النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (٤٥) - بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالتَّهْيِ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ ... إلخ - حديث رقم (١١٠٠) حديث أنس مظلته مرفوعاً: ((اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب))، الآتي في الباب التالي. وأما ما ذكره عن بعض الفقهاء من أن المراد الراحة، أو الأصابع، فمما لا دليل عليه، بل هو معارض لعموم النصّ، فلا يُلتفت إليه فتبصّر. (وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ) وفي الرواية الآتية: ((وأطراف القدمين)) وهو تفسير للمراد، وذلك بأن يجعل قدمين قائمتين على بطون أصابعهما، وعقباه مرتفعان، فيستقبل بظهور قدميه القبلة. وقال النوويّ كَُّ في ((تحقيقه)): المعتبر في القدمين بطون الأصابع، وقيل: يكفي ظهر القدم، وفي الكفّين بطنهما، وقيل: يشترط بطن الراحة، وقال ابن عبد البرّ: لو سجد عليهما مقبوضتين جاز ذلك(١). (وَالْجَبْهَةِ) بفتح، فسكون، جمعها جِبَاءٌ، مثلُ كَلْبة وكلاب، قال الخليل: هي مُسْتَوَى ما بين الحاجبين إلى الناصية، وقال الأصمعيّ: هي موضع السجود، قاله في ((المصباح))(٢). وقال ابن الملقّن تَّتُهُ: الجبهة: ما أصاب السجود من الأرض، ولا يكفي جانباه، وهما الجبينان. انتهى(٣). وزاد في رواية عبد الله بن طاوس، عن أبيه الآتية: ((وأشار بيده على أنفه))، قال في (الفتح)): كأنه ضَمَّن ((أشار)) معنى ((أَمَرَّ)) بتشديد الراء، فلذلك عدّاه بـ((على)) دون ((إلى) ووقع في ((العمدة)) بلفظ ((إلى))، وهي في بعض نسخ البخاريّ، من رواية كريمة، وعند النسائيّ من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس، فذكر هذا الحديث، وقال في آخره: قال ابن طاوس: ((ووضع يده على جبهته، وأمرّها على أنفه))، وقال: هذا واحد، فهذه رواية مفسَّرَة. قال القرطبيّ: هذا يدلّ على أن الجبهة الأصل في السجود، والأنف تَعٌ. (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٣/ ٨٧. (٢) ((المصباح المنير)) ١/ ٩١. (٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٨٢/٣. ٢٤٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقال ابن دقيق العيد: قيل: معناه أنهما جُعِلا كعضو واحد، وإلا لكانت الأعضاء ثمانيةً، قال: وفيه نظرٌ؛ لأنه يلزم منه أن يُكْتَفَى بالسجود على الأنف، كما يُكْتَفى بالسجود على بعض الجبهة، وقد احتُجَّ بهذا لأبي حنيفة في الاكتفاء بالسجود على الأنف، قال: والحقّ أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة، وإن أمكن أن يُعْتَقد أنهما كعضو واحد، فذاك في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دلّ عليه الأمر. وأيضاً فإن الإشارة قد لا تُعَيِّن المشار إليه، فإنها إنما تتعلق بالجبهة لأجل العبادة، فإذا تقارب ما في الجبهة أمكن أن لا يعين المشار إليه يقيناً، وأما العبارة فإنها معيّنة لما وضعت له فتقديمه أولى. انتهى. وما ذكره من جواز الاقتصار على بعض الجبهة قال به كثير من الشافعية، وكأنه أُخِذ من قول الشافعيّ في ((الأم)): إن الاقتصار على بعض الجبهة يُكْرَه، وقد ألزمهم بعض الحنفية بما تقدم. ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده . وذهب الجمهور إلى أنه يجزئ على الجبهة وحدها، وعن الأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب من المالكية وغيرهم: يجب أن يَجْمَعهما، وهو قول للشافعي أيضاً. انتهى(١). وقال ابن الملقّن تَّتُهُ: أقلّ السجود مباشرة بعض جبهته مصلاه مع الطمأنينة، والتحامل على موضع سجوده، وارتفاع الأسافل على الأعالي، وإذا أوجبنا وضع الركبتين والقدمين لم يجب كشفهما قطعاً، بل يكره كشف الركبتين كما نصّ عليه في ((الأمّ))، وإذا أوجبنا وضع الكفّين لم يجب كشفهما أيضاً على أظهر القولين، وهو ظاهر الحديث، فإنه دالّ على الوضع فقط، والزائد هل يُجعل عّة للإجزاء، أو جزء علّة؟ فيه نظر، والخلاف متردّد بين الجبهة، فيجب كشفها قطعاً، وبين الركبتين والقدمين فلا يجب قطعاً. انتهى. (١) ((الفتح)) ٣٤٦/٢. ٢٤٣ (٤٥) - بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالنَّهْيٍ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ ... إلخ - حديث رقم (١١٠٠) قال الجامع عفا الله عنه: مذهب القائلين بوجوب السجود على الجبهة والأنف جميعاً هو الحقّ؛ لظاهر الأمر، وأما القول بوجوب كشف الوجه، أو سائر الأعضاء فمما لا دليل عليه، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١٠٠/٤٥ و١١٠١ و١١٠٢ و١١٠٣ و١١٠٤] (٤٩٠)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٨٠٩ و٨١٠ و٨١٢ و٨١٥ و٨١٦)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٨٨٩ و٨٩٠)، و(الترمذيّ) فيها (٣٧٣)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٢٠٨ و٢١٠ و٢١٦)، و(ابن ماجه) فيها (٨٨٣ و٨٨٤ و١٠٤٠)، و(عبد الرّزّاق) في ((مصنّفه)) (٢٩٧١ و٢٩٧٢ و٢٩٧٣)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٦٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٦١/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٩٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢١/١ و٢٥٥ و٢٧٩ و٢٨٥ و٢٨٦ و٣٢٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٠٢/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٦٣٢ و٦٣٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٢٣ و١٩٢٤ و١٩٢٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٨٥٥ و١٠٨٥٦ و١٠٨٥٧ و١٠٨٥٨ و١٠٨٥٩ و١٠٨٦٠ و١٠٨٦١ و١٠٨٦٢ و١٠٨٦٣ و١٠٨٦٤ و١٠٨٦٥ و١٠٨٦٧ و١٠٨٦٨)، وفي ((الصغير)) (٩١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠٣/٢ و١٠٨)، و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (١/ ٢٠٠ و٢٠١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٥٦/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٨٦٢ و١٨٦٣ و١٨٦٤ و١٨٦٥ و١٨٦٦ و١٨٦٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٨٧ و١٠٨٨ و١٠٨٩ و١٠٩٠ و١٠٩١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن أعضاء السجود التي لا يتحقّق السجود المأمور به في النصوص إلا بوضعها سبعة. ٢٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٢ - (ومنها): أن ظاهر الحديث دالّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء، وهو الحقّ، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٣ - (ومنها): بيان النهي عن كفّ الشعر والثوب للصلاة، والحكمة في ذلك أن كفّهما يُشبه فعل المتكبّر، فينافي معنى السجود، وهو التواضع لله مجم بجميع أعضاء المصليّ، وما يتّصل به. ثم إن هذا النهي عن كفّ الثوب في الصلاة محمول على غير حالة الاضطرار، فإن من ضمّ إليه ثوبه إذا خاف تكشّف عورته لا يدخل تحت هذا النهي، بل هو من فعل الواجبات، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): بيان أن أمر النبيّ وَّه، ونهيه يعمّ أمته إلا فيما خُصّ به. ٥ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن دقيق العيد تَخْلُهُ: قد يُسْتَدُّل بهذا على أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء، فإن مسمى السجود يحصل بالوضع، فمن وضعها فقد أتى بما أُمر به، فوجب أن يَخْرُج عن العهدة، وهذا يلتفت إلى بحث أصوليّ، وهو أن الإجزاء في مثل هذا، هل هو راجع إلى اللفظ، أم إلى أن الأصل عدم وجوب الزائد على الملفوظ به، مضموماً إلى فعل المأمور به؟. وحاصله أن فعل المأمور به هل هو عِلّة الإجزاء، أو جزء علّة الإجزاء، ولم يُخْتَلَف في أن كشف الركبتين غير واجب، وكذلك القدمان، أما الأول فلما يُحْذَر فيه من كشف العورة، وأما الثاني، وهو عدم كشف القدمين، فعليه دليل لطيفٌ جدّاً؛ لأن الشارع وَقَّت المسح على الخفّ بمدة تقع فيها الصلاة مع الخفّ، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخفين، وانتقضت الطهارة، وبطلت الصلاة، وهذا باطل. ومن نازع في انتقاض الطهارة بنزع الخفّ، فَيُرَدّ عليه بحديث صفوان الذي فيه: ((أُمِرنا أن لا نْزِع خفافنا ... )) إلى آخره(١). (١) انتقاض الطهارة بنزع الخفّ تقدّم الكلام عليه في محلّه، وأن الأرجح عدم الانتقاض، وللصنعاني في ((حاشيته)) في هذا المحلّ (٣١٣/٢ - ٣١٤) اعتراض على القول بالانتقاض، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٢٤٥ (٤٥) - بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالنَّهْيِ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ ... إلخ - حديث رقم (١١٠٠) فنقول: لو وجب كشف القدمين لناقضه إباحة عدم النزع في هذه المدّة التي دلّ عليها لفظة ((أُمِرنا)) المحمولة على الإباحة. وأما اليدان فللشافعيّ تردد قول في وجوب كشفهما. انتهى كلام ابن دقيق العيد نَّتُهُ . قال الجامع عفا الله عنه: قد حقّق الإمام ابن دقيق العيد: هذه المسألة، وأجاد فيها . وحاصل ما دلّ عليه تحقيقه أنه لا يجب كشف أعضاء السجود: الجبهةِ، أو غيرها، كما دلّ عليه ظاهر حديث الباب، ولا نصّ يخالفه ويدلّ على الوجوب. والحاصل أن المصلّي مأمور بوضع هذه الأعضاء، سواء كانت مكشوفة، أو غير مكشوفة، فإذا تحقّق وضعه لها، فقد أدّى ما وجب عليه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم السجود على الأعضاء السبعة : قال الإمام ابن دقيق العيد رَّتُ: ظاهر الحديث يدلّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء؛ لأن الأمر للوجوب، والواجب عند الشافعيّ منها الجبهة، لم يتردد قوله فيه، واختَلَفَ قوله في اليدين والركبتين والقدمين، وهذا الحديث يدلّ للوجوب، وقد رَجّح بعض أصحابه عدم الوجوب، ولم أرهم عارضوا هذا بدليل قويّ أقوى من دلالته، فإنه استَدَلّ لعدم الوجوب بقوله وَّ في حديث رفاعة رُهُ(١): ((ثم يسجدُ، فَيُمَكِّن جبهته))، وهذا غايته أن تكون دلالته دلالة مفهوم، وهو مفهوم لقب، أو غاية (٢)، والمنطوق الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدم عليه، وليس هذا من باب تخصيص العموم بالمفهوم، كما مرَّ لنا في قوله ◌ِّ: ((جُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً))، مع قوله: ((جُعلت لنا الأرض مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً))، فإنه ثَمَّ يُعْمَل بذلك (١) أراد حديث رفاعة ظبه في حديث المسيء صلاته، وقد تقدّم في بابه. (٢) وللصنعانيّ كلام على المراد بالغاية، فراجعه (٣٠٧/٢ - ٣٠٨). ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة العموم من وجه إذا قدّمنا دلالة المفهوم، وها هنا إذا قدّمنا دلالة المفهوم أسقطنا الدليل الدالّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء، أعني اليدين، والركبتين، والقدمين، مع تناول اللفظ لها بخصوصها. وأضعف مِن هذا ما استُدلّ به على عدم الوجوب، من قوله اَليقول: ((سجد وجهي للذي خلقه))، قالوا: فأضاف السجود إلى الوجه، فإنه لا يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه. وأضعف مِن هذا الاستدلالُ على عدم الوجوب بأن مسمَّى السجود يَحصل بوضع الجبهة، فإن هذا الحديث يدلّ على إثبات زيادة على المسمَّى، فلا تُترك. وأضعف من هذا المعارضة بقياس شَبَهيّ، ليس بقويّ، مثل أن يقال: أعضاءٌ لا يجب كشفها فلا يجب وضعها كغيرها من الأعضاء، سوى الجبهة. وقد رَجَّح المحامليّ من أصحاب الشافعيّ القول بالوجوب، وهو أحسن عندنا من قول من رَجَّح عدم الوجوب. وذهب أبو حنيفة إلى أن مَن سجد على الأنف وحده كفاه، وهو قول في مذهب مالك وأصحابه. وذهب بعض العلماء إلى أن الواجب السجود على الجبهة والأنف معاً، وهو قول في مذهب مالك أيضاً، ويُحْتَجّ لهذا المذهب بحديث ابن عباس . هذا، فإن في بعض طرقه: ((الجبهة والأنف معاً))، وفي هذه الطريق التي ذكرها المصنف - يعني صاحب ((العمدة)) -: ((الجبهة، وأشار بيده إلى أنفه)). فقيل: معنى ذلك أنهما جُعِلا كالعضو الواحد، ويكون الأنف كالتبع للجبهة . واستُدِلّ على هذا بوجهين: أحدهما: أنه لو كان كعضو منفرد عن الجبهة حكماً، لكانت الأعضاء المأمور بالسجود عليها ثمانيةً، لا سبعةً، فلا يطابق العدد المذكور في أول الحدیث. الثاني: أنه قد اختَلَفت العبارة مع الإشارة إلى الأنف، فإذا جُعلا كعضو واحد، أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، فتطابق الإشارة ٢٤٧ (٤٥) - بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالنَّهْىٍ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ ... إلخ - حديث رقم (١١٠١) العبارة، وربما استُنْتِجَ من هذا أنه إذا سجد على الأنف وحده أجزأه؛ لأنهما إذا جُعلا كعضو واحد، كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة، فیجزئ. والحقّ أن مثل هذا لا يعارِض التصريح بذكر الجبهة والأنف؛ لكونهما داخلين تحت الأمر، وإن أمكن أن يُعتَقَد أنهما كعضو واحد من حيث العدد المذكور، فذلك في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دَلّ عليه الأمر. وأيضاً فإن الإشارة قد لا تُعَيِّن المشار إليه، فإنها إنما تتعلق بالجبهة، فإذا تفاوت ما في الجبهة أمكن أن لا يتعين المشار إليه يقيناً، وأما اللفظ فإنه مُعَيِّن لما وُضِع له، فتقديمه أولى. انتهى كلام ابن دقيق العيد كَذُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الإمام ابن دقيق العيد تَكْتُهُ في تحقيق هذه المسألة، وأفاد. وحاصل ما حقّقه أن السجود على هذه الأعضاء المذكورة في الحديث واجب؛ لأنها وردت بصيغة الأمر، والأمر للوجوب، وأما التفريق بين أجزائها، فيجب السجود على بعضها دون بعض، كما يقول الشافعيّ ◌َّتُهُ في الجبهة، والحنفيّة في الجبهة أو الأنف، وكذا في سائر الأعضاء، فمخالف للنصوص، فلا يُلتفت إليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٠١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِلـ قَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم، وَلَا أَكُنَّ ثَوْباً، وَلَا شَغُّراً)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف بُبُنْدَار، تقدّم قريباً. (١) ((إحكام الأحكام)) ٣٠٦/٢ - ٣١١ بنسخة ((الحاشية)). ٢٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٢ - (مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بِغُنْدَر، تقدّم قريباً أيضاً. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في الحديث الماضي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أُمِرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعُ (١)، وَنُهِيَ أَنْ يَكْفِتَ الشَّعْرَ وَالثِّيَابَ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمامٌ فقيه، من رؤوس [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٣ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد الله، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) ١٨/٤. والباقيان تقدّما قبله. وقوله: (عَلَى سَبْع) وفي نسخة: ((على سبعة))، وتذكير العدد وتأنيثه إذا لم يذكر المعدود تمييزاً جائزٌ، ومنه حديث: ((وأتبعه ستاً من شوّال))، وتقول: مسائلُ تسعةٌ، ورجالٌ تسعٌ(٢). وقوله: (وَنُهِيَ أَنْ يَكْفِتَ الشَّعْرَ وَالنِّيَابَ) ((يَكْفِتَ)) بفتح أوله، وسكون الكاف، وكسر الفاء، أي لا يضمّها، ولا يجمعها، و((الْكَفْتُ)): الجمع والضمّ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَتَا (٥)﴾ [المرسلات: ٢٥] أي (١) وفي نسخة: ((على سبعة)). (٢) راجع: ((حاشية الخضري على ابن عقيل)) ٢٠٨/٢. ٢٤٩ (٤٥) - بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالتَّهْىٍ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ ... إلخ - حديث رقم (١١٠٣) تجمع الناس في حياتهم وموتهم، وهو بمعنى الكفّ في الرواية المتقدّمة، وكلاهما بمعنى واحد(١). قال القرطبيّ تَخْثُهُ: ظاهر هذا الحديث يقتضي أن الكفت المنهيّ عنه إنما هو في حال الصلاة، وذلك لأنه شغل في الصلاة، لم تدع الحاجة إليه، أو لأنه يرفع شعره وثوبه من مباشرة الأرض في السجود، فيكون كِبْراً، وذهب الداوديّ إلى أن ذلك لمن فعله في الصلاة، قال عياضٌ: ودليل الآثار، وفعل الصحابة يُخالفه. انتهى(٢). والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم شرحه، ومسائله في الحديث الأول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزُ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاؤُسٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمِ: الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِّتَ الثِّيَابَ، وَلَا الشَّعْرَ(٣))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل المعروف بالسمين، صدوقٌ ربما وَهِم، وكان فاضلاً [١٠] (ت٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في ((المقدمة)) ١٠٤/١. ٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣. ٣ - (وُهَيْب) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، تغيّر قليلاً في الآخر [٧] (ت١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤١٣. (١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٩/٤. (٣) وفي نسخة: ((ولا أكفت الثياب والشعر)). (٢) ((المفهم)) ٩٥/٢. ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (الْجَبْهَةِ) بالجرّ بدلٌ من ((سبعة))، أو عطف بيان له، وما بعدها عطف عليها، ويَحْتَمل النصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني الجبهةَ ... إلخ. وقوله: (وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ) معترضة بين المتعاطفات، قال القرطبيّ تَخَّهُ: هذا يدلّ على أن الجبهة الأصل في السجود، وأن الأنف تبع له، وقد اختلف العلماء فيمن اقتصر على أحدهما دون الآخر على ثلاثة أقوال: الإجزاءُ، ونفيه، والتفرقةُ، فإن اقتصر على الجبهة أجزأ، وإن اقتصر على الأنف لم يُجزه، وهو مشهور مذهبنا - يعني المالكيّة - وقد سوّى في هذا الحديث في الأمر بكيفية السجود بين الوجه واليدين والركبتين والقدمين، فدلّ هذا الظاهر على أن من أخلّ بعضو من تلك الأعضاء مع تمكّنه من ذلك، لم يفعل السجود المأمور به. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قرّر القرطبيّ تَخْتُهُ أخيراً هو الحقّ الذي لا محيد عنه، ولا التفات إلى ما يغايره. وحاصله أن الحديث نصّ في استواء هذه الأعضاء السبعة في وجوب السجود عليها، فلا يجوز الإخلال ببعضها مع الاستطاعة، فمن قال بتفريق بعضها عن بعض في الحكم، فأجاز السجود مع ترك بعضها، فقد خالف النصّ، فلا يجوز تقليده، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (وَالْيَدَيْنِ) المراد به الكفّان كما تقدّم في الرواية الأولى. وقوله: (وَالرِّجْلَيْنِ) المراد به الركبتان، كما في الرواية الأخرى. وقوله: (وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ) أي بأن تُجعل قائمتين على بطون أصابعهما، وعقباه مرتفعتان، فيستقبل بظهور قدميه القبلة(٢). وقوله: (وَلَا نَكْفِتَ الِّيَابَ) وفي نسخة: ((ولا أكفت الثياب والشعر))، و(نَكْفِت)) بفتح النون، وسكون الكاف، وكسر الفاء، آخره مثنّاة فوقيّة، وروي بالنصب عطفاً على المنصوب السابق، وهو ((أسجُدَ))، أي أمرت أن لا نكفت، (١) ((المفهم)) ٩٤/٢. (٢) ((المرعاة)) ٢٠٤/٣. ٢٥١ (٤٥) - بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالنَّهْىٍ عَنْ كَفّ الشَّعْرِ ... إلخ - حديث رقم (١١٠٤ - ١١٠٥) ويجوز رفعه على أن الجملة مستأنفة(١). وقوله: (وَلَا الشَّعْرَ) بزيادة ((لا)) للتأكيد، والمراد شعر الرأس، والمعنى: أمرت أن أرسل الثياب والشعر، ولا نضمّهما إلى أنفسنا؛ وقايةً لهما من التراب، بل نتركهما حتى يقعا على الأرض؛ لنسجد بجميع الأعضاء والثياب. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٠٤] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدََّنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِّ ◌َّ﴿ قَالَ: ((أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ(٢)، وَلَا أَكْفِتَ الشَّعْرَ، وَلَا الثِّيَابَ: الْجَبْهَةِ، وَالْأَنْفِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقُّدَمَيْنِ))). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قريباً، فالثلاثة الأولون تقدّموا قبل باب، والباقون في السند الماضي. وقوله: (عَلَى سَبْع) وفي نسخة: ((على سبعة))، وتقدّم قريباً حكم تذكير العدد وتأنيثه، فلا تنس نَّصيبك. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٥] (٤٩١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ - وَهُوَ ابْنُ مُضَرَ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ أَطْرَافٍ: وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ))). (١) ((المرعاة)) ٢٠٦/٣. (٢) وفي نسخة: ((على سبعة). ٢٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٢ - (بَكْرٌ بْنُ مُضَرَ) بن محمد بن حكيم، أبو محمد، أو أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت٣ أو ١٧٤) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٩/٣٦. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ، له أفراد [٤] (ت١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٥ - (عَامِرُ بْنُ سَعْد) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. ٦ - (الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ) بن هاشم، عمّ النبيّ ◌َّ الصحابيّ المشهور، مات نظره سنة (٣٢) أو بعدها، وهو ابن (٨٨) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (ومنها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلُهُ . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى بكر، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وبكر، فمصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو عمّ الرسول وَّل، وأبو الخلفاء قلبه . شرح الحديث: (عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) ((أل)) في ((العباس))؛ للمح الأصل، وذكرها وتركه جائزان، كما أشار ابن مالك إلى ذلك في ((الخلاصة)) بقوله: ٢٥٣ (٤٥) - بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالنَّهْيِ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ ... إلخ - حديث رقم (١١٠٥) لِلَمْحِ مَا قَدْ كَانَ عَنْهُ نُقِلَا وَبَعْضُ العْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا فَذِكُرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ كَ ((الْفَضْلِ)) وَ((الْحَارِثِ)) وَ(«النُّعْمَانِ)) (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ أَطْرَافٍ) بفتح الهمزة: جمع طَرَف بفتحتين، كسبب وأسباب، والمراد الأعضاء. ووقع في رواية أبي داود، والنسائيّ بلفظ: ((سبعة آراب)) بالمدّ، وهو: جمع إِرْبٍ، بكسر، فسكون، كحِمْل وأَخْمال، وهي الأعضاء. وهذه الجملة خبريّة لفظاً، إنشائيّةٌ معنى، بدليل حديث ابن عبّاس الماضي، أي فليسجُد معه سبعة أعضاء. ثم فسّر الأطراف بقوله: (وَجْهُهُ) بالرفع بدلٌ من ((سبعة))، أو خبر لمحذوف، أي هي وجهه، ويَحْتمل النص، إن صحّ روايةً على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني وجهه. والمراد بالوجه هنا الجبهة والأنف، كما تقدّم التصريح به في حديث ابن ((الجبهة والأنف)). : عبّاس (وَكَفَّاهُ) هكذا هنا، وهو تفسير لما تقدّم في بعض روايات ابن عبّاس بلفظ: ((اليدين))، كما تقدّم تحقيقه. (وَرُكْبَتَاهُ) هذا أيضاً تفسير لما سبق في حديث ابن عبّاس ظًَّا بلفظ ((الرجلين)). (وَقَدَمَاهُ))) تقدّم في حديث ابن عبّاس بلفظ: ((وأطراف القدمين))، وهو تفسير لما هنا، فالمأمور به نصب أطراف القدمين على الأرض، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث العبّاس بن عبد المطّلب به هذا من أفراد المصنّف نَذَّلهُ . [تنبيه]: حديث العبّاس ◌ُه هذا هكذا هو في معظم النسخ عندنا، وعليها شرح القاضي عياض، والنوويّ، والأبيّ والسنوسيّ، وهو الذي عند ٢٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة الحافظ أبي الحجّاج المزيّ في ((تحفته))(١). لكنه لا يوجد في النسخة الاستانبوليّة التي هي من أحسن نسخ مسلم التي بين أيدينا الآن، وهي التي حقّقها وعلّق عليها الأستاذ محمد ذهني تَُّهُ. وقد كتب الحافظ في ((النكت الظراف)) ما نصّه: قال ابن شيخنا - يعني أبا زرعة -: لم أقف عليه في ((الصلاة)) من ((صحيح مسلم)). انتهى(٢). ولم يتعقّبه الحافظ، فدلّ على اختلاف نسخ ((صحيح مسلم)) في إثباته، وحذفه. ومما يؤيّد ذلك أنه لم يُذكره أبو نعيم في ((مستخرجه على مسلم))، ولا أبو عوانة في ((مسنده)) الذي هو ((مستخرج على صحيح مسلم)) أيضاً، فدلّ على أنه لم يقع ذكر في النسخ التي عندهما من ((صحيح مسلم)). وقد كنت كتبت في ((شرح النسائي))، وملت إلى ترجيح ما قاله أبو زرعة، وتعقّبت المتأخرين الذين قلّدوا المزيّ في قوله: إن مسلماً أخرجه، والآن تبيّن لي أن ما قاله المزّي والعراقي صحيح، باعتبار اختلاف النسخ، فلا داعي إلى تخطئة بعضهم، وتصويب بعضهم، فليُتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١٠٥/٤٥] (٤٩١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٨٩١)، و(الترمذيّ) فيها (٢٧٢)، و(النسائيّ) فيها (٢٠٨/٢ و٢١٠)، و(ابن ماجه) فيها (٨٨٥)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (٨٥/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٠٦/١ و٢٠٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٦٣١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٢١ و١٩٢٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٥٥/١ - ٢٥٦)، و(الطبريّ) في (تهذيب الآثار)) (٢٠٥/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠١/٢). قال الجامع عفا الله عنه: لم أجد حديث العبّاس بن عبد الطلب ◌ُله هذا في (مسند أبي عوانة))، ولا في ((مستخرج أبي نعيم))، ولعلهما لم يستخرجاه (١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٤/ ١٣٧. (٢) راجع: ((الإطراف بأوهام الأطراف)) (ص١١٣). ٢٥٥ (٤٥) - بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالنَّهْىِ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ ... إلخ - حديث رقم (١١٠٦) لكونهما لم يجداه في نسخة مسلم التي عندهما، كما أسلفنا اختلاف نسخه في التنبيه الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١١٠٦] (٤٩٢) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ، أَنَّ كُرَيْباً مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ، يُصَلِّ وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَامَ، فَجَعَلَ يَحُلُّهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأْسِيٍ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا، مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي، وَهُوَ مَكْتُوفٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) بتشديد الواو، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٥) (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣٩/٣٤. ٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب، تقدّم قبل بابين. ٣ - (بُكَيْر) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٤/٤. ٤ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو: كريب بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدِين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت٩٨) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٨٨/٢. والباقیان ذكرا قبل حديث. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلُهُ . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين إلى كريب، وهو وابن عبّاس مدنيّان . ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) ◌َا (أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللهِ بْنَ الْحَارِثِ) بن أبي ربيعة، هكذا نسبه الإمام أحمد في ((مسنده))، ونصّه: (٣١٦/١) حدّثنا حجاج، أخبرنا ليث، حدّثنا عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن شعبة مولى ابن عباس، أو كريب مولى ابن عباس، أن عبد الله بن عباس، مَرَّ بعبد الله بن الحارث بن أبي ربيعة، وهو يصلي مضفورَ الرأس معقوداً من ورائه، فوقف عليه، فلم يَبْرَحِ يَخُلُّ عَقْدَ رأسه، فأقرَّ له عبد الله بن الحارث حتى فَرَغْ من حَلِّه، ثم جلس، فلما فرغ ابن الحارث من الصلاة أتاه، فقال: علام صنعت برأسي ما صنعت آنفاً؟ قال: إني سمعت رسول الله و يقول: ((مثل الذي يصلي، ورأسه معقود من ورائه، كمثل الذي يصلي مكتوفاً)). انتهى. (يُصَلِّي) جملة حاليّة من المفعول، والرابط الواو، كما قال في «الخلاصة)» : وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا بِوَاوٍ اوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا أي حال كونه مصلّياً (وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ) اسم مفعول من عَقَصَ شعره يَعْقِصه، من باب ضرب: ضَفَرَه، وفَتَله، والعِقصةُ، والْعَقِيصةُ: الضفيرة، قاله في ((القاموس)) (١)، وقال في ((المصباح)): الْعَقِيصة: للمرأة: الشعرُ يُلْوَى، ويُخَل أطرافه في أصوله، والجمع عقائص، وعِقَاص، والْعِقْصَة مثلها. انتهى (٢). والْعَقْصُ: جمع الشعر وسط رأسه، أو لفّ ذوائبه حول رأسه، ونحو ذلك، كفعل النساء، والجملة أيضاً حاليّة، وهي من الأحوال المتداخلة، إن كانت حالاً من فاعل ((يُصلّي))، أو المترادفة، إن كانت من المفعول، وقوله: (مِنْ وَرَائِهِ) متعلّق بـ((معقوص)) (فَقَامَ) أي ابن عبّاس ◌َِّا (فَجَعَلَ) هي من أفعال الشروع، بمعنى شرع، وأخذ، ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وخبرها يكون جملة (١) ((القاموس المحيط)) ٣٠٨/٢. (٢) ((المصباح المنير)) ٤٢٢/٢. ٢٥٧ (٤٥) - بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالنَّهْىٍ عَنْ كَفِّ الشَّعْرِ ... إلخ - حديث رقم (١١٠٦) مضارعيّة، وهو هنا قوله: (يَحُلُّهُ) زاد في رواية أبي داود: ((وأقرّه الآخر))، وفي رواية أحمد السابقة: ((فأقرّ له عبد الله بن الحارث حتى فرغ من حَلِّه)). ويَحُلّه)) بضم الحاء المهملة، من حَلَّ الْعُقْدة، من باب نصر: إذا نقضها . والمعنى: أن عبد الله بن عبّاس ◌ِّ شرع ينقض شعر عبد الله بن الحارث المضفور. (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أي سلّم عبد الله بن الحارث من صلاته (أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌ًِّا مستفسراً سبب نقض شعره (فَقَالَ: مَا لَكَ وَرَأْسِي؟) ((ما)) استفهاميّة مبتدأُ، خبره الجارّ والمجرور، و((ورأسي)) الواو فيه واو المعيّة، و((رأسي)) منصوب على أنه مفعول معه، أي أيّ شيء ثبت مع رأسي حتى تحُلّ ضفيرته؟. (فَقَالَ) ابن عبّاس مبيّناً دليله على ما صَنَعَ (إِنِّي) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، كما قال في ((الخلاصة)): فَاكْسِرْ فِي الابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ ((إِنَّ) لِيَمِينٍ مُكْمِلَهْ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّمَا مَثَلُ) بفتحتين: أي صفة (هَذَا) المصلّي، وهو معقوص، فـ((مثل)) مبتدأ خبره ((مثلُ)) بعده، وفي رواية أحمد: ((مثل الذي يُصلّي، ورأسه معقوص من ورائه ... ). (مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي، وَهُوَ مَكْتُوفٌ))) أي مربوطةٌ يداه بحبل ونحوه، مشدودة إلى خلفه، وهو اسم مفعول من كَتَفَهُ يَكْتِفُهُ، من باب ضرب، وكِتَافاً بالكسر: إذا شدّ يديه إلى خلف كتفيه، مُوثَقاً بحبل ونحوه، وكَتََّه بالتشديد مبالغة(١). وقال بعضهم: المشار إليه الوضع القائم، والشعر المعقوص، أي إنما مَثَلُ الذي يُصلي بهذا الوضع كمثل الذي يُصلي، وهو مكتوفٌ؛ لأن تكتيف جزء يشبه تكتيف جزء آخر، فتكتيف الشعر يشبه تكتيف اليدين. انتهى (٢). وقال ابن الأثير تَّتُهُ في معنى الحديث: أراد أنه إذا كان شعره منشوراً سقط على الأرض عند السجود، فيُعطى صاحبه ثواب السجود به، وإذا كان معقوصاً صار في معنى ما لم يسجد، وشَبَّهه بالمكتوف، وهو المشدود اليدين؛ (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٢٥/٢. (٢) ((فتح المنعم)) ٦٦/٣. ٢٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة لأنهما لا يقعان على الأرض في السجود. انتهى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ّ هذا من أفراد المصنّف تَخْذَتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١١٠٦/٤٥] (٤٩٢)، (وأبو داود) في ((الصلاة)) (٦٤٦)، و(النسائيّ) فيها (٢١٥/٢ -٢١٦)، و(ابن ماجه) فيها (٨٨٥)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٠٤/١ و٤١٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢٠/١ - ٣٢١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٩١٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٢٨٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠٩/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٠٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٩٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عدم مشروعيّة السجود، وهو معقوص الشعر. ٢ - (ومنها): الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن ذلك لا يؤخّر، ولو كان المأمور، أو المنهيّ عنه في الصلاة، ولذا لم يؤخّره ابن عبّاس حتى يفرغ من الصلاة. ٣ - (ومنها): أن المكروه يُنكَر كما يُنكر الحرام، هكذا قيل، وفيه نظر. ٤ - (ومنها): إزالة المنكر باليد إذا أمكن؛ لحديث أبي سعيد الخدري رضيبه مرفوعاً: ((من رأى منكم منكراً، فليُغيّره بيده ... ))، رواه مسلم. ٥ - (ومنها): قبول خبر الواحد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن صلّى معقوص الشعر: قال الإمام ابن المنذر تَخْذُ: كَرِه أن يصلي الرجل، وهو عاقص شعره عليُّ بنُ أبي طالب، وابن مسعود، وحُذيفة، وقال عطاء: لا يكفّ الشعر عن (١) ((النهاية)) ٢٧٥/٣ - ٢٧٦. ٢٥٩ (٤٥) - بَابُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، وَالتَّهْىِ عَنْ كَفّ الشَّعْرِ ... إلخ - حديث رقم (١١٠٦) الأرض، وكَرِهَ ذلك الشافعيّ، وكان ابن عبّاس ◌ًَّا إذا سجد يقع شعره على الأرض. واختلفوا فيما يجب على من فَعَل ذلك، فكان الشافعيّ، وعطاء يقولان: لا إعادة عليه، وكذلك أحفظ عن كلّ من لقيته من أهل العلم، غير الحسن البصريّ، فإنه كَرِه ذلك، وقال: عليه إعادة تلك الصلاة. انتهى كلام ابن المنذر رَّهُ(١). وقال النوويّ تَخْتُهُ: اتَّفَقَ العلماء على النهي عن الصلاة، وثوبه مُشَمَّر، أو كُمُّه، أو نحوه، أو رأسه معقوصٌ، أو مردود شعره تحت عمامته، أو نحو ذلك، فكل هذا منهيّ عنه باتّفاق العلماء، وهو كراهة تنزيه، فلو صلى كذلك فقد أساء، وصحت صلاته، واحتَجّ في ذلك أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ بإجماع العلماء، وحكى ابن المنذر الإعادة فيه عن الحسن البصريّ. ثم مذهب الجمهور أن النهي مطلقاً لمن صَلَّى كذلك، سواء تعمده للصلاة أم كان قبلها كذلك لا لها، بل لمعنى آخر، وقال الداوديّ: يختص النهي بمن فَعَل ذلك للصلاة، والمختار الصحيح هو الأول، وهو ظاهر المنقول عن الصحابة وغيرهم، ويدلّ عليه فعل ابن عباس المذكور هنا . قال العلماء: والحكمة في النهي عنه أن الشعر يسجد معه، ولهذا مثَّله بالذي يصلي، وهو مكتوف. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((كراهة تنزيه)) فيه نظر لا يخفى، فقد وردت الأحاديث بصيغة النهي، كما بيّنها المصنّف وغيره في هذا الباب، ومعلوم أن النهي للتحريم عند جمهور الأصوليين، وهو الحقّ ما لم يصرفه دليلٌ إلى غيره، ولم يذكروا هنا دليلاً لذلك، إلا الإجماع المزعوم، وقد عرفت أنه غير صحيح؛ لمخالفة الحسن البصريّ، فالظاهر أن النهي للتحريم، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوَفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ نَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. (١) ((الأوسط)) ١٨٣/٣ - ١٨٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٩/٤. ٢٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (٤٦) - (بَابُ الاعْتِدَالِ فِي السُّجُودِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١١٠٧] (٤٩٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل بابین . ٢ - (وَكِيع) بن الجرَّاحِ بن مَلِيحِ الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت١٩٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاح، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دعامة، تقدّم قبل بابین. ٥ - (أَنَس) بن مالك بن النضر، أبو حمزة الصحابيّ الشهير نَظُله، مات سنة (٢ أو ٩٣) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ◌َّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من شعبة، والأولان كوفيّان. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً. شرح الحديث : (عَنْ أَنَسٍ) رَظُه، ووقع في رواية أبي داود الطيالسيّ عند الترمذيّ،