النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(٤٦) - بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ - حديث رقم (١١٠٧)
ورواية أبي النضر عند أبي عوانة في ((مسنده)) (١)، ورواية معاذ عند الإسماعيليّ،
ثلاثتهم عن شعبة التصريح بسماع قتادة له من أنس ظ ته (قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ) أي كونوا متوسّطين في حالة السجود بين
الافتراش والقبض، بوضع الكفّين على الأرض، ورفع المرفقين عنها، وعن
الجنبين، والبطن عن الفخذين رفعاً بليغاً بحيث تظهر بواطن آباطكم إذا لم تكن
مستورةً؛ إذ هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض،
وأبعد من هيئة الكسالى(٢).
والحاصل أن الاعتدال المطلوب هنا غير الاعتدال المطلوب في الركوع،
فإنه هناك استواء الظهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع أسافل البدن على
أعاليه.
وقال الإمام ابن دقيق العيد تَخَّتُهُ: لعل الاعتدال ها هنا محمول على أمر
معنويّ، وهو وضع هيئة السجود موضع الشرع، وعلى وفق الأمر، فإن
الاعتدال الْخَلْقِيّ الذي طلبناه في الركوع لا يتأدى في السجود، فإنه ثمة استواء
الظهر والعنق، والمطلوب هنا ارتفاع الأسافل على الأعالي، حتى لو تساويا
ففي بطلان الصلاة وجهان لأصحاب الشافعيّ.
ومما يقوي هذا الاحتمال أنه قد يُفْهَم من قوله عقب ذلك: ((ولا يبسط
أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)) أنه كالتَِّمَّة للأول، وإن الأول كالعلة له، فيكون
الاعتدال الذي هو فعل الشيء على وفق الشرع علةً لترك الانبساط كانبساط
الكلب، فإنه منافٍ لوضع الشرع، وقد ذُكِر في هذا الحديث الحكم مقروناً
بعّته، فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة مما يناسب تركه في الصلاة، ومثل هذا
التشبيه أن النبيّ وَ﴿ لَمّا قَصَد التنفير عن الرجوع في الهبة، قال: ((مثل الراجع
في هبته، كالكلب يعود في قيئه)). انتهى كلام ابن دقيق العيد(٣)، وهو تحقيقٌ
نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(وَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (يَبْسُطْ) بضمّ السين المهملة، من باب
(١) راجع: ((مسند أبي عوانة)) ١/ ٥٠١.
(٢) راجع: ((المرعاة)) ٢٠٧/٣.
(٣) ((إحكام الأحكام)) ٣٥٥/٢ - ٣٥٦ بنسخة (الحاشية)).

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
نصر (أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ) أي لا يجعل ذراعيه على الأرض كالبساط والفراش.
ويجوز أن تكون ((لا)) نافية، والفعل بعدها مرفوع، ويكون النفي بمعنى
النهي، بل هو أبلغ، كما أسلفنا وجهه غير مرّة، لكن هذا إن صحّت الرواية
به، وإلا فما صحّت الرواية به هو المتعيّن، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم.
وقوله: (انْبِسَاطَ الْكَلْبِ))) بالنصب على المصدريّة، أي مثل انبساط
الكلب، وهو وضع الكفّين مع المرفقين على الأرض، و((الانبساط)) مصدر فعل
محذوف، تقديره: ولا يبسط ذراعيه، فينبسط انبساط الكلب.
قال القرطبيّ تَخَّلهُ: هو مصدر على غير لفظ الفعل، وفعله ينبسط، لكن
لَمّا كان انبسط من بَسَطَ جاء المصدر عليه، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِّنَ
اُلْأَرْضِ نَبَانًا (13﴾ [نوح: ١٧]، وقوله: ﴿فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَتًا
حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، كأنه قال: أنبتكم، فنبتم نباتاً، وأنبتها، فنبتت نباتاً،
وفي الآية الثانية شاهدان(١).
قال: ومثل هذا الحديث نهيه ◌َ ل# أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش
السبع، ولا شكّ في كراهية هذه الهيئة، ولا في استحباب نقيضها، وهو
التجنيح المذكور في الأحاديث بعد هذا من فعله وَلهر، وهو التفريج والتخوية،
قاله القرطبيّ ◌َُّهُ(٢) .
[تنبيه]: هل عطف جملة ((ولا يبسط أحدكم انبساط الكلب)) على جملة
((اعتدلوا في السجود)) من قبيل عطف التفسير والبيان على معنى أن الأمر
بالشيء نهي عن ضدّه، فيكون المراد من الاعتدال في السجود رفع المرفقين
عن الأرض، والتجنيح الآتي في الروايات الآتية؟، أو هو من قبيل الأمر
بأشياء، والنهي عن ضدّ واحد منها لمزيد العناية به، فيكون المراد من الاعتدال
في السجود وضع جميع أعضاء السجود في مواضعها المطلوبة؟ .
قال بعضهم: الظاهر الأول. انتهى(٣).
(١) أي في قوله: ﴿فَقَبِّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾، إذ التقدير - والله أعلم -: فقُبلت بقبول
حسن .
(٢) («المفهم)) ٩٦/٢.
(٣) انظر: ((فتح المنعم)) ٦٧/٣.

٢٦٣
(٤٦) - بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ - حديث رقم (١١٠٧)
قال الجامع عفا الله عنه: بل الثاني هو الظاهر والأولى؛ لأننا قدّمنا أن
المعنى الصحيح للاعتدال هنا هو وضع جميع أعضاء السجود في مواضعها
المطلوبة شرعاً، فيكون عطف ((ولا يبسط إلخ)) عليه عطفَ ضدّ واحد من
أضداد كثيرة؛ لمزيد العناية به، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وروى الترمذيّ بإسناد صحيح، عن جابر ◌َظُه أن النبيّ وَّ قال: ((إذا
سجد أحدكم فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب))، قال الترمذيّ:
حسن صحيح، قال: والعمل عليه عند أهل العلم يختارون الاعتدال في
السجود، ویکرهون الافتراش کافتراش السبع. انتهى.
قال ابن العربيّ كَّلُهُ في ((شرحه)): أراد به كون السجود عدلاً باستواء
الاعتماد على الرجلين والركبتين واليدين والوجه، ولا يأخذ عضو من الاعتدال
أكثر من الآخر، وبهذا يكون ممتثلاً لقوله وَله: ((أُمرت أن أسجد على سبعة
أعظم))، وإذا فرش ذراعيه فرش الكلب كان الاعتماد عليهما دون الوجه،
فيسقط فرض الوجه. انتهى(١).
وقال ابن حجر الهيتميّ الفقيه تَّثُ: فيكره ذلك لقبح الهيئة المنافية
للخشوع إلا لمن أطال السجود حتى شقّ عليه اعتماد كفّيه، فله وضع ساعديه
على ركبتيه؛ لحديث أبي هريرة ته قال: اشتكى بعض أصحاب النبيّ وَّ إلى
النبيّ وَّرِ مشقةَ السجود عليهم، إذا تَفَرّجُوا، فقال: ((استعينوا بالرُّكَب))، رواه
أبو داود، والترمذيّ من حديث أبي هريرة ◌َُّهُ موصولاً، ورُوي مرسلاً، قال
البخاريّ والترمذيّ: إرساله أصحّ من وصله.
قال الترمذيّ كَّلُ: هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي صالح،
عن أبي هريرة، عن النبيّ وَلّ إلا من هذا الوجه، من حديث الليث، عن ابن
عجلان، وقد رَوَى هذا الحديثَ سفيان بن عيينة، وغير واحد، عن سُمَيّ، عن
النعمان بن أبي عياش، عن النبيّ وَ ر نحو هذا، وكأن رواية هؤلاء أصح من
روایة اللیث. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الحديث موصولاً لا يصحّ؛ لأن ابن عجلان
(١) ((عارضة الأحوذي)) ٧٥/٢ - ٧٦.

٢٦٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ظُبه، والصحيح أنه مرسل؛ لأن النعمان بن
أبي عيّاش تابعيّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظ له هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٠٧/٤٦ و١١٠٨] (٤٩٣)، و(البخاريّ) في
((الأذان)) (٨٢٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٨٩٧)، و(الترمذيّ) فيها (٢٧٦)،
و(النسائيّ) فيها (١٨٣/٢ و٢١٣ - ٢١٤)، و(ابن ماجه) فيها (٨٩٢)، و(أبو
داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٧٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١/
٢٥٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٥/٣ و١٧٧ و١٧٩ و٢٠٢ و٢٧٤ و٢٩١)،
و(عبد الله بن أحمد) في ((زوائد المسند)) (٢٧٩/٣)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٣٠٣/١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٢٦ و١٩٢٧)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١١٣/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٨٦٩ و١٨٧٠)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١٠٩٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر بالاعتدال في السجود، وتقدّم أن معنى الاعتدال
في السجود أن يضع كفيه على الأرض، ويرفع مرفقيه عنها، وعن جنبيه، رفعاً
بليغاً، بحيث يظهر باطن إبطيه إذا لم يكن مستوراً .
قال النوويّ كَّلُهُ: وهذا أدب متفق على استحبابه، فلو تركه كان مسيئاً
مرتكباً النهي، وهو للتنزيه وصلاته صحيحة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((للتنزيه)) فيه نظر لا يخفى، بل الظاهر أنه
للتحريم؛ لأنه لا صارف للأمر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن الهيئة المنهيّ عنها مشعرة بالتهاون، وقلّة الاعتناء
بالصلاة .
٣ - (ومنها): ما قيل: الحكمة في كراهية هذه الهيئة في الصلاة،

٢٦٥
(٤٦) - بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ - حديث رقم (١١٠٧)
واستحباب ضدّها أنه إذا جنّح كان اعتماده على يديه، فيخفّ اعتماده حينئذ
على وجهه، ولا يتأثّر أنفه، ولا جبهته، ولا يتأذّى بملاقاة الأرض، فلا
يتشوّش هو في الصلاة، وكان أشبه بهيئات الصلاة، واستعمال كلّ عضو فيها
بأدبه، بخلاف ما إذا بسط ذراعيه، وضمّ عضديه لجنبيه، فإنه يكون اعتماده
على وجهه، وحينئذ يتأذى، ويُخاف عليه التشويش، وأيضاً هذه هي صفات
الكسلان المتهاون بحاله، مع ما فيها من التشبّه بالسباع والكلاب، كما نهي
عن التشبّه بها في الإقعاء. انتهى كلام القرطبيّ تَظْتُهُ، بزيادة من كلام القاضي
عياض تَذَتُهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الاعتدال في السجود:
قال الإمام الترمذيّ تَظْلُهُ بعد إخرج الحديث: إن العمل على هذا عند
أهل العلم يختارون الاعتدال في السجود. انتهى.
قال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ: وهذا يُشعر بحكاية الإجماع عليه، وهو
قول جمهور العلماء، وروي ذلك عن عليّ، وابن عبّاس، وابن عمر ظّ، وفي
((المسند)) عن شعبة مولى ابن عبّاس، قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس، فقال:
إن مولاك إذا سجد وضع رأسه وذراعيه وصدره بالأرض، فقال له ابن عباس:
ما يَحملك على ما تصنع؟ قال: التواضع، قال: هكذا رَبْضَةُ الكلب، رأيت
النبيّ ټ# إذا سجد رُؤي بياض إبطيه.
قال: ولكن روي عن ابن مسعود ربه أنه كان يَفرش ذراعيه، قال الإمام
أحمد في رواية ابنه عبد الله: كان ابن مسعود يذهب إلى ثلاثة أشياء: إلى
التطبيق، وإلى افتراش الذراعين، وإذا كانوا ثلاثة يقوم في وسطهم، وقد رُوي
عن النبيّ وَّر أنه كان يُجافي في السجود، ولم تبلغه هذه الآثار. انتهى(٢).
وروى ابن أبي شيبة من غير وجه، عن ابن مسعود نظرته أنه قال:
اسجدوا حتى بالمرفق. وبإسناده عن الحكم بن الأعرج، قال: أخبرني من رأى
أبا ذرّ رظُه مسوّداً ما بين رسغه إلى مرفقه.
(١) ((إكمال المعلم)) ٢/ ٤٠٧، و((المفهم)) ٢ /٩٦.
(٢) ((فتح الباري)) لابن رجب ٢٧٩/٧ - ٢٨٠.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وأخرج عن ابن عون قال: قلت لمحمد - يعني ابن سيرين -: الرجل
يسجد يعتمد بمرفقيه على ركبتيه؟ فقال: ما أعلم به بأساً.
وأخرج عن نافع، قال: كان ابن عمر يَضُمّ يديه إلى جنبيه إذا سجد.
وأخرج عن قيس بن سكن قال: كلَّ ذلك قد كانوا يفعلون، ينضمّون،
ويتجافَوْن، كان بعضهم ينضمّ، وبعضهم يجافي.
وأخرج عن النعمان بن أبي عياش قال: شَكَوا إلى النبيّ وَّهَ الادِّعام
والاعتماد في الصلاة، فرَخَّص لهم أن يستعين الرجل بمرفقيه على ركبتيه، أو
فخذیه .
وأخرج عن ابن عمر أن رجلاً سأله: أضع مِرْفقي على فخذي، إذا
سجدت؟ فقال: اسجد كيف تيسّر عليك. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال أهل العلم، وأدلتهم
في هذه المسألة أن المذهب الراجح هو ما عليه الجمهور من أن المأمور به في
السجود هو الاعتدال، وهو أن يضع كفيه على الأرض، ويرفع مرفقيه عنها،
وعن جنبيه، رفعاً بليغاً بحيث يظهر باطن إبطيه إذا لم يكن مستوراً.
وأما ما نقل عن بعض السلف، كابن مسعود، وغيره ممن سبق ذكرهم،
فمحمول على ما إذا حصل للمصلي ضرر بالتجافي، فرخّصوا له في ذلك، كما
بُيّن في حديث النعمان بن أبي عيّاش، وهو مرسل صحيح، أو يُعتذَر عنهم
بأنهم لم يعلموا بالأمر بالاعتدال، كما اعتذر الإمام أحمد في الكلام السابق
عن ابن مسعود ظُه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١١٠٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي ابْنَ
(١) راجع: ((مصنّف ابن أبي شيبة)) ٢٣٢/١ - ٢٣٣.

٢٦٧
(٤٦) - بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ - حديث رقم (١١٠٨)
الْحَارِثِ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرِ: ((وَلَا يَتَبَسَّطْ
أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ))).
رجال هذا الإسناد ستة :
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيب) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٨) (م ٤)
تقدم في ((الإيمان)» ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنَ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد شعبة، عن قتادة، عن أنس
صح عنه
وقوله: (وَلَا يَتَبَسَّطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ إلخ) هكذا رواية المصنّف بمثنّاة بعد
حرف المضارعة، ثم موحّدة، وقد اختلف في هذه اللفظة رواة البخاريّ، ففي
رواية الأكثر: ((ولا ينبسط))، بنون ساكنة قبل الموحّدة، وللحموي: ((يبتسط))
بمثنّاة بعد موحّدة، وفي رواية ابن عساكر بموحّدة ساكنة فقط، وعليها اقتصر
في ((العمدة))، قاله في ((الفتح)) (١).
قال النوويّ ◌َُّهُ: ومعنى ((يتبسّط)) بالتاء المثنّاة فوقُ: أي يتّخذها بساطاً.
انتھی(٢).
وقوله: (ذِرَاعَيْهِ) الذراع من الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الإصبع
الوسطى، وبسط الذراعين المنهيّ عنه في السجود هو مَدّ هذين العضوين على
الأرض، وملاصقتهما لها بطولهما، كهيئة الكلب حين يَفْرِش ذراعيه على الأرض.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة، ساقها البخاريّ تَّتُهُ في
«صحیحه))، فقال:
(٨٢٢) حدّثنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا
شعبة، قال: سمعت قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبيّ وَلقر قال: ((اعتدلوا
في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)). انتهى.
(١) ٣٥٢/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٠/٤.

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وأما رواية خالد بن الحارث، فلم أجد من أفردها، إلا أن النسائيّ
أخرجها في ((الكبرى)) من طريقه، ومن طريق عبدة أيضاً، وأشار إلى أن لفظ
الحديث لعبدة، ونصّه (١/ ٢٣٤):
(٦٩٨) أنبأ إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأ عبدة، قال: حدّثنا سعيد، عن
قتادة، عن أنس، وأنبأ إسماعيل بن مسعود، عن خالد، عن شعبة، عن قتادة،
قال: سمعت أنساً عن رسول الله وَ * قال: ((اعتدلوا في السجود، ولا يبسط
أحدكم ذراعيه بسط الكلب)).
ثم قال: اللفظ لإسحاق. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١١٠٩] (٤٩٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ
إِيَادٍ، عَنْ إِيَادٍ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ،
وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ إِيَاد) بن لَقِيط السَّدُوسي أبو السَّلِيل - بفتح السين
المهملة، وكسر اللام، آخره لام أيضاً - الكوفيّ، ثقةٌ(١) [٧].
رَوَى عن أبيه، وعبد الله بن سعيد، وكُليب بن وائل، وعبد الرحمن بن
نُعيم الأعرجيّ، والصحيح عن أبيه عنه.
وروى عنه ابن مهديّ، وابن المبارك، وأبو داود الطيالسيّ، وعفان،
(١) قال في ((التقريب)): صدوق، والحقّ أنه ثقةٌ كما يتبيّن من أقوال الأئمة في ترجمته،
ولا التفات إلى قول البزّار وحده: ليس بالقوي، فإنه غير قوي؛ لمخالفته قول
الأئمة، فتبصّر.

٢٦٩
(٤٦) - بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ - حديث رقم (١١٠٩)
وأحمد بن يونس، وجعفر بن حميد، وسعيد بن منصور، ويحيى بن يحيى
النيسابوريّ، وآخرون.
قال الدُّوري عن ابن معين: ثقةٌ، وكان عَرِيف قومه، وقال يحيى بن
حَسّان: كان عبد الله بن المبارك يَعْجَب به، وقال النسائيّ: ثقة، وقال في
موضع آخر: ليس به بأسٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن شاهين في
((الثقات)): قال أبو نعيم: كان ابن إياد ثقةً، وكان له صحيفة فيها أحاديثه، فإذا
جاءه إنسان رَمَى إليه تلك الصحيفة، فكتب منها ما أراد، وذكره ابن حبان في
((الثقات)).
وقال البزّار في ((كتاب السنن)): ليس بالقوي.
قال الجامع عفا الله عنه: قول البزّار هذا محلّ نظر؛ لأنه جرح مجملٌ،
يُعارض ما قاله الأئمة، فلا ينبغي الالتفات إليه، والله أعلم.
وقال ابن قانع، وابن منده: مات سنة تسع وستين ومائة.
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وأبو داود،
والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٩٤)،
وحديث (٢٧٤٦): ((للهُ أشدُّ فرحاً بتوبة عبده ... )).
٣ - (إِيَاد) - بكسر أوّله، ثم تحتانيّة مخفّفة - ابن لَقِيط السَّدوسيّ، والد
عبيد الله، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن البراء بن عازب، والحارث بن حَسّان العامريّ، وأبي رِمْئَة،
وامرأة بَشِير ابن الْخَصَاصيّة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه، وعبد الملك بن عُمير، والثوريّ، وعبد الملك بن
سعيد بن أبجر، ومِسْعر، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال
يعقوب بن سفيان: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود،
والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب الحديثان المذكوران في ترجمة ولده.
٤ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ ﴿يا، نزل الكوفة، ومات سنة (٧٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥.

٢٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف نَظّتُهُ، وهو أعلى الأسانيد له،
وهو (٦٣) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب ◌ِ﴿ّ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا سَجَدْتَ)
أي أردت السجود (فَضَعْ كَفَّيْكَ) أي على الأرض، وتكون حيال المنكبين، أو
الأذنين، على اختلاف الروايات في ذلك، فقد صحّ عنه وَّ أنه وضع كفيه
حذاء منكبيه، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وصححه، وصّح أيضاً من حديث
وائل بن حجر عظته أنه وَلهو وضع يديه حيال أذنيه، أخرجه أبو داود، والنسائيّ
بسند صحيح.
والأولى أن يفعل هذا في أوقات، وهذا في أوقات أخرى؛ عملاً
بالروايتين، قال ابن المنذر تَخّْتُهُ: الساجد بالخيار، إن شاء وضع يديه حذاء
أذنيه، وإن شاء جعلهما حذو منكبيه. انتهى(١).
والسنة أن تكون الأصابع مضمومة؛ لحديث وائل بن حجر ظله أن
النبيّ ◌َ﴿ كان إذا سجد ضمّ أصابعه، أخرجه ابن خزيمة، والحاكم، وصححه،
ووافقه الذهبيّ.
والسنة أيضاً أن تكون الأصابع قبل القبلة؛ لصحّة ذلك عنه وَله، أخرجه
البيهقيّ بسند صحيح(٢).
(وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ))) بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الفاء، وبالعكس،
أي ارفعهما من الأرض، ومن جنبيك، هذه الرواية تبيّن المراد من بسط
الذراعين المنهيّ عنه.
(١) (الأوسط)) ١٦٩/٣.
(٢) راجع: ((صفة صلاة النبيّ ◌َ له للشيخ الألبانيّ)) (ص١٠٨).

٢٧١
(٤٦) - بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ - حديث رقم (١١١٠)
والحديث دليل واضحٌ على وجوب هذه الهيئة، ولكن حمله العلماء على
الاستحباب، ولا أدري ما الصارف عن الوجوب؟، وقد ذُكر معظمها في
حديث المسيء صلاته، فالحقّ أنها واجبة، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء به هذا من أفراد المصنّف نَظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٠٩/٤٦] (٤٩٤)، و(أبو داود الطيالسيّ) في
(«مسنده)) (٧٤٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٣/٤ و٢٩٤)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٦٥٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩١٦)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١١٣/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٨٦٨)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (١٠٩٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج ◌َّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١١١٠] (٤٩٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ، وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ،
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ ﴿ («كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحْبيل بن حَسَنَة الْكِنديّ، أبو شُرَحْبيل
المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
٢ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَالِكِ ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: عبد الله بن مالك بن الْقِشْب
- بكسر القاف، وسكون المعجمة، بعدها موحّدة - واسمه جُندب بن نَضْلة بن
عبد الله بن رافع بن مِحَصن بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد، أبو محمد حليف بني
عبد المطلب، المعروف بابن بُحينة - بموحّدة، ومهملة، مصغّراً - وهي أمه،
قال محمد بن سعد: أبوه مالك بن قِشْب، حالَفَ المطلب بن عبد مناف،
فتزوج بُحينة بنت الحارث بن المطلب، فولدت له عبد الله، فأسلم قديماً،
وكان ناسكاً فاضلاً يصوم الدهر، ومات ببطن رِيم، على ثلاثين مِيلاً من
المدينة، في عَمَل مروان بن الحكم، وكان ينزل به، وكانت ولاية مروان على
المدينة من سنة أربع وخمسين إلى سنة ثمان وخمسين.
رَوَى عن النبيّ وََّ، وعنه ابنه عليّ، وحفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب، والأعرج، وأبو جعفر محمد بن عليّ بن الحسين، ومحمد بن
يحيى بن حَبّان، وسُمِّي في روايتهِ مالكَ ابنَ بُحينة.
قال الحافظ كَّتُهُ: واختُلِف فيه على حفص، ففي رواية شعبة، وأبي
عوانة، وحماد بن سلمة، كلَّهم عن سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم:
مالك ابن بحينة، وقال النسائيّ: قول من قال: مالك ابن بحينة خطأ،
والصواب عبد الله بن مالك ابن بُحينة، ووقع في رواية لمسلم عن ابن بُحينة،
عن أبيه، قال مسلم: أخطأ القعنبيّ في ذلك. انتهى(١).
وأَرَّخ ابنُ زَبْر وفاته سنة ست وخمسين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم
(٤٩٥)، وحديث (٥٧٠) وكرّره ثلاث مرّات، و(٧١١) وأعاده بعده، و(١٢٠٣).
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير بكر، فما أخرج له ابن
ماجه .
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: جعفر، عن الأعرج.
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٤١٤/٢ - ٤١٥.

٢٧٣
(٤٦) - بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ - حديث رقم (١١١٠)
٤ - (ومنها): أن شيخه بغلانيّ، وبكراً وجعفراً مصريّان، والباقيان
مدنيّان .
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُبه هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد
عرفت آنفاً عدد مرويّاته فيه، وهو من المقلّين من الرواية، فليس له في ((الكتب
الستّة إلا نحو أربعة أحاديث فقط(١)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((عن عبد الله بن مالك ابن بُحَينة))
الصواب فيه أن يُنَوَّن مالكٌ، ويُكْتَب ((ابن)) بالألف؛ لأن ((ابن بُحينة)) ليس صفة
لـ((مالك))، بل صفة لـ((عبد الله))؛ لأن ((عبد الله)) اسم أبيه مالك، واسم أم
عبد الله بُحينةُ، فـ((بحينةُ)) امرأة مالك، وأم عبد الله بن مالك. انتهى(٢).
وقال العلامة ابن دقيق العيد كَخَّتُهُ: ((عبد الله بن مالك ابن بُحَينة)) وبُحَينة
أمه - بضم الباء الموحدة، وفتح الحاء المهملة، وبعدها ياء ساكنة، ونون
مفتوحة - وأبوه مالك بن الْقِشْب - بكسر القاف، وسكون الشين المعجمة،
وآخره باء - أزديُّ النسب من أزد شَنُوءة، تُوُقّي في آخر خلافة معاوية، وهو
أحد مَن نُسِب إلى أمه.
فعلى هذا إذا وقع ((عبد الله)) في موضع رفع وَجَب أن يُنَوَّن ((مالك)) أبوه،
ويُرْفَع (ابنُ))؛ لأنه ليس صفة لمالك، فيترَك تنوينه ويجرَّ، وإنما هو صفة
لعبد الله بن مالك، وإذا وقع ((عبد الله)) في موضعٍ جَرّ نُوِّن ((مالكٌ))، وجُرَّ
(ابنُ))؛ لأنه ليس ((ابنُ)) صفة لمالك.
وهذا من المواضع التي يَتَوَقَّف فيها صحة الإعراب على معرفة التاريخ(٣).
وذلك مثل محمد ابن حَبِيب اللغويّ صاحب ((كتاب الْمُحَبَّر)) في
((المؤتلف والمختلف في قبائل العرب))، فإن ((حبيب)) أمه لا أبوه، فعلى هذا
يُمنَع صرفه، ويقال: محمد بن حبيب، وقيل: إنه أبوه.
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٢٤٤/٦ - ٢٤٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٠/٤.
(٣) اعترضه الصنعانيّ، فقال: أي تاريخ ساق فيه الأنساب؛ ليُعرف أن هذا ليس أباً
لهذا، ولا ابناً له، ونحو ذلك. انتهى. ((العدّة)) ٣٤١/٢.

٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ومن غريب ما وقفت عليه في هذا محمد بن شَرَف الْقَيْرَوانيّ الأديب
الشاعر الْمُجِيد إنه منسوب إلى أمه شَرَف، ولذلك نظائر، لو تُتُبِّعت لَجُمِع منها
قدر كثير .
وقد قيل: إن بُحينة أم أبيه مالك، والأول أصحّ، وقد اعتنى بجمعها
بعض الحفاظ. انتهى كلام ابن دقيق العيد تَظّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذه القاعدة قد أسلفناها غير مرّة، وهي قاعدة
مهمّة جدّاً.
وحاصلها أن لفظ ((ابن)) إذا وقع صفة بين علمين، وكان الثاني أباً للأول
وجب حذف التنوين من الاسم الأول، وهمزة الوصل من ((ابن))، وتُحذف أيضاً
خطّاً؛ تبعاً للفظ؛ لكثرة الاستعمال، فإن كان الثاني غير أب للأول، كما هنا،
وجب تنوين الاسم الأول، وكتابة همزة ((ابن)) أيضاً، وله شروط غير هذا
مذكورة في شروح ((الخلاصة)) وحواشيها(٢) عند قولها في (باب النداء)):
نَحْوِ ((أَزَيْدُ بْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ))
وَنَحْوَ ((زَيْدٍ)) ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ
أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا
والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ ((كَانَ إِذَا
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ)
صَلَّى) أي دخل في الصلاة، وأراد السجود؛ لما يأتي من رواية عمرو بن
الحارث التالية: ((كان رسول الله ◌َ ﴿ إذا سجد يُجَنِّح في سجوده، حتى يُرى
وَضَحُ إبطيه))، و((الْوَضَحُ)) - بفتحتين -: البياض، وفي رواية الليث التالية أيضاً:
((أن رسول الله ﴿ ﴿ كان إذا سجد فرّج يديه عن إبطيه، حتى إني لأرى بياض
إبطيه)).
(فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ) يَحْتَمِل أن يكون مخفّف الراء، من الْفَرْج ثلاثيّاً، وهو
(١) ((إحكام الأحكام)) ٢٣٤/١ - ٢٣٥.
(٢) راجع: ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل)) ١١٦/٢ - ١١٨.

٢٧٥
(٤٦) - بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ - حديث رقم (١١١٠)
الفتح، يقال: فرجتُ بين الشيئين فَرْجاً، من باب ضَرَبَ: فَتَحتُ، وفَرَج القوم
للرجل فَرْجاً أيضاً: أوسَعُوا له في الموقف والمجلس، قاله الفيّوميّ(١).
ويَحْتَمِل أن يكون مشدّد الراء، من التفريج، وهو بمعنى الأول، والتشديد
للمبالغة .
والمراد أنه فتح بينهما، وبين ما يليهما من الْجَنْب، حتى يستقيم معه
قوله: ((حتى يبدُوَ بياض إبطيه))، فهو أحد طرفي المتعدّد، والطرف الثاني
محذوف، وهذا معنى قول الحافظ في ((الفتح)): أي نَخَّى كلَّ يد عن الجنب
الذي يليها، أفاده السنديّ تَخْذَّقُ(٢).
وقال في ((العمدة)): قوله فرّج بین یدیه))، معناه: فرّج بین یدیه وجنبيه،
وفرّج الله الغمّ بالتشديد والتخفيف، وهو من باب ضرب يضرب، وهو لفظ
مشترك بين الْفَرْج العورةِ، والثَّغْرِ، وموضع المخافة. انتهى(٣).
(حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) بنصب (يبدُوَ)) بـ((أن)) مضمرةً بعد ((حتى)) وجوباً،
كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ ((حَتَّى)) هَكَذَا إِضْمَارُ ((أَنْ)) حَتْمٌ كَـاجُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ))
و((بياضُ)) مرفوع على الفاعليّة، أي حتى يظهر البياض الذي في إبطيه.
و((الإبط)) بكسر، فسكون: ما تحت الجناح، ويُذكّر، ويؤنّثُ، فيقال: هو
الإبط، وهي الإبط، ومن كلامهم: رَفَعَ السَّوْطَ حتى بَرَقَت إبطه، والجمع
آباط، مثلُ حِمْلِ وأَحْمال، قال الفيّوميّ: ويزعُمُ بعض المتأخّرين أن كسر الباء
لغة، وهو غير ثابت؛ لما يأتي في إِيلٍ(٤). انتهى(٥).
(١) ((المصباح المنير)) ٤٦٥/٢.
(٢) ((شرح السندي على النسائيّ)) ٢١٢/٢.
(٣) ((عمدة القاري)) ٤/ ١٨٢ - ١٨٣.
(٤) أراد به قوله في مادّة ((إبل)): والإبل بناءٌ نادرٌ، قال سيبويه: لم يجىء على فِعِلٍ
بكسر الفاء والعين من الأسماء إلا حرفان: إبلٌ وحِبِرٌ، وهو الْقَلَح، ومن الصفات
إلا حرف، وهي امرأة بِلِزٌ، وهي الضخمة، وبعض الأئمة يذكر ألفاظاً غير ذلك لم
يثبت نقلها عن سيبويه. انتهى. ((المصباح)) ٢/١.
(٥) راجع: ((المصباح المنير)) ٢/١.

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وقال في ((القاموس)): ((الإبط)): باطن الْمَنْكب، وتُكسر الباء، ويُؤنّث،
(١)
جمعه آباط. انتهى(١).
قال الشارح المرتضى كَُّهُ: وتكسر الباء لغةً، فيُلْحق بإِلٍ، وقولهم: لا
ثاني له، أي على جهة الأصالة، فلا ينافي أن له أمثالاً بالإتباع، كهذا، وألفاظ
(٢)
کثیرة. انتھی(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: كلام المرتضى تَُّ هذا يفسّر ما تقدّم عن
الفيّوميّ أن كسر الباء غير ثابت مراده أصالةً، فلا ينافي جواز كسرها إتباعاً،
فافهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مالك ابن بُحينة ظُه هذا متَفقٌ
عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١١٠/٤٦ و١١١١] (٤٩٥)، و(البخاريّ) في
((الصلاة)) (٣٩٠) و((الأذان)) (٨٠٧) و((المناقب)) (٣٥٦٤)، و(النسائيّ) في
((الصلاة)) (٢١٢/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٥/٥)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٦٤٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩١٩)، و(البيهقيّ) في
(الكبرى)) (١١٤/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٨٧٧ و١٨٧٨)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١٠٩٥ و١٠٩٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان معنى الاعتدال المأمور به في الحديث الماضي، وذلك
أن من جملة الاعتدال في السجود أن يجافي يديه عن جنبيه، حتى يكون على
أكمل الهيئة للسجود، وتحقيق معنى التواضع؛ لأن هذه الهيئة أبعد من هيئة
الكسالى.
(١) ((القاموس المحيط)) ٣٤٩/٢.
(٢) (تاج العروس)) ١٠٠/٥.

٢٧٧
(٤٦) - بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ - حديث رقم (١١١٠)
٢ - (ومنها): ما قال ابن التين تَّتُهُ: فيه دليلٌ على أنه وَّه لم يكن عليه
قميص؛ لانکشاف إبطيه.
وتُعُقِّب باحتمال أن يكون القميص واسع الأكمام، وقد رَوَى الترمذي في
((الشمائل)) عن أم سلمة غيُّها أنها قالت: ((كان أحبّ الثياب إلى النبيّ وَّل
القميص))، أو أراد الراوي أن موضع بياضهما لو لم يكن عليه ثوب لَرُئِيَ، قاله
القرطبيّ .
٣ - (منها): ما قيل: إنه يُستدلّ به على أن إبطيه وَّلو لم يكن عليهما
شعر.
وفيه نظرٌ، فقد حَكَى المحب الطبريّ في ((الاستسقاء)) من ((الأحكام)) له
أنّ من خصائصه ◌َ لّ أن الإبط من جميع الناس مُتَغَيِّر اللون غيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا نقل في ((الفتح))، وسكت عليه، وهذا
عجيبٌ، فأين دليل هذه الخصوصيّة؟ فتأمله.
٤ - (ومنها): ما قيل: إنه يُستدلّ بإطلاقه على استحباب التفريج في
الركوع أيضاً .
وفيه نظرٌ؛ لأن في رواية عمرو بن الحارث، والليث بن سعد التالية
بلفظ: ((كان إذا سجد))، وهي رواية البخاريّ في ((المناقب)) عن قتيبة، عن
بكر بن مضر، فتبيّن بها أن المراد بالصلاة هنا في قوله: ((كان إذا صلّى))
السجود، من إطلاق الكلّ، وإرادة الجزء؛ إذ الرواية يفسّر بعضها بعضاً، فلا
يدلّ على التفريج في الركوع، فتأمل.
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تخلُّ: الحكمة في استحباب هذه الهيئة في
السجود، أنه يَخِفّ بها اعتماده عن وجهه، ولا يتأثر أنفه، ولا جبهته، ولا
يتأذى بملاقاة الأرض، وقال غيره: هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين
الجبهة والأنف من الأرض، مع مغايرته لهيئة الكسلان.
وقال ناصر الدين ابن الْمُنَيِّر تَخْذَلُ في ((الحاشية)): الحكمة فيه أن يَظْهَر
كلُّ عضو بنفسه، ويتميز حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنه عدد،
ومقتضى هذا أن يَسْتَقِلّ كلُّ عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض
في سجوده، وهذا ضدُّ ما ورد في الصفوف من التصاق بعضهم ببعض؛ لأن

٢٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
المقصود هناك إظهار الاتحاد بين المصلين، حتى كأنهم جسد واحدٌ، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): وردت أحاديث تدلّ على مشروعيّة الاعتدال، التجافي
والتفريج في السجود، وقد ساق المصنّف في هذا الباب، جملةً منها، فأخرج
حديث أنس بن مالك، والبراء بن عازب، وعبد الله بن مالك ابن بُحينة،
وميمونة أم المؤمنين
ويأتي له في الباب التالي حديث عائشة فيها: ((نَهَى النبيّ ◌َّر أن يفترش
الرجل ذراعيه افتراش السبع)).
ورَوَى الطبرانيّ وغيره من حديث ابن عمر رضيًّا بإسناد صحيح، أنه قال:
((لا تفترش افتراش السبع، وادَّعِمْ على راحتيك، وأبد ضَبْعَيك، فإذا فعلت ذلك
سَجَدَ كلُّ عضو منك)).
وأخرج الترمذيّ، وحسَّنه، من حديث عبد الله بن أرقم: ((صليتُ مع
النبيّ وََّ، فكنت أنظر إلى عُفْرَتي إبطيه إذا سجد)).
ولابن خزيمة عن أبي هريرة ﴿لله رفعه: ((إذا سجد أحدكم فلا يفترش
ذراعيه افتراش الكلب، ولْيَضُمّ فخذيه)).
وللحاكم من حديث ابن عباس ظها نحو حديث عبد الله بن أرقم.
وعنه عند الحاكم: ((كان النبيّ ◌َّ إذا سجد يُرَى وَضَحُ إبطيه))، وله من
حديثه، رفعه: ((إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مِرْفَقيك))، وهو حديث
البراء نظُته الماضي عند المصنّف.
قال الحافظ تَُّ: وهذه الأحاديث مع حديث ميمونة ◌ُّا عند مسلم:
(كان النبيّ وَّ يجافي يديه، فلو أن بُهَيمة أرادت أن تَمُرّ لمرّت))، مع حديث
ابن بحينة المعلّق عند البخاريّ، وأخرجه مسلم هنا ظاهرها وجوب التفريج
المذكور.
لكن أخرج أبو داود ما يدلّ على أنه للاستحباب، وهو حديث أبي
هريرة ربه، شكا أصحاب النبيّ وَّ له مشقة السجود عليهم، إذا انفرَجُوا،
فقال: ((استعينوا بالرُّكَب))، وترجم له: ((الرخصة في ذلك)) أي في ترك التفريج،

٢٧٩
(٤٦) - بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ - حديث رقم (١١١٠)
قال ابن عجلان أحد رواته: وذلك أن يَضَعَ مرفقيه على ركبتيه، إذا طال
السجود وأعيا .
قال الجامع عفا الله عنه: استدلال الحافظ بهذا الحديث على
الاستحباب، وأنه يصرف الوجوب المستفاد من أحاديث الباب، فيه نظر لا
يخفى؛ لأن الحديث متكلّم فيه، والصحيح إرساله، كما قال البخاريّ،
والترمذيّ، وأبو حاتم، والدارقطنيّ، وغيرهم(١)، وعلى تقدير صحّته، فهو مقيّد
بالمشقّة، والمشقّة تقدّر بقدرها، فمن لا يشقّ عليه، لا يُرخّص له في ترك
التفريج، فالحقّ أن التفريج المذكور واجب، كما دلّت عليه أحاديث الباب،
فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
ثم رأيت للصنعانيّ كَّتُ تعقّباً جيّداً لكلام الحافظ هذا، حيث قال:
وقد يُجاب عنه بأن ما استَدَلّ به على الاستحباب أدلّ منه على الوجوب، فإن
الترخيص فرع العزيمة، وهو مخصوص بحالة المشقّة، فلا بُدّ من مسلك
صحيح، يعمّ الحكم به جميع الأحوال، على أن قوله وَله: ((استعينوا
بالرُّكَبِ)) أظهر في تكميل الواجب، وعدم الترخيص فيه. انتهى كلام
الصنعانيّ ◌َّتُهُ(٢) .
قال الجامع عفا الله عنه: تعقّب الصنعانيّ كَُّ هذا وجيهٌ، فدلالة هذه
الأحاديث على الوجوب ظاهرة، لا يعارضها حديث: ((استعينوا بالرُّكَب))، بل
هو مؤيِّد لها؛ إذ دلالته على الوجوب أظهر من دلالته على الاستحباب، ولو
سُلّم، فهو لمن تضرّر فقط.
هذا كلّه على سبيل التنزّل، وإلا فالحديث لا يصلح لمعارضة هذه
الأحاديث الصحيحة الكثيرة؛ لأن الصحيح أنه مرسل، والمرسل غير صحيح
عند المحدّثين؛ للانقطاع، وعند من يحتجّ به إذا اعتضد يُشْتَرط أن لا يعارضه
(١) راجع: ((التاريخ الكبير)) ٢٠٣/٤، و((الصغير)) ١٨/٢ - ١٩، و((جامع الترمذيّ))
(٢٨٦)، و((علل ابن أبي حاتم)) ١/ ١٩٠، و((علل الدارقطنيّ)) ٨٥/١٠، والبيهقيّ
في ((السنن الكبرى)) ١١٧/٢.
(٢) ((العدّة حاشية العمدة)) ٣٤٣/٢.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ما هو أصحّ منه، وما هنا كذلك، فتنبّه لهذه الدقائق، والله تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
[تنبيه]: رأيت للشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذيّ كلاماً
غريباً، يُتعجّب منه، وذلك أن الترمذيّ ◌َّتُهُ قال:
(٢٦٣) حدّثنا قتيبة، حدّثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سُمَيّ، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، قال: اشتكى بعض أصحاب النبيّ وَّ إلى النبيّ ◌َّ
مشقّةَ السجود عليهم، إذا تفرّجوا، فقال: ((استعينوا بالركب)). قال أبو عيسى:
هذا حديث غريب، لا نعرفه من حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن
النبيّ ◌َّ﴾ إلا من هذا الوجه، من حديث الليث، عن ابن عجلان، وقد رَوَى
هذا الحديثَ سفيانُ بن عيينة، وغير واحد، عن سُمَيّ، عن النعمان بن أبي
عياش، عن النبيّ وَلّر نحو هذا، وكأنّ رواية هؤلاء أصحّ من رواية الليث.
انتهى. فعلّق أحمد شاكر على قوله: ((وكأن رواية هؤلاء أصحّ من رواية
الليث))، ما نصّه: لماذا؟، هؤلاء رووا الحديث عن سُميّ، عن النعمان
مرسلاً، والليث بن سعد رواه عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة
موصولاً، فهما طريقان مختلفان، يؤيّد أحدهما الآخر، ويَعضِده، والليث بن
سعد ثقةٌ حافظٌ حجة، لا تردّد في قبول زيادته، وما انفرد به، فالحديث
صحيحٌ. انتهى كلام ابن شاكر تَخْذُ(١). والغريب منه أنه تكلّم في الليث،
وليس الكلام فيه، فإن الخلاف إنما جاء من ابن عجلان، فإنه الذي خالف ابن
عيينة وغير واحد في روايتهم عن سُميّ، عن النعمان بن أبي عيّاش، مرسلاً،
فرواه عن سُميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موصولاً، فالمخالف هو ابن
عجلان، فأخطأ ابن شاكر، فدافع عن الليث الذي ليس هو المقصود في
الإعلال، ومعلوم أن ابن عجلان مضطرب في حديث أبي هريرة ظته، فضعف
وصل الحديث جاء من قبله، لا من قبل الليث، فتبصر، والله تعالى الهادي إلى
سواء السبيل.
[تنبيه آخر]: ذكر في ((الفتح)): أن الترمذيّ أخرج الحديث المذكور، ولم
(١) راجع: تعليق أحمد شاكر على ((جامع الترمذيّ)) ٧٨/٢.