل على البعض. انتهى.
وتعقّبه العينيّ كعادته بما هو ظاهر التعسّف، فتأمله بالإنصاف.
(حِينَ بَنَى) أي حين أراد عثمان ظُبه أن يبني، كما أوضحته الرواية
التالية، والمراد به توسيعه، وتشييده، لا أنه أنشأ بناءه (مَسْجِدَ الرَّسُولِ وَلِهِ) كذا
هو في معظم النسخ، وفي بعضها: ((مسجد رسول الله وَالآ)).
[تنبيه]: كان بناء عثمان رُبه للمسجد النبويّ سنة ثلاثين على المشهور،
وقيل: في آخر سنةٍ من خلافته، ففي ((كتاب السير)) عن الحارث بن مسكين،
عن ابن وهب، أخبرني مالك، أن كعب الأحبار كان يقول عند بنيان عثمان
المسجد: لَوَدِدت أن هذا المسجد لا يُنْجَزُ، فإنه إذا فُرِغ من بنيانه، فُتِل
عثمان، قال مالك: فكان كذلك.
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٧٢/١.

١٦٣
(٤) - بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا - حديث رقم (١١٩٤)
قال الحافظ تَخَّتُهُ: ويمكن الجمع بين القولين بأن الأول كان تاريخ
ابتدائه، والثاني تاريخ انتهائه. انتهى (١).
(إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ) هذا مقول القول مقدّر حال من فاعل ((سمع))، أي سمعه
يقول: ((إنكم قد أكثرتم))، ومفعول ((أكثرتم)) محذوف؛ للعلم به، أي أكثرتم
الكلام في الإنكار عليّ فيما فعلته من بناء المسجد.
(وَإِنِّي سَمِعْتُ) وفي نسخة: ((قد سَمِعْتُ)) (رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ) جملة
حالية من المفعول ((مَنْ بَنَى مَسْجِداً للهِ تَعَالَى) التنكير فيه للتعميم، فيدخل فيه
الكبير والصغير، ووقع في رواية أنس تظله عند الترمذيّ: ((صغيراً أو كبيراً)).
وزاد ابن أبي شيبة في حديث الباب من وجه آخر، عن عثمان رض ته:
((ولو كَمَفْحَص قَطَاة))، وهذه الزيادة أيضاً عند ابن حبّان، والبزّار، من حديث
أبي ذرّ ◌َظُه، وعند أبي مسلم الكجيّ من حديث ابن عباس، وعند الطبرانيّ
في ((الأوسط)) من حديث أنس وابن عمر، وعند أبي نعيم في ((الحلية)) من
حديث أبي بكر الصدِّيق، ورواه ابن خزيمة من حديث جابر بلفظ: ((كمَفَحص
قَطاة، أو أصغر)).
وحَمَلَ أكثر العلماء ذلك على المبالغة؛ لأن المكان الذي تَفْحَص القَطاة
عنه؛ لتَضَع فيه بيضها، وترقُّد عليه لا يكفي مقداره للصلاة فيه، وتؤيده رواية
جابر هذه.
وقيل: بل هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في مسجد قدراً يُحتاج إليه،
تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشترك جماعةٌ في بناء مسجد، فتقع حصّة كل
واحد منهم ذلك القدر.
وهذا كلّه بناء على أن المراد بالمسجد ما يتبادر إلى الذهن، وهو المكان
الذي يُتَّخذ للصلاة فيه.
فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود، وهو ما يَسَع الجبهة، فلا
يحتاج إلى شيء مما ذُكِر، لكن قوله: ((بَنَى)) يُشْعِر بوجود بناء على الحقيقة،
ويؤيده قوله في رواية أم حبيبة: (مَن بَنَى الله بيتاً))، أخرجه سمويه في ((فوائده))
(١) ((الفتح)) ٦٤٩/١.

١٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
بإسناد حسن، وقوله في رواية عُمر: ((مَن بنى مسجداً يُذكَرُ فيه اسم الله))،
أخرجه ابن ماجه، وابن حبّان، وأخرج النسائيّ نحوه من حديث عمرو بن
عَبَسَة، فكلُّ ذلك مشعر بأن المراد بالمسجد المكان المتَّخَذ، لا موضع السجود
فقط .
لكن لا يمتنع إرادة الآخر مجازاً؛ إذ بناء كل شيء بحسبه، وقد شاهدنا
كثيراً من المساجد في طُرُق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة، وهي في غاية
الصغر، وبعضها لا تكون أكثر من قدر موضع السجود.
وروى البيهقيّ في ((الشعب)) من حديث عائشة نحو حديث عثمان، وزاد:
(قلت: وهذه المساجد التي في الطُّرُق؟ قال: نعم))، وللطبرانيّ نحوه من حديث
أبي قِرْصَافة، وإسنادهما حسن، قاله في ((الفتح))(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله
تعالى أعلم.
(قَالَ بُكَيْرٌ) هو ابن عبد الله بن الأشجّ الراوي عن عاصم بن عمر
(حَسِبْتُ) بكسر السين المهملة، ومضارعه يَحْسَب بفتحها، وتُكسر أيضاً في
لغة، قال الفيّومِيّ ◌َخْذُ: حَسِبْتُ زيداً قائماً أَحْسَبُهُ، من باب تَعِبَ في لغة جميع
العرب، إلا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضاً على
غير قياسٍ، حِسْبَاناً بالكسر: بمعنى ظننتُ. انتهى(٢).
وأما حَسَبَ المالَ حَسْباً: إذا أحصى عدده، فإنه من باب نصر(٣)، ولا
يُناسب هنا، فافهم.
(أَنَّهُ) أي عاصم بن عمر (قَالَ) أي زاد في روايته قوله: (يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللّهِ)
أي يطلب بذلك رضى الله تعالى.
قال في ((الفتح)): قوله: ((قال بكير: حَسِبْتُ أنه)) أي شيخه عاصماً
بالإسناد المذكور، قوله: يبتغي به وجه الله)) أي يطلب به رضا الله، والمعنى
بذلك الإخلاصُ، وهذه الجملة لم يجزم بها بكير في الحديث، ولم أَرَها إلا
من طريقه هكذا، وكأنها ليست في الحديث بلفظها، فإن كلَّ مَن رَوَى حديث
(١) ((الفتح)) ٦٤٩/١.
(٣) راجع: ((مختار الصحاح)) ص ٨١.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٣٤/١.

١٦٥
(٤) - بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا - حديث رقم (١١٩٤)
عثمان رَظُه من جميع الطرق إليه لفظهم: ((من بنى لله مسجداً))، فكأن بُكيراً
نسيها، فذكرها بالمعنى مُتردِّداً في اللفظ الذي ظنه، فإن قوله: (الله)) بمعنى
قوله: (يبتغي به وجه الله))؛ لاشتراكهما في المعنى المراد، وهو الإخلاص.
انتھی .
[فائدة]: قال ابن الجوزيّ ◌َخْلَتُهُ: مَن كَتَبَ اسمه على المسجد الذي يبنيه
كان بعيداً من الإخلاص. انتهى.
قال في ((الفتح)): ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد المخصوص؛
لعدم الإخلاص، وإن كان يؤجر في الجملة.
ورَوى أصحاب ((السنن)) وابن خزيمة، والحاكم، من حديث عقبة بن
عامر مرفوعاً: ((إن الله يُدخل بالسهم الواحد ثلاثةً الجنةَ: صانعه الْمُحْتَسِبَ في
صنعته، والرامي به، والممدّ به))، فقوله: ((المحتَسِب في صنعته)) أي مَن يَقْصِد
بذلك إعانة المجاهد، وهو أعم من أن يكون متطوعاً بذلك، أو بأجرة، لكن
الإخلاص لا يحصل إلا من المتطوع.
وهل يحصل الثواب المذكور لمن جَعَل بقعةً من الأرض مسجداً، بأن
يكتفي بتحويطها من غير بناء، وكذا من عَمَد إلى بناء كان يملكه فوقفه مسجداً،
إِن وَقَفنا مع ظاهر اللفظ فلا، وإن نظرنا إلى المعنى فنعم، وهو المتَّجِهُ.
وكذا قوله: ((بَنَّى)) حقيقةٌ في المباشرة بشرطها، لكن المعنى يَقتَضي دخول
الآمر بذلك أيضاً، وهو المنطبق على استدلال عثمان ظُته؛ لأنه استَدَلّ بهذا
الحديث على ما وقع منه، ومن المعلوم أنه لم يباشر ذلك بنفسه. انتهى. وهو
بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ))) قال في ((الفتح)): إسناد البناء إلى الله مجاز،
ومثله في ((العمدة)).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أنه لا مجاز هنا، بل هو كسائر الصفات
التي تنسب إلى الله تعالى على الوجه اللائق به ريك، مثل نسبة الخلق،
والرِّزْق، والمنع، والعطاء، والقبض، والبسط، والرفع، والخفض، ونحو
ذلك، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.

١٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وإبراز الفاعل فيه لتعظيم ذكره - جَلّ اسمه - أو لئلا يُتَوَهَّم عوده على
باني المسجد.
وقوله: ((في الجنة)) متعلّق بـ(بنى))، أو بمحذوف صفة لـ((بيتاً)).
(وَقَالَ ابْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ: مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ) يعني أن أحمد بن عيسى
شيخه الثاني قال في روايته: ((بَنَى الله له مثله في الجنّة))، بدل قول هارون بن
سعيد: ((بنى الله له بيتاً في الجنّة)).
قال في ((الفتح)): قوله: ((مثلَهُ)) صفة لمصدر محذوف أي بَنَى بِناءً مثلَهُ،
ولفظ ((المثل)) له استعمالان:
أحدهما: الإفراد مطلقاً، كقوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾
[المؤمنون: ٤٧]، والآخر: المطابقة كقوله تعالى: ﴿أُمُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]،
فعلى الأول لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنيةً متعددةً، فيحصُل جواب مَن
استشكل التقييد بقوله: ((مثله)) مع أن الحسنة بعشرة أمثالها؛ لاحتمال أن يكون
المراد بَنَى الله له عشرة أبنية مثله، والأصل أن ثواب الحسنة الواحدة واحدٌ
بحكم العدل، والزيادة عليه بحكم الفضل.
وأما مَن أجاب باحتمال أن يكون وَ ل قال ذلك قبل نزول قوله تعالى:
﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ففيه بُعْدٌ.
وكذا من أجاب بأن التقييد بالواحد لا ينفي الزيادة عليه.
ومن الأجوبة المرضيَّة أيضاً أن المثلية هنا بحسب الكميّة، والزيادة
حاصلة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة، بل من مائة، أو أن
المقصود من المثلية أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره، مع
قطع النظر عن غير ذلك، مع أن التفاوت حاصل قطعاً بالنسبة إلى ضيق الدنيا
وسعة الجنة؛ إذ موضع شبر فيها خير من الدنيا وما فيها، كما ثبت في
((الصحیح)).
وقد روى أحمد من حديث واثلة بلفظ: ((بنى الله له في الجنة أفضل
منه))، وللطبرانيّ من حديث أبي أمامة بلفظ: ((أوسع منه))، وهذا يُشعر بأن
المثلية لم يُقْصَد بها المساواة من كل وجه.

١٦٧
(٤) - بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا - حديث رقم (١١٩٤)
وقال النوويّ: يَحْتَمِل أن يكون المراد أن فضله على بيوت الجنة كفضل
المسجد على بيوت الدنيا. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن المراد بالمثل هنا - والله أعلم - تماثل
العمل والجزاء في الجنس، فيكون الجزاء من جنس العمل، لا التماثُل في
الكم والكيف، وهذا توضحه نصوص أخرى وردت في هذا المعنى، كحديث
أبي هريرة رُبه مرفوعاً: ((من أعتق رقبةً أعتق الله بكلّ عضو منه عضواً منه من
النار)). متّفقٌ عليه.
وكحديثه أيضاً مرفوعاً: ((من نفّس عن مؤمن كربةً من كُرب الدنيا،
نفّس الله عنه كربةً من كُرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في
الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله
في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)). رواه مسلم.
وبهذا المعنى وردت أحاديث كثيرة، فمن بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً
في الجنّة، ولا يُراد به المثليّة في الكميّة والكيفيّة، وإنما هو في مسمّى البناء
من جنس عمله.
قال الحافظ ابن رجب تَّقُ: وأما قوله: ((مثله)) فليس المراد أنه على
قدره، ولا على صفته في بنيانه، ولكن المراد - والله أعلم - أنه يوسّع بنيانه
بحسب توسعته، ويحكم بنيانه بحسب إحكامه، لا من جهة الزخرفة، ويكمل
انتفاعه بما يُبنى له في الجنّة بحسب كمال انتفاع الناس بما بناه لهم في الدنيا،
ويشرُف على سائر بنيان الجنة كما تشرف المساجد في الدنيا على سائر البنيان،
وإن كان لا نسبة لما في الدنيا إلى ما في الآخرة، كما قال النبيّ وَله: ((والله ما
في الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار بالسبّابة - في
اليمّ، فلينظر بم ترجع))، رواه مسلم.
وقد دلّ على ما قلناه ما أخرجه أحمد من حديث أسماء بنت يزيد، عن
النبيّ وَير قال: ((من بنى الله مسجداً في الدنيا، فإن الله رحمك يبني له بيتاً أوسع
(١) ((الفتح)) ٦٥٠/١.

١٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
منه في الجنّة))(١). انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان ظُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخرجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٩٤/٤ و١١٩٥] (٥٣٣)، وسيأتي في ((كتاب
الزهد والرقائق)) - إن شاء الله تعالى -، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٥٠)،
و(الترمذيّ) فيها (٣١٨)، و(ابن ماجه) في ((المساجد)) (٧٣٦)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٣١٠/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦١/١)، و(الدارميّ) في
((سننه)) (٣٢٣/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٢٩١)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (١٦٠٩)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٤٨٦/١)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (١١٥٦ و١١٥٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٧٤ و١١٧٥)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣٧/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٦١
و٤٦٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل من بنى لله مسجداً.
٢ - (ومنها): بيان أهميّة الإخلاص لله تعالى في جميع أعمال العبد.
٣ - (ومنها): فضل عثمان رَؤُه فإنه قد صحّ أن النبيّ وَّ أمره أن يوسّع
المسجد لَمّا ضاق بأهله، وضَمِنَ له بيتاً في الجنّة(٣)، فلهذا - والله أعلم -
أدخل ظُه هدم المسجد، وتجديد بنائه على وجه هو أتقن من البنيان الأول مع
التوسعة فيه في قوله: ((من بنى مسجداً لله بنى الله له مثله في الجنّة))، فرضي الله
عنه، وعن الصحابة أجمعين.
(١) حديث حسن، رواه أحمد في ((المسند)) ٣/ ٤٩٠.
(٢) ((فتح الباري)) لابن رجب تَذَتُهُ ٣٢٠/٣ - ٣٢١.
(٣) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ (٣٦٣٦)، والنسائيّ (٣٦٠٨).

١٦٩
(٤) - بَابُ فَضْلٍ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا - حديث رقم (١١٩٥)
٤ - (ومنها): أن فيه بشرى لباني المسجد لله تعالى بدخوله الجنة؛ إذ
المقصود بالبناء له أن يُسكنه، وهو لا يسكنه إلا بعد الدخول.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لِاِبْنِ
الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثْنَا الضَّحَُّ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا (١) عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفٍَ، حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ مَحْمُودٍ بْنِ لَبِيدٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّاسُ
ذَلِكَ، فَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيْتَتِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى
مَسْجِداً للهِ، بَنَى اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنَتَّى) تقدّم قبل باب.
٣ - (الضَّخَّاُ بْنُ مَخْلَد) بن الضحّاك بن مسلم الشيبانيّ، أبو عاصم النبيل
البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان)) ١٢٩/٦.
٤ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالقدر، وربّما
وَهِمَ، هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاريّ
الأوسيّ، أبو الفضل، ويقال: أبو حفص، ويقال: إن رافع بن سنان جدّه لأمه.
رَوى عن أبيه، وعن عمّ أبيه عمر بن الحكم، ووهب بن كيسان،
ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والأسود بن العلاء بن جارية، وغيرهم.
وروى عنه ابن المبارك، وخالد بن الحارث، وأبو خالد الأحمر،
وعبد الله بن حُمران، وهُشيم، ووكيع، وأبو عاصم النبيل، وغيرهم.
قال أحمد: ثقةٌ ليس به بأس، سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان سفيان
يُضَعِّفه من أجل القدر، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، ليس به بأس، كان
یحیی بن سعید یضعفه، قلت لیحیی: فقد روى عنه، قال: قد روى عنه، وكان
يضعفه، وکان یری القدر، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد
(١) وفي نسخة: ((أخبرني)).
-

١٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
يوثقه، وكان الثوريّ يضعفه، قلت: ما تقول أنت فيه؟ قال: ليس بحديثه بأس،
وهو صالح، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ، عن
يحيى بن سعيد: كان سفيان يَحْمِل عليه، ما أدري ما كان شأنه وشأنه؟، وقال أبو
حاتم: محله الصدق، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا
بأس به، وهو ممن يُكْتَب حديثه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)»، وقال ابن سعد:
كان ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ابن سبعين
سنةً، وقال الفضل بن موسى: كان ممن خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن، وقال
ابن حبان: ربما أخطأ، وقال الساجيّ: ثقةٌ صدوق، ضعفه الثوريّ لذلك، ونقل
ابن خلفون توثيقه عن ابن نُمير، وقال النسائيّ في ((كتاب الضعفاء»: ليس بقويّ.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعين، وله في هذا
الكتاب (١٥) حديثاً .
٥ - (أَبُوهُ) جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاريّ، والد عبد الحميد،
ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢/ ١٨٧.
٦ - (مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ) بن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن
عبد الأشهل الأوسيّ الأنصاريّ الأشهليّ، أبو نعيم المدنيّ، وأمه أم منظور
بنت محمد بن مسلمة.
رَوَى عن النبيّ ◌َّ﴿ أحاديث، ولم تصحّ له رؤية، ولا سماع منه، وعن
عمر، وعثمان، وشداد بن أوس، ورافع بن خَدِيج، وقتادة بن النعمان، وأبي
سعيد الخدريّ، ورُفيدة امرأة صحابية، وجماعة.
ورَوَى عنه الزهريّ، وعاصم بن عمر بن قتادة، وجعفر بن عبد الله بن
الحكم، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن
عوف، وحصين بن عبد الرحمن الأشهليّ، وبكير بن الأشج، والمسيّب بن
عبد الله بن أبي أمامة بن ثعلبة، وآخرون.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين، فيمن وُلد على عهد
النبيّ وََّ، وقال: سمع من عُمر، وتُوُفّي بالمدينة سنة ست وتسعين، وكان ثقةً،
قليل الحديث، قال الواقديّ: مات وهو ابن تسع وتسعين سنةً، وقال ابن أبي
عاصم وغيره: مات سنة سبع وتسعين، وقال ابن أبي خيثمة تبعاً للهيثم بن عديّ:
مات في خلافة ابن الزبير، زاد ابن أبي خيثمة: وقد قيل: سنة ست وتسعين.

١٧١
(٤) - بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا - حديث رقم (١١٩٥)
قال الحافظ تَّلُ: على مقتضى قول الواقديّ في سنّه يكون له يوم مات
النبيّ وَّ ثلاث عشرة سنةً، وهذا يُقَوِّي قول مَن أثبت له الصحبة، وقد قال
البخاريّ: قال أبو نعيم: حدثنا عبد الرحمن بن الغَسِيل، عن عاصم بن عمر، عن
محمود بن لبيد: ((أسرع النبيّ وَّل حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ)).
وذكره مسلم في الطبقة الثانية من التابعين، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ،
قال ابن عبد البرّ: قول البخاري أولى، يعني في إثبات صحبته، وكذا ذكره ابن
حبان في الصحابة، وقال الترمذيّ: رأى النبيّ بَّر، وهو غلام صغير. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي ما قاله في ((التقريب)):
صحابيّ صغير، وجُلُّ روايته عن الصحابة ﴿
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وله في
هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده في ((كتاب الزهد والرقائق)).
وقوله: (أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ) أي النبويّ.
وقوله: (فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ) أي بناءه.
وقوله: (فَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ) أي يترك المسجد.
وقوله: (عَلَى هَيْئَتِهِ) أي حالته وصفته التي كان عليها في عهد النبيّ وَّل،
والخليفتين بقوتها .
وقوله: ((مَنْ بَنَى مَسْجِداً للهِ) قال القرطبيّ تَّتُهُ: أي مخلصاً في بنائه لله
تعالى، كما قال في الرواية الأخرى: ((يبتغي به وجه الله)).
وقوله: (بنى الله له في الجنّة مثله))) هذه المثليّة ليست على ظاهرها، ولا من
كلّ الوجوه، وإنما يعني أنه بنى له بثوابه بناءً أشرف وأعظم وأرفع، وكذلك في
الرواية الأخرى تَخُّْ: ((بنى الله له بيتاً في الجنّة))، ولم يسمّه مسجداً، وهذا البيت
هو - والله أعلم - مثلُ بيت خديجة ◌َّا الذي قال فيه: ((إنه بيت من قصب، لا
صخب فيه ولا نصب))، يريد من قصب الزمرّد والياقوت، ويعتضد هذا بأن أُجور
الأعمال مضاعفة، وأن الحسنة بعشر أمثالها، وهذا كما قال في المتصدّق بالثمرة:
((إنها تربى حتى تصير مثل الجبل))، ولكن هذا التضعيف هو بحسب ما يقترن بالفعل
من الإخلاص والإتقان والإحسان، ولَمّا فَهِمَ عثمان رَبُبه هذا المعنى تأنّق في بناء
المسجد، وحسّنه، وأتقنه، وأخلص لله فيه؛ رجاء أن يُبنى له في الجنّة قصرٌ متقنٌ
مُشَرَّفٌ مرفَّع، وقد فعل الله تعالى له ذلك، وزيادة رضا ◌ُه. انتهى كلام القرطبيّ دَّتُهُ.

١٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال الجامع عفا الله عنه: إنما جزم القرطبيّ: بأن الله تعالى فعل لعثمان ذلك؛
اعتماداً على ما صحّ أن النبيّ وَّ ضمن له الجنّة، وبشّره بها، والله تعالى أعلم.
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٥) - (بَابُ اسْتِحْبَابٍ وَضْعِ الأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ،
وَنَسْخِ التَّطْبِيقِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٦] (٥٣٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، قَالَّا: أَتَيْنَا
عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ:
فَقُومُوا(١)، فَصَلُّوا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، قَالَ: وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ
بِأَيْدِينَا، فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، قَالَ: فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا
عَلَى رُكَبِنَا، قَالَ: فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، وَطَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، قَالَ:
فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا، وَيَخْتُقُونَهَا
إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا، وَاجْعَلُوا
صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً، وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَصَلُّوا جَمِيعاً، وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ،
فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَلْيَجْنَأُ(٢)،
وَلْيُطَبِّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ، فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافٍ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَأَرَاهُمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، أَبُو كُرَيْبٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٤٧) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
(١) وفي نسخة: ((قال: قوموا)).
(٢) وفي نسخة: ((وليحنا)) بالحاء المهملة.

١٧٣
(٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ وَضْعِ الأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٩٦)
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، أحفظ
الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيرهِ، من كبار [٩] (ت١٩٥) عن
(٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
٣ - (الْأَعْمَشرُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
٤ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ
الفقيه، ثقةٌ، إلا أنه يرسل كثيراً [٥] (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٥ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مكثرٌ مخضرم [٢] (ت٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في ((الطهارة))
٣٢ /٦٧٤.
٦ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢]
مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين (ع) تقدم في المقدمة ٦/ ٥٢.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن
الصحابيّ الشهير، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف نَّتُهُ، وفيه التحديث، والعنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا
غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم، عن بعض:
الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، والأخيران قُرن بينهما .
٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد ابن مسعود ﴿به، كما نُقل
عن ابن معين نَظّثهُ، وإليه أشار السيوطيّ في ((ألفيّة الحديث)) حيث قال:
عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ الْحَسَنْ
كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ ابْرَاهِيمَ عَنْ
٧ - (ومنها): أن ابن مسعود ظُه صحابيّ مشهورٌ ذو مناقب جمّة، من

١٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
السابقين الأولين إلى الإسلام، ومن أكابر فقهاء الصحابة له، وأثنى النبيّ وَّ على
قراءته، وحثّ على الأخذ منه، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن
عبد الله بن مسعود رضي الله أن أبا بكر وعمر ◌َّا بَشّراه أن رسول الله وَ له قال: ((من أحب
أن يقرأ القرآن غَضّاً كما أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أُمِّ عبد))، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
څله (فِي
(عَنِ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ) أنهما (قَالَا: أَتَيْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ)
دَارِهِ) وفي رواية النسائيّ: ((دخلت أنا وعلقمة على عبد الله بن مسعود)) (فَقَالَ)
عبد الله ظُه (أَصَلَّى هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ؟) يريد الأمير والتابعين له، وفيه إشارة إلى
إنكار تأخير الصلاة.
وقال القرطبيّ تَخُّهُ: قوله: ((أصلّى هؤلاء ... إلخ)) هذه الإشارة إلى
الأمراء، عاب عليهم تأخيرها عن وقتها المستحبّ، ويدلّ عليه آخر الحديث،
و(خَلْفَكُم)) إشارة إلى موضعهم، فكأنه قال: ((الذين خَلْفَكُم))، ولم يُرد به أنهم
أئمتهم؛ إذ قد صلّى بهم عبد الله ◌ُله. انتهى(١).
(فَقُلْنَا: لَا) أي لم يصلّوا (قَالَ) عبد الله رَبُه (فَقُومُوا) وفي نسخة: ((قوموا))
(فَصَلُّوا) قال النوويّ تَخْدَّتُهُ: فيه جواز إقامة الجماعة في البيوت، لكن لا يَسقُط بها
فرض الكفاية، إذا قلنا بالمذهب الصحيح أنها فرض كفاية، بل لا بدّ من
إظهارها، وإنما اقتصر عبد الله بن مسعود رضيُه على فعلها في البيت؛ لأن الفرض
كان يسقط بفعل الأمير، وعامّة الناس، وإن أخروها إلى أواخر الوقت. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الراجح أن صلاة الجماعة فرض على الرجال،
لا يسقط إلا بعذر، ومن جملة الأعذار تأخير الأئمة الصلاة عن وقتها، فيُحمل
فعل ابن مسعود رضيه على هذا، وسيأتي تحقيق الخلاف بأدلّته في موضعه - إن
شاء الله تعالى -.
(فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ) قال القرطبيّ تَخْتُ: اختلف في صلاة الرجل
وحده، أو في بيته، فذهب بعض السلف من أصحاب ابن مسعود نظراته وغيرهم
إلى أنه تُجزئه إقامة أهل المصر وأذانهم، وذهب عامّة فقهاء الأمصار إلى أنه لا
(١) «المفهم)) ٢/ ١٣٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٥/٥.

١٧٥
(٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ وَضْعِ الأَبْدِي عَلَى الرُّگِ فِي الرُّكُوعِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٩٦)
بدّ من إقامة الصلاة، ولا تجزئه إقامة أهل المصر، ولا يؤذّن، واستحبّ ابن
المنذر أن يؤذّن ويقيم. انتهى (١).
وقال النوويّ كَّتُهُ: هذا مذهب ابن مسعود رُه، وبعض السلف من
أصحابه وغيرهم، أنه لا يُشْرَع الأذان ولا الإقامة لمن يصلي وحده في البلد
الذي يؤذَّن فيه ويقام لصلاة الجماعة العظمى، بل يكفي أذانهم وإقامتهم،
وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن الإقامة سنة في حقه، ولا
يكفيه إقامة الجماعة، واختلفوا في الأذان، فقال بعضهم: يشرع له، وقال
بعضهم: لا يشرع، ومذهبنا الصحيح أنه يشرع له الأذان إن لم يكن سمع أذان
الجماعة، وإلا فلا يُشْرَع. انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ مشروعيّة الأذان والإقامة لمن يُصلّ وحده
في بيته لعذر؛ لأن الأدلّة التي وردت في الأذان والإقامة تعمّه، فلا يخرج من
عمومها إلا بدليل، وأما ما فعله ابن مسعود رضيُه، فهذا رأيه، ولم يُسنده إلى
النبيّ ◌َّ، فلا يكون حجة.
وقد استحبّ ابن المنذر: الأذان والإقامة لمن صلّى وحده، واحتجَ له
بحديث مالك بن الحويرث حيث قال له النبيّ و18َ ولابن عمه: ((إذا سافرتما
فأذنا، وأقيما، وليؤمكما أكبركما))، رواه الترمذيّ، وقال: حسن صحيح.
وفي رواية الشيخين: ((فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم
أکبرکم)».
قال ابن المنذر: فقد أمرهما النبيّ ◌َ ﴿ بالأذان ولا جماعة معهما.
واحتجّ أيضاً بما أخرجه الشيخان عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاريّ ثم المازنيّ، عن أبيه أنه أخبره، أن أبا
سعيد الخدريّ قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو
باديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت
المؤذن جنّ، ولا إنس، ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد:
سمعته من رسول الله ﴾آلټ .
(١) ((المفهم)) ١٣٢/٢.

١٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
قال ابن المنذر: فقد رغّب في رفع الصوت بالأذان؛ لفضيلة الأذان؛ لئلا
يظنّ ظانّ أن الأذان لاجتماع الناس لا غير.
وقال الترمذيّ بعد إخراج حديث مالك بن الحويرث المذكور ما نصّه:
والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، اختاروا الأذان في السفر، وقال بعضهم:
تجزئ الإقامة إنما الأذان على من يريد أن يجمع الناس، والقول الأول أصحّ،
وبه يقول أحمد وإسحاق. انتهى.
والحاصل أن الأذان والإقامة لا يشترط لها الجماعة، بل يشرعان لكلّ
مصلّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) هكذا الرواية بالإفراد مع أن الضمير للأسود وعلقمة، بتأويله
بالمذكور، أو بالراوي (وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ) أي نقوم صفّاً واحداً خلف ابن
مسعود ته؛ لاعتقادهما أنه السنّة، كما هو الثابت عن الصحابة الآخرين، إلا
أن ابن مسعود لا يراه، كما قال: (فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا، فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ،
وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ) قال النوويّ تَُّهُ: وهذا مذهب ابن مسعود وصاحبيه،
وخالفهم جميع العلماء من الصحابة، فمن بعدهم إلى الآن، فقالوا: إذا كان
مع الإمام رجلان وقفا وراءه صفّاً؛ لحديث جابر وجَبّار بن صخر، وقد ذكره
مسلم في ((صحيحه)) في آخر الكتاب في الحديث الطويل عن جابر ظاته،
وأجمعوا إذا كانوا ثلاثةً أنهم يقفون وراءه، وأما الواحد فيقف عن يمين الإمام
عند العلماء كافّة، ونقل جماعةٌ الإجماع فيه، ونقل القاضي عياض عن ابن
المسيب أنه يقف عن يساره، ولا أظنه يصحّ عنه، وإن صح فلعله لم يبلغه
حديث ابن عباس ◌ًّا، وكيف كان فهم اليوم مُجْمِعون على أنه يقف عن
یمینه. انتھی.
(قَالَ) الراوي، وتقدّم الكلام في إفراد الضمير (فَلَمَّا رَكَعَ) أي ابن
، (وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا) كما هو السنّة، إلا أن ابن مسعود لم
مسعود نضعبه
يصل إليه علمه، فلذا أنكر عليهما، كما أشار إليه بقوله: (قَالَ) الراوي (فَضَرَبَ
أَبْدِيَنَا، وَطَبَّقَ) بتشديد الموحّدة، من التطبيق (بَيْنَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا) أي الكفّين
المطبّقين (بَيْنَ فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ) ابن مسعود (إِنَّهُ) الضمير للشأن،
وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده (سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ

١٧٧
(٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ وَضْعِ الأَبْدِي عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٩٦)
عَنْ مِيقَاتِهَا) أي عن وقتها المعتاد في السنّة، قال النووي ◌َّتُهُ: معناه:
يؤخّرونها عن وقتها المختار، وهو أول وقتها، لا عن جميع وقتها. انتهى.
وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: هذا وقع في بني أميّة، وكذلك أخّر عمر بن
عبد العزيز العصر، فدخل عليه عروة بن الزبير، فأنكر عليه، وكأن بني أميّة
كانوا قد ذهبوا إلى أن تأخير الصلاة إلى آخر وقتِها أفضل، كما هو قياس قول
أبي حنيفة، حيث قال: إن آخر الوقت هو وقت الوجوب. انتهى(١).
[تنبيه]: ظاهر هذا السياق يدلّ أنّ قوله: ((إنه ستكون عليكم أمراء ...
إلخ)) موقوف من كلام ابن مسعود، لكن مثل هذا، وإن كان موقوفاً لفظاً، إلا
أنه مرفوعٌ حكماً؛ لأنه مما لا يقال بالرأي، ويؤيّد هذا ما جاء رفعه صريحاً
فيما أخرجه المصنّف من حديث أبي ذرّ رَظُه قال: قال لي رسول الله وَله:
((كيف أنت إذا كانت عليك أمراء، يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون
الصلاة عن وقتها؟)) قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: ((صَلِّ الصلاة لوقتها، فإن
أدركتها معهم فصلٌ، فإنها لك نافلة))(٢).
وأخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) بسند حسن، عن شدّاد بن أوس
عن النبيّ وَل أنه قال: ((سيكون من بعدي أئمة يميتون الصلاة عن مواقيتها،
فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة)) (٣)، والله تعالى أعلم.
(وَيَخْنُقُونَهَا) بضمّ النون، يقال: خَنَقَه يَخْنُقُهُ، من باب قتل خَنِقاً، مثل
كَتِفٍ، ويُسكّن للتخفيف(٤)، وقال النوويّ تَخْلَتُ: معناه يُضَيِّقون وقتها، ويتركون
أداءها إلى ذلك الحين، يقال: هم في خِنَاق من كذا، أي في ضيق، والْمُخْتَنِقُ
الْمُضَيِّق. انتهى(٥) .
(إِلَى شَرَقِ الْمَوْنَى) بفتح الشين والراء، قال ابن الأعرابيّ: فيه معنیان:
(١) ((المفهم)) ١٣٣/٢.
(٢) سيأتي للمصنّف كَفُ برقم (٦٤٨).
(٣) حديث حسنٌ، أخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (١٦٦٧٣).
(٤) ((المصباح)) ١/ ١٨٣.
(٥) ((إكمال المعلم)) ٤٥٦/٢، و((شرح النووي)) ١٦/٥.

١٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أحدهما: أن الشمس في ذلك الوقت، وهو آخر النهار إنما تبقى ساعة،
ثم تغيب.
والثاني: أنه من قولهم: شَرِق الميت بريقه، من باب تَعِبَ، إذا لم يَبْقَ
بعده إلا يسيراً، ثم يموت.
وقال الأثير: قوله: ((شَرَق الموتى)): له معنيان: أحدهما: أنه أراد به آخر
النهار؛ لأن الشمس في ذلك الوقت إنما تَلْبث قليلاً، ثم تغيب، فشبّه ما بقي
من الوقت ببقاء الشمس تلك الساعة.
والآخر: من قولهم: شَرِق الميت بريقه: إذا غُصّ به، فشبّه قلّة ما بقي
من الوقت بما بقي من حياة الشَّرِق بريقه إلى أن تخرج نَفْسُهُ، وسئل الحسن بن
محمد ابن الحنفية عنه؟ فقال: ألم تر إلى الشمس إذا ارتفعت عن الحيطان،
فصارت بين القبور كأنها لُجّة؟ فذلك شَرَق الموتى، يقال: شَرِقَت الشمس
شَرَقاً: إذا ضَعُف ضوؤها. انتهى(١).
وقيل: شرق الموتى: إذا ارتفعت الشمس عن الطلوع يقال: ساعة
الموتى، وقيل: هو اصفرارها عند غروبها(٢).
(فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِك) أي إذا رأيتم تأخير الأمراء الصلاة مثل
هذا التأخير (فَصَلَّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا) أي لوقتها المعتاد في السنّة (وَاجْعَلُوا
صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً) بضم السين، وإسكان الباء: هي النافلة.
قال النوويّ كَُّهُ: معناه: صَلُّوا في أول الوقت، يسقط عنكم الفرض،
ثم صلُّوا معهم متى صَلَّوا؛ لتحرزوا فضيلة أول الوقت، وفضيلة الجماعة،
ولئلا تقع فتنة بسبب التخلف عن الصلاة مع الإمام، وتختلفَ كلمة المسلمين،
وفيه دليل على أن من صلى فريضةً مرتين تكون الثانية سنةً، والفرض سقط
بالأولى، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقيل: الفرض أكملهما، وقيل:
كلاهما، وقيل: إحداهما مبهمةً، وتظهر فائدة الخلاف في مسائل معروفة.
انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال كلها ساقطة، غير الأول؛
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ٤٦٥/٢.
(٢) ((إكمال المعلم)) ٤٥٦/٢.

١٧٩
(٥) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ وَضْعِ الأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٩٦)
لمخالفتها النصّ، فالحديث نصّ في أن الثانية نافلة، فلا وجه للترديدات
المذكورة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَصَلُّوا جَمِيعاً) أي مجتمعين صفّاً واحداً، يكون الإمام
فيه وسطاً، كما فعل ابن مسعود رَ ◌ّه بالأسود وعلقمة (وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)
أي من الثلاثة (فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ) أي ليتقدّم أمامكم، وتصفّون وراءه (وَإِذَا رَكَعَ
أَحَدُكُمْ، فَلْيُفْرِشْ) بضمّ الراء، وكسرها، يقال: فَرَشتُ البساط وغيره فَرْشاً، من
باب قتل، وفي لغة من باب ضرب: بسطته، وأفرشته، فافترشَ هو، وهو
الفِراشُ بالكسر، فِعَالٌ بمعنى مفعول، مثلُ كتاب؛ قاله الفيّوميّ(١).
وقوله: (ذِرَاعَيْهِ) منصوب على المفعوليّة، أي يبسطهما (عَلَى فَخِذَيْهِ)
متعلّق بـ(يفرِشُ)) (وَلْيَجْنَأْ) قال النوويّ كَُّ: هو بفتح الياء، وإسكان الجيم،
آخره مهموز، هكذا ضبطناه، وكذا هو في أصول بلادنا، ومعناه: يَنْعَطِف،
وقال القاضي عياض ◌َّفُهُ: رُوي: (وَلْيَجْنَأُ)) كما ذكرناه، ورُوي ((ولْيَحْنٍ)) بالحاء
المهملة، قال: وهذا رواية أكثر شيوخنا، وكلاهما صحيح، ومعناه: الانحناء
والانعطاف في الركوع، قال: ورواه بعض شيوخنا بضم النون، وهو صحيح في
المعنى أيضاً، يقال: حَنَيْتَ الْعُودَ، وحَنَوتُهُ: إذا عطفته، وأصل الركوع في
اللغة: الخضوع، والذّلّة، وسُمِّي الركوع الشرعيُّ ركوعاً؛ لما فيه من صورة
الذِّلّة، والخضوع، والاستسلام. انتهى.
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((ولْيَحْنٍ)) رواية الْعُذريّ بضمّ النون، من
حَنَوْتُ العودَ: إذا عطفته، ورواية أكثر الشيوخ بكسر النون، من حَنَيتُ العُود،
وهما لغتان، وعند الطبريّ: ((فلَيَجْنَأُ)) بالجيم وفتح النون، وبهمزة في آخره،
وكلها صحيح، والمراد به الانحناء في الركوع، وهو تَعَقُّف الصُّلْب، يقال: حَنَا
على الشيء يَحْنُو حَنْواً بالحاء، وجَنَأْ يَجَنأ جَنْاً وجُنُوءاً(٢) بالجيم والهمز: إذا
فعل ذلك، وأصل الركوع في لغة العرب: الخضوع والذّلّة، قال شاعرهم [من
الخفيف]:
(١) ((المصباح المنير)) ٤٦٨/٢.
(٢) من بابيّ نَفَعَ، وفَرَحَ، كما تفيده عبارة ((القاموس)).

١٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
لَا تُعَادِ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ كَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ
ثم هو في الشرع: عبارة عن التذلّل بالانحناء، وأقلّه عندنا - يعني
المالكيّة - تمكين وضع اليدين على الركبتين منحنياً، وهو الواجب، وهل
الطمأنينة واجبة، أو ليست بواجبة؟ قولان، وعند أبي حنيفة: الواجب منه أقلّ
ما يُطلق عليه اسم المنحني، والحديث الصحيح يردّ عليه. انتهى كلام
القرطبيّ كّثُ .
قال الجامع عفا الله عنه: الحديث الصحيح أيضاً يردّ على من يقول من
المالكيّة وغيرهم: إن الطمأنينة غير واجبة، فقد قال ◌َله للمسيء صلاته: ((ثم
اركع حتى تطمئنّ راكعاً ... )) الحديث، متفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث في
هذا في محلّه، وبالله تعالى التوفيق.
وقال القاضي عياض؛ بعد ذكره نحو ما تقدّم عن القرطبيّ ما نصّه: وهذه
صفة الخاضع الذليل الملقي بيده المستسلم، بل قيل: هي صورة الممكّن نفسه
لضرب عنقه، وتلك غاية صور الاستسلام، لا سيّما ما كان عليه أول الشرع
من التطبيق، وحبس اليدين بين الفخذين كالمكتوف. انتهى(١).
(وَلْيُطَبِّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ، فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ وََّ،
فَأَرَاهُمْ) أي أرى ابن مسعود ظُه الحاضرين كيفيّة التطبيق الذي رآه من
النبيّ وَلّ، وقوله: ((فلكأني)) الفاء فاء الفصيحة، واللام هي لام الابتداء،
و((كأنّ)) أداة تشبيه، أراد بذلك أنه حفظ هذه القضيّة من النبيّ وَّل، وما نسيها
إلى ذلك الوقت، بل يستحضر صورتها أمامه، ويتخيّلها، ففيه تأكيد إخباره
بذلك، ولقد صدق ابن مسعود رظ ◌ُه فيما قاله، وصحّ ذلك عنه وَلّر، إلا أنه
منسوخ، ولم يبلغه نسخه، فلهذا استمرّ عليه، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ نَّهُ: هذا الذي ذكره من تشبيك اليدين، وتطبيقهم بين
الفخذين هو مذهب ابن مسعود وأصحابه خاصّةً، وهو صحيح من فعل
النبيّ ◌َّ، إلا أنه منسوخ، كما ذُكر في حديث سعد بن أبي وقّص ◌َلُه، ولم
يبلُغ ابن مسعود ظُه نسخه، قال: وعلى نسخ التطبيق كافّة العلماء غير من
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٥٨/٢.