النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِيْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨٥)
يصلي بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه.
عباس حًُّا: كان النبيّ
والجمع بينهما ممكن بأن يكون أمر ول﴿ لَمّا هاجر أن يستمرّ على الصلاة
لبيت المقدس.
وأخرج الطبرانيّ من طريق ابن جريج قال: صلى النبيّ وَّ أول ما صلى
إلى الكعبة، ثم صُرِف إلى بيت المقدس، وهو بمكة، فصلى ثلاث حِجَجٍ، ثم
هاجر، فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً، ثم وجّهه الله إلى الكعبة.
فقوله في حديث ابن عباس الأول: (أَمَرَهُ الله)) يردُّ قول من قال: إنه
صلى إلى بيت المقدس باجتهاد.
وقد أخرجه الطبريّ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف.
وعن أبي العالية أنه وَ ◌ّ صلى إلى بيت المقدس يتألّف أهل الكتاب،
وهذا لا ينفي أن يكون بتوقيف. انتهى(١). وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
(فَنَزَّلَتْ) بالبناء للفاعل، والفاعل قوله: ((قد نرى ... إلخ))، محكيّ؛
لقصد لفظه، وأنّث الفعل باعتبار الآية، أي نزلت هذه الآية (﴿قَدْ) للتحقيق
(نَرَى تَقَلُّبَ) أي تردّد وتصرّف (وَجْهِكَ فِ) جهة (السَّمَآءِ﴾) متطلّعاً ومتشوّقاً للأمر
باستقبال الكعبة، وكان يودّ ذلك؛ لأنها قبلة إبراهيم عليّ، ولأنها أدعى إلى
إسلام العرب؛ لأنها مفخرهم، ومزارهم، ومطافهم.
(فَلَنُوَلِّيََّّكَ) أي لنحوّلّك، وهو جواب قسم محذوف، أي فوالله لنولّينّك،
وولّى يتعدّى لاثنين، فالأول الكاف، والثاني قوله: (قِبْلَةً) وقوله: (تَرْضَاهَا)
صفة لـ((قبلةً))، أي تحبّها محبّة طبيعيّةً ودينيّة؛ لأنها قبلة إبراهيم عليّا، وقبلته
أيضاً قبل الهجرة على ما قيل، وكان و لم يحبّ أيضاً بيت المقدس من حيث
امتثال الأمر باستقباله.
وقال النسفيّ ◌َّتُهُ: ﴿قِبْلَةً تَرْضَهَا﴾ أي تحبّها، وتميل إليها لأغراضك
الصحيحة التي أضمرتها، ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته. انتهى (٢)
.
قال بعضهم: قوله: ﴿فَلَنُوَلْيَنَّكَ﴾ بشارة من الله تعالى له وَلَه بما يُحبه
(١) ((الفتح)) ٥٩٩/١.
(٢) (تفسير النسفي)) ١/ ٨١.

١٢٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ويتمنّاه، وقوله: ﴿فَوَلِ وَجْهَكَ﴾ إنجاز له بما بشّره به(١).
(﴿شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾﴾ أي نحوه، و((شطر)) منصوب على الظرفيّة، أي
اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد الحرام، أي في جهته، وسَمْته؛ لأن استقبال
عين القبلة متعسّر على النائي، وذكرُ المسجد الحرام دون الكعبة دليلٌ على أن
الواجب مراعاة الجهة دون العين، قاله النسفيّ تَخْذّتُهُ(٢).
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قال العلماء: هذه الآية مقدَّمة في النزول على قوله
تعالى: ﴿سَيَقُولُ الشُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾، ومعنى ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾: تحوُّل وجهك إلى
السماء، قاله الطبريّ. الزجاج: تقلب عينيك في النظر إلى السماء، والمعنى
متقارب، وخَصّ السماء بالذكر؛ إذ هي مختصة بتعظيم ما أضيف إليها، ويعود
منها، كالمطر والرحمة والوحي، ومعنى ﴿تَرْضَهَا﴾: تحبها، قال السدي: كان
إذا صلى نحو بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، ينظر ما يؤمر به، وكان
يحب أن يُصَلِّي إلى قِبل الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ
السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. انتهى(٣).
(فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ) - بفتح السين المهملة، وكسر اللام -: بطنٌ من
الأنصار، قال في ((اللباب)): هو سَلِمة - بكسر اللام -: هو سَلِمةُ بن سعد بن
عليّ بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جُشَم بن الخزرج، والنسبة إليه سَلَميّ بفتح
اللام عند النحويين، والمحدِّثون يكسرونها. انتهى (٤).
(وَهُمْ رُكُوعٌ) جمع راكع، والجملة في محلّ نصب على الحال.
[تنبيه]: لم يُذكَر في هذه الرواية القوم الممرور عليهم، وقد ذُكروا في
حديث ابن عمر ◌ًا الماضي بأنهم أهل قباء، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) تقدّم في حديث ابن عمر بلفظ ((الصبح))، وبلفظ
((الغداة))، وكلها بمعنى واحد (وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً) جملة حاليّة أيضاً (فَنَادَى: أَلَا)
- بفتح الهمزة، وتخفيف اللام -: أداة استفتاح وتنبيه (إِنَّ الْقِبْلَةَ) بكسر همزة
(١) راجع: ((حاشية الجمل على الجلالين)) ١/ ١١٧.
(٢) ((تفسير النسفيّ)) ٨١/١.
(٣) ((تفسير القرطبيّ)) ١٥٨/٢.
(٤) راجع: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ١/ ٤٤٧.

١٢٣
(٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨٥)
((إن)) لوقوعها بعد ((ألا)) الاستفتاحيّة، كقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الشُّفَهَآءُ﴾ (قَدْ
حُوَّلَتْ) بالبناء للمفعول، أي صُرفت عن بيت المقدس إلى المسجد الحرام
(فَمَالُوا) قال في ((المصباح)): مال عن الطريق يميل مَيْلاً: إذا تركه، وحاد عنه.
انتهى (١). أي ترك هؤلاء القوم قبلتهم، وحادوا عنها (كَمَا هُمْ) أي على حالتهم
التي كانوا عليها، وهي كونهم راكعين في صلاة الفجر (نَحْوَ الْقِبْلَةِ) بنصب
(نحوَ)) على الظرفيّة، أي جهة القبلة المأمور باستقبالها، وهي الكعبة، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس رضيبه هذا من أفراد المصنّف وَّلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٨٥/٢] (٥٢٧)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(١٠٤٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٤/٣ رقم ١٤٠٤٢)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٢٩٢/٦ رقم ١١٠٠٨)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٤٣٠
و٤٣١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٤٢/٦ رقم ٣٨٢٦)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٣٠/٢ رقم ١١٦٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان نسخ القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام.
٢ - (ومنها): بيان وجوب استقبال الكعبة، قال أبو عبد الله القرطبيّ في
(تفسيره)): لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قبلة في كل أُفُق، وأجمعوا على أن
من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها، وهو معاين
لها، وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كلّ ما صلى، ذكره أبو عمر.
وأجمعوا على أن كلَّ من غاب عنها عليه أن يستقبل ناحيتها وشطرها،
وتلقاءها، فإن خَفِيت عليه فعليه أن يستدلّ على ذلك بكل ما يمكنه من النجوم
والرياح والجبال وغير ذلك، مما يُمْكِن أن يستدَلَّ به على ناحيتها، ومن جلس
(١) ((المصباح المنير)) ٥٨٨/٢.

١٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
في المسجد الحرام، فليكن وجهه إلى الكعبة، وينظر إليها إيماناً واحتساباً، فإنه
يُرْوَى أن النظر إلى الكعبة عبادة، قاله عطاء، ومجاهد.
قال الجامع عفا الله عنه: أخرج الطبرانيّ عن ابن عبّاس ﴿ًّا: («أشرف
المجالس ما استُقْبِل به القبلة))، وهو ضعيف(١).
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخْذّتُهُ: اختلفوا هل فرض الغائب استقبال
العين أو الجهة؟، فمنهم من قال بالأول، قال ابن العربيّ: وهو ضعيف؛ لأنه
تكليف لما لا يَصِل إليه، ومنهم من قال بالجهة، وهو الصحيح؛ لثلاثة أوجه:
الأول: أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف.
الثاني: أنه المأمور به في القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فَوَّلِّ وَجْهَكَ شَطَرَ
اُلْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] يعني من الأرض من شرق أو غرب
﴿فَلُواْ رُجُوهَكُمْ شَطْرَةٍ﴾ .
الثالث: أن العلماء احتجُّوا بالصفّ الطويل الذي يُعلم قطعاً أنه أضعاف
عرض البيت. انتهى. وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): ما قال القرطبيّ أيضاً: في هذه الآية حجة واضحة لما
ذهب إليه مالك، ومن وافقه في أن المصلي حكمه أن ينظر أمامه، لا إلى
موضع سجوده، وقال الثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، والحسن بن حيّ:
يُسْتَحَب أن يكون نظره إلى موضع سجوده، وقال شريك القاضي: ينظر في
القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود إلى
موضع أنفه، وفي القعود إلى حِجْره.
قال ابن العربيّ: إنما ينظر أمامه، فإنه إن حنى رأسه ذهب بعض القيام
المفترَض عليه في الرأس، وهو أشرف الأعضاء، وإن أقام رأسه وتكلف النظر
ببصره إلى الأرض فتلك مشقة عظيمة، وحرج، وما جُعِل علينا في الدين من
حرج، أما إن ذلك أفضل لمن قدر عليه. انتهى(٢).
(١) راجع: ((ضعيف الجامع)) للشيخ الألبانيّ كَُّ رقم (٨٧٦).
(٢) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٥٨/٢ - ١٦٠.

١٢٥
(٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٨٦)
قال الجامع عفا الله عنه: استنباط المالكيّة لما ذهبوا إليه من نظر المصلي
أمامه من هذه الآية لا يخفى بعده، بل ما ذهب إليه الجمهور من أنه يستحبّ
نظره إلى موضع سجوده أقرب إلى الخشوع، كما لا يخفى على من تأمّله، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٣) - (بَابُ النَّهْي عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ،
وَاتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِيهَا،َ وَالنَّهْىٍ عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١١٨٦] (٥٢٨) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، ذَكَرَتَا كَنِيسَةً
رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاوِيرُ، لِرَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِنَّ أُولَئِكِ
إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ
الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه
ربما دلّس [٥] (ت٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٠٧.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، توفّيت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.

١٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ، وهو مسلسل بالتحديث،
والإخبار إلا في موضع، ففيه العنعنة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ،
ويحيى بصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، ورواية تابعيّ، عن
تابعيّ، وفيه عائشة رضيّا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الحديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا (أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ) رَمْلة بنت أبي سفيان صَخْر بن حرب بن
أمية الأموية، زوج النبيّ ◌َ ﴿ أسلمت قديماً، وأمها صفية بنت أبي العاص بن
أمية، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، ومات هناك،
فتزوجها رسول الله وَلو، وهي هناك سنة ست، وقيل: سنة سبع.
رَوَت عن النبيّ نَّةِ، وعن زينب بنت جحش، وروت عنها ابنتها حبيبة،
وأخواها: معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن أبي سفيان، وابن أختها
أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق، ومولاها سالم بن سَوّار،
ومولاها الآخر أبو الجراح، وأبو صالح السّمّان، وعروة بن الزبير، وزينب
بنت أم سلمة، وصفية بنت شيبة، وشهر بن حَوْشب، وآخرون.
قال أبو عبيد: تُؤُفّيت سنة أربع وأربعين، وقال ابن أبي خيثمة، تُوُفّيت
قبل معاوية بسنة، يعني سنة تسع وخمسين، وقال ابن حبان، وابن قانع: ماتت
سنة اثنتين وأربعين، وقال ابن عبد البر: قيل: اسمها هُبَيْرَةُ.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (١٢) حديثاً بالمكرّر.
(وَأُمَّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة المخزوميّة، أم المؤمنين ظُّا، تزوّجها
النبيّ وَل بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث، وعاشت بعد ذلك ستين سنةً،
وماتت سنة (٦١) على الأصحّ، تقدّمت ترجمتها في ((شرح المقدمة)) ج٢ ص٤٧٣.
(ذَكَرَتَا كَنِيسَةً) بفتح الكاف، وكسر النون: مُتعبَّد اليهود، وتُطلق على
متعبَّد النصارى، وهو المراد هنا، وهو معرّب، كما قاله في ((المصباح)).

١٢٧
(٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، .. إلخ - حديث رقم (١١٨٦)
وفي رواية أبي معاوية التالية أن تلك الكنيسة تسمى مَارِيَة.
(رَأَيْنَهَا) هكذا رواية مسلم: ((رأينها)) بنون النسوة، والضمير لأم حبيبة،
وأم سلمة، ومن معهما، ووقع عند البخاريّ في رواية الأصيليّ، والكُشميهنيّ،
بلفظ: ((رأتاها)) بضمير التثنية للمؤنّث على الأصل، وكذا هو عند النسائيّ.
(بِالْحَبَشَةِ) بفتحتين: البلد المعروف الذي هاجر إليه الصحابة في أول
الإسلام، قبل هجرة المدينة، وكانت أم حبيبة، وأم سلمة ممن هاجر إليه (فِيهَا
تَصَاوِيرُ) جملة في محل نصب على الحال من ((كنيسة))؛ لكونها موصوفة بجملة
((رأينها))، أو صفة بعد صفة، والتصاوير: التماثيل، والمراد صُوَرِ ذوات
الأرواح (لِرَسُولِ اللهِ فِ﴿) متعلّق بـ«ذَكَرتا)) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((إِنَّ أُولَئِكِ)
بكسر الكاف، ويجوز فتحها، قاله في ((الفتح))، و((العمدة))، وقال السنديّ رَُّهُ:
قيل: بكسر الكاف؛ لأن الخطاب للمؤنّث، وقد تُفتح، قال: وكأن الفتح
لتوجيه الخطاب إلى كلّ ما يصلح له، لا لتوجيهه إليهما، وأنت خبير بأن
مقتضى توجيه الخطاب إليهما أن يقال: أولئكما، لا أولئكِ - بالكسر - وعند
الإفراد ينبغي الفتح بتوجيه الخطاب إلى كلّ ما يصلح له، فليُتأمّل. انتهى(١).
(إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ) عطف على ((كان))، وقوله: (بَنَوْا)
جواب ((إذا)) (عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً) أي محلّ عبادة (وَصَوَّرُوا فِيهِ) أي في ذلك
المسجد (تِلْكَ الصُّوَرَ) وفي رواية البخاريّ والنسائيّ: ((تيك الصور)) بكسر التاء
المثنّاة، وسكون الياء بدل اللام، من ((تلك))، وهي لغة فيه (أُولَئِكِ) بكسر
الكاف، وتفتح كما سبق آنفاً (شِرَارُ الْخَلْقِ) بكسر الشين المعجمة: جمع شَرّ،
كالخيار جمع خَيْرٍ، والبحار جمع بَحْر، وأما الأشرار، فقال يونس: واحدها
شَرِّ أيضاً، وقال الأخفش: شَرِيرٌ، مثلُ يَتِيم وأيتام، أفاده في ((العمدة)).
وإنما كانوا شرار الخلق؛ لأنهم ضمّوا إلى كفرهم الأعمال القبيحة، فهم
أقبح الناس عقيدةً وعملاً، قاله السنديّ كَُّ.
وقوله: (عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))) متعلّقان بـ(شرار))، وإنما خصّ يوم القيامة؛
لأن الأمور تشتدّ فيه، بخلاف الدنيا، فمن كان أشرّ الناس فيه كان أشدّهم
(١) ((حاشية السندي على النسائيّ)) ٤١/٢ - ٤٢.

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .. كتاب المساجد ومواضع الصلاة
عذاباً، ولأن من كان في الدنيا شريراً ربّما يوفّق للتوبة، وأما الآخرة فليست
إلا دار الجزاء، والله تعالى أعلم.
قال القرطبي تَخْثُ: إنما صَوَّر أوائلهم الصُّوَرَ ليأتنسوا برؤية تلك الصور،
ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم،
فمضت لهم بذلك أزمان، ثم خَلَف مِن بعدهم خَلْفٌ جَهِلوا أغراضهم، ووسوس
لهم الشيطان أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فعبدوها،
فحذّر النبيّ وَل﴿ عن مثل ذلك، وشدّد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسدّ الذرائع
المؤدية إلى ذلك، فقال: ((اشتدّ غضب الله على قوم اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد،
فلا تتّخذوا القبور مساجد))، أي أنهاكم عن ذلك، وقال: ((لعن الله اليهود والنصارى
اتّخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد))، وقال: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد)).
ولهذا بالغ المسلمون في سدّ الذريعة في قبر رسول الله وَلَهُ، فَأَعْلَوُا حيطان
تربته، وسُّوا المداخل إليها، وجعلوها مُحدقةً بقبره وَّة، ثم خافوا أن يُتّخذ موضع
قبره قبلةً؛ إذ كان مستقبل المصلين، فتتصوّر الصلاة إليه بصورة العبادة، فبَنَوا
جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرّفوهما حتى التقيا على زاويةٍ مثلَّث من ناحية
الشمال، حتى لا يتمكّن أحدٌ من استقبال قبره، ولهذا الذي ذكرناه كلّه قالت
عائشة رضيها: ((ولولا ذلك لأبرز قبره)). انتهى كلام القرطبيّ تَخْذّتُهُ. وهو تحقيقُ نفيسٌ،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٨٦/٣ و١١٨٧ و١١٨٨] (٥٢٨)، و(البخاريّ) في
((الجنائز)) (١٣٣٠ و١٣٤١ و١٣٩٠)، و((المغازي)) (٣٤٥٣ و٤٤٤١ و٤٤٤٣)،
و(النسائيّ) في ((المساجد)) (٤٠/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٥٨٨)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٨/١ و٣٤/٦ و١٢١ و٢٥٥)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٣٢٦/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣١٨١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٨٩
و١١٩٠ و١١٩١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٣١/٢ -١٣٢)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٤/ ٨٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٠٨)، والله تعالى أعلم.

١٢٩
(٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٨٦)
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن فعل التصاوير،
وإنما نُهِي عنه لئلا يؤدّي إلى اتخاذ القبور والصور آلهةً.
٢ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب تَّتُهُ: هذا الحديث يدلّ على
تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صُورهم فيها كما يفعله
النصارى، ولا ريب أن كلّ واحد منهما محرَّمٌ على انفراده، فتصوير صور
الآدميين محرّم، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرَّمٌ، كما دلتّ عليه
نصوص أخرى، فإن اجتمع بناء المسجد على القبور ونحوها من آثار الصالحين
مع تصوير صورهم، فلا شكّ في تحريمه، سواء كانت صوراً مجسّدةً
كالأصنام، أو على حائط ونحوه، كما يفعله النصارى في كنائسهم.
قال: والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة أنهما رأتاها
بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها، ولم يكن لها ظلّ، وكانت أم سلمة وأم
حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة، فتصوير الصور على مثل صور الأنبياء والصالحين
للتبرّك بها، والاستشفاع بها محرَّمٌ في دين الإسلام، وهو من جنس عبادة الأوثان،
وهو الذي أخبر النبيّ وَلّ أن أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
قال: وتصوير الصور للتأنّس برؤيتها، أو للتنزّه بذلك للتلهّي محرّمٌ، وهو
من الكبائر، وفاعله من أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة، فإنه ظالم ممثّلٌ بأفعال الله
تعالى التي لا يقدر على فعلها غيره، والله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته، ولا
في صفاته، ولا في أفعاله. انتهى كلام ابن رجب تَُّهُ(١). وهو بحثٌ نفيسٌ
جدّاً، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): تحريم تصوير الحيوان خصوصاً الآدميّ، ولا سيّما الرجل
الصالح، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان؛ لقرب العهد
بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا، وقد أطنب ابن دقيق العيد في ردّ ذلك عليه،
وأحسن في ذلك، ودونك نصّه:
قال ◌َدْتُ: وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور،
ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وإن هذا التشديد
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب تخذتُ ٢٠٣/٣ -٢٠٤.

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
كان في ذلك الزمان؛ لقرب العهد بعبادة الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر
الإسلام، وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في هذا
التشديد، هذا أو معناه.
قال: وهذا عندنا باطل قطعاً؛ لأنه قد ورد في الأحاديث الإخبار عن أمر
الآخرة بعذاب المصورين، فإنهم يقال لهم: ((أحيُوا ما خلقتم)).
وهذه علة مخالفة لما قاله هذا القائل، وقد صُرّح بذلك في قوله وَليقول:
((المشبّهون بخلق الله))، وهذه علة عامّة مستقلة مناسبة لا تخص زماناً دون
زمان، وليس لنا أن نتصرّف في النصوص المتظاهرة المتظافرة بمعنى خياليّ
يمكن أن لا يكون هو المراد مع اقتضاء اللفظ التعليل بغيره، وهو التشبيه
بخلق الله، وقوله وَفر: ((بَنَوا على قبره مسجداً)) إشارة إلى المنع من ذلك، وقد
صَرَّح به الحديث الآخر: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم
مساجد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)). انتهى كلام ابن دقيق العيد ◌َّتُهُ(١).
وهو تحقيقُ نفيسٌ مفيد، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): النهي عن بناء المساجد على القبور، والحقّ أنه للتحريم،
كيف وقد ثبت اللعن عليه؟، قال في ((العمدة)): وأما الشافعيّ وأصحابه
فصرَّحُوا بالكراهة، وقال البندنيجيّ: والمراد أن يُسَوَّى القبر مسجداً، فيصلى
فوقه، وقال: إنه يكره أن يُبنَى عنده مسجد، فيصلى فيه إلى القبر، وأما المقبرة
الدائرة إذا بُنِي فيها مسجد ليصلَّى فيه، فلم أر فيه بأساً؛ لأن المقابر وقف،
وكذا المسجد فمعناها واحد.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر النصّ العموم، فلا ينبغي العدول عنه،
فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال البيضاويّ: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء
تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلةً يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثاناً
لعنهم النبيّ وَّ، ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأما من اتخذ مسجداً في
جوار صالح، وقصد التبرك بالقرب منه، لا للتعظيم له، ولا للتوجه إليه فلا
يدخل في الوعيد المذكور. انتهى.
(١) ((إحكام الأحكام)) ٢/ ١٧١ - ١٧٢.

١٣١
(٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، .. إلخ - حديث رقم (١١٨٦)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي أباحه البيضاويّ هو عين ما جاء
النهي عنه، فهل معنى قصد التبرك بالقبر غير معنى التعظيم، وهل دخل على
الأولين الشرك والضلال إلا بقصد التبرك بقبور صالحيهم؟ فهذا هو غربة
الإسلام، وعدم غيرة العلماء عليه، فيقرّرون للعوام الفساد، ويحبذون لهم الغلوّ
في الصالحين.
ومن الغريب العجيب أن السيوطيّ، والسنديّ نقلا كلام البيضاويّ هذا
في شرحيهما على النسائيّ، وكذا ذكر في ((الفتح)) نحوه، وكلهم أقرّوه عليه،
وهذا هو العجب العجاب من مثل هؤلاء الأكابر، كيف جاز لهم إقرار مثل هذا
القول الشنيع، المنابذ للسنة، والمعارض للنصوص الصريحة؟ وهل دخل على
اليهود والنصارى هذا الضلال إلا من هذا الباب؟، فإن أول بداية ضلالهم هذا
هو التبرّك بقبور أنبيائهم، وصالحيهم، فآل بهم الحال إلى أن عبدوهم، وقد
وقع من كثير ممن يدَّعي الإسلام في كثير من بلدان الإسلام اليوم ما وقع منهم
حذو النعل بالنعل، فمن يرى حال كثير من الناس فيما يفعلونه عند قبور
الصالحين، من أنواع الشرك والضلالات لا يشك أنه عين ما وقع لليهود
والنصارى في قبور أنبيائهم، فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
ومن الداهية العظمى سكوت أهل العلم عن بيان ذلك، بل بعضهم
يشاركونهم فيه، ويزيّنون لهم قبيح فعلهم، فإلى الله المشتكى.
وقد حَكَى لي بعض من أثق به من أهل العلم أنه سافر إلى مصر لطلب
العلاج، فزار قبر البدويّ، فرأى رجلاً من علماء البلد، عليه زيّ علماء
الأزهر، يسجد أمام ضريح البدويّ، قال: فقلت له: إنا لله وإنا إليه راجعون،
أمثلك يفعل هذا؟، وأنت من علماء هذه البلدة، وعليك لباس علماء الأزهر؟،
قال: فردّ عليّ بملء فيه، قائلاً: إن السجود لله، والبدوي كالكعبة، أو كما
قال، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم.
٥ - (ومنها): جواز حكاية ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوب بيان
حکم ذلك على العالم به.
٦ - (ومنها): ذمّ فاعل المحرمات، ولعنهم، وتحذير الناس من أفعالهم.
٧ - (ومنها): أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل.

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٨ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد تَخّْتُهُ: هذا الحديث يدلّ على امتناع
اتخاذ قبر الرسول و 189 مسجداً، ومنه يُفْهَم امتناع الصلاة على قبره، ومن
الفقهاء مَن استدلّ بعدم صلاة المسلمين على قبره وَّ على عدم الصلاة على
القبر جملةً.
وأجيبوا عن ذلك بأن قبر الرسول وَ ل﴿ مخصوص عن هذا بما فُهِم من
هذا الحديث من النهي عن اتخاذ قبره مسجداً.
وبعض الناس أجاز الصلاة على قبر الرسول 18 كجوازها على قبر غيره
عنده، وهو ضعيف؛ لتطابق المسلمين على خلافه، ولإشعار الحديث بالمنع
منه. انتھی(١).
١
قال الجامع عفا الله عنه: الصلاة على القبر لمن لم يُصلّ عليه سنّة، فقد
صلّى النبيّ وَ﴿ على القبر، وصلّى أصحابه معه، فقد أخرج الشيخان عن ابن
عبّاس ظّ «أن رسول الله بَّه صلى على قبر بعدما دُفن، فكبّر عليه أربعاً)).
وأخرجا أيضاً عن أبي هريرة ظبه أن امرأةً أو رجلاً كانت تَقُمّ المسجد،
ولا أراه إلا امرأةً، فذكر حديث النبيّ أنه صلى على قبرها .
وأخرج مسلم عن أنس معظُه ((أن النبيّ بَّهِ صلى على قبر)).
وأما الصلاة على قبره وَ ل﴿ فمن المنكرات، فمن أجازه قياساً على غيره،
فقد خالف إجماع المسلمين، كما أشار إليه ابن دقيق العيد تَُّ، فتبصّر.
٩ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّتُهُ: في هذه الأحاديث ما يَستدلّ به
مالك على صحّة القول بسدّ الذرائع على الشافعيّ وغيره من المانعين لذلك،
وهي مستوفاة في الأصول. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه المسألة قد أشبعت الكلام فيها في ((التحفة
المرضيّة))، و((شرحها)) في الأصول، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
(١) ((إحكام الأحكام)) ١٧٣/٢.
(٢) ((المفهم)) ١٢٩/٢.

١٣٣
(٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٨٧)
[١١٨٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا:
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَ
رَسُولِ اللهِلَّه فِي مَرَضِهِ، فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ(١)، كَنِيسَةً، ثُمَّ ذَكَرَ
نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ،
نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٣ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظٌ
عابد، من كبار [٩] (ت٦ أو١٩٧) عن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَأُمُّ حَبِيبَةَ) هكذا في معظم النسخ ((وأمّ حبيبة)) بواو العطف،
ووقع في بعض النسخ ((أو أم حبيبة)) بـ((أو)) بدل الواو، وهو الذي في ((مستخرج
أبي عوانة)) الآتي.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل ((ذكر)) ضمير وكيع، وضمير ((نحوه))
للحديث، يعني أن وكيعاً روى عن هشام بن عروة نحو رواية يحيى القطّان
السابقة.
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها أبو بكر بن أبي شيبة في ((مصنّفه))
(١٥١/٢)، فقال :
(٧٥٤٨) حدّثنا وكيع، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنهم
تذاكروا عند رسول الله ﴿ ﴿ في مرضه، فذكَرَت أم سلمة، أو أم حبيبة كنيسةً،
رأتها في أرض الحبشة، فيها تصاوير، فقال النبيّ وَلير: ((أولئك كانوا إذا كان
فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوّروه، أولئك شرار
الخلق عند الله)). انتهى.
(١) وفي نسخة: ((أو أم حبيبة)).

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١١٨٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو كُرَيْبِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِّ ◌َِّ كَنِيسَةً وَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ،
يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قبل باب أيضاً.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ بَّ) هكذا ((ذكرن)) بالنون في معظم النسخ،
وفي بعضها: ((ذكرت)) بالتاء، قال النوويّ كَّتُهُ: والأول أشهر، وهو جائز على
لغة («أكلوني البراغيث))، ومنه حديث: ((يتعاقبون فيكم ملائكة))، وإليه أشار ابن
مالك في ((الخلاصة)) حيث قال:
لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْعِ كَ فَازَ الشُّهَدَ)»
وَجَرِّدِ الْفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا
وَالْفِعْلُ للظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
وَقَدْ يَقَالُ ((سَعِدَا)) وَسَعِدُوا))
وقال الحريريّ في ((مُلْحته)):
كَقَوْلِهِمْ ((سَارَ الرِّجَالُ السَّاعَهْ))
وَوَحِّدِ الْفِعْلَ مَعَ الْجَمَاعَهْ
نَحْوُ ((اشْتَكَتْ عُرَاتُنَا الشِّتَاءَ
وَإِنْ تَشَأُ أَلْحِقْ عَلَيْهِ النَّاءَ
وقوله: (يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ) بكسر الراء، وتخفيف الياء التحتانيّة.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) كان الظاهر أن يقول: بمثل حديثهما؛ لأن المراد
يحيى القطّان، ووكيع، ويمكن أن يجاب عنه بأن أقل الجمع اثنان عند
بعضهم، وهو الصحيح.
(١) وفى نسخة: ((وحدّثنا)).

١٣٥
(٣) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٨٩)
والمعنى: أن أبا معاوية حدّث عن هشام بمثل حديث يحيى ووكيع.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية هذه لم أجد من ساقها تامّة، غير أن إسحاق
ابن راهويه قال في («مسنده)) (٢٦٥/٢) بعد إخراج رواية وكيع ما نصّه:
(٧٦٩) أخبرنا أبو معاوية، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنهم
تذاكروا، فذكر مثله، وقال: كنيسة يقال لها: مارية، وقال: شرار الخلق عند الله
يوم القيامة. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٨٩] (٥٢٩) - (حَدَّثَنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا:
حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَّتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ(٢) فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ:
(لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اَنَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ))، قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَاكَ(٣)
أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَّ (٤) أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَلَوْلًا
ذَاكَ، لَمْ يَذْكُرْ: قَالَتْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ،
مشهور بكنيته، ولقبه قَيْصَر،َ ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) عن (٧٣) سنةً (ع) تقدم في
((المقدمة)) ٣٦/٦.
٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية
البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١١٨/٤.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((قالت: قال لي رسول الله وَلات)).
(٣) وفي نسخة: ((ولولا ذلك)).
(٤) وفي نسخة: ((لأبرز قبره، ولكنه خُشِي)).

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
٣ - (هِلَالُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ) أو ابن حميد، أو ابن مِقْلاص، أو ابن عبد الله
الْجُهنيّ مولاهم، أبو الجهم، وقيل غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته،
الصير فيّ الوزّان الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٦٢/٣٩.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، كما أسلفته غير مرّة.
٢ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيينٍ: عائشة ﴿يا وعروة، وبغداديينٍ:
عمرو، وهاشم، وكوفيينَ، وهم الباقون.
٣ - (ومنها): أن فيه عروة، من الفقهاء السبعة، وعائشة ضيّا من
المكثرين السبعة.
شرح الحديث :
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِؤًُّا أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَّ) وفي نسخة: ((قالت:
قال لي رسول الله وَله (فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ) أي الذي مات بسببه، ولفظ
البخاريّ: ((في مرضه الذي مات فيه))، كأنه وَّ علم أنه مرتحلٌ من ذلك
المرض، فخاف أن يعظم قبره، كما فعل اليهود والنصارى، فعرّض بلعنهم
إشارة إلى ذمّ من يَفعَل فعلهم كيلا يُعمل معه ذلك، فقال: ((لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ
وَالنَّصَارَى) أي طردهم، وأبعدهم من رحمته، قال الفيّوميّ: لعنه لَعْناً، من باب
نفع: طرده، وأبعده، أو سبّه، فهو لَعِينٌ، وملعونٌ. انتهى(١).
واللعن أمارة الكبيرة المحرّمة أشدّ التحريم، فيكون الفعل الذي أوجب
اللعن حراماً (٢).
وقوله: (أَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ))) جملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً، وهو
واقع جواباً لسؤال مقدّر، والتقدير هنا: ما السبب الموجب للعنهم، فأجاب
(١) ((المصباح المنير)) ٢ /٥٥٤.
(٢) ((المرعاة)) ٤١٩/٢.

١٣٧
(٣) - بَابُ النَّهْىٍ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٨٩)
بقوله: ((اتّخذوا ... إلخ))، زاد في حديث ابن عبّاس، وعائشة ظم الآتي:
((يُحَذِّر ما صَنَعوا))، وهو أيضاً جواب السؤال مقدّر من كلام الراوي، كأنه سئل
عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت، فأجاب بأنه قال ذلك ليُحَذِّر أمته أن
يصنعوا بقبره مثل ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائه.
[تنبيه]: استُشكل ذكر النصارى في هذا الحديث؛ لأنه ليس لهم نبيّ إلا
عيسى ظلَّا؛ إذ لا نبيّ بينه وبين نبينا وَّل، وهو حيّ في السماء لم يمت، فليس
له قبر.
وأُجيب بأن ضمير الجمع في قوله: ((أنبيائهم)) للمجموع من اليهود
والنصارى، فإن اليهود لهم أنبياء، أو المراد الأنبياء وكبار أتباعهم، فاكتفى
بذكر الأنبياء، ويؤيّده حديث جندب ظه الآتية آخر الباب، وفيه: ((وإن من
كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)»، ولهذا لَمّا أفرد
النصارى في حديث عائشة ها الماضي في قصّة أم حبيبة وأم سلمة څًا،
قال: ((إذا كان فيهم الرجل الصالح، فمات بنوا على قبره مسجداً))، ولم يذكر
الأنبياء، ولَمّا أفرد اليهود في حديث أبي هريرة ◌َرُّه الآتي قال: ((قاتل الله
اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، فذكر الأنبياء.
قيل: ويَحْتَمل أن يُجاب بأن في النصارى أيضاً أنبياء، لكنهم غير
مرسلين، كالحواريين.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في هذا الجواب من الضعف،
وعندي أن أظهر الأجوبة ما قيل: إن أنبياء اليهود هم أنبياء النصارى؛ لأن
النصارى مأمورون بالإيمان بكلّ رسول، فرُسُل بني إسرائيل يُسمَّون أنبياء في
حقّ الفريقين، وأن المراد من اتّخاذ القبور أعمّ من أن يكون ابتداعاً، أو
اتّباعاً، فإن اليهود ابتدعت اتّخاذ القبور مساجد، والنصارى اتّبعت في ذلك،
ولا ريب أن النصارى تعظّم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظّمهم اليهود، وخصّ
اليهود في حديث أبي هريرة ظُه بالذكر؛ لكونهم ابتدعوا هذا الاتخاذ، فهم
أظلم (١)، والله تعالى أعلم.
(١) راجع: ((مرعاة المفاتيح)) ٤٢٠/٢.

١٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
ـا (فَلَوْلًا ذَالَكَ) وفي نسخة: ((ولولا ذلك))، وهو الذي
(قَالَتْ) عائشة
عند البخاريّ، أي لولا تحذّير النبيّ وَ ﴿ أمته بذكره لعن المتَّخِذين قبور الأنبياء
مساجد (أُبْرِزَ قَبْرُهُ) بالبناء للمفعول، أي لكُشف قبر النبيّ بََّ، ولم يُتَّخذ عليه
الحائل، والمراد دفنه 8﴿ خارج بيته، وهذا قالته عائشة هنا قبل أن يُوسّع
المسجد النبويّ، ولهذا لَمّا وُسِّع المسجد جُعلت حجرتها مثلّثة الشكل محددةً
حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر، مع استقبال القبلة، قاله في
(١)
((الفتح))(١).
(غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ) قال النوويّ تَخُّْ: ضبطناه بضم الخاء، وفتحها، وهما
صحيحان. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أما على الضمّ فالفعل مبنيّ للمفعول، ونائب
فاعله، ضمير النبيّ ◌َّ، أي أنه وَلهو خشي أن يُتّخذ قبره مسجداً، فحذّر أمته،
وأخبرها بأن اليهود والنصارى ملعونون بسبب ذلك.
وأما على الفتح فالفعل مبنيّ للفاعل، وفاعله ضمير الصحابة ضيه، أي
إنهم لَمّا حذّرهم النبيّ ◌َِّ خَشُوا أن يُتخذ قبره مسجداً، فلم يُبرزوه.
وقوله: (أَنْ يُتَّخَذَ) بالبناء للمفعول أيضاً، والضمير لـ((قبره)) (مَسْجِداً)
بالنصب على أنه مفعول ثان لـ((يُتّخذ)).
ووقع في نسخة: ((فلولا ذاك لأبرز قبرُهُ، ولكنّه خُشي ... إلخ)).
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((غيرَ أني أَخْشَى))، بضمير المتكلّم، قال
في ((الفتح)): كذا هنا، وفي رواية أبي عوانة، عن هلال الآتية في أواخر
(الجنائز): ((غير أنه خَشِيَ، أو خُشِيَ))، على الشكّ، هل هو بفتح الخاء
المعجمة، أو ضمها؟ وفي رواية مسلم: ((غير أنه خُشِي)) بالضم لا غير.
قال: فرواية الباب تقتضي أن عائشة ﴿ّ هي التي امتَنَعَت من إبرازه،
ورواية الضم مبهمة، يمكن أن تُفَسَّر بهذه، والهاء ضمير الشأن، وكأنها أرادت
نفسها ومن وافقها على ذلك، وذلك يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد، بخلاف رواية
الفتح، فإنها تقتضي أن النبيّ ◌َّر هو الذي أمرهم بذلك. انتهى.
(١) ((الفتح)) ٢٣٨/٢٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢/٥.

١٣٩
(٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، ... إلخ - حديث رقم (١١٨٩)
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: وَلَوْلًا ذَاكَ) أي بالواو بدل الفاء (لَمْ يَذْكُرْ)
بالبناء للفاعل، والضمير لشيخه هاشم (قَالَتْ) أي لفظة «قالت)»، يعني أن
هاشماً حين حدّث أبا بكر لم يذكُر ((قالت)) قبل قوله: ((ولولا ذاك))، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌ِّنا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٨٩/٣] (٥٢٩)، (والبخاريّ) في ((الصلاة))
(١٣٣٠ و١٣٩٠ و٤٤٤١ و٤٤٤٣ و٥٨١٥)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (٢/
٤٠)، و((الجنائز)) (٩٥/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤/٦ و٨٠ و١٢١ و٢٢٩
و٢٥٥ و٢٧٤ و٢٧٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٦/١)، و(أبو عوانة) في
((مسنده) (١١٨٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٦٩)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٣٢٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٠٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال النُّورِبِشْتِيّ الحنفيّ في ((شرح المصابيح)): معنى
إنكار النبيّ ◌َ﴾ على اليهود والنصارى صنيعهم هذا مخرَّجُ على وجهين:
أحدهما: أنهم كانوا يسجدون لقبور الأنبياء؛ تعظيماً لهم.
والثاني: أنهم كانوا يتحرَّون الصلاة في مدافن الأنبياء، والسجود على
مقابرهم، والتوجّه إلى قبورهم حالة الصلاة؛ نظراً منهم بأن ذلك الصنيع أعظم
موقعاً عند الله تعالى؛ لاشتماله على الأمرين: عبادة الله، والمبالغة في تعظيم
الأنبياء، وذهاباً إلى أن تلك البقاع أولى بإقامة الصلاة والتوسّل بالعبادة فيها
إلى الله تعالى؛ لاختصاصها بقبور الأنبياء، وكلتا الطريقتين غير مرضيّة.
أما الأولى: فلأنها من الشرك الجليّ، وأما الثانية: فلأنها متضمّنة معنى
الإشراك في عبادة الله تعالى حيث أُتي بها على صفة الإشراك، أو التبعيّة
لمخلوق.
والدليل على ذمّ الوجهين قوله وَّر: ((اللهمّ لا تجعلوا قبري وثَناً يُعبد،

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))(١)، والوجه الأول أشبه
به .
وأما نهي النبيّ وَّ رِ أمته عن الصلاة في المقابر، فإنه لمعنيين:
أحدهما: لمشابهة ذلك الفعل سنّة اليهود، وإن كان القصدان مختلفين.
والثاني: لما يتضمّنه من الشرك الخفيّ، حيث أُتي في عبادة الله بما يرجع
إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له.
قال: والصلاة في المواضع المتبرّك بها من مقابر الصالحين داخلة في
جملة هذا النهي، لا سيّما إذا كان الباعث تعظيمَ هؤلاء، وتخصيص تلك
المواضع؛ لما أشرنا إليه من الشرك الخفيّ. انتهى كلام التوربشتيّ كَّتُهُ. وهو
تحقيقٌ مفيدٌ.
وقال صاحب ((المرعاة)) بعد ذكر كلام التوربشتيّ المذكور ما نصّه:
ويدخل أيضاً في هذا النهي والوعيد اتّخاذ مسجد بجوار نبيّ، أو صالح،
والصلاة عند قبره، لا لتعظيمه، ولا بالتوجّه نحوه، بل لحصول مدد منه،
ورجاء كمال عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح، وهذا لأن اتّخاذ المسجد
بقربه، وقصد التبرّك به تعظيم له، ولأن في هذا الصنيع أيضاً من المفاسد ما لا
يخفى، ولأنه لم يأمر النبيّ ◌َر أحداً من أمته بالاستفاضة بقبره، أو بقبر أحد
من صلحاء أمته، ولا بالاستمداد منه، ولا بالمجاورة به، ولا التبرّك به، وإنما
أمر أمته بالسلام على أهل القبور، والدعاء والاستغفار لهم عند زيارة القبور،
وحثّ على الاعتبار بهم، فالاستفاضة بالقبور، والاستمداد منها، والتبرّك بها،
ولو كان بدون التوجّه إليها حرام عندنا؛ لكونه داخلاً في الشرك الخفيّ. انتهى
كلام صاحب ((المرعاة))، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٠] (٥٣٠) - (حَدَّثَنَا(٢) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ،
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) مرسلاً برقم (٣٧٦).
(٢) وفي نسخة: ((حدّثني)).