النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ (٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨١) وأخرج البزار من حديث أنس مظلته: انصرف رسول الله وَل عن بيت المقدس، وهو يصلي الظهر بوجهه إلى الكعبة. وللطبرانيّ نحوه من وجه آخر عن أنس، قال في ((الفتح)): وفي كلّ منهما ضعف. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: كل هذا الروايات ضعاف، لا تقاوم ما في ((الصحيح)) من حديث البراء ظ ◌ُله، حيث دلّ على أنه رَّ بعدما صلّى صلاة الظهر أمر بالتوجّه إلى الكعبة، فصلّى العصر متوجّهاً إليها، والله تعالى أعلم. وقال في ((العمدة)) في شرح قوله: ((صلاة العصر)): كذا هو ههنا ((صلاة العصر))، وجاء أيضاً من رواية البراء، أخرجها البخاري في ((الصلاة))، وفيه: ((فصلى مع النبيّ ◌َّرِ رجل، ثم خرج بعدما صلى، فمَرّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس، فقال لهم، فانحرفوا))، فقيّد الأولى بالعصر في الحديث الأول، وأطلق الثانية، وقَيّد في الحديث الثاني الثانية بالعصر، وأطلق الأولى، وجاء في البخاري في ((كتاب خبر الواحد)) تقييده الصلاتين بالعصر، فقال من رواية البراء أيضاً: ((فوُجِّه نحو الكعبة، وصلى معه رجل العصر، ثم خَرَج، فمَرَّ على قوم من الأنصار، فقال لهم: هو يشهد أنه صلى مع النبيّ ◌َ﴿ العصر، وأنه قد وُجِّه إلى الكعبة، قال: فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر))، وكذا جاء في الترمذيّ أيضاً أن الصلاتين كانتا العصر، ولم يذكر مسلم، ولا النسائيّ في حديث البراء هذا تعيين صلاة العصر، ولا غيرها . وجاء في البخاريّ، والنسائيّ، ومسلم أيضاً في ((كتاب الصلاة)) من حديث مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: ((بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آتٍ))، وفيه: ((فكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة))، وكذلك أيضاً جاء في مسلم من رواية ثابت، عن أنس، كرواية ابن عمر أنها الصبح: ((فمَرَّ رجل من بني سَلِمَة، وهم ركوع في صلاة الفجر))(٢). (١) ((الفتح)) ٥٩٩/١ - ٦٠٠. (٢) راجع: ((عمدة القاري)) ٣٨٥/١. ١٠٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة قال الجامع عفا الله عنه: طريق الجمع بين روايتي العصر والصبح أن التي صلاها الرجل مع النبيّ نَّه هي العصرُ، ثم مَرّ على قوم من الأنصار في تلك الصلاة، وهي العصر، فهذا من رواية البراء پبه. وأما رواية ابن عمر وأنس ◌ّ أنها الصبح فهي صلاة أهل قباء في اليوم الثاني. والحاصل أن الذين مَرّ بهم في العصر ليسوا أهل قباء، وإنما هم أهل مسجد بالمدينة، وهم بنو حارثة، على ما قيل، فمَرَّ عليهم وهم في صلاة العصر، وأما أهل قباء، فأتاهم الآتي في صلاة الصبح، من اليوم الثانيّ، كما جاء مُصَرَّحاً به في الروايات. وهذا هو الحقّ والصواب في الجمع بين الروايات، خلاف ما ادعاه بعضهم من ترجيح رواية الصبح؛ لأنها من رواية صحابيين: ابن عمر وأنس، كما سيأتي للمصنّف، وتضعيف رواية العصر؛ لكونها في بعض طرق حديث البراء رَُّه دون بعض؛ إذ في بعضها لم تُعيّن، وهذا رأي ضعيفٌ؛ إذ فيه تضعيف ما جاء في ((الصحيح)) بدون مقتضٍ لذلك؛ لأن الجمع واضح على الوجه الذي أسلفناه، فما الداعي إلى التضعيف؟، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَانْطَلَقَ) أي ذهب (رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم) أي الذين صلّوا معه وَّ صلاة العصر قبل الكعبة، وهذا الرجل هو: عبّادَ بن بشر بن قَيْظِيّ، كما رواه ابن مندهْ من حديث تُوَيلة بنت أسلم، وكانت من المبايعات، ذكره الفاكهي في ((أخبار مكة))، وقيل: هو: عبّاد بن نَهِيك - بفتح النون، وكسر الهاء - ابن إساف الْخَطْميّ، صلى إلى القبلتين مع النبيّ ◌َّ ركعتين إلى بيت المقدس، وركعتين إلى الكعبة يومَ صُرِفت، قاله ابن عبد البرّ، وفيه قول ثالث: إنه عباد بن وهب څہ(١). (فَمَرَّ بِنَاسٍ) ((الناس)): اسم وُضِع للجمع، كالقوم، والرهط، وواحده: إنسان من غير لَفظه، مُشْتَقّ من ناس ينوس: إذا تَدَلَّى وتَحَرَّك، فيُطْلَق على (١) راجع: ((الفتح)) ١٢٠/١، و((عمدة القاري)) ٣٨٦/١. ١٠٣ (٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨١) الجنّ والإنس، قال تعالى: ﴿الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴾﴾ ثم فَسَّر الناس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ اُلْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾﴾، وسُمِّي الجن ناساً كما سُمُّوا رجالاً، قال تعالى: ﴿وَأَنَّكُر كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنّ﴾ [الجن: ٦]، وكانت العرب تقول: رأيت ناساً من الجنّ، ويصغر الناس على نُوَيس، لكن غَلَب استعماله في الإنس، قاله الفيّومِيّ ◌َظْهُ(١) .. وقوله: (مِنَ الْأَنْصَارِ) متعلّق بمحذوف صفة لـ((ناس))، وهم بنو حارثة، كما في ((الفتح)). و (وَهُمْ يُصَلَّونَ) جملة حاليّة من ((ناس)) (فَحَدَّثَهُمْ) وفي بعض النسخ: ((فحدّثهم بالحديث))، يعني أنه ذكر لهم خبر تحويل القبلة، وفي رواية البخاريّ: ((فقال لهم: أشهد بالله، لقد صلّيتُ مع رسول الله وَ﴿ قِبَلَ مكة)) (فَوَلَّوْا) بفتح اللام المشدّدة، وإنما لم تُضمّ اللام مع أنها قبل واو الضمير، وما قبلها يُضمّ؛ لكونها لم تقع قبله في التقدير؛ إذ أصلها وَلَّيُوا بوزن كَلَّمُوا، فقُلبت الياء ألفاً؛ لتحرّكها، وانفتاح ما قبلها، ثم حُذفت؛ لالتقاء الساكنين، فصارت ما قبل الواو محذوفاً، ومعناه: حوّلوا (وُجُوهَهُمْ، قِبَلَ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة، أي جهة (الْبَيْتِ) أي الكعبة؛ لأنه صار علماً لها بالغلبة، كما قال في ((الخلاصة)): وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ مُضَافٌ اوْ مَصْحُوبُ ((أَلْ)) كَالْعَقَبَهْ وفي رواية للبخاريّ: ((فداروا كما هم قبل البيت))، وقد جاء بيان كيفيّة التحوّل في حديث تُويلة بنت أسلم عند ابن أبي حاتم، وقد تقدم بعضه قريباً، وقالت فيه: ((فتحوّل النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلّينا السجدتين الباقيتين إلى البيت الحرام)). قال الحافظ تَّلهُ: وتصويره أن الإمام تحوّل من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد؛ لأن مَن استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولما تحوّل الإمام تحوّلت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحولت النساء حتى صِرْن خلف الرجال. (١) ((المصباح المنير)) ٦٣٠/٢. ١٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وهذا يستدعي عملاً كثيراً في الصلاة، فَيَحْتَمِل أن يكون ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير، كما كان قبل تحريم الكلام، ويحتمل أن يكون اغتُفِرَ العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة، أو لم تَتَوال الْخُطَى عند التحوُّل، بل وقعت مُفَرَّقةً. انتهى(١). وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب طيها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١٨١/٢ و١١٨٢] (٥٢٥)، و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٤٠)، و((الصلاة)) (٣٩٩)، و((التفسير)) (٤٤٨٦ و٤٤٩٢)، و(«أخبار الآحاد)) (٧٢٥٢)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٣٤٠)، و((التفسير)) (٢٩٦٢)، و(النسائيّ) في ((القبلة)) (٦٠/٢)، وفي ((الكبرى)) (١١٠٠٠ و١١٠٠٣)، و(ابن ماجه) في ((إقامة الصلاة)) (١٠١٠)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧١٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣٤/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٧١٦)، و(الدار قطنيّ) في ((سننه)) (٢٧٣/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٦٢ و١١٦٣ و١١٦٤ و١١٦٥ و١١٦٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٦١ و١١٦٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٦٥)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٣٣/٣ - ١٣٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وذلك بعد ستة عشر شهراً من الهجرة. وقد اختلف العلماء في الجهة التي كان النبيّ ◌َّو يتوجّه إليها للصلاة، (١) ((الفتح)) ٦٠٤/١. ١٠٥ (٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨١) وهو بمكة، فقال ابن عباس وغيره: كان يصلي إلى بيت المقدس، لكنه لا يستدبر الكعبة، بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس. وأطلق آخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس. وقال آخرون: كان يصلي إلى الكعبة، فلما تحوّل إلى المدينة استقبَلَ بيت المقدس، قال في ((الفتح)): وهذا ضعيف؛ لأنه يلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصحّ؛ لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره، من حديث ابن عباس (١). ٢ - (ومنها): بيان صحّة نسخ الأحكام، وهو جائز عقلاً، وواقع شرعاً، وهذا مجمع عليه عند المسلمين، خلافاً لليهود - لعنهم الله - فعند بعضهم باطل نقلاً، وهو ما جاء في التوراة: تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، فادَّعَوا نقله تواتراً، ويدّعون النقل عن موسى عليّا أنه قال: لا نسخ لشريعته، وعند بعضهم باطلٌ عقلاً، وكلّ ذلك من اختلاقاتهم، وافتراءاتهم على الله تعالى، وعلى أنبيائهم، كما أخبرنا الله تعالى بذلك. ٣ - (ومنها): جواز نسخ السنة بالقرآن، وهو جائز عند الجمهور، وللشافعي فيه قولان، قال في إحدى قوليه: لا يجوز كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة قولاً واحداً. وقال عياض: أجازه الأكثر عقلاً وسمعاً، ومنعه بعضهم عقلاً، وأجازه بعضهم عقلاً، ومنعه سمعاً. وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: نسخ السنّة بالقرآن أجازه الجمهور، ومنعه الشافعيّ، وهذه الأحاديث حجةٌ عليه، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] نَسخ لما قرّره رسول الله وَّ من العهد والصلح على ردّ كلّ من أسلم من الرجال والنساء من أهل مكة، وغير ذلك. انتهى(٢). وقال في ((العمدة)): استدل المجيزون بأن التوجه نحو بيت المقدس لم يكن ثابتاً بالكتاب، وقد نُسِخِ بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ [البقرة: ١٤٤ و١٥٠]. (١) راجع: ((الفتح)) ١١٩/١. (٢) ((المفهم)) ١٢٥/٢. ١٠٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وأجيب من جهة الشافعيّ بأنه إنما نُسخ قرآن بقرآن، وأن الأمر كان أولاً بتخيير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، ثم نسخ باستقبال القبلة. وأجاب بعضهم بأن قوله تعالى: ﴿أَقِيمُواْ الضَّلَوَةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] مُجْمَل فُسِّر بأمور، منها: التوجه إلى بيت المقدس، فيكون كالمأمور به لفظاً في الكتاب، فيكون التوجه إلى بيت المقدس بالقرآن بهذه الطريقة، وباحتمال أن المنسوخ كان قرآناً نُسِخ لفظه. وقال بعضهم: النسخ كان بالسنة، ونزل القرآن على وفقها. ورُدّ الأول والثاني بأنا لو جوّزنا ذلك لأفضى إلى أن لا يُعْلَم ناسخ من منسوخ بعينه أصلاً، فإنهما يطردان في كل ناسخ ومنسوخ، والثالث مجرد دعوى فلا تقبل. قالوا: قال الله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وصفه بكونه مبنياً، فلو جاز نسخ السنة بالقرآن، لم يكن النبيّ وَّ مبيناً، واللازم باطل، فالملزوم مثله، أما الملازمة فلأنه إذا أثبت حكماً، ثم نسخه الله تعالى بقوله، لم يتحقق التبيين منه؛ لأن المنسوخ مرفوع لا مُبَيَّنٌ؛ لأن النسخ رفع لا بيان، وأما بطلان اللازم، فلقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] حيث وصفه بكونه مبيّناً . قلنا: لا نسلم الملازمة؛ لأن المراد بالتبيين البيان، ولا نسلم أن النسخ ليس ببيان، فإنه بيان لانتهاء أمر الحكم الأول. ولئن سلّمنا أن النسخ ليس ببيان، وأن المراد منه بيان العام والمجمل والمنسوخ وغيرهما، لكن نُسَلُّم(١) أن الآية تدل على امتناع كون القرآن ناسخاً للسنة . وقالوا: لو جاز ذلك لزم تنفير الناس عن النبيّ وَلّ، وعن طاعته؛ لأنه يوهم أن الله تعالى لم يَرْضَ بما سنّه الرسول اَلّ، واللازم باطل؛ لأنه مناقض للبعثة، فالملزوم كذلك. (١) هكذا نسخة ((العمدة))، والظاهر أن ((لا)) سقطت منه، أي لا نسلّم ... إلخ. ١٠٧ (٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨١) قلنا: الملازمة ممنوعة؛ لأنه إذا عُلِم أنه مُبَلِّغ عن الله تعالى فلا تنفير، ولا تَنَقُّر؛ لأن الكل من عند الله تعالى، قاله في ((العمدة))(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره في ((العمدة)) بحث نفيسٌ، وقد ذكرت في ((شرح النسائيّ)) بحثاً مطوّلاً في هذه المسألة، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): جواز النسخ بخبر الواحد، قال القاضي عياض: وإليه مال القاضي أبو بكر وغيره من المحققين، ووجهه أن العمل بخبر الواحد مقطوع به، كما أن العمل بالقرآن والسنة المتواترة مقطوع به، وأن الدليل الموجب لثبوته أولاً غير الدليل الموجب لنفيه وثبوت غيره(٢). وقال في ((الفتح)): وفيه قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به، ونسخ ما تقرر بطريق العلم به؛ لأن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت عندهم بطريق القطع؛ لمشاهدتهم صلاة النبيّ وَ لّ إلى جهته، ووقع تحوّلهم عنها إلى جهة الكعبة بخبر هذا الواحد. وأجيب بأن الخبر المذكور احتَفّت به قرائن ومقدمات، أفادت القطع عندهم بصدق ذلك المخبر، فلم يُنسخ عندهم ما يفيد العلم إلا بما يفيد العلم. وقيل: كان النسخ بخبر الواحد جائزاً في زمنه و ﴿ مطلقاً، وإنما منع بعده، ويحتاج إلى دليل. انتهى. وقال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ: ويُستدلّ بالحديث على أن حكم الخطاب لا يتعلّق بالمكلّف قبل بلوغه إياه، ويستدلّ به على قبول خبر الواحد الثقة في أمور الديانات مع إمكان السماع من الرسول وَّه بغير واسطة، فمع تعذّر ذلك أولى وأحری. وما يقال من أن هذا يلزم منه نسخ المتواتر، وهو الصلاة إلى بيت المقدس بخبر الواحد، فالتحقيق في جوابه أن خبر الواحد يفيد العلم إذا احتفّت به القرائن، فنداء الصحابيّ في الطرق والأسواق بحيث يسمعه المسلمون كلّهم بالمدينة، ورسول الله وَله بها موجود، لا يتداخل من سمعه (١) ((عمدة القاري)) ٣٨٧/١ - ٣٨٨. (٢) راجع: ((إكمال المعلم)) ٤٤٥/٢. ١٠٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة شكّ فيه أنه صادق فيما يقوله، وينادي به. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ جواز نسخ المتواتر بخبر الواحد؛ لإفادته العلم؛ كما دلّ عليه حديث الباب وغيره، وقد أطبق الصحابة به على قبوله. قال القرطبيّ كَُّ: قبول خبر الواحد مجمع عليه من السلف، ومعلوم بالتواتر من عادة النبيّ وَّ في توجيهه ولاته ورسله آحاداً إلى الآفاق؛ ليُعَلِّمُوا الناس دينهم، ويبلغوهم سنة رسولهم وَلّ، من الأوامر والنواهي، والمخالف في ذلك معاند، أو ناقص الفطرة. انتهى(٢). وقد حقّقت هذا البحث في ((التحفة المرضيّة))، وشرحها، فراجعهما تزدد علماً، والله تعالى وليّ التوفيق. ٥ - (ومنها): بيان أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه؛ لأن أهل قباء لم يؤمروا بالإعادة، مع كون الأمر باستقبال الكعبة وقع قبل صلاتهم تلك بصلوات. قال المازريّ تَخْتُ: اختلفوا في النسخ إذا ورد متى يتحقق حكمه على المكلف؟ ويُحتَجّ بهذا الحديث لأحد القولين، وهو أنه لا يثبت حكمه حتى يبلغ المكلف؛ لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة، وهم في الصلاة، ولم يعيدوا ما مضى، فهذا يدل على أن الحكم إنما يثبت بعد البلاغ. وقال غيره: فائدة الخلاف في هذه المسألة في أن ما فُعِل من العبادات بعد النسخ، وقبل البلاغ، هل يعاد أم لا؟، ولا خلاف أنه لا يلزم حكمه قبل تبليغ جبريل وقال الطحاويّ تَخَُّهُ: وفيه دليل على أن من لم يعلم بفرض الله، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره، فالفرض غير لازم، والحجة غير قائمة عليه. وقال القاضي عياض ◌َخُّْ: قد اختَلَف العلماء فيمن أسلم في دار الحرب، أو أطراف بلاد الإسلام، حيث لا يجد من يتعلم منه الشرائع، ولا (١) ((فتح الباري)) لابن رجب كَّتُهُ ١٨٩/١. (٢) ((المفهم)) ١٢٦/٢. ١٠٩ (٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨١) عَلِم أن الله تعالى فرض شيئاً من الشرائع، ثم عَلِم بعد ذلك، هل يلزمه قضاء ما مرّ عليه من صيام وصلاة لم يعملها؟ . فذهب مالك، والشافعيّ في آخرين إلى إلزامه، وأنه قادر على الاستعلام، والبحث والخروج إلى ذلك. وذهب أبو حنيفة إلى أن ذلك يلزمه إن أمكنه أن يستعلم فلم يستعلم وفَرَّط، وإن كان لا يحضره من يستعلمه فلا شيء عليه، قال: وكيف يكون ذلك فرض على من لم يفرضه؟. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الإمام أبو حنيفة: هو الأرجح؛ لقوّة حجته، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): جواز الاجتهاد في زمن النبيّ وَلّ؛ لأنهم لما تمادوا في الصلاة، ولم يقطعوها دلّ على أنه رَجَحَ عندهم التمادي والتحول على القطع والاستئناف، ولا يكون ذلك إلا عن اجتهاد، كذا قيل. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون عندهم في ذلك نصّ سابقٌ؛ لأنه وَ﴿ كان مُتَرَقِّباً التحول المذكور، فلا مانع أن يُعْلِمهم ما صَنَعُوا من التمادي والتحول. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: في هذا النظر نظرٌ؛ إذ الأول هو الظاهر، فلا يدفع بالاحتمال، فتبصّر. ٧ - (ومنها): جواز تعليم من ليس في الصلاة مَن هو فيها، وأن استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يفسد صلاته. ٨ - (ومنها): جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعيّ فمن صلى إلى جهة باجتهاد، ثم تغير اجتهاده في أثنائها، فيستدير إلى الجهة الأخرى، حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في صلاة واحدة، فتصح صلاتهم على الأصح في مذهب الشافعيّ تَّتُهُ، ذكره في ((العمدة))(١). ٩ - (ومنها): وجوب الصلاة إلى القبلة، والإجماع على أنها الكعبة - شرّفها الله تعالى -. (١) ((عمدة القاري)) ٣٨٩/١. ١١٠ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١٠ - (ومنها): أنه يُحْتَجّ به على أن من صلى بالاجتهاد إلى غير القبلة، ثم تبيّن له الخطأ لا تلزمه الإعادة؛ لأنه فعل ما عليه في ظنه، وإن خالف الصواب في نفس الأمر، كما أن أهل قباء فَعَلوا ما وجب عليهم عند ظنهم بقباء الأمر، فلم يؤمروا بالإعادة. ١١ - (ومنها): أن فيه الدلالة على شرف النبيّ وَّ، وكرامته على ربه، حيث يُعْطِي له ما يحبه ويتمنّاه، فقد تمنّى أن يوجّه إلى الكعبة، فأعطاه الله رَ ذلك، ﴿قَدْ نَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةٌ تَرْضَهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤]. من الحرص على دينهم، ١٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة والشفقة على إخوانهم، حيث قاموا بتبليغ نسخ القبلة في مساجد المدينة. ١٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة مه أيضاً من كمال طاعتهم الله تعالى، ولرسوله وَهر، حيث استجابوا لمن بلّغهم بأن القبلة قد حُولت، فتحولوا إلى الكعبة، مستجيبين للحقّ، ومنقادين له، فرضي الله تعالى عنهم أجمعين. ١٤ - (ومنها): أن ابن كثير: نقل عن ابن عبّاس ظه أن تحويل القبلة هو أول ما نُسخ من القرآن (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن اجتهد في القبلة، فصلى إلى غيرها، فهل يعيد أم لا؟: ذهب إبراهيم النخعيّ، والشعبيّ، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وحماد إلى أنه لا يعيد، وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وإليه ذهب البخاريّ، وعن مالك كذلك، وعنه: يعيد في الوقت استحساناً. وقال ابن المنذر: وهو قول الحسن، والزهريّ، وقال المغيرة: يعيد أبداً، وعن حميد بن عبد الرحمن، وطاووس، والزهريّ: يعيد في الوقت، وقال الشافعيّ: إن فرغ من صلاته، ثم بان له أنه صلى إلى المغرب استأنف الصلاة، وإن لم يَبِن له ذلك إلَّا باجتهاده، فلا إعادة عليه. (١) راجع: ((تفسير ابن كثير)) ٢٧٤/١. ١١١ (٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨١) وفي ((التوضيح)): وقال الشافعيّ: إن لم يتيقن الخطأ فلا إعادة عليه، وإلا أعاد. ورَوَى الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: كنا مع النبيّ وَّ في سفر، في ليلة مظلمة، فلم نَدْر أين القبلة؟ فصلى كل رجل منا على حِيَاله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبيّ وَّل، فنزل: ﴿فَأَتْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١١٥]، لكن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده أشعث السمّان، وهو متروك. قال الترمذيّ ◌َخْذَلُهُ: وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا: إذا صلى في الغيم لغير القبلة، ثم استبان له بعدما صلى أنه صلى لغير القبلة، فإن صلاته جائزة، وبه يقول سفيان الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي ما ذهب إليه الجمهور، ورجحه الإمام البخاريّ في ((صحيحه))، حيث قال: ((باب ما جاء في القبلة، ومن لا يرى الإعادة على من سها، فصلّى إلى غير القبلة))؛ لحديث الباب، ووجه دلالته عليه من حيث إن الخطأ والجهل متشابهان، فيكون حكمهما واحداً، ولما استدلّ به البخاريّ: من أنه وُّر سلّم في ركعتي الظهر ... إلخ، وهو طرف من حديث أبي هريرة رَظُبه في قصّة ذي اليدين، وهو موصول في ((الصحيحين)) من طرُق. لكن قوله: ((وأقبل على الناس)) ليس في ((الصحيحين)) بهذا اللفظ موصولاً، لكنه في ((الموظّأ)) من طريق سفيان مولى ابن أحمد، عن أبي هريرة رضيڅته . ووجه الاستدلال به من جهة أن بناءه على الصلاة دالّ على أنه في حال استدباره القبلة كان في حكم المصلّي، ويؤخذ منه أن من ترك الاستقبال ساهياً لا تبطل صلاته(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) راجع: ((الفتح)) ٦٠٢/١. ١١٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٨٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَادٍ، جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَهَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عبيد الْعَنَزِيّ، أبو موسى المعروف بالزَّمِنِ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير الباهليّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٠) على الصحيح (م دس ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الأحول، أبو سعيد البصريّ الإمام الحافظ الحجة الناقد البصير [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٥. ٤ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل بابين. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أي جهته. وقوله: (ثُمَّ صُرِقْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ) ببناء الفعل للمفعول، أي أمرنا أن نصرف وجوهنا جهة الكعبة؛ لأنها القبلة المطلوب استقبالها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٨٣] (٥٢٦) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ١١٣ (٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِيْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨٣) بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبَلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِم) القَسْمَليّ - بفتح القاف، وسكون السين المهملة، وفتح الميم مخفّفاً - مَّولاهم، أبو زيد المروزيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، ربّما وَهِمَ [٧]. رَوَى عن أبي إسحاق الهمدانيّ، وعبد الله بن دينار، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وابن عجلان، والأعمش، وحُصين بن عبد الرحمن، ومُطَرِّف بن طَرِيف، وغيرهم. وروى عنه ابن مهديّ، وأبو عامر العَقَدّي، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وحَرَميّ بن حفص، والعلاء بن عبد الجبار، وأبو عبيدة الحداد، ومسلم بن إبراهيم، والقعنبيّ، وعبد الله بن رجاء، وأبو عمر الْحَوْضيّ، وشيبان بن فَرُّوخ، وآخرون. قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقةٌ، وقال أبو عامر: ثنا عبد العزيز، وكان من العابدين، وقال يحيى بن إسحاق: ثنا عبد العزيز، وكان من الأبدال، وقال النسائيّ في ((التمييز)): ليس به بأسٌ، وقال ابن نمير، والعجليّ: ثقةٌ، وقال يحيى بن حسان: كان من أفاضل الناس، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، وقال ابن حبان في ((الثقات)): أصله من مرو، وقال ابن حبان أيضاً في ((كتاب الصحابة)) في ترجمة فروة بن نوفل: عبد العزيز بن مسلم، رُبّما وَهِمَ، فأفحش. قال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة سبع وستين ومائة، زاد ابن قانع: في ذي الحجة. ١١٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٥٢٦) و(٩٣٥) و(١١٥١) و(١٤٩٠). ٤ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب ضًا، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَّلُ، وهو (٦٩) من رباعيّات الكتاب، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیبان، فانفرد به هو وأبو داود، والنسائيّ، وعبد العزيز، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه قوله: ((واللفظ له))، وقد مرّ البحث فيه غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من مالك. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ ﴿ه، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ◌َا أنه (قَالَ: بَيْنَمَا) وفي رواية البخاريّ: (بينا))، وقد تقدّم أن أصله (بين)) الظرفيّة زيد عليها ((ما))، فصارت تُضاف إلى جملة اسميّة، أو فعلية، فهي هنا مضافة إلى قوله: (النَّاسُ) ((أل)) فيه للعهد الذهنيّ، والمراد بهم أهل قباء، ومن حضر معهم (فِي صَلَاةِ الصُّبْح) ورواية موسى بن عقبة: ((في صلاة الغداة))، وهو أحد أسمائها، وقد نُقِل بعضَهم كراهية تسميتها بذلك، قاله في ((الفتح)) (١) . (١) ((الفتح)) ٦٠٣/١. ١١٥ (٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨٣) وقال النوويّ ◌َخْلُهُ: فيه جواز تسمية الصبح غداةً، وهذا لا خلاف فيه، لكن قال الشافعيّ تَخْلَتُهُ: سمّاها الله تعالى ((الفجر))، وسمّاها رسول الله ((الصبح))، فلا أُحبّ أن تُسمّى بغير هذين الاسمين. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): وهذا فيه مغايرة لحديث البراء نظافته المتقدم فإن فيه أنهم كانوا في صلاة العصر. والجواب أنه لا منافاة بين الخبرين؛ لأن الخبر وَصَلَ وقت العصر إلى مَن هو داخل المدينة، وهم بنو حارثة، وذلك في حديث البراء، والآتي إليهم بذلك عباد بن بِشْر، أو ابن نَهِيك كما تقدم، ووصل الخبر وقت الصبح إلى مَن هو خارج المدينة، وهم بنو عمرو بن عوف أهل قباء، وذلك في حديث ابن عمر، ولم يُسَمّ الآتي بذلك إليهم، وإن كان ابن طاهر وغيره نقلوا أنه عباد بن بشر، ففيه نظرٌ؛ لأن ذلك إنما ورد في حقّ بني حارثة في صلاة العصر، فإن كان ما نَقُلوا محفوظاً فيَحْتَمِل أن يكون عباد أتى بني حارثة أوّلاً في وقت العصر، ثم توجه إلى أهل قباء فأعلمهم بذلك في وقت الصبح. ومما يدلّ على تعددهما أن مسلماً رَوَى في هذا الباب من حديث أنس أن رجلاً من بني سَلِمَةَ مَرّ وهم ركوع في صلاة الفجر، فهذا موافق لرواية ابن عمر في تعيين الصلاة، وبنو سَلِمَة غير بني حارثة، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: هكذا جمع في ((الفتح))، وهو عندي جمع حسنٌ، إلا أن ابن رجب استبعده، والغريب أنه مع استبعاده لم يذكر لهذا الاختلاف هذا جمعاً، فتأمّل. (بِقُبَاءٍ) متعلّق بمحذوف، خبر للمبتدأ، و((قُباء)) بضمّ القاف، وتخفيف الموحّدة، والمدّ والصرف، وهو الأشهر، ويجوز فيه القصر، وعدم الصرف، وهو يُذَكَّر ويؤنث: موضع معروف بظاهر المدينة، والمراد هنا مسجد أهل قباء، ففيه مجاز الحذف. (إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ) قال العينيّ: هو عبّاد بن بشر (فَقَالَ) ذلك الآتي (إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَدْ أَنْزِلَ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله ضمير يعود إلى (١) ((شرح النووي)) ١٠/٥ - ١١. ١١٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة المعلوم من السياق، وقد جاء مصرّحاً به في رواية البخاريّ، حيث قال: ((قد أُنزل عليه الليلةَ قرآن)». قال في ((الفتح)): قوله: ((قد أُنزل عليه الليلةَ قرآنٌ)) فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي، والليلة التي تليه مجازاً، والتنكير في قوله ((قرآن)) الإرادة البعضية، والمراد قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيات. (اللَّيْلَةَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ((أُنزل)) (وَقَدْ أُمِرَ) بالبناء للمفعول أيضاً، أي أمره الله تعالى في تلك الآيات المنزلة عليه (أَنْ يَسْتَقْبِلَ) ((أن)) مصدريّة، والفعل مبنيّ للفاعل، وهو في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر قياساً، كما قال في ((الخلاصة)): وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبَ لِلْمُنْجَرِّ وَعَدِّ لَازِماً بِحَرْفِ جَرِّ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَـ«عَجِبْتُ أَنْ يَدُوا)) نَقْلاً وَفِي ((أَنَّ)» وَ«أَنْ)) يَظَّرِدُ أي بالاستقبال (الْكَعْبَةَ) منصوب على المفعوليّة، سُمّي البيت الحرام بالكعبة؛ لارتفاعه، وقيل: لتربيعه، قال الفيّوميّ كَُّهُ: كَعَبَت المرأةُ تَكْعُبُ، من باب قَتَلَ كِعَابَةً: نَتَأَ ثَدْيُها، فهي كاعبٌ، وسُمّيت الكعبةُ بذلك؛ لِنُتُوئها، وقيل: لتربيعها وارتفاعها. انتهى (١). (فَاسْتَقْبَلُوهَا) قال النوويّ كَُّ: رُوي بكسر الباء، وفتحها، والكسر أصحّ وأشهر، وهو الذي يقتضيه تمام الكلام بعده. انتهى(٢). والمعنى: أنهم تَحَوَّلُوا إلى جهة الكعبة، والواو في ((استقبلوها)) ضمير أهل قباء. قال في ((الفتح)): وفيه أن ما أُمر به النبيّ وَله يلزم أمّته، وأن أفعاله يُتَأْسّى بها كأقواله حتى يقوم دليل الخصوص. انتهى. وقال في ((الفتح)) أيضاً: ويَحْتَمِل أن يكون فاعل ((استقبلوها)) النبيّ وَّر، ومن معه، وضمير ((وجوههم)) لهم، أو لأهل قباء على الاحتمالين، وفي رواية (١) (المصباح المنير)) ٥٣٤/٢ - ٥٣٥. (٢) ((شرح النووي)) ١٠/٥. ١١٧ (٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِيْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨٣) الأصيليّ: ((فاستقبِلوها)) بكسر الموحّدة، بصيغة الأمر، ويأتي في ضمير ((وجوههم)) الاحتمالان المذكوران، وعوده إلى أهل قباء أظهر. قال: ويرجِّح رواية الكسر أنه عند البخاريّ في ((التفسير)) من رواية سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار في هذا الحديث بلفظ: ((وقد أُمِر أن يستقبل الكعبة ألا فاستقبِلوها))، فدخول حرف الاستفتاح يُشْعِر بأن الذي بعده أَمْرٌ، لا أنه بقية الخبر الذي قبله، والله تعالى أعلم. انتهى(١). وقوله: (وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ) تفسير من الراوي للتحول المذكور، قاله في ((الفتح))، وقال في ((العمدة)): هَو من كلام ابن عمر، لا كلام الرجل المخبِر بتغير القبلة، قاله الكرمانيّ، قال العينيّ: لا مانع أن يكون من كلام المخبر، فعلى هذا تكون الواو للحال، فتكون جملةً حاليةً على رواية الأكثرين، وهو أن يكون صيغة الجمع من الماضي، وعلى رواية الأصيليّ تكون الواو للعطف، وجاء عطف الجملة الخبرية على الإنشائية، والضمير في ((وجوههم)) يحتمل الوجهين المذكورين. انتهى(٢). (فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ) أي توجه أهل قباء إلى القبلة المأمور باستقبالها، وهي الكعبة، وقد تقدّم بيان كيفيّة تحوّلهم في شرح حديث البراء بنظُه، فارجع إليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر طّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١٨٣/٢ و١١٨٤] (٥٢٦)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٠٣)، و((التفسير)) (٤٤٨٨ و٤٤٩٠ و٤٤٩١ و٤٤٩٣ و٤٤٩٤)، و((أخبار الآحاد)) (٧٢٥١)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٣٤١)، و(النسائيّ) في ((القبلة)) (٦١/٢)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٩٥/١)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١) ((الفتح)) ٦٠٤/١. (٢) ((عمدة القاري)) ٢١٩/٤ - ٢٢٠. ١١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٦٤/١)، وفي ((الأُمّ)) (١١٣/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٣٥/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦/٢ و٢٦ و١٠٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨١/١)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٩٤/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٧١٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/٢ و١١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١٦٣ و١١٦٤ و١١٦٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٤٥)، وفوائد الحديث تقدّمت في شرح حديث البراء ظُه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٨٤] ( ... ) - (حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ(١)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِيَّ صَلَاةِ الْغَدَاةِ، إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَالِكِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ، هَرَويّ الأصل، أبو محمد، صدوقٌ، عمي، فتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت٢٤٠) عن مائة سنة (م ت) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٧. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عُمر الصنعانيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ، ربّما وَهِم [٨] (ت١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦١. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولى آل الزبير، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت١٤١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١. ٤ - (نَافِعِ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. والباقيان تقدّما في السند الماضي. وقوله: (إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ) تقدّم أنه عبّاد بن بشر. (١) كتب في هامش نسخة محمد ذهني ما نصّه: قوله: ((وعن عبد الله بن دينار)) وجدنا أيضاً في بعض النسخ علامة التحويل. ١١٩ (٢) - بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ - حديث رقم (١١٨٥) وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَالِكِ) يعني أن موسى بن عقبة حدّث عن نافع، بمثل ما حدّث به مالك، عن عبد الله بن دینار. [تنبيه]: رواية موسى بن عقبة هذه ساقها الحافظ أبو نعيم في ((مستخرجه)) (١٣٠/٢) فقال: (١١٦٥) حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا عمران بن موسى، ثنا سُويد (ح) وثنا أحمد بن يوسف بن خلاد، ثنا الحسن بن عليّ المعمريّ، ثنا سُويد بن سعيد، حدّثني حفص بن ميسرة، عن موسى بن عقبة، عن نافع، وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا عبد الله بن العباس الطيالسيّ، ثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي، ثنا إبراهيم بن طَهْمان، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ((بينما الناس في صلاة الصبح، إذ جاءهم رجلٌ، فقال: إن رسول الله وَ لّ قد أنزل عليه الليلة قرآنٌ، فأُمِر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكان وجه الناس إلى الشام، فاشتد عليهم، فوُجِّهوا إلى الكعبة)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٨٥] (٥٢٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتٍ الْمَقْدِسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَنُوْلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَّا فَوَلِ وَجْهَكَ شَظَرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، فَنَادَى: أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ خُوِّلَتْ، فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب. ٢ - (عَقَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٤. ١٢٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةً) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقة عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت١٦٧) (خت م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٤ - (ثَابِت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٥ - (أَنَس) بن مالك ◌ُه تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف نَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فكوفيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ أيضاً بمن هو أثبت الناس في شيخه، فحماد بن سلمة أثبت في ثابت، وثابت أثبت في أنس، وألزم له، فقد لزمه أربعين سنةً، وأنس من ألزم الناس للنبيّ ◌َّر، فقد خدمه عشر سنين ٥ - (ومنها): أن أنساً ظُّه من المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة نظبه، ومن المعمّرين، فقد جاوز المائة. شرح الحديث : رَّهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ كَانَ يُصَلِّ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أخرج (عَنْ أَنَسٍٍ) الطبريّ وغيره من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس ضرًّا قال: لَمّا هاجر النبي ◌ّ﴿ إلى المدينة، واليهود أكثر أهلها، يستقبلون بيت المقدس، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففَرِحت اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ويظهر يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو، وينظر إلى السماء، فنزلت هذه الآية. ومن طريق مجاهد قال: إنما كان يُحِبّ أن يتحول إلى الكعبة؛ لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا، فنزلت. قال في ((الفتح)): وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة إلى المدينة، لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن