النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٤) الباب، وهو واقعة عين، فَيَحْتَمِل أن يكون ترك الرد عليه بسبب آخر. وحمله البيهقي على ما صُبغ بعد النسج، وأما ما صبغ غزله، ثم نُسِج فلا كراهية فيه. وقال ابن التين: زعم بعضهم أن لبس النبيّ وَلّه لتلك الحلّة كان من أجل الغزو، وفيه نظرٌ؛ لأنه كان عقب حجة الوداع، ولم يكن له إذ ذاك غزو، قاله في ((الفتح))(١). ٥ - (ومنها): جواز الاستعانة بمن يركز له عنزةً، ونحو ذلك. ٦ - (ومنها): بيان طهارة الماء المستعمل إذا كان المراد أنهم كانوا يأخذون ما سال من أعضائه ، وكذلك إن كان المراد أنهم أخذوا ما فضل من وضوئه وَله؛ لأنه تناوله بيده، وتقاطر فيه غسالة أعضائه، فدلّ على ذلك كلّه، وهذا قول الجمهور، وخالف في ذلك بعض الحنفيّة، فقالوا بنجاسة الماء المستعمل، وهو خلاف الصواب، فهذا الحديث ونحوه من الأحاديث تردّه، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): أن قصر الصلاة في السفر أفضل من الإتمام؛ لما يُشعر به هذا الحديث من مواظبة النبيّ وَ ◌ّر عليه، وأنه يشرع القصر، وإن كان بقرب بلد ما لم ينو الإقامة فيه أربعة أيام فصاعداً، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه - إن شاء الله تعالى -. ٨ - (ومنها): بيان أن الساق ليست بعورة، وأنه يجوز النظر إليها، وهذا مجمع عليه في الرجال. ٩ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة من تعظيم النبيّ وَّ، ومحبّته. ١٠ - (ومنها): مشروعيّة الأذان في السفر، قال النوويّ: قال الشافعيّ نَّثُ: ولا أكره من تركه في السفر ما أكره من تركه في الحضر؛ لأن أمر المسافر مبنيّ على التخفيف. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الفرق يحتاج إلى نصّ، فإنه وَل ليه لم يترك الأذان في السفر، وأمر به المسافر، حيث قال لمالك بن الحويرث وصاحبه لَمّا (١) ((الفتح)) ٥٧٩/٢. ٣٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة أرادا السفر: ((إذا حضرت الصلاة فأذّنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما))، ولأحمد، وأصحاب السنن: ((إذا سافرتما فأذّنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما)). فدلّ على أن الأذان لا يُرَخَّص فيه بسبب السفر، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): أنه يُسَنّ للمؤذن الالتفات في الحيعلتين يميناً وشمالاً برأسه وعنقه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ١٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ: ففيه التبرّك بآثار الصالحين، واستعمال فضل ظهورهم، وطعامهم، وشرابهم، ولباسهم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((بآثار الصالحين)) محلّ نظر؛ لأن هذا لم يُنقل مع غيره وَّر، فإن الصحابة والتابعين يعرفون فضل أبي بكر، والخلفاء الراشدين، بل وفضل أصحاب رسول الله ﴿ه كلّهم، ولم يُنقل أن أحداً منهم تبرّك بوضوئهم، ولا بغير ذلك، فما لم يثبت عنهم لا يسع لمن جاء بعدهم أن يفعله؛ لأنه داخل في محدثات الأمور، وقد صحّ عنه رَّ التحذير عنها فيما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن من حديث العرباض بن سارية اته مرفوعاً في حديث طويل، قال فيه: ((فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))، اللَّهم أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الالتفات في الأذان: قال الإمام ابن المنذر كَّثُهُ: اختلفوا في استدارة المؤذِّن، فرخّصت طائفة فيه، فممن رخّص فيه: الحسن البصريّ، والنخعيّ، والثوريّ، والنعمان، وصاحباه، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو ثور. وكرهت طائفة الاستدارة في الأذان، منهم ابن سيرين، ومالك، وقال أحمد: لا يدور إلا أن يكون في منارة يريد أن يُسمع الناس، وكذلك قال (١) ((شرح النووي)) ٢١٩/٤. ٣٤٣ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٤) إسحاق. انتهى ملخّص كلام ابن المنذر تَُّهُ(١) . وقال النوويّ: أنه يُسَنّ للمؤذن الالتفات في الحيعلتين يميناً وشمالاً برأسه وعنقه، قال أصحابنا: ولا يحوّل قدميه وصدره عن القبلة، وإنما يَلْوي رأسه وعنقه، واختلفوا في كيفية التفاته على مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا : أصحُها، وهو قول الجمهور أنه يقول: ((حي على الصلاة)) مرتين عن يمينه، ثم يقول عن يساره مرتين: ((حي على الفلاح)). والثاني: يقول عن يمينه: ((حي على الصلاة)) مرةً، ثم مرةً عن يساره، ثم يقول: ((حيّ على الفلاح)) مرةً عن يمينه، ثم مرةً عن يساره. والثالث: يقول عن يمينه: ((حي على الصلاة)) ثم يعود إلى القبلة، ثم يعود إلى الالتفات عن يمينه، فيقول: ((حي على الصلاة))، ثم يلتفت عن يساره فيقول: ((حي على الفلاح))، ثم يعود إلى القبلة، ويلتفت عن يساره فيقول: ((حي على الفلاح)). انتهى (٢). وقال في ((الفتح)) عند شرح قوله: ((أتتبّع فاه ها هنا وها هنا)) ما نصّه: وهذا فيه تقييد للالتفات في الأذان، وأن محلّه عند الحيعلتين، وبَوّب عليه ابن خزيمة: ((انحرافُ المؤذن عند قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، بفمه لا ببدنه كلّه))، قال: وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه، ثم ساق الحديث من طريق وكيع أيضاً، بلفظ: ((فجعل يقول في أذانه هكذا، ويُحَرِّف رأسه يميناً وشمالاً)). وفي رواية عبد الرزاق، عن الثوريّ في هذا الحديث زيادتان: إحداهما: الاستدارة، والأخرى: وضع الإصبع في الأذن، ولفظه عند الترمذيّ: رأيت بلالاً يؤذن، ويدور، ويتبع فاه ها هنا وها هنا، وإصبعاه في أذنيه، فأما قوله: (ويدور)) فهو مدرج في رواية سفيان، عن عون، بَيَّن ذلك يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عون، عن أبيه، قال: رأيت بلالاً أذّن، فأتبع فاه ها هنا وها هنا، والتفت يميناً وشمالاً، قال سفيان: كان حجاج - يعني ابن أرطاة - يذكر لنا عن (١) ((الأوسط)) ٢٦/٣ - ٢٧. (٢) ((شرح النووي)) ٢١٩/٤. ٣٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة عون أنه قال: ((فاستدار في أذانه))، فلما لَقِينا عوناً لم يذكر فيه الاستدارة، أخرجه الطبرانيّ، وأبو الشيخ، من طريق يحيى بن آدم، وكذا أخرجه البيهقيّ من طريق عبد الله بن الوليد العَدَنيّ، عن سفيان، لكن لم يُسَمِّ حجاجاً، وهو مشهور عن حجاج، أخرجه ابن ماجه، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم من طريقه. ولم ينفرد به، بل وافقه إدريس الأودي، ومحمد الْعَرْزميّ، عن عون، لكن الثلاثة ضعفاء. وقد خالفهم من هو مثلهم، أو أمثل، وهو قيس بن الربيع، فرواه عن عون، فقال في حديثه: ((ولم يستدر))، أخرجه أبو داود. ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عَنَى استدارة الرأس، ومن نفاها عَنَی استدارة الجسد كلّه. ومشى ابن بطال ومن تبعه على ظاهره، فاستدلّ به على جواز الاستدارة بالبدن كلِّه. وقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استدارة المؤذنين للإسماع عند التلفظ بالحيعلتين، واختُلِف هل يستدير ببدنه كلّه، أو بوجهه فقط، وقدماه قارّتان مستقبل القبلة؟ . واختُلِف أيضاً هل يستدير في الحيعلتين الأوليين مرة، وفي الثانيتين مرة، أو يقول: حَيّ على الصلاة عن يمينه، ثم حي على الصلاة عن شماله، وكذا في الأخرى؟، قال: ورُجِّح الثاني؛ لأنه يكون لكل جهة نصيب منهما، قال: والأول أقرب إلى لفظ الحديث. انتهى(١). وفي ((المغني)) عن أحمد: لا يدور إلا إن كان على منارة، يقصد إسماع أهل الجهتين. [تنبيه]: وأما وضع الإصبعين في الأذنين، فقد رواه مُؤَمَّل أيضاً عن سفيان، أخرجه أبو عوانة، قال الحافظ تَخْذُ: وله شواهد، ذكرتها في ((تغليق التعليق))، من أصحها ما رواه أبو داود، وابن حبان، من طريق أبي سلّام (١) ((إحكام الأحكام)) ١٧٦/٢ - ١٧٧. ٣٤٥ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٥) الدمشقيّ، أن عبد الله الْهَوْزنيّ حدّثه، قال: قلت لبلال: كيف كانت نفقة النبيّ وَّ؟ فذكر الحديث، وفيه قال بلال: فجعلت إصبعي في أذني، فأذّنت. ولابن ماجه، والحاكم، من حديث سَعْد القرظ، أن النبيّ وَلّ أمر بلالاً أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وفي إسناده ضعف. قال العلماء: في ذلك فائدتان: إحداهما: أنه قد يكون أرفع لصوته، وفيه حديثٌ ضعيفٌ، أخرجه أبو الشيخ من طريق سعد القرظ عن بلال. ثانيهما: أنه علامة للمؤذن؛ ليعرف مَن رآه على بُعْد، أو كان به صَمَمٌ أنه يؤذن، ومن ثَمّ قال بعضهم: يجعل يده فوق أذنه حسبُ. قال الترمذيّ كَّلُهُ: استَحَبّ أهل العلم أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان، قال: واستحبه الأوزاعيّ في الإقامة أيضاً. [تنبيه آخر]: لم يَرِد تعيين الإصبع التي يُسْتَحب وضعها، وجزم النوويّ أنها المسبحة، وإطلاق الإصبع مجاز عن الأنملة. [تنبيه آخر]: وقع في ((المغني)) للموفق نسبة حديث أبي جحيفة بلفظ: ((أن بلالاً أذْن، ووَضَع إصبعيه في أذنيه)) إلى تخريج البخاريّ ومسلم، وهو وَهَمِّ، وساق أبو نعيم في ((المستخرج)) حديث الباب من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الرزاق، عن سفيان، بلفظ عبد الرزاق من غير بيان، فما أجاد؛ لإيهامه أنهما روايتان، وقد عرفت ما في رواية عبد الرزاق من الإدراج، وسلامة رواية عبد الرحمن من ذلك، والله المستعان. انتهى ما في ((الفتح))، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي (١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا(٢) عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، أَنَّ أَبَّهُ رَأَى رَسُولَ اللهِ لَّهِ فِي قُبَّةٍ (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). (٢) وفي نسخة: ((حدّثني)). ٣٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة حَمْرَاءَ، مِنْ أَدَمِ، وَرَأَيْتُ بِلَالاً أَخْرَجَ وَضُوءاً، فَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئاً تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ بَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالاً أَخْرَجَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّراً، فَصَلَّى إِلَى الْعَنَزَّةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنٍ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُونَ بَيْنَ يَدَى الْعَنَزَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربما وَهِمَ [١٠] (ت٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٤. ٢ - (بَهْز) بن أسد العميّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) الْهَمْدانيّ الوادعيّ الكوفيّ، أخو زكريّا، صدوقٌ رُمي بالقدر [٦] (ت بعد ١٥٠) (خ م س) تقدم في ((الطهارة)) ٢٢/ ٦٣٨. والباقيان ذُكرا في السند الماضي. وقوله: (يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ) أي يتسابقون في أخذه، يقال: بادره مُبادرةً، وبِداراً، وابتدره، وبَدَرَ غيره إليه: عاجله، ويدره الأمرُ وإليه: عَجِلَ إليه، واستبق، قاله في ((القاموس))(١). وقوله: (فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّراً) منصوب على الحال، وهو اسم فاعل من التشمير، يقال: شَمّر إزاره تشميراً: إذا رفعه، أي رافعها إلى أنصاف ساقيه، ونحو ذلك، كما قال في الرواية السابقة: ((كأني أنظر إلى بياض ساقيه))، وفيه رفع الثوب عن الكعبين (٢). وقوله: (فَصَلَّى إِلَى الْعَثَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنٍ) هما ركعتا الظهر؛ لأنه كان مسافراً، ففي الرواية السابقة: ((فتقدّم، فصلّى الظهر ركعتين)). وقوله: (وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَي الْعَنَزَةِ) فيه تغليب العاقل؛ إذ حقّ (الدوابّ)) أن يقول: ((تمرّ)). [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ لهذا الحديث من طريق شعبة، عن (١) ((القاموس المحيط)) ٣٦٩/١. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢٠/٤ - ٢٢١. ٣٤٧ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٦) عون بن أبي جحيفة بلفظ: ((والمرأة والحمار يمرّون))، قال في ((الفتح)): كذا ورد بصيغة الجمع، فكأنه أراد الجنس، ويؤيده رواية: ((والناسُ والدواب يمرون))، كما تقدّم، أو فيه حذفٌ، تقديره: وغيرهما، أو المراد الحمار براكبه، وقد تقدم بلفظ: ((يمر بين يديه المرأة والحمار))، فالظاهر أن الذي وقع هنا من تصرف الرواة. وقال ابن التين: الصواب ((يمرّان))؛ إذ في (يمرون)) إطلاق صيغة الجمع على الاثنين. وقال ابن مالك: أعاد ضمير الذكور العقلاء على مؤنث ومذكر غير عاقل، وهو مشكل، والوجه فيه أنه أراد المرأة والحمار وراكبه، فحذف الراكب؛ لدلالة الحمار عليه، ثم غَلَّب تذكير الراكب المفهوم على تأنيث المرأة، وذا العقل على الحمار، وقد وقع الإخبار عن مذكور ومحذوف في قولهم: ((راكبُ البعير طليحان))(١)، أي البعير وراكبه. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أقرب التوجيهات أن يقال: إنه من باب إطلاق ضمير الجمع على الاثنين، وهو واقع في فصيح الكلام، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] الآية، وقد اختلف في أقلّ الجمع، فقيل: اثنان، وهو مرويّ عن مالك ◌َُّهُ، وهو الذي رجحته في ((التحفة المرضيّة)) في الأصول، والجمهور أنه ثلاثة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٢٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي(٣) إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالًا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ (١) وقع في نسخة ((الفتح)) ((طريحان)) بالراء، والصواب باللام، ومعناه مهزولان، يقال: بعیر طليح: أي مهزول. (٢) ((الفتح)) ٦٨٦/١. (٣) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٣٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ بِنَحْوِ حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَعُمَرَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، بَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَفِي حَدِيثٍ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: «فَلَمَّا كَانَ بِالْهَاجِرَةِ، خَرَجَ بِلَالٌ، فَنَادَى بِالصَّلَّةِ»). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْد) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٣ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْن) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦. ٤ - (أَبُو عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الْهُذليّ المسعوديّ الكوفيّ، ثقة [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦. ٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطّحّان، وربما نُسب إلى جدّه، ثقة [١١] (ت في حدود ٢٥٠) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٦ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابد [٩] (ت٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١/ ١٥٤. ٧ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٨ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٦/١٠. والباقيان ذكرا في السند الماضي. وقوله: (قَالَ: (ح)) فاعل ((قال)) ضمير المصنّف تَّتُهُ. وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لأبي عميس، ومالك بن مِغْوَل. وقوله: (يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يعني أن بعض هؤلاء الأربعة: سفيان، وعمر، وأبي عُميس، ومالك بن مِغْوَلَ زيادة في روايتهم على رواية الآخرين. وقوله: (فَلَمَّا كَانَ بِالْهَاجِرَةِ) الظاهر أن اسم ((كان)) ضمير يعود على الشأن ٣٤٩ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٦) والأمر المفهوم من السياق، والباء فيه بمعنى ((في))، أي فلمّا كان شأن الناس، وأمرهم واقعاً في الهاجرة، أي في نصف النهار. قال ابن الأثير كَّتُهُ: الْهَجِير، والهاجرة: اشتداد الحرّ نصف النهار، والتهجير، والتهَجُّر، والإهجار: السير في الهاجرة. انتهى(١). وقال في ((القاموس)): والْهَجِير، والهَجِيرةُ، والْهَجْرُ، والهاجرةُ: نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يستكنّون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، وشدّةُ الحرّ. انتهى (٢). وقوله: (فَنَادَى بِالصَّلَاةِ) أي أذّن للصلاة، أو نادى الناس بقوله: ((حيّ على الصلاة)) . [تنبيه]: رواية أبي العُمَيس التي أحالها المصنّف هنا ساقها الحافظ أبو عوانة في ((مسنده)) (٣٨٨/١) فقال: (١٤١٣) حدّثنا كعب الذراع، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: حدّثني أبي، عن أبي عُمَيس، قال: حدّثني عون، عن أبيه، قال: ((أَذِّن بلال لرسول الله وَالر، وهو بالأبطح، في قبة من شعر، فخرج، فصلى والعنزة بين یدیه، والناس والحمير تمر بین یدیه، فصلی رکعتین)). انتهى. وأما رواية مالك بن مغول، فساقها الإمام البخاريّ تَظْتُهُ، في «صحيحه)) فقال : (٣٥٦٦) حدّثنا الحسن بن الصباح، حدّثنا محمد بن سابق، حدثنا مالك بن مِغْوَل، قال: سمعت عون بن أبي جُحيفة، ذَكَر عن أبيه، قال: (دُفِعتُ إلى النبيّ ◌ََّ، وهو بالأبطح، في قبة كان بالهاجرة، خَرَج بلال، فنادى بالصلاة، ثم دخل، فأخرج فضل وَضوء رسول الله وََّ، فوقع الناس عليه، يأخذون منه، ثم دخل، فأخرج العَنَزة، وخرج رسول الله وَّر كأني أنظر إلى وَبِيص ساقيه، فرَكَز العنزة، ثم صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين يمر بين يديه الحمار والمرأة)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل (١) (النهاية)) ٢٤٦/٥. (٢) ((القاموس المحيط)) ١٥٨/٢. ٣٥٠ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا (١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَتَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَّا جُحَيْفَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَ بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنٍ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، قَالَ شُعْبَةُ: وَزَادَ فِيهِ عَوْنٌ، عَنْ أَبِهِ، أَبِي جُحَيْفَةَ: ((وَكَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، لكنّه ربّما دلّس [٥] [ت١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. والباقون تقدّموا قبل باب، والصحابيّ في السند الماضي. وقوله: (فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنٍ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنٍ) قال النوويّ ◌َُّ: فيه دليلٌ على القصر والجمع في السفر، وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع، وهو نازل في وقت الأولى، أن يقدِّم الثانية إلى الأولى، وأما من كان في وقت الأولى سائراً، فالأفضل تأخير الأولى إلى وقت الثانية، كذا جاءت الأحاديث، ولأنه أرفق به. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أنه وَّر جمع بين الصلاتين احتمال، وقد سبق أن قوله: ((ثمّ صلى العصر)) يقتضي أنه صلاها في وقتها؛ لأن (ثُمّ) للمهلة، فيمكن أن تحمل هذه الرواية على تلك. والحاصل أن الأمر محتملٌ، والله تعالى أعلم. وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق، وهو متّفقٌ عليه، وتقدّمت مسائله قبل حديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢١/٤. ٣٥١ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٨) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٢٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدٍِّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعاً مِثْلُهُ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ اَلْحَكَمِ: (فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلٍ وَضُوئِهِ)). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (ابْنُ مَهْدِيّ) هو: عبد الرحمن بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت١٩٨) عن (٧٣) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٨. والباقون تقدّموا في هذا الباب. وقوله: (بِالْإِسْنَادَيْنِ جَمِيعاً مِثْلَهُ) يعني أن شعبة حدّث ابنَ مهديّ، ومن معه بإسناد عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، وإسناد الحكم، عن أبي جحيفة ضپئه . [تنبيه]: أما رواية شعبة، عن الحكم التي فيها الزيادة المذكورة، فساقها الإمام البخاريّ في (صحيحه))، فقال: (١٨٨) حدّثنا آدم، قال: حدّثنا شعبة، قال: حدّثنا الحكم، قال: سمعت أبا جحيفة يقول: ((خرج علينا رسول الله وَلقر بالهاجرة، فأُتي بوَضوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وَضُوئه، فيتمسحون به، فصلى النبيّ وَّل الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عَنَزَة)). انتهى. وأما رواية شعبة، عن عون، فأخرجها البخاريّ أيضاً، فقال: (٤٩٥) حدّثنا أبو الوليد، قال: حدّثنا شعبة، عن عون بن أبي جُحيفة، قال: ((سمعت أبي أن النبيّ وَ﴿ صلى بهم بالبطحاء، وبين يديه عَنَزَة الظهرَ ركعتين، والعصرَ ركعتين، تمر بين يديه المرأة والحمار)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) وفي نسخة: ((حدّثني)). ٣٥٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٢٩] (٥٠٤) - (حَدَّثَنَا(١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الإِحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنَّى، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَي الصَّفِّ(٢)، فَتَزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الْأَنَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة) ج١ ص٣٧٨. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم بن عُبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، الفقيه الحافظ المتقن المتفقه على جلالته وإتقانه، رأس [٤] (ت١٢٥) أو قبلها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في (المقدمة)) ١٤/٣. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله البحر الحبر ظتها، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم فى ((الإيمان)) ١٢٤/٦. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َظّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضاً، فنيسابوريّ. (١) وفي نسخة: ((حدّثني)). (٢) وفي نسخة: ((بين يدي بعض الصفّ)). ٣٥٣ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٩) ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد من أصحّ الأسانيد، كما نُقل عن الإمام النسائيّ تَظَّهُ(١). ٧ - (ومنها): أن فيه عبيد الله بن عبد الله من الفقهاء السبعة، وقد تقدّموا قريباً . ٨ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﴿ها من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وقد تقدّموا قريباً أيضاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َا أنه (قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِباً) منصوب على الحال (عَلَى أَتَانٍ) وفي رواية يونس التالية: ((على حمار))، وفي رواية البخاريّ: ((على حمار أتان))، و((الأتان)): بفتح الهمزة، وشذَّ كسرها، كما حكاه الصغانيّ: هي الأنثى من الحمير، وربما قالوا للأنثى: أتانةٌ، حكاه يونس، وأنكره غيره، فجاء في الرواية على اللغة الفصحى. و((الحمار)) اسم جنس يشمل الذكر والأنثى، كقولك: بعيرٌ، وقد شذّ حمارة بالهاء في الأنثى، حكاه في (الصحاح)). و((حمارٍ أتانٍ) بالتنوين فيهما على النعت، أو البدل، ورُوي بالإضافة. وذكر ابن الأثير أن فائدة التنصيص على كونها أنثى؛ للاستدلال بطريق الأَولى على أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة؛ لأنهن أشرف. وتعقّبه الحافظ تَّتُهُ، فقال: هو قياس صحيح من حيثُ النظر، إلا أن الخبر الصحيح لا يُدفع بمثله. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الحافظ في هذا التعقّب، وسيأتي البحث في هذا مستوفَّى قريباً - إن شاء الله تعالى -. (١) راجع شرحي على الألفيّة السيوطيّة ٣٤/١، وتقييده هناك برواية ابن عبّاس، عن عمر ﴿ لا يضرّ، فتنبّه. ٣٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الإِحْتِلَامَ) أي قاربت البلوغ الشرعيّ، قال الفيّومِيّ كَّتُ: نَهَزَ نَهْزاً، من باب نَفَعَ: نَهَضَ ليتناول الشيءَ، وإذا قَرُبَ المولود من الْفِطَام قيل: نَهَزَ لِلْفَطَام يَنْهَزُ له، فالابن ناهزٌ، والبنت ناهزةٌ، ويقال أيضاً: ناهز للفطام مناهَزَةً، قال الأزهريّ: وأصل النَّهْز الدفع، وانتهز الْفُرْصة: انتهض إليها مبادراً. انتهى(١). ومحلّ الجملة ((وأنا يومئذ ... إلخ)) نصبٌ على الحال من الفاعل بعد الحال، وكذا قوله: (وَرَسُولُ اللهِ وَلَهُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ) فهي أحوال متدخلة، أو مترادفة، على خلاف في هذا، كما تقدّم غير مرّة. [تنبيه]: اختَلَف العلماء في سِنّ ابن عباس عند وفاة رسول الله وَّه، فقيل: عشر سنين، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: خمس عشرة، وهو رواية سعيد بن جبير عنه، قال أحمد بن حنبل ◌ًّا: وهو الصواب، قاله النوويّ تَخْذَهُ(٢). وقال في ((الفتح)) في ((كتاب فضائل القرآن)) - عند شرح قول ابن عباس طه: ((تُؤُفّي رسول الله وَلّ، وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم(٣)) -: وقد استَشْكَل عياضٌ قول ابن عباس: توفي رسول الله وَّل، وأنا ابن عشر سنين بما تقدم في ((الصلاة)) من وجه آخر عن ابن عباس أنه كان في حجة الوداع ناهز الاحتلام، وسيأتي في ((الاستئذان)) من وجه آخر أن النبيّ وَّ مات، وأنا ختين، وكانوا لا يختنون الرجل حتى يُدرِك، وعنه أيضاً أنه كان عند موت النبيّ وَّ﴿ ابن خمس عشرة سنة، وسَبَق إلى استشكال ذلك الإسماعيليّ، فقال: حديث الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس - يعني حديث الباب - يخالف هذا، وبالغ الداوديّ، فقال: حديث أبي بشر - يعني الذي فيه: وأنا ابن عشر سنين - وَهَمُ. وأجاب عياض بأنه يَحْتَمِل أن يكون قوله: ((وأنا ابن عشر سنين)) راجع إلى حفظ القرآن، لا إلى وفاة النبيّ وَّه، ويكون تقدير الكلام: تُوُفي النبيّ ◌َّ، وقد جمعت الْمُحْكَم، وأنا ابن عشر سنين، ففيه تقدیم وتأخير. (١) ((المصباح المنير)) ٦٢٨/٢. (٣) أي الذي ليس فيه منسوخ. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١/٤. ٣٥٥ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّ - حديث رقم (١١٢٩) وقد قال عمرو بن عليّ الفلاس: الصحيح عندنا أن ابن عباس كان له عند وفاة النبيّ وَّ ثلاث عشرة سنةً، قد استكملها، ونحوه لأبي عبيد، وأسند البيهقيّ عن مصعب الزبيريّ أنه كان ابن أربع عشرة، وبه جزم الشافعيّ في ((الأم))، ثم حَكَى أنه قيل: ست عشرة، وحُكِي قولُ ثلاث عشرة، وهو المشهور، وأورد البيهقيّ عن أبي العالية، عن ابن عباس: ((قرأت المحكم على عهد رسول الله وَل وأنا ابن ثنتي عشرة))، فهذه ستة أقوال، ولو وَرَد إحدى عشرة لكانت سبعة؛ لأنها من عشر إلى ست عشرة. قال الحافظ: والأصل فيه قول الزبير بن بكار وغيره من أهل النسب، أن ولادة ابن عباس رضيها كانت قبل الهجر بثلاث سنين، وبنو هاشم في الشِّعْب، وذلك قبل وفاة أبي طالب، ونحوُهُ لأبي عبيد. ويمكن الجمع بين مختلف الروايات إلا ست عشرة، وثنتي عشرة، فإن كلَّا منهما لم يثبت سنده، والأشهر بأن يكون ناهز الاحتلام، لَمّا قارب ثلاث عشرة، ثم بلغ لما استكملها، ودخل في التي بعدها، فإطلاق خمس عشرة بالنظر إلى جبر الكسرين، وإطلاق العشر، والثلاث عشرة بالنظر إلى إلغاء الكسر، وإطلاق أربع عشرة بجبر أحدهما . وقال في ((كتاب الاستئذان)) ــ ردّاً على الإسماعيليّ، حيث قال: ((الأحاديث عن ابن عبّاس في هذا مضطربة)) -: دعوى الاضطراب مردودة، مع إمكان الجمع، أو الترجيح، فإن المحفوظ الصحيح أنه وُلد بالشعب، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، فيكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة، وبذلك قطع أهل السير، وصححه ابن عبد البر، وأورد بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: وُلِدت وبنو هاشم في الشِّعْب، وهذا لا ينافي قوله: ((ناهزت الاحتلام))، أي قاربته، ولا قوله: ((وكانوا لا يَختنون الرجل حتى يُدْرك)) لاحتمال أن يكون أدرك، فخُتِن قبل الوفاة النبوية، وبعد حجة الوداع، وأما قوله: ((وأنا ابن عشر))، فمحمول على إلغاء الكسر. ورَوَى أحمد من طريق أخرى، عن ابن عباس، أنه كان حينئذ ابن خمس عشرة . ويمكن رَدّه إلى رواية ثلاث عشرة، بأن يكون ابن ثلاث عشرة وشيء، ٣٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ووُلِد في أثناء السنة، فجَبَر الكسرين بأن يكون وُلِد مثلاً في شوال، فله من السنة الأولى ثلاثة أشهر، فأطلَق عليها سنة، وقُبِض النبيّ وَّ في ربيع، فله من السنة الأخيرة ثلاثة أخرى، وأكمل بينهما ثلاث عشرة، فمن قال ثلاث عشرة ألغَى الكسرين، ومن قال خمس عشرة جبرهما، والله تعالى أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في الجمع المذكور من التكلّف، فالأولى عندي طريق الترجيح، فيُرجّح كونه ابن ثلاث عشرة؛ كما صححه ابن عبد البرّ تَخْلَتُهُ، ونَقَلَ بسند صحيح عن ابن عباس كونه وُلِدت وبنو هاشم في الشِّعْب، وهو موافق لمعنى قوله: ((قد ناهزت الاحتلام))، فهذا أقرب التوجيهات، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب. (بِمِنَّى) متعلّق بـ((يصلّي))، وهو بالقصر الموضع المعروف بمكة، وهو محلّ رمي الجمَرَات، وذبح الهدايا . قال النوويّ تَخْتُ: ((منى)) فيها لغتان: الصرف وعدمه، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود صرفها وكتابتها بالألف، سُمِّيت منى؛ لما يُمْنَى بها من الدماء، أي يراق، ومنه قول الله تعالى: ﴿مِّن مَّنِّ يُعْنَى﴾ [القيامة: ٣٧]. انتهى (٢). وقال في ((القاموس)): ((ومنى)) كـ((إلى) قرية بمكة، وتُصرف، سُمّيت لما يُمنى - أي يُرَاق - فيها من الدماء، وقال ابن عبّاس ظنّه: لأن جبريل ظلَّهُ لَمّا أراد أن يفارق آدم قال له: تمنّ، قال: أتمنّى الجنّة، فسُمّيت منى؛ الأمنيّة آدم رَّتُهُ. انتهى (٣). وقال في ((المصباح)): ومنّى: اسم موضع بمكة، والغالب عليه التذكير، فيُصرف، وإذا أُنّث مُنِع من الصرف، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسمّي منّى؛ لما يُمنى به من الدماء، أي يُراق. انتهى (٤). وقد عدّ الحريريّ: ((منّى)) في جملة الأسماء المصروفة، حيث قال في «مُلحته)» : (١) ((الفتح)) ((كتاب الاستئذان)) ٩٣/١١ رقم الحديث (٦٢٩٩). (٢) «شرح النووي) ٢٢٢/٤. (٣) ((القاموس المحيط)) ٣٩٢/٤. (٤) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٨٢/٢. ٣٥٧ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٩) إِلَّا بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ وَلَيْسَ مَصْرُوفاً مِنَ الْبِقَاعِ وَدَابِقٍ وَوَاسِطٍ وَحِجْرٍ مِثْلُ حُنَيْنٍ وٍمِنَّى وَيَذْرٍ [فائدة]: يجوز في أسماء: القائل، والأرضين، والكَلِم الصرف على تأويلها باللفظ، والمكان، والحيّ، أو الأب، وعدَمُهُ على إرادة الكلمة، والبقعة، والقبيلة، إلا إذا سُمع فيه أحدهما فقط، فلا يُتجاوز، كما سُمع الصرف في كَلْبٍ، وثَّقِفٍ، ومَعَذٍ، باعتبار الحيّ، وبدرٍ، وحُنينٍ، على المكان، وكمنعه في يهودَ، ومجوسَ، عَلَمين باعتبار القبيلة، ودِمَشْقَ، على البقعة، وإلا إذا تحقّق مانع غير التأنيث المعنويّ، فيُمنع بكلّ حالٍ، كتغلبَ، وباهلةَ، وخولانَ، وبغداد، أفاده في ((التسهيل))، و(شرحه))، ونقله الخضريّ في ((حاشيته على شرح ابن عقيل على الخلاصة)) بزيادة (١)، وهي فائدة حسنة مهمةٌ، فاغتنمها، وبالله تعالى التوفيق. وقوله أيضاً: (يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنَّى) كذا قال مالك، وأكثر أصحاب الزهريّ، ووقع من رواية ابن عيينة عن الزهريّ الآتية بلفظ: ((بعرفة))، قال النوويّ ◌َّتُهُ: يُحْمَلُ ذلك على أنهما قضيتان. وتُعُقُّب بأن الأصل عدم التعدّد، ولا سيّما مع اتّحاد مخرج الحديث، فالحقّ أن قول ابن عيينة: ((بعرفة)) شاذٌ. ويأتي أيضاً من رواية معمر، عن الزهريّ بلفظ: ((وذلك في حجة الوداع، أو يوم الفتح)) بالشكّ، وهذا الشك من معمر لا يُعَوَّل عليه، والحقّ أن ذلك كان في حجة الوداع، أفاده في ((الفتح))(٢). (فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ) وفي بعض النسخ: ((بين يدي بعض الصفّ))، وهو مجاز عن الأَمَام - بفتح الهمزة - لأن الصفّ ليس له يدٌ، و((بعض الصفّ)) يَحْتَمِل أن يراد به صفّ من الصفوف، أو بعضٌ من أحد الصفوف، هكذا قال الكرمانيّ، لكن زاد البخاريّ في ((الحج)) من رواية ابن أخي ابن شهاب، عن عمّه قوله: ((حتى سِرْتُ بين يدي بعض الصف الأول))، وهو يُعَيِّن الاحتمال الثاني، فتنبّه(٣). (١) ((حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة)). (٢) ((الفتح)) ٦٨١/١. (٣) ((الفتح)) ١ / ٦٨١. ٣٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (فَنَزَلْتُ) أي عن الأتان (فَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ) أي ترعى، يقال: رَتَعَت الماشية رَتْعاً، من باب نَفَعَ، ورُتُوعاً: إذا رَعَت كيف شاءت، والجملة في محلّ نصب على الحال المقدَّر؛ لأن الرتع لا يحصل حالة الإرسال، أي مقَدَّراً رُتُوعها . وقال في ((الفتح)): قوله: (تَرْتَعُ)) - بمثناتين مفتوحتين، وضم العين - أي تأكل ما تشاء، وقيل: تُسْرِع في المشي، وجاء أيضاً بكسر العين، بوزن (يَفْتَعِلُ))، من الرَّعْي، وأصله تَرْتَعِي، لكن حذفت الياء تخفيفاً، والأول أصوب، ويدل عليه رواية البخاريّ في ((الحج)): (نَزَلتُ عنها، فَرَتَعَتْ)). انتهى(١). (وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ) وفي رواية عند البخاريّ: ((فدَخَلتُ في الصفّ)) بالفاء، (فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ) أي لا النبيّ وََّ، ولا الصحابة الذين مرّ بين أیدیھم. قال العلامة ابن دقيق العيد دَخَذَتُهُ: استَدَلَّ ابن عباس بترك الإنكار على الجواز، ولم يَسْتَدِلّ بترك إعادتهم للصلاة؛ لأن ترك الإنكار أكثر فائدةً. قال الحافظ تَظُّ: وتوجيهه أن ترك الإعادة يدلّ على صحتها فقط، لا على جواز المرور، وترك الإنكار يدلّ على جواز المرور، وصحةِ الصلاة معاً، ويُستفاد منه أن ترك الإنكار حجةٌ على الجواز بشرطه، وهو انتفاء الموانع من الإنكار، وثبوت العلم بالاطلاع على الفعل. ولا يقال: لا يلزم مما ذُكِر اطّلاع النبيّ وَ ل ◌ّ على ذلك؛ لاحتمال أن يكون الصفّ حائلاً دون رؤية النبيّ وَ للإ له؛ لأنا نقول: قد تقدم أنه وَلّ كان يرى في الصلاة من ورائه كما يرى من أمامه، وتقدم أيضاً أن في رواية البخاريّ في ((الحج)) أنه مَرّ بين يدي بعض الصفّ الأول، فلم يكن هناك حائلٌ دون الرؤية، ولو لم يَرِد شيء من ذلك، لكان توقُّر دواعيهم على سؤاله وَلايهم عما يَحْدُث لهم كافياً في الدلالة على اطلاعه على ذلك. انتهى كلام الحافظ تَخْذَلُهُ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((الفتح)) ٢٠٦/١. ٠ ٣٥٩ (٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي سُتْرَةِ الْمُصَلِّي - حديث رقم (١١٢٩) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ًَّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١٢٩/٤٨ و١١٣٠ و١١٣١ و١١٣٢] (٥٠٤)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (٧٦) و((الصلاة)) (٤٩٣) و((الأذان)) (٨٦١) و((جزاء الصيد)) (١٨٥٧) و((المغازي)) (٤٤١٢) و((فضائل القرآن)) (٥٠٣٦) و((الاستئذان)) (٦٢٩٩)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٧١٥)، و(الترمذيّ) فيها (٣٣٧)، و(النسائيّ) فيها (٦٤/٢)، و(ابن ماجه) (٩٤٧)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (١/ ١٥٥ - ١٥٦)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٦٨/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٣٥٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٧٨/١ - ٢٨٠)، و(الحميديّ) في (مسنده)) (٤٧٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٩/١ و٢٦٤ و٣٤٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨٣٣ و٩٣٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢١٥١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤٣٠ و١٤٣١ و١٤٣٢ و١٤٣٣)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١١١٤ و١١١٥ و١١١٦ و١١١٧)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٦٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٦/٢ - ٢٧٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٥٤٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه، وقد ترجم الإمام البخاريّ في ((صحيحه)) بهذا، فقال: ((باب سترة الإمام سترة من خلفه)). قال في ((الفتح)): ولفظ ترجمة الباب ورد في حديث مرفوع، رواه الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق سُويد بن عبد العزيز، عن عاصم، عن أنس رَُّبه، مرفوعاً: ((سُترة الإمام سترة لمن خلفه))، وقال: تَفَرّد به سُويد عن عاصم. انتهى. وسُويد ضعيف عندهم، ووردت أيضاً في حديث موقوف على ابن عمر ◌ًا، أخرجه عبد الرزاق. انتهى. قال القاضي عياض ◌َُّهُ: واختلفوا هل سترةُ الإمام بنفسها سترة لمن خلفه، أم هي سترة له خاصّةً، وهو سترة لمن خلفه؟ مع الاتّفاق على أنهم مُصَلّون إلى سترة. ٣٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال الحافظ تَخْذَثُ: ويظهر أثر الخلاف الذي نقله عياض فيما لو مَرّ بين يدي الإمام أحدٌ فعلى قول من يقول: إن سترة الإمام سترةُ مَن خلفه يَضُرّ صلاته وصلاتهم معاً، وعلى قول من يقول: إن الإمام نفسه سترة من خلفه يضر صلاته، ولا يضر صلاتهم(١). قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن سترة الإمام سترة لمن خلفه هو الأرجح؛ لظاهر حديث ابن عبّاس ظ﴿ه هذا، والله تعالى أعلم. قال القاضي أيضاً: ولا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يَأْمَن المرور بين يديه، واختلفوا إذا كان في موضع يأمن المرور بين يديه، وهما قولان في مذهب مالك، قال النووي: ومذهبنا أنها مشروعة مطلقاً؛ لعموم الأحاديث، ولأنها تصون بصره، وتمنع الشيطان المرور، والتعرض لإفساد صلاته، کما جاءت الأحاديث. انتھی. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن السترة مشروعة، بل واجبة مطلقاً؛ لأمره وَله بها، وأمره للوجوب، وقد أسلفت تحقيقه، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى وليّ التوفيق. ٢ - (ومنها): بيان أن صلاة الصبيّ صحيحة. ٣ - (ومنها): ما قيل: إن فيه جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة؛ لأن المرور مَفْسَدة خفيفة، والدخول في الصلاة مصلحة راجحة، واستدَلَّ ابن عباس ﴿ه على جواز المرور بعدم الإنكار؛ لانتفاء الموانع إذ ذاك، ولا يقال: منع من الإنكار اشتغالهم بالصلاة؛ لأنه نَفَى الإنكار مطلقاً، فتناول ما بعد الصلاة، وأيضاً فكان الإنكار يمكن بالإشارة. ٤ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ احتجّ به على صحّة تحمّل الصبيّ الحديث، فترجم له، فقال: ((باب متى يصحّ سماع الصغير))، ثم أورده، قال في ((الفتح)): وفيه ما ترجم له، أن التحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية، وإنما يشترط عند الأداء، قال: ويُلْحَق بالصبيّ في ذلك العبد، والفاسق، والكافر، وقامت حكاية ابن عباس لفعل النبي وَّة، وتقريره مقام حكاية قوله؛ إذ لا فرق (١) ((الفتح)) ٦٨٢/١.