النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٨)
(عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ) تقدّم سبب تلقيبه به آنفاً (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
الْأَنْصَارِيِّ) ﴿يَا أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ) كان ذلك في غزوة تبوك، وهي
آخر غزوات النبيّ وَطير.
أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) بسند صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جدّه أن رسول الله وَّ ر عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع
وراءه رجال من أصحابه يَحْرُسونه، حتى إذا صَلَّى، وانصرف إليهم، فقال لهم:
((لقد أُعطيت الليلة خمساً، ما أعطيهنّ أحد قبلي، أما أنا فأرسلت إلى الناس
كلهم عامّةً، وكان مَن قبلي إنما يُرْسَل إلى قومه، ونُصِرتُ على العدوّ بالرُّعْب،
ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لَمُلئ منه رُعْباً، وأُحِلّت لي الغنائم، آكُلُها،
وكان مَن قبلي يُعْظِمُون أكلها، كانوا يُحَرِّقونها، وجُعلت لي الأرض مساجد
وطهوراً، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان مَن قبلي يعظمون
ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبِيَعِهم، والخامسة هي ما هي، قيل لي:
سَلْ، فإن كل نبي قد سأل، فأخَّرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم، ولمن
شَهِدَ أن لا إله إلا الله)). انتهى.
قال الحافظ ابن رجب بعد ذكر هذا الحديث: قوله: «أُعطيت الليلة
خمساً)) لم يُرد أنه لم يُعطها قبل تلك الليلة، فإن عامّتها كان موجوداً قبل ذلك،
كنصره بالرعب، وتيمّمه بالتراب، فإن التيمّم شُرع قبل غزوة تبوك بغير إشكال،
ولعلّه أراد أنه أُعلم بأن هذه الخمس خصال اختصّ بها عن سائر الأنبياء في
تلك الليلة. انتهى(١).
((أُعْطِيتُ) ببناء الفعل للمفعول (خَمْساً، لَمْ يُعْطَهُنَّ) بالبناء للمفعول أيضاً
(أَحَدٌ قَبْلِي) زاد في رواية البخاريّ في ((الصلاة)): ((من الأنبياء))، يعني أن الله رَك
أعطاه هذه الخصال، وخصّه بهنّ، ولم يُشاركه فيهنّ أحد من الأنبياء الذين
قبله، وفي حديث ابن عباس : ((لا أقولهنّ فخراً))، يعني أنه إنما ذكر هذا
اعترافاً بالنعمة، وأداءً لشكرها، وامتثالاً لأمره تعالى بقوله: ﴿وَأَمَّا بِعْمَةِ رَبِّكَ
﴾ [الضحى: ١١]، لا افتخاراً، وتطاولاً على غيره من الخلق.
فَحَدِّثْ
(١) ((فتح الباري)) لابن رجب تخلفهُ ٢٠٧/٢.

٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
[فإن قيل]: مفهوم الحديث يدلّ على أنه وَُّ لم يَختَصّ بغير الخمس
المذكورة فيه، وهذا يعارضه ما جاء في أحاديث كثيرة تدلّ على الزيادة على
هذه الخمس، ومنها حديث أبي هريرة به الآتي هنا بعد حديث حذيفة نظر ته،
بلفظ: ((فُضِّلت على الأنبياء بست ... ))، فذكر أربعاً من هذه الخمس، وزاد
اثنتين: ((وأعطيت جوامع الكلم، وخُتم بي النبيّون)).
ويُجاب بأن سياق الحديث لا يدلّ على الحصر، فلا ينافي ما دلّت عليه
الأحاديث الأخرى من الخصوصيّات الزائدة على الخمس.
قال الحافظ ابن رجب تَخَّتُهُ: وهذه الخمس اختصّ بها النبيّ وَّر عن
الأنبياء، وليس في الحديث أنه لم يختصّ بغيرها، فإن هذه اللفظة لا تقتضي
الحصر، وقد دلّت النصوص الصحيحة الكثيرة على أنه ◌َّلهُ خُصّ عن الأنبياء
بخصال کثیرة غیر هذه الخمس. انتهى.
وقال في ((الفتح)): وطريق الجمع أن يقال: لعله اطَّلَع أوّلاً على بعض ما
اختَصّ به، ثم اطّلع على الباقي، ومن لا يَرَى مفهوم العدد حجةً يَدفع هذا
الإشكال من أصله. انتهى.
وقال القرطبيّ ◌َُّهُ: قوله في حديث جابر ظُله: ((أُعطيتُ خمساً))، وفي
حديث أبي هريرة ◌َُّه: ((ستّاً))، وفي حديث حُذيفة: ((ثلاثاً))، لا يُظُنّ القاصد
أن هذا تعارض، وإنما يَظُنّ هذا من توهّم أن ذكر الأعداد يدلّ على الحصر،
وأنها لها دليلُ خطاب، وكلُّ ذلك باطلٌ، فإن القائل: عندي خمسة دنانير مثلاً
لا يدلّ هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول تارةً أخرى:
عندي عشرون، وتارة أخرى: عندي ثلاثون، فإن من عنده ثلاثون صدق عليه
أن عنده عشرين، وعشرةً، فلا تناقض ولا تعارض.
ويجوز أن يكون النبيّ وَ أُعلم في وقت بالثلاث، وفي وقت بالخمس،
وفي وقت بالستّ. انتهى كلام القرطبيّ ◌َّهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ تَّلهُ: ظاهر الحديث يقتضي أن كل واحدة من
(١) ((المفهم)) ١١٥/٢ - ١١٦.

٢٣
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٨)
الخمس المذكورات، لم تكن لأحد قبله، وهو كذلك، ولا يُعْتَرَض بأن
نوحاً فلّا كان مبعوثاً إلى أهل الأرض بعد الطوفان؛ لأنه لم يبق إلا من كان
مؤمناً معه، وقد كان مرسلاً إليهم؛ لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته،
وإنما اتَّفَق بالحادث الذي وقع، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك
سائر الناس، وأما نبينا وَله، فعموم رسالته من أصل البعثة، فثبت اختصاصه
بذلك.
وأما قول أهل الموقِفِ لنوح لعلّها كما صحّ في حديث الشفاعة: ((أنت
أول رسول إلى أهل الأرض»، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية
إرساله، وعلى تقدير أن يكون مراداً فهو مخصوص بتنصيصه رجت في عدة آيات
على أن إرسال نوح كان إلى قومه، ولم يذكر أنه أُرسل إلى غيرهم.
واستَدَلَّ بعضهم لعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض،
فأُهلكوا بالغَرَق، إلا أهل السفينة، ولو لم يكن مبعوثاً إليهم لما أهلكوا؛ لقوله
تعالى: ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقد ثبت أنه أول
الرسل.
وأجيب: بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح، وعَلِمَ نوح
بأنهم لم يؤمنوا، فدعا على من لم يؤمن من قومه، ومن غيرهم فأجيب، وهذا
جواب حَسَنٌ، لكن لم يُنقَل أنه نُبِّئ في زمن نوح غيره.
ويَحْتَمِل أن يكون معنى الخصوصية لنبينا ◌َّي في ذلك بقاء شريعته إلى
يوم القيامة، ونوح وغيره بصدد أن يُبْعَث نبي في زمانه أو بعده، فينسخ بعض
شريعته .
ويَحْتَمِل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس، فتَمَادَوا على
الشرك، فاستَحَقُّوا العقاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسير ((سورة هود))،
قال: وغير ممكن أن تكون نبوته لم تبلغ القريب والبعيد؛ لطول مدته، ووجّهه
ابن دقيق العيد: بأن توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامّاً في حقّ بعض
الأنبياء، وإن كان التزام فروع شريعته ليس عامّاً؛ لأن منهم من قاتل غير قومه
على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازماً لهم لم يقاتلهم.
ويَحْتَمِل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح، فبعثته

٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
خاصّة؛ لكونها إلى قومه فقط، وهي عامّة في الصورة؛ لعدم وجود غيرهم،
لكن لو اتَّفَق وجود غيرهم لم يكن مبعوثاً إليهم.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن هذا الاحتمال الأخير أقرب
الاحتمالات، وأظهرها؛ لموافقته لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولآيات أخرى نصَّت على أن بعث نوح علّا كان لقومه
خاصّة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَكٍ﴾ [العنكبوت: ١٤] الآية، وقوله: ﴿كَذَّبَتْ
قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (٤٩) إِذْ قَالَ لَمْ أَخُوهُمْ لُوطُ أَلَا نَتَّقُونَ (19)﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٦١]
وغير ذلك من الآيات، وما عدا ذلك من الاحتمالات، فالتكلّف فيه ظاهرٌ،
فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال: وغَفَل الداوديّ الشارح غفلةً عظيمةً، فقال: قوله: ((لم يُعْطَهُنّ أحدٌ))
يعني لم تُجْمَع لأحد قبله؛ لأن نوحاً علَّ بُعِث إلى كافّة الناس، وأما الأربع
فلم يُعْطَ أحدٌ واحدة منهنّ، وكأنه نظر في أول الحديث، وغَفَل عن آخره؛
لأنه وَلِّ نَصّ على خصوصيته بهذه أيضاً، لقوله: ((وكان النبي يبعث إلى قومه
خاصّة))، وفي رواية مسلم: ((وكان كلُّ نبي ... إلخ)). انتهى(١).
ثم فصّل تلك الخمسة التي أجملها في قوله: ((أُعطيتُ خمساً إلخ))،
فأشار إلى الخصوصيّة الأولى بقوله:
(كَانَ كُلُّ نَبِيِّ يُبْعَثُ) بالبناء للمفعول، يقال: بَعَثْتُ رسولاً بَعْثاً: أوصلته،
وابتعثته كذلك، وفي المطاوع: فانبعث، مثلُ كَسَرْتُهُ فانكَسَر، وكلُّ شيءٍ يَنْبَعِث
بنفسه، فإن الفعل يتعدى إليه بنفسه، فيقال: بعثته، وكلُّ شيء لا ينبعث بنفسه،
كالكتاب، والهدية، فإن الفعل يتعدى إليه بالباء، فيقال: بَعَثْتُ به، وأَوْجَزَ
الفارابيّ، فقال: بَعَثَهُ: أي أَهَبَّهُ، وبَعَثَ به: وَجَّهَهُ. انتهى(٢).
(إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً) قال الفيّوميّ تَخْذُ: الخاصّة: خلاف العامّة، والهاء
للتأكيد، وعن الكسائيّ: الخاصّ، والخاصّة واحدٌ. انتهى(٣).
(١) (الفتح)) ٥٢١/١.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٧١/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٥٢/١.

٢٥
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٨)
قال السنديّ كَّثُ: وهذا يشمل نوحاً علَّ*، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنّا
أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ الآية [نوح: ١]، وآدم علّه، نعم قد اتّفق في وقت آدم أنه
ما كان على وجه الأرض غير أولاده، فعمّت نبوّته لأهل الأرض اتّفاقاً، وكذا
اتّفق مثله في نوح بعد الطوفان حيث لم يبق إلا من كان معه في السفينة، وهذا
لا يؤدّي إلى العموم، وأما دعاء نوح عليَّه على أهل الأرض كلّها، وإهلاكهم،
فلا يَتَوقّف على عموم الدعوة، بل يكفي بلوغ الدعوة، وقد بلغت دعوته الكلّ؛
لطول مدّته، كيف، والإيمان بالنبيّ بعد بلوغ الدعوة، وثبوت النبوّة واجبٌ،
سواء كان مبعوثاً إليهم أم لا، كإيماننا بالأنبياء السابقين، مع عدم بعثتهم إلينا،
وفرقٌ بين المقامين. انتهى كلام السنديّ تَُّهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى
أعلم.
(وَبُعِثْتُ) بالبناء للمفعول أيضاً (إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ) أي إلى كافّة
الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَانَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية [سبأ: ٢٨].
قال ابن الأثير تَّقُهُ: أراد العجم والعرب؛ لأن الغالب على ألوان العجم
الحمرة والبياض، وعلى ألوان العرب الأُدْمة والسُّمْرة، وقيل: أراد الجنّ
والإنس، وقيل: أراد بالأحمر الأبيض مطلقاً، فإن العرب تقول: امرأة حمراء:
أي بيضاءُ.
وسُئل ثعلب: لم خَصَّ الأحمر دون الأبيض؟ فقال: لأن العرب تقول:
رجلٌ أبيض، من بياض اللون، وإنما الأبيض عندهم الطاهر النَّقِيّ من العيوب،
فإذا أرادوا الأبيض من اللون قالوا: الأحمر.
قال ابن الأثير: وفي هذا نظرٌ؛ فإنهم قد استعملوا الأبيض في ألوان
الناس وغيرهم. انتهى كلام ابن الأثير ◌َّتُهُ(٢).
وفي حديث أبي هريرة وبه الآتي: ((وأُرسلت إلى الخلق كافّة))، ((وبُعثت
إلى الناس عامّةً))، وفي رواية النسائيّ: ((وبُعثت إلى الناس كافّةً)).
وقال في ((الفتح)): قيل: المراد بالأحمر العجم، وبالأسود العرب،
(١) (شرح السنديّ على النسائيّ)) ٢١١/١ - ٢١٢.
(٢) ((النهاية)) ٤٣٧/١ - ٤٣٨.

٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وقيل: الأحمر الإنس، والأسود الجنّ، وعلى الأول التنصيص على الإنس من
باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه مرسل إلى الجميع، وأصرح الروايات في
ذلك وأشملها رواية أبي هريرة رَُّه عند مسلم: ((وأرسلت إلى الخلق كافة)).
انتھی.
ثم أشار إلى الخصوصيّة الثانية بقوله:
(وَأُحِلَّتْ لِيَّ الْغَنَائِمُ) فعلٌ ونائب فاعله، وفي رواية الكشميهني عند
البخاريّ: ((المغانم)).
و ((الغنائم)): جمع غَنِيمة - بفتح، فكسر - يقال: غَنِمتُ الشيءَ أَغْنَمَهُ، من
باب تَعِبَ، غُنْماً بالضمّ: أصبته غَنِيمةً ومَغْنَماً، قال أبو عُبيد: الغنيمة: ما نِيل
من أهل الشرك عَنْوةً، والحرب قائمةٌ، والفَيْءُ: ما نِيلَ منهم بعدما تضع
الحرب أوزارها. انتهى(١).
وقال في ((العمدة)): ((الغنائم)): جميع غَنِيمة، وهي مالٌ حَصَل من الكفار
بإيجاف خيل وركاب، والمغانم جمع مَغْنَم، وقال الجوهريّ: الغنيمة والمغنم
بمعنی واحد. انتهى(٢).
(وَلَمْ تُحَلَّ) يَحْتَمل أن يكون بضمّ أوله، وفتح ثالثه، مبنيّاً للمفعول،
ويَحْتَمِل أن يكون بفتح أوله، وكسر ثالثه، مبنيّاً للفاعل، أي لم يُحلّها الله
تعالى (لِأَحَدٍ قَبْلِي) أي من الأنبياء وأممهم.
قال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ: وأما إحلال الغنائم له ولأمته خاصّةً، فقد
رُوي أن من كان قبلنا من الأنبياء كانوا يحرقون الغنائم، وفي حديث عمرو بن
شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ وَّ: ((وأُحلّت لي الغنائم آكلُها، وكان
من قبلي يُعظمون أكلها، كانوا يحرقونها)).
وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة ربه مرفوعاً: ((غزا نبي من الأنبياء فقال
لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة ... )) فذكر قصّته، وفيه: ((فجمع
الغنائم، فجاءت يعني النار لتأكلها، فلم تَظْعمها، فقال: إن فيكم غُلولاً،
فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلَزِقَت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول،
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٤٥٥/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٤/٤.

٢٧
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٨)
فليبايعني قبيلتك، فلَزِقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا
برأسٍ مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها، ثم أَحَلّ الله
لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا)».
وأخرج الترمذيّ عن أبي هريرة ظُه، عن النبيّ وَّ قال: ((لم تحلّ
الغنائم لأحد سُود الرءوس مِن قبلكم، كانت تنزل نار من السماء، فتأكلها))،
قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح(١).
وقال الخطابيّ نَّتُهُ: كان مَن تقَدَّم على ضربين: منهم من لم يؤذن له في
الجهاد، فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أُذن له فيه، لكن كانوا إذا غَنِمُوا شيئاً
لم يَحِلّ لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته، وقيل: المراد أنه خُصَّ بالتصرف
في الغنيمة، يَصْرِفها كيف يشاء، والأول أصوب، وهو أنّ مَن مضى لم تحل
لهم الغنائم أصلاً، وسيأتي بسط ذلك في ((كتاب الجهاد)) - إن شاء الله تعالى -.
ثم أشار إلى الخصوصيّة الثالثة بقوله:
(وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَيَِّةً) أي طاهرةً في نفسها (طَهُوراً) بفتح الطاء: أي
مُطهِّرةً لغيرها، والمراد أن الأرض ما دامت على حالها الأصليّة، فهي كذلك،
وإلا فقد تخرج بالنجاسة عن ذلك، وهذا معنى قوله: ((طيّبةً)) أي طاهرةً، فلو
تنجّست لا تكون لها هذه الخصوصية، فتنبه.
وهذا الحديث يؤيّد القول الراجح بأن التيمّم يجوز على وجه الأرض
كلّها، ولا يختصّ بالتراب، ويؤيّد أن هذا العموم غير مخصوص قوله في
حديث أبي أمامة عند البيهقيّ: ((فأيّما رجل من أمتي أتى الصلاة، فلم يجد ماء
وجد الأرض طَهُوراً، ومسجداً))، وعند أحمد: ((فعنده طَهُوره ومسجده)).
قال السنديّ تَخْتُهُ: قوله: ((فأينما أدرك الرجل من أمتي الصلاة إلخ))
ظاهر في العموم، ولا سيّما في بلاد الحجاز، فإن غالبها الجبال والحجارة،
فكيف يصحّ، أو يناسب هذا العموم إذا قلنا: إن بلاد الحجاز لا يجوز التيمّم
منها إلا في مواضع مخصوصة؟ فليتأمل. انتهى.
(وَمَسْجِداً) أي موضع سجود، لا يختصّ السجود منها بموضع دون غيره،
(١) نقل من ((فتح الباري)) لابن رجب تخلّفُ ٢١١/٢ - ٢١٢ بتصرف وزيادة.

٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
أو المراد محلّ صلاة، وهذا أولى؛ لأنه يؤيّده قوله: ((فأيما رجل أدركته
الصلاة صلّى))، وعبارة الفتح: ويمكن أن يكون مجازاً عن المكان المبنيّ
للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنه لَمّا جازت الصلاة في جميعها كانت
كالمسجد المبنيّ في ذلك.
وقال ابن التين: قيل: المراد جُعلت لي الأرض مسجداً وطَهُوراً،
وجُعلت لغيري مسجداً، ولم تُجعل له طَهوراً؛ لأن عيسى لعله كان يسيح في
الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، كذا قال، وسبقه إلى ذلك الدّاوديّ،
وقيل: إنما أبيحت لهم في موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة، فأبيح
لها في جميع الأرض، إلا فيما تيقنوا نجاسته، والأظهر ما قاله الخطابيّ، وهو
أنّ مَن قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة، كالْبَيَعِ والصوامع،
ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: ((وكان مَن قبلي إنما كانوا يصلون في
كنائسهم))، وهذا نصّ في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية، ويؤيده ما أخرجه
البزار من حديث ابن عباس ® نحو حديث الباب، وفيه: ((ولم يكن من
الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ مِحْرابه)). انتهى(١).
وقال الحافظ ابن رجب ◌َّثُ بعد ذكر حديث ابن عبّاس ◌ًَّا المذكور ما
نصّه: وقد تبيّن بهذا أن معنى اختصاصه وله عن الأنبياء بأن الأرض كلّها
جُعلت مسجداً له ولأمته أن صلاتهم لا تختصّ بمساجدهم المعدّة لصلاتهم،
كما كان من قبلهم، بل يُصلّون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض، وهذا لا
يُنافي أن يُنهى عن الصلاة في مواضع مخصوصة من الأرض لمعنى يختصّ بها،
كما نُهي عن الصلاة في أعطان الإبل، وفي المقبرة، والْحَمّام. انتهى (٢).
(فَأَيُّمَا رَجُلِ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ) ((أَيُّ) مبتدأ فيه معنى الشرط يجزم الفعلين،
و ((ما)) زائدة لتأكيد العموم، و((رجلٍ)) مضاف إليه ((أيُّ))، و((أدركته الصلاة)) وهو
فعل الشرطِ في محلّ جزم، وهو العامل في الظرف، و((الصلاة)) فاعل مؤخّر،
وقوله: (صَلَّى) خبر المبتدأ، وقوله: (حَيْثُ كَانَ) ظرف لـ«صلّى))، وهو لتأكيد
(١) ((الفتح)) ٥٢١/١ - ٥٢٢.
(٢) ((فتح الباري)) لابن رجب كنتم ٢٠٨/٢.

٢٩
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٨)
التعميم، والمراد صلّى بعد التيمّم، وقيل: معنى قوله: ((صلّى)): أي تيمّم،
وصلّى؛ ليناسب الأمرين: المسجد والطّهور، أفاده في ((العمدة))(١).
قال في ((الفتح)): قوله: ((فأيّما رجلٍ إلخ)) هذه صيغة عموم يدخل تحتها
مَن لم يجد ماءً ولا تراباً، ووجد شيئاً من أجزاء الأرض، فإنه يتيمم به، ولا
يقال: هو خاص بالصلاة؛ لأنا نقول: لفظ حديث جابر ظه مختصر، وفي
رواية أبي أمامة عند البيهقيّ: ((فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة، فلم يجد ماءً،
وجد الأرض طَهُوراً ومسجداً))، وعند أحمد: «فعنده طَهُوره ومسجده))، وفي
رواية عمرو بن شعيب: «فأينما أدركتني الصلاة تَمَسَّحتُ وصليتُ)).
واحتجَّ مَن خَصّ التيمم بالتراب بحديث حذيفة عظته عند المصنّف بلفظ:
((وجُعِلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طَهُوراً، إذا لم نجد
الماء)»، وهذا خاصّ، فينبغي أن يُحْمَل العام عليه، فتختص الطهورية بالتراب،
ودل الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجداً دون الآخر على
افتراق الحكم، وإلا لعُطِف أحدهما على الآخر نَسَقاً، كما في حديث الباب.
ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ ((التربة)) على خصوصية التيمم بالتراب، بأن
قال: تُربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره.
وأجيب: بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ التراب، أخرجه ابن خزيمة
وغيره، وفي حديث عليّ ◌ُه: ((وجُعل التراب لي طهوراً)) أخرجه أحمد،
والبيهقيّ بإسناد حسن.
ويُقّوِّي القول بأنه خاص بالتراب أن الحديث سيق لإظهار التشريف
والتخصيص، فلو كان جائزاً بغير التراب لما اقتَصَر عليه. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي مال إليه صاحب ((الفتح)) من تأييد
القول بتخصيص التيمّم بالتراب فقط، كما هو مذهب الشافعي، وطائفة، قد
سبق لنا في ((التيمّم)) ترجيح خلافه، وأن الحقّ جواز التيمّم بجميع ما كان من
جنس الأرض، تراباً كان أو غيره؛ عملاً بظواهر النصوص المطلقة، وأما رواية
(١) ((عمدة القاري)) ١٤/٤.
(٢) ((الفتح)) ٥٢٢/١.

٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
((تربتها))، أو ((ترابها)) فليس مما يخصّ به العامّ، بل هو من باب ذكر بعض
الأفراد؛ تشريفاً، والله تعالى أعلم.
ثم أشار إلى الخصوصيّة الرابعة بقوله:
(وَنُصِرْتُ) بالبناء للمفعول (بِالرُّعْبِ) زاد أبو أمامة: ((يُقْذَف في قلوب
أعدائي))، أخرجه أحمد.
و((الرُّعْب)) : - بضم الراء، وسكون العين المهملة -: الخوف، وقرأ ابن
عامر، والكسائيّ، بضم العين، والباقون بسكونها(١).
قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: رَعَبْتُ رَغْباً، من باب نَفَعَ: خِفْتُ، ويتعدّى بنفسه،
وبالهمزة أيضاً، فيقال: رَعَبته، وأرعبته، والاسم الرُّعْبُ بالضمّ، وتُضمّ العين
للإتباع. انتهى (٢).
وقال ابن رجب كثّفُهُ: الرعب: هو الرعب الذي يقذفه الله تعالى في
قلوب أعدائه المشركين، كما قال تعالى: ﴿سَنُلْقِى فِي قُلُوبٍ الَّذِينَ كَفَرُواْ
الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥١]، وقال في قصّة بدر: ﴿إِذْ
يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَنَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ
الرُّعْبَ﴾ الآية [الأنفال: ١٢]. انتهى(٣).
وقال السنديّ كَّتُهُ: قوله: ((نُصِرت بالرعب)): أي بقذفه من الله في قلوب
الأعداء بلا أسباب ظاهرية، وآلات عادية له، بل بضدّها، فإنه وَلِّ كثيراً ما
يَرْبِط الحجر ببطنه من الجوع، ولا يوقد النار في بيوته، ومع هذا الحال كان
الكَفَرة، مع ما عندهم من المتاع والآلات والأسباب، في خوف شديد من
بأسه وَ، فلا يُشْكِل بأن الناس يخافون من بعض الجبابرة مسيرة شهر وأكثر،
فكانت بلقيس تخاف من سليمان - عليه الصلاة والسلام - مسيرة شهر، وهذا
ظاهر، وقد بقي آثار هذه الخاصّة في خلفاء أمته ما داموا على حاله، والله
تعالى أعلم. انتهى (٤).
(١) ((عمدة القاري)) ٥/٤.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٣٠/١.
(٣) (فتح الباري)) لابن رجب ◌َّقُ ٢٠٦/٢ - ٢٠٧.
(٤) ((حاشية السنديّ على النسائيّ)) ٢١٠/١ - ٢١١.

٣١
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٨)
(بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةٍ شَهْرٍ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ«نُصِرتُ))، قال في
((الفتح)): مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرُّعْب في هذه المدة، ولا في أكثر
منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: ((ونُصِرت على العدو
بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر))، فالظاهر اختصاصه به مطلقاً، وإنما
جَعَل الغاية شهراً؛ لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه
الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى لو كان وحده بغير عسكر، وهل هي
حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال. انتهى (١).
ثم أشار إلى الخصوصيّة الخامسة بقوله:
(وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ))) أي أعطاني الله تعالى الشفاعة العُظمى في هول
الموقف.
و((الشفاعة)): هي سؤال فعل الخير، وترك الضرر عن الغير لأجل الغير
على سبيل الضَّرَاعة، وذكر الأزهريّ في ((تهذيبه)) عن المبرد وثعلب: أن
الشفاعة الدعاء، والشفاعة كلام الشفيع للملك عند حاجة يسألها لغيره، وعن
أبي الهيثم أنه قال: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةٌ﴾ [النساء: ٨٥] أي من يزدد عملاً
إلى عمل، وفي ((الجامع)): الشفاعةُ: الطلبُ من فعل الشفيع، وشَفَعتُ لفلان:
إذا كان متوسلاً بك، فشفعت له، وأنت شافع له، وشفيع. انتهى (٢).
وقال ابن دقيق العيد تَُّهُ: الأقرب أن اللام في ((الشفاعة)) للعهد،
والمراد الشفاعة العُظمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في
وقوعها، وكذا جزم النوويّ وغيره.
وقيل: الشفاعة التي اختُصّ بها أنه لا يُرَدّ فيما يَسْأَلُ، وقيل: الشفاعة
لخروج مَن في قلبه مثقال ذرّة من إيمان؛ لأن شفاعة غيره تقع فيمن في قلبه
أكثر من ذلك، قاله عیاض.
قال الحافظ تَّلُ: والذي يظهر لي أن هذه مرادةٌ مع الأولى؛ لأنه يتبعها
بها، وقال البيهقيّ في ((البعث)): يَحْتَمِل أن الشفاعة التي يَخْتَص بها أنه يشفع
(١) ((الفتح)) ٥٢١/١.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٥/٤.

٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
لأهل الصغائر والكبائر، وغيره إنما يَشفع لأهل الصغائر دون الكبائر، ونَقَل
عياض أن الشفاعة المختصة به شفاعة لا تُرَدّ.
وقد وقع في حديث ابن عباس ظؤها: ((وأُعطيت الشفاعة، فأخّرتها لأمتي،
فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً)).
وفي حديث عمرو بن شعيب: ((فهي لكم، ولمن شَهِد أن لا إله إلا الله))،
فالظاهر أن المراد بالشفاعة المختصة في هذا الحديث إخراج مَن ليس له عمل
صالح إلا التوحيد، وهو مختصّ أيضاً بالشفاعة الأولى، لكن جاء التنويه بذكر
هذه؛ لأنها غاية المطلوب من تلك؛ لاقتضائها الراحة المستمرة، والله أعلم.
وقد ثبتت هذه الشفاعة في رواية الحسن، عن أنس ظه عند البخاريّ في
((كتاب التوحيد)): ((ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن
قال: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي، لأُخْرِجنّ منها مَن قال: لا إله
إلا الله)).
ولا يَعْكُر على ذلك ما وقع عند مسلم قبل قوله: ((وعزتي)): ((فيقول:
ليس ذلك لك، وعزتي ... إلخ))؛ لأن المراد أنه لا يباشر الإخراج، كما في
المرات الماضية، بل كانت شفاعته سبباً في ذلك في الجملة. انتهى ما في
(الفتح))، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا متفق عليه .
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في ((المساجد)) [١١٦٨ و١١٦٩] (٥٢١)،
و(البخاريّ) في ((التيمّم)) (٣٣٥) و((الصلاة)) (٤٣٨) و((الجهاد)) (٣١٢٢)،
و(النسائيّ) في ((الغسل)) (٢٠٩/١ و٢١١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١١/
٤٣٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٠٤/٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٢/١ -
٣٣٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٧٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١١٥٠ و١١٥١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٣٩٨)، و(البيهقيّ) في

٣٣
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٨)
((الكبرى)) (٢١٢/١ و٣٢٩/٢ و٤٣٣ و٢٩١/٦ و٤/٩) وفي ((دلائل النبوّة)) (٥/
٤٧٢ - ٤٧٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٦١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة تعداد نعم الله تعالى؛ تحدّثاً بها، وإظهاراً لها، لا
[الضحى: ١١].
فخراً وخيلاء؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
٢ - (ومنها): استحباب إلقاء العالم العلم من غير أن يُسأل، ولا سيّما
إذا كان للناس به حاجة.
٣ - (ومنها): ما استدلّ به صاحب ((المبسوط)) من الحنفيّة على إظهار
كرامة الآدميّ، وقال: لأن الآدميّ خُلق من ماء وتراب، وقد ثبت أن كلَّا منهما
طهُور، ففي ذلك بيان كرامته(١).
٤ - (ومنها): بيان أن الأصل في الأرض الطهارة، وأنها كلها مسجد
للصلاة فيها، فلا تختصّ بالمسجد المبنيّ لها، وأما حديث: ((لا صلاة لجار
المسجد إلا في المسجد)»، فضعيف، أخرجه الدارقطنيّ من حديث جابر
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث، وإن كان هو ضعيفاً، إلا أنه يُغني
عنه ما أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، عن ابن عباس ئبًا عن النبيّ وَّ قال:
((من سمع النداء، فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر))(٢).
ويؤيّد هذا ما أخرجه المصنّف(٣) عن أبي هريرة ◌ُه قال: أتى النبيّ ◌َّل
رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل
رسول الله وَ﴿ أن يُرَخِّص له، فيصلي في بيته، فرَخّص له، فلما وَلَّى دعاه،
فقال: ((هل تسمع النداء بالصلاة؟)) قال: نعم، قال: ((فأجب)).
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الظَّهُور هو المطَهِّر لغيره؛ لأن
الطَّهور لو كان المراد به الطاهر، لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سيق
لإثباتها، قال: وقد رَوَى ابن المنذر وابن الجارود، بإسناد صحيح عن
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٢٤/١.
(٢) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) برقم (٧٩٣).
(٣) سيأتي للمصنّف برقم (٦٥٣).

٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
كلّ مرفوعاً: ((جعلت لي كلُّ أرض طيبة مسجداً، وطهوراً))، ومعنى
أنس
((طيبة)) طاهرة، فلو كان معنى طهوراً طاهراً للزم تحصيل الحاصل.
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن التيمم يرفع الحدث كالماء،
لاشتراكهما في هذا الوصف، قال في ((الفتح)»: وفيه نظرٌ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ليس فيه نظرٌ معتبَرٌ، بل الحقّ كونه رافعاً
كالماء، وقد تقدّم تحقيق هذا مستوفّى في ((أبواب التيمّم))، فراجعه تستفد،
وبالله تعالى التوفيق.
٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رَّتُ: قوله: ((طهوراً)) هذه البنية من أبنية
المبالغة، كقتول، وضروب، وكذلك قال في الماء، فقد سوَّى بين الأرض
والماء في ذلك، ويلزم منه أن التيمّم يرفع الحدث، وهو أحد القولين عن
مالك، ولیس بالمشهور. انتھی.
٨ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض،
وقد أَكَّد ذلك في رواية أبي أمامة بقوله: ((وجُعِلت لي الأرض كلها ولأمتي
مسجداً وطهوراً)).
قال النوويّ كَُّ: قوله: ((وجُعِلت لي الأرضُ طيبةً طهوراً ومسجداً))،
وفي الرواية الأخرى: ((وجُعلت تربتها لنا طهوراً))، احتج بالرواية الأولى
مالك، وأبو حنيفة - رحمهما الله تعالى - وغيرهما ممن يُجَوِّز التيمم بجميع
أجزاء الأرض، واحتج بالثانية الشافعيّ، وأحمد - رحمهما الله تعالى -
وغيرهما ممن لا يُجَوِّز إلا بالتراب خاصّةً، وحَمَلوا ذلك المطلق على هذا
المقید. انتهى(١).
وردّ هذا بعض المحقّقين فقال: وقد ظنّ بعضهم أن هذا من باب المطلق
والمقيّد، وهو غلطٌ، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر،
وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، خلافاً لما حُكِي عن أبي ثور، إلا أن
يكون له مفهوم، فينبني على تخصيص العموم بالمفهوم، والتراب والتُّربة لقب،
واللقب مختَلَف في ثبوت المفهوم له، والأكثرون يأبَوْن ذلك. انتهى(٢).
(١) «شرح النووي ٣/٥ - ٤.
(٢) راجع: (فتح الباري)) لابن رجب ◌َّتُهُ ٢١٠/٢.

٣٥
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٨)
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: الحديث حجة لمالك، في التيمّم بجميع أجزاء
الأرض، فإن اسم الأرض يشملها، وكما أباح الصلاة على جميع أجزاء
الأرض كذلك يجوز التيمّم على جميع أجزائها؛ لأن الأرض في هذا الحديث
بالنسبة إلى الصلاة والتيمّم واحدةٌ، فكما تجوز الصلاة على جميع أجزائها
كذلك يجوز التيمّم على جميع أجزائها .
قال: ولا يُظنّ أن قوله في حديث حذيفة ربه: ((وجُعلت تربتها لنا
ظَهُوراً)) مخصّص له، فإن ذلك ذُهول من قائله، فإن التخصيص إخراج ما تناوله
العموم عن الحكم، ولم يُخرج هذا الخبر شيئاً، وإنما عَيَّنَ واحداً مما تناوله
الاسم الأول مع موافقته في الحكم، وصار بمثابة قوله تعالى: ﴿فِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَفْلٌ
وَرُمَّانُ ﴿َ﴾﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلْبِكَتِهِ وَرُسُلِهِ،
وَجِبِيلَ وَمِيكَلَ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]، فعَيَّن بعض ما تناوله اللفظ الأول مع
الموافقة في المعنى على جهة التشريف، وكذلك ذكر التراب في حديث حذيفة،
وإنما عيّنه؛ لكونه أمكن وأغلب، فإن قيل: عيّنه ليبيّن أنه لا يجوز التيمّم
بغيره، قلنا: لا نسلّم ذلك، بل هو أول المسألة، ولئن سلّمنا أنه يَحْتَمل ذلك،
فيحتمِل أيضاً ما ذكرناه، وليس أحد الاحتمالين أولى من الآخر، فليُلحَق اللفظ
بالمجملات، فلا يكون لكم فيه حجةٌ، ويبقى مالك متمسّكاً باسم الصعيد،
واسم الأرض، وأيضاً فإنه نقول بموجبه، فإن تراب كلّ شيء بحسبه، فيقال:
تراب الزرنيخ، وتراب السباخ. انتهى كلام القرطبيّ كَذُّهُ(١).
٩ - (ومنها): ما خصّه الله وَك نبيّه وَله من الشفاعة، وأنها مقبولة لا
محالة، كما وعده الله تعالى: ((قل تُسمَعْ، واشفع تُشَفَّع)).
قال الحافظ ابن رجب تَخْلَتُهُ: وأما الشفاعة التي اختُصّ بها النبيّ وَّ من
بين الأنبياء، فليست الشفاعة في خروج العصاة من النار، فإن هذه الشفاعة
يُشارك فيها الأنبياء والمؤمنون أيضاً، كما تواترت بذلك النصوص، وإنما
الشفاعة التي يختصّ بها دون الأنبياء أربعة أنواع:
إحداها: شفاعته للخلق في فصل القضاء.
(١) ((المفهم)) ١١٦/٢ - ١١٧.

٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
والثانية: شفاعته لأهل الجنّة في دخول الجنّة.
والثالثة: شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل: إن هذه يختصّ
بها هو.
والرابعة: كثرة من يشفع له من أمته، فإنه وفّر شفاعته، وادّخرها إلى يوم
القيامة، وقد ورد التصريح بأن هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث، فقد
أخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن
رسول الله ◌َ﴿ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي ... الحديث، وفيه: فقال:
(لقد أعطيت الليلة خمساً ما أعطيهنّ أحد قبلي))، إلى أن قال: ((والخامسة هي
ما هي، قيل لي: سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخّرت مسألتي إلى يوم القيامة،
فهي لكم، ولمن شَهِد أن لا إله إلا الله)).
وأخرج أيضاً: عن ابن عباس ﴿يَا أن رسول الله وسلّم قال: «أعطيت
خمساً لم يعطهن نبي قبلي ... ))، فذكر الحديث، وفي آخره: ((وأعطيت
الشفاعةَ، فأخّرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً)).
وأخرج أيضاً عن أبي موسى وظبه قال: قال رسول الله وَّه: ((أعطيت
خمساً ... )) فذكره، وفي آخره: ((وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد
سأل شفاعةً، وإني أخبأت شفاعتي، ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك
بالله شيئاً)).
وأخرج من حديث ابن عباس ظها قال: قال رسول الله وَله: ((إنه لم يكن
نبي إلا له دعوة تنجزها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وأنا
سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر،
وبيدي لواء الحمد ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي ... )) الحديث.
به أن رسول الله وَ ل﴾ قال: ((لكل نبي
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة
دعوة مستجابة، يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة)).
وأخرجا عن أنس به عن النبيّ وَّرِ قال: ((كلُّ نبي سأل سؤالاً، أو
قال: لكل نبي دعوة قد دعا بها، فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم
القيامة)) .

٣٧
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٨)
وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله رضيها، عن النبيّ وَّر: (لكل نبي دعوة
قد دعا بها في أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)).
قال ابن رجب تَُّهُ: والمراد من هذه الأحاديث - والله أعلم - أن كلّ
نبيّ أُعطي دعوة عامّة شاملة لأمته، فمنهم من دعا على أمته المكذّبين له،
فهلكوا، ومنهم سأل كثرتهم في الدنيا، كما سأله سليمان ،فَلَّله، واختصّ
النبيّ وَّه بأن ادخر تلك الدعوة العامّة الشاملة لأمته شفاعةً لهم يوم القيامة.
وقد ذكر بعضهم شفاعة خامسة خاصّة بالنبيّ ◌َّة، وهي شفاعته في
تخفيف عذاب بعض المشركين، كما شفع لعمه أبي طالب، وجعل هذا من
الشفاعة المختصّ بها النبيّ ◌َلاقو .
وزاد بعضهم شفاعةً سادسةً خاصّةً بالنبيّ وَّر، وهي شفاعته في سبعين
ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب. انتهى كلام ابن رجب نَّتُهُ بتصرّف، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد تقدّم أن ذكر الخمس ليس للحصر، بل أخبر وله
به على حسب ما أطلعه الله عليه، وإلا فقد ثبت في حديث أبي هريرة نظ ◌ُبه
الآتي: ((فُضِّلت على الأنبياء بستّ ... )) فذكر الخمس المذكورة في حديث
جابر ظه، إلا الشفاعة، وزاد خَصْلتين، وهما: ((وأُعطيت جوامع الكلم،
وخُتم بي النبيون))، فتحصّل منه، ومن حديث جابر سبع خصال.
وفي حديث حذيفة به الآتي بعد هذا: ((فُضّلنا على الناس بثلاث
خصال: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ... )) وذكر خصلة الأرض، كما
تقدم، قال: وذكر خصلة أخرى، وهذه الخصلة المبهمة بيّنها ابن خزيمة،
والنسائيّ، وهي: ((وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت
العرش))، يشير إلى ما حطه الله عن أمته من الإصر، وتحميل ما لا طاقة لهم
به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعاً.
ولأحمد من حديث عليّ ظُله: («أعطيت أربعاً لم يعطهن أحد من
أنبياء الله: أعطيت مفاتيح الأرض، وسُمِّيت أحمد، وجُعلت أمتي خير الأمم))،
وذكر خصلة التراب، فصارت الخصال اثنتي عشرة خصلةً.
وعند البزار من وجه آخر، عن أبي هريرة رحُّبه رفعه: ((فُضِّلت على

٣٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب المساجد ومواضع الصلاة
الأنبياء بستّ: غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجُعلت أمتي خير الأمم،
وأعطيت الكوثر، وأن صاحبكم لَصَاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن
دونه))، وذكر اثنتين مما تقدم.
وله من حديث ابن عباس رضيها رفعه: ((فُضّلت على الأنبياء بخصلتين:
كان شيطاني كافراً، فأعانني الله عليه فأسلم))، قال: ونسيت الأخرى.
قال الحافظ تَُّ: فينتظم بهذا سبع عشرة خصلةً، ويمكن أن يوجد أكثر
من ذلك لمن أمعن التتبع، وقد تقدم طريق الجمع بين هذه الروايات، وأنه لا
تعارض فيها .
وقد ذكر أبو سعيد النيسابوريّ في ((كتاب شرف المصطفى وَلّ)) أن عدد
الذي اختص به نبينا وَّهُ عن الأنبياء ستون خصلةً. انتهى كلام الحافظ(١).
قال السيوطيّ نَّتُهُ في ((شرح النسائيّ)) (٢١٠/١) بعد ذكر كلام الحافظ
هذا ما نصّه :
قلت: وقد دعاني ذلك لَمّا ألّفت التعليق الذي على البخاريّ في سنة
بضع وسبعين وثمانمائة إلى تتبعها، فوجدت في ذلك شيئاً كثيراً في الأحاديث
والآثار، وكتب التفسير، وشروح الحديث والفقه والأصول والتصوف، فأفردتها
في مؤلف سَمَّيته ((أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب))، وقسمتها قسمين: ما
خُصّ به عن الأنبياء، وما خص به عن الأمة، وزادت عِدّة القسمين على ألف
خِصّيصة، وسار المؤلّف المذكور إلى أقاصي المغارب والمشارق، واستفاده
كل عالم وفاضل، وسَرَق منه كل مُدَّعِ وسارق. انتهى.
وقد عَقَد الحافظ أبو الفضل العراقيّ تَخْتُهُ في ((ألفيّة السيرة)) المسمّاة
(نظم الدرر البهيّة في سيرة خير البريّة) باباً في ذكر القسمين، فقال:
(باب في ذكر خصائصه اوَات)):
الوتْرِ والسِّوَاكِ وَالأضْحِيَّةِ
خُصَّ النَّبيُّ بِوُجُوب عدَّةِ
عَلَى العَدُوِّ وَكَذَا المُشَاوَرَةْ
كَذَا الضُّحَى لَوْ صَحَّ(٢) وَالمُصَابَرَةُ
(١) ((الفتح)) ٥٢٣/١ - ٥٢٤.
(٢) أي لو صحّ الحديث، ولكنه لم يصحّ، كما قال البلقينيّ تَخَذُّهُ.

٣٩
٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - حديث رقم (١١٦٨)
وَالشَّافِعِيْ عَنِ الرُجُوبِ صَرَفَهْ
كَذَا التَّهَجُّدُ وَلَكنْ خُفِّفَا
كَذَا قَضَاءُ دَيْنٍ مَنْ مَاتَ وَلَمْ
كَذَاكَ تَخْييرُ النِّسَاء اللاتِي
ممَّا أبيحَ لسوَاهُ حُرِّمَا
قَد مُتِّعَ النَّاسُ به منْ زَهْرَةِ
الأَعْيُنِ اعْدُدْهُ وَنَزْعُهُ لِمَا
حَتَّى يُلاقيَ العِدَا فَيَنْزِعَا
والشِّعْرَ وَالخَطَّ وَقيلَ: يُمْنَعُ
مَعَ اتِّكَاءٍ والنِّكَاحُ للأمَهْ
كَذَاكَ إِمْسَاكُ التِي قَدْ کَرهَتْ
وَقَدْ أَبَاحَ رَبُّهُ الوصَالا
بِمَكَّةٍ كَذَا بِلا إِحْرَامِ
مُضْطجعاً نَقْضُ وُضُوئِهِ حَصَلَ
مِنْ قَبْلٍ قِسْمَةٍ كَذَاكَ يَقْضِي
كَذَا الشَّهَادَةُ كَذَاكَ يَقْبَلُ
في حُكْمِهِ بعلمهِ لِلْعصْمَةِ
كَذَا لَهُ أنْ يَحْمِيَ المَوَاتَا
وَغَيْرَهَا مِنَ الطَّعَامِ مَهْمَا
مِنْ مَالِكٍ وَإِنْ يَكُنْ مُحْتَاجًا
وَالْخُلْفُ فِي النَّقْضِ بَلَمْسِ المَرْأِ
وَجَائِزٌ نكَاحُهُ لتسْعَةِ
فَإِنْ فَلا بِالعَقْدِ حَتْمُ مَهْرِهِ
كَذَا بِلا وَلِيٍّ اوْ شُهُودٍ اوْ
وَمَنْ يَرُمْ نِكَاحَهَا لَزِمَهَا
حَكَاهُ عَنْهُ البَيْهَقيْ في المَعْرِفَهْ
نَسْجاً وَقِيلَ الوتْرُ ذَا وَضُعِّفَا
يَتْرُكْ وَفاً وَقِيلَ: بَلْ هَذَا كَرَمْ
مَعْهُ وَأمَّا في المُحَرَّمَاتِ
عَلَيْهِ فَهْوَ مَدُّ عَيْنَيْه لِمَا
دُنْيَاهُمُ كَذَاكَ مِنْ خَائِنَةِ
لَبِسَ منْ لأمَةِ حَرْبٍ حُرِّمَا
صَدَقَةً فَامْنَعْ وَلَوْ تَطَوُّعَا
ثُوْمٌ وَنَحْوُهُ وَأكْلٌ يَقَعُ
مَعَ الكِتَابَيَّةِ غَيْرِ المُسْلمَهْ
نكَاحَهُ وَالخُلْفُ في هَذَا ثَبَتْ
لَهُ وَفِي سَاعَةٍ القتَالا
دُخُولُهَا وَلَيْسَ بالمَنَامِ
كَذَا اصْطفَاءُ مَا لَهُ اللهُ أحَلّ
لِنَفْسِهِ وَوُلْدِهِ فَيَمْضِي
مَنْ شَهِدُوا لَهُ كَذَاكَ يَفْصِلُ
وَاخْتَلَفُوا في غَيْرِهِ للرِّيبَة
لنَفْسِهِ وَيَأْخُذَ الأقْوَاتَا
احْتَاجَ وَالبَذْلَ فَأَوْجِبْ حَتْمَا
لَكنَّهُ لِفِعْلِ هَذَا مَا جَا
وَالمُكْثُ فِي المَسْجِدِ مَعْ جَنَابَةِ
وَفَوْقَهَا وَعَقْدُهُ بِالهِبَةِ
وَلا الدُّخُولِ بخلاف غَيْرِهِ
فِي حَالِ إحْرَامٍ بِخُلْفٍ قَدْ حَكَوْا
إِجَابَةٌ وَحَرُمَّتْ خِظْبَتُهَا

٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج .- كتاب المساجد ومواضع الصلاة
وَمَنْ لَهْا زَوْجٌ فَحَقّاً وَجَبَا
وَفِي وُجُوبِ قَسْمِهِ بَيْنَ الإِمَا
زَوْجَاتُهُ كُلٌّ مُحَرَّمَاتُ
نكَاحُهُنَّ مَعْ عُقُوقِهِنَّهْ
لا نَظَرٌ وَخَلْوَةٌ بِهِنَّهْ
مَنْ دَخَلَتْ عَلَيْه أوْ قَدْ فُورِقَتْ
وَهُنَّ أَفْضَلُ نسَاءِ الأمَّةِ
أفْضَلُهُنَّ مُظْلَقاً خَدِيجَةٌ
وَأَنَّهُ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ
أمَّتُهُ فِي النَّاسِ أفْضَلُ الأمَمْ
أَصْحَابُهُ خَيْرُ القُرُونِ فِي المَلا
شِرْعَتُهُ قَدْ أَبِّدَتْ وَنَسَخَتْ
وَالأرْضُ مَسْجِدٌ لَهُ طَهُورُ
سَيِّدُ أوْلادٍ أَبِينَا آدَمَا
أُرْسِلَ للنَّاسِ جَمِيعاً أُعْطِيَا
وَخُصَّ بِالشَّفَاعَةِ العُظْمَى الَّتِي
أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ
أوَّلُ مَنْ يَقُومُ لِلشَّفَاعَةِ
أكْثَرُ الَأَنْبيَاءِ حَقّاً تَبَعَا
طَلَاقُهَا كَما جَرَى لِزَيْنَبَا(١)
وَبَيْنَ زَوْجَاتٍ لَهُ خُلْفٌ نَمَا
هُنَّ لِذِي الإِيمَانِ أَمَّهَاتُ
مَعَ الوُجُوبِ لاحْتِرَامِهِنَّهْ
وَلا بِتَحْرِيمِ بَنَاتِهِنَّهْ(٢)
أوْ مَاتَ عَنْهَا أَوْ تَكُونُ سَبَقَتْ
ضُعِّفْنَ فِي الأجْرِ وَفي العُقُوبَةِ
وَبَعْدَهَا عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ
خَيْرُ الخَلائِقِ بلا امْترَاءِ
مَعْصُومَةٌ مِنَ الضَّلالِ بِعِصَمْ
كتَابُهُ المحْفُوظُ أنْ يُبَدَّلا
كُلَّ الشَّرَائعِ الَّتِي قَبْلُ خَلَتْ
وَالرُّعْبُ شَهْراً نَصْرُهُ يَسِيرُ
قَدْ حَلَّلَ اللهُ لَهُ الغَنَائِمَا
مَقَامَهُ المَحْمُودَ حَتَّی رَضِیًا
يُحْجِمُ عَنْهَا كُلُّ مَنْ لَهَا أُتِي
وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ بَلْ غَمْضُ
أوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ
يَرَى مَنْ خَلْفَهُ كَقُدَّامٍ مَعَا
(١) قد أنكر السبكيّ تخلفُ هذا، وقال: هو من منكر القول، ولم يكن ◌َ﴿ تعجبه امرأة
من الناس، وقصّة زينب إنما جعلها الله تعالى كما في (سورة الأحزاب)) قطعاً لقول
الناس: إن زيداً ابن محمد وَلاير، وإبطالاً للتبنّي، قال: ولا لجملة هذا من منكرات
كلامهم في الخصائص، وقد بالغوا في هذا الباب في مواضع اقتَحَموا فيها عظائم،
لقد كانوا في غنية عنها. انتهى كلام السبكيّ تَظّفُ منقولاً من هامش شرح الألفيّة
المذكورة (ص١٣٩)، ولقد أجاد السبكيّ تقفُ في إنكاره هذا، والله تعالى أعلم.
(٢) الهاء في المواضع الأربعة للسكت.