النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٤٣) - بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ - حديث رقم (١٠٨٨)
والتقدير: حاصل له.
وقوله: (وَهُوَ سَاجِدٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير
(حاصلٌ))، أو من ضمیر ((له)).
والمعنى: أقرب أكوان العبد من ربّه تبارك وتعالى حاصل له حين كونه
ساجداً .
ولا يَرِدُ على الأول أن الحال لا بُدّ أن يرتبط بصاحبه، ولا ارتباط هنا؛
لأن ضمير ((وهو ساجد)) لـ((العبد))؛ لا لـ((أقرب))؛ لأنا نقول: يكفي في الارتباط
وجود الواو من غير حاجة إلى الضمير، مثلُ ((جاء زيد والشمس طالعةٌ))، أفاده
السنديّ ركآتُ.
وقال ابن مالك تَتُهُ: قوله: ((وهو ساجد)) جملةٌ حاليّة سدّت مسدّ خبر
المبتدأ، ونظيره: ((ضربي زيداً قائماً))، التزمت العرب حذف خبر المبتدأ،
وتنكير قائماً، وجَعَلت المبتدأ عاملاً في ضمير صاحب الحال، ويشهد بأنّ
((كان)) المقدّرة تامّةٌ، و((قائماً)) حال من فاعلها التزام العرب تنكير ((قائماً))،
وإيقاع الجملة الاسميّة المقرونة بواو الحال مَوْقِعه في هذا الحديث، والمبتدأُ
فيه مؤوَّلٌ يُفسِّرُ صاحبَ الحال، يعني بالمصدر المقدّر؛ لأن لفظ ((ما يكون))
مؤوَّلٌ بـ((الكون))، والتقدير: أقرب الكون كونُ العبد ساجداً. انتهى(١).
وقد ذكرت هذا البحث في ((شرح النسائيّ)) بأتمّ مما هنا، فراجعه
تستفد(٢)، وبالله تعالى التوفيق.
وإنما كان العبد أقرب إليه تعالى في حال سجوده من سائر أحوال الصلاة
وغيرها؛ لأن العبد بقدر ما يَبْعُد عن حظوظ نفسه بمخالفتها يقرب من ربّه رَت،
والسجودُ فيه غاية التواضع، وترك الكبر، وكسر النفس؛ لأنها لا تأمر صاحبها
بالمذلّة، ولا ترضى بها، ولا بالتواضع، فإذا سجد فقد خالف نفسه، وبَعُد
عنها، فإذا بعُد عنها قُرُب من ربّه رَك.
وقيل: وجه أقربيّته من ربّه في السجود أن العبد داع لربّه فيه؛ لكونه
مأموراً به، والله تعالى قريب من السائلين، كما قال رمت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
(١) راجع: ((عقود الزبرجد)) للسيوطيّ ٢/. (٢) ((ذخيرة العقبى)) ٧/١٤.

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
عِبَادِى عَنِّى فَإِنِ قَرِيبٌ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]، ولأن السجود غاية في الذلّ
والانكسار، وتعفير الوجه، وهذه الحالة أحبّ أحوال العبد، كما رواه الطبرانيّ
في ((الكبير)) بإسناد حسن، عن ابن مسعود تَُّه، ولأن السجود أول عبادة أَمَرَ
اللهُ تعالى بها بعد خلق آدم علَ*، فالمتقرّب بها أقرب، ولأن فيه مخالفة إبليس
في أول ذنب عَصَى الله تعالى به، وللبحث تمام في ((شرح النسائيّ))، فراجعه
تستفد(١)، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ))) متعلِّقه محذوف، أي فيه، أي السجود.
قال في ((الفتح)): والأمر بإكثار الدعاء في السجود، يَشْمَل الحثَّ على
تكثير الطلب لكل حاجة، كما جاء في حديث أنس ظراته: ((ليسأل أحدكم ربه
حاجته كلها، حتى شِسْعَ نعله))، أخرجه الترمذيّ(٢)، ويَشْمَل التكرار للسؤال
الواحد، والاستجابةُ تَشْمَل استجابة الداعي بإعطاء سؤله، واستجابة الْمُثْنِي
بتعظيم ثوابه. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٨٨/٤٣] (٤٨٢)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٨٧٥)، و(النسائيّ) فيها (٢٢٦/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٢١/٢)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٢٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٨٦ و١٨٧)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٧٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٠/٢)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٦٥٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((ذخيرة العقبى)) ٧/١٤ - ٨.
(٢) أخرجه الترمذيّ بسند فيه ضعف، وحسّنه الشيخ الألباني في تخريح ((المشكاة)) رقم
(٢٢٥١).
(٣) ((الفتح)) ٣٥٠/٢.

١٨٣
(٤٣) - بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ - حديث رقم (١٠٨٨)
١ - (منها): بيان فضل السجود؛ لأنه أقرب أحوال العبد من الله ربك.
٢ - (ومنها): الإشارة إلى أن أفضل أحوال العبد التواضع؛ إذ به القرب
من الله رد .
٣ - (ومنها): الأمر بالإكثار من الدعاء في حال السجود؛ لكون العبد فيه
أقرب من ربّه رجل، فيكون جديراً بالإجابة، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا
سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]،
وقد تقدّم حديث ابن عبّاس ظًا، مرفوعاً: ((وأما السجود، فاجتهدوا في
الدعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم)).
٤ - (ومنها): أن فيه حجةً لمن يقول: إن كثرة السجود أفضل من طول
القيام، وسائر الأركان، وفيه خلاف، والراجح أن طول القيام أفضل؛ لقوّة
حجته، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم، هل السجود أفضل من
القيام، أم العكس؟:
قال النوويّ تَخْذَلُهُ: في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
[أحدها]: أن تطويل السجود، وتكثير الركوع والسجود، أفضل، حكاه
الترمذيّ، والبغويّ، عن جماعة، وممن قال بتفضيل تطويل السجود ابنُ
عمر حقها.
[والمذهب الثاني]: مذهب الشافعيّ تَظْلَثُ، وجماعة، أن تطويل القيام
أفضل؛ لحديث جابر رظه في ((صحيح مسلم)): أن النبيّ وَّ قال: ((أفضل
الصلاة طول القنوت))، والمراد بالقنوت القيام، ولأن ذكر القيام القراءةُ، وذكر
السجود التسبيح، والقراءة أفضل، ولأن المنقول عن النبيّ وَ﴿ أنه كان يُطَوِّل
القيام أكثر من تطويل السجود.
[والمذهب الثالث]: أنهما سواء، وتوقّف أحمد بن حنبل تَظَّتُ في
المسألة، ولم يَقْضِ فيها بشيء، وقال إسحاق ابن راهويه: أما في النهار،
فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما في الليل فتطويل القيام، إلا أن يكون

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
للرجل جزء بالليل يأتي عليه، فتكثير الركوع والسجود أفضل؛ لأنه يقرأ جزأه،
ويَرْبَح كثرة الركوع والسجود.
وقال الترمذيّ تَخْلُهُ: إنما قال إسحاق هذا؛ لأنهم وَصَفُوا صلاة النبيّ وَّل
بالليل بطول القيام، ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وُصِف بالليل، والله
أعلم. انتهى.
وقال العلامة الشوكانيّ في شرح حديث: ((أفضل الصلاة طول القنوت))
- أي القيام - ما نصُّهُ: والحديث يدلّ على أن القيام أفضل من السجود والركوع
وغيرهما، وإلى ذلك ذهب جماعة، منهم: الشافعي كما تقدم، وهو الظاهر،
ولا يعارض حديثُ الباب، وما في معناه الأحاديثَ المتقدمة في فضل
السجود؛ لأن صيغة أفعل الدالّة على التفضيل، إنما وردت في فضل طول
القيام، ولا يلزم من فضل الركوع والسجود أفضليتهما على طول القيام.
وأما حديث: ((ما تقرَّب العبد إلى الله بأفضل من سجود خَفِيّ))، فإنه لا
يصحّ؛ لإرساله، كما قال الحافظ العراقيّ تَخَُّهُ، ولأن في إسناده أبا بكر بن
أبي مريم، وهو ضعيف، وكذلك أيضاً لا يلزم من كون العبد أقرب إلى ربه
حال سجوده أفضليته على القيام؛ لأن ذلك إنما هو باعتبار إجابة الدعاء.
وقال الحافظ العراقيّ تَظَّتُ: الظاهر أن أحاديث أفضلية طول القيام
محمولة على صلاة النفل التي لا تُشْرَع فيها الجماعة، وعلى صلاة المنفرد،
فأما الإمام في الفرائض والنوافل، فهو مأمور بالتخفيف المشروع، إلا إذا عَلِمَ
من حال المأمومين المحصورين إيثار التطويل، ولم يَحْدُث ما يقتضي
التخفيف، من بكاء صبيّ ونحوه، فلا بأس بالتطويل، وعليه يُحْمَل صلاته وَه
في المغرب بـ((الأعراف))، كما تقدم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي الأرجح قول من قال بأفضليّة القيام، كما
هو مذهب الإمام الشافعيّ تَخْتُ؛ لقوّة دليله، فقد صرّح ◌َّه بقوله: ((أفضل
الصلاة القنوت))، ولأن صلاته و * موصوفة بطول القيام، لا بكثرة السجود،
فقد ثبت في ((الصحيحين))، وغيرهما أنه كان يصلّي إحدى عشرة ركعةً، وثلاث
(١) ((نيل الأوطار)) ٩٢/٣ - ٩٣.

١٨٥
(٤٣) - بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ - حديث رقم (١٠٨٩)
عشرة ركعة، ويقرأ بـ((البقرة))، و((آل عمران))، و((النساء))، ويركع ويسجد قريباً
مما قام، ومن المعلوم أنه لا يختار إلا الأفضل، فاتّفق قوله وفعله في ذلك،
فدلّ على أن القيام هو الأفضل، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٨٩] (٤٨٣) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا:
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنٍ غَزِيَّةَ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى
أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ كَانَ يَقُولُ فِي
سُجُودِهِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنِّي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن مَيْسَرة الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ،
من صغار [١٠] (ت٢٦٤) عن (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٣/٧٥.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيّ - بغين معجمة، وفاء، وقاف - أبو العبّاس
المصريّ، صدوقٌ، ربّما أخطأ [٧] (ت١٦٨) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٢٦/ ٨٢٠.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من سباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه شيخان قرن
بینھما .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، وعمارة علّق عنه
البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهَ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: ((اللَّهُمَّ
شرح الحديث :

١٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
اغْفِرْ لِي) أي اصفح عنّي، يقال: غفر الله له غَفْراً، من باب ضرب، وغُفْراناً:
صَفَحَ عنه، والمَغْفِرة اسم منه، واستغفرتُ الله: سألته المغفرةَ، واغتفرت
للجاني ما صنع، وأصلُ الْغَفْرِ السَّتْر، ومنه يقال: الصِّبْغُ أَغْفَرُ للوَسَخِ، أي
أسترُ(١). (ذَرْبِي) بفتح، فسكون، جمعه ذُنُوبٌ، وهو الإثم، وقوله: (كُلَّهُ)
بالنصب توكيداً لما قبله (دِقَّهُ وَجِلَّهُ) بكسر أولهما، وبضمّ الجيم أيضاً: أي قليله
وكثيره، وقيل: صغيره وكبيره، وهو تفصيل لما قبله، قيل: إنما قدّم الدِّقّ على
الجلّ؛ لأن السائل متصاعد في مسألته، ولأن الكبائر إنما تنشأ في الغالب من
الإصرار على الصغائر، وعدم المبالاة بها، وكأنها وسائل إلى الكبائر، ومن
حقّ الوسيلة أن تُقدّم إثباتاً أو نفياً، قاله الطيبيّ تَظُّهُ(٢) .
وقال النوويّ تَخَّتُهُ: وفيه توكيد الدعاء، وتكثير ألفاظه، وإن أغنى بعضها
عن بعض. انتهى(٣).
وقوله: (وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) المراد ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر منه (وَعَلَانِيَتَهُ
وَسِرَّهُ))) أي ظاهره وخفّيه بالنسبة لغير الله تعالى؛ لأنهما عنده سواء، وهذا من باب
عطف المؤكِّد على المؤكَّد؛ مبالغة في محو الذنوب وآثارها الظاهرة والباطنة.
قال في ((المنهل)): والغرض من هذا كمال التواضع والإذعان لامتثال
أمر الله تعالى، والتشريع للأمة، وإلا فهو وَ لّ معصوم من الذنب. انتهى(٤).
وقال القرطبيّ كَخَّفُهُ: فيه دليلٌ على نسبة الذنوب إليه وَلِّ، وقد اختَلَف
الناس في ذلك، فمنهم من يقول: الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر،
وذهبت شِرْذمة من الروافض إلى تجويز كلّ ذلك عليهم إلا ما يناقض مدلول
المعجزة، كالكذب والكفر، وذهب المقتصدون إلى أنهم معصومون عن الكبائر
إجماعاً سابقاً خلاف الروافض، ولا يُعتدّ بخلافهم؛ إذ حَكَم بكفرهم كثير من
العلماء. انتهى (٥).
(١) ((المصباح المنير)) ٤٤٩/٢.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠٢٣/٣.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٢٠١/٤.
(٥) ((المفهم)) ٢/ ٩٢.
(٤) ((المنهل العذب المورود)) ٣٢٦/٥.

١٨٧
(٤٣) - بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ - حديث رقم (١٠٩٠)
قال الجامع عفا الله عنه: قد أشرت إلى هذه المسألة في ((التحفة
المرضيّة)) حيث قلت:
لَا يَفْعَلُ الْمُزْرِيَ بِالنُّبُوَّةِ
فَكُلُّ مُرْسَلِ بُعَيْدَ الْبِعْئَةِ
مُرُوءَةً عَمْداً وَسَهْواً يَهْبِطُ
أَوْ مُوجِبَ الْخِسَّةِ أَوْ مَا يُسْقِطُ
وَرَجَّحُوا الْجَوَازَ لِلصَّغَائِرِ
وَأَجْمَعُوا عَلَى انْتِفَا الْكَبَائِرِ
فَنِعْمَةُ الْمَوْلَى عَلَيْهِمْ تَتْرَى
لَكِنَّهُمْ يُنَبَّهُونَ فَوْرَا
وإن أردت تحقيق معاني الأبيات فارجع إلى شرجها ((المنحة الرضيّة))،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف تَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٨٩/٤٣] (٤٨٣)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٨٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٩٣١)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني
الآثار)) (٢٣٤/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٨٨٠)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٠٧٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٦٢٠)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٠] (٤٨٤) - (حَدَّثَنَا (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ،
قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ
رَبَّا وَبِحَمْدَِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي))، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
(١) وفي نسخة: ((حدّثني)).

١٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي أيضاً.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) عن (٧١) سنةً (ع) تقدم
في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٦] (١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٥ - (أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبَيح الْهَمْدانيّ الكوفيّ العطّار، مشهور
بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت١٠٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٥/٢٢.
٦ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة
الكوفيّ، ثقةٌ فقيه عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت٦٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٧/٢٧.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ّا، ماتت سنة (٥٧)، وقيل غير ذلك (ع)
تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَّتُهُ، وله فيه شيخان قَرَن
بينهما .
٢ - (ومنها): أنَّ رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه، فالأول نسائيّ، ثم
بغداديّ، والثاني مروزيّ، وعائشة پا مدنيّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ◌ّها الصدّيقة بنت الصدّيق، حبيبة
رسول الله وَل﴾، وبنت حبيبه ها، الفقيهة، من المكثرين السبعة، روت
(٢٢١٠) من الأحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِّنَا أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ) كذا في
رواية منصور، وقد بَيَّنَ الأعمش في روايته، عن أبي الضحى الآتية ابتداء هذا

١٨٩
(٤٣) - بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ - حديث رقم (١٠٩٠)
الفعل، وأنه وَله واظب عليه، ولفظه: ((عن عائشة قالت: ما رأيت النبيّ وَل
منذ نزل عليه: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴾﴾ يُصلي صلاةً إلا دعا، أو
قال فيها: سبحانك اللهم ... )) الحديث.
قيل: اختار النبيّ ◌َّ الصلاة لهذا القول؛ لأن حالها أفضل من غيرها،
وليس في الحديث ما يدلّ على أنه وَّ لم يكن يقول ذلك خارج الصلاة أيضاً،
بل في رواية عامر الشعبيّ، عن مسروق الآتية ما يُشعِر بأنه ◌َّ كان يواظب
على ذلك داخل الصلاة وخارجها .
وقوله: (فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ) بيان للمحلّ الذي كان ◌َّهِ يقول فيه هذا
الذكر من الصلاة، وهو الركوع والسجود.
(سُبْحَانَكَ) قال أهل اللغة العربية، وغيرهم: التسبيح: التنزيه، وقولهم:
((سبحانَ الله)) منصوب على المصدر، يقال: سَبَّحتُ الله تسبيحاً وسُبْحَاناً،
فسبحان الله معناه: براءةً وتنزيهاً له من كل نقص، وصفة للمُحْدَث، قاله
النوويّ كَذَتُهُ (١) .
وقال القرطبيّ: ((سُبحان)) اسم علمٌ لمصدر سَبَح، وقع موقعه، فنُصب
نصبه، وهو لا ينصرف للتعريف، والألف والنون الزائدتين، كعثمان، ومعناه
البراءة الله من كلّ نقص وسُوء، وهو في الغالب مما لا ينفصل عن الإضافة،
وقد ذكره الحريريّ في جملة الأسماء الملازمة للإضافة، حيث قال في ((ملحة
الإعراب)»:
مِثْلُ ((لَدُنْ زَيْدٍ)) وَإِنْ شِئْتَ (لَدَى))
وَفِي الْمُضَافِ مَا يَجُرُّ أَبَدَا
وَ(مَعْ)) وَ((عِنْدَ)) وَ((أُولُو)) وَ(«كُلُّ)
وَمِنْهُ ((سُبْحَانَ)) وَاذُو)) وَ((مِثْلُ))
وَ(يَمْنَةٌ)) وَعَكْسُهَا بِلَا مِرَا
ثُمَّ الْجِهَاتُ السِّتُّ ((فَوْقُ)» وَ«وَرَا)»
فِي كَلِمٍ شَتَّى رَوَاهَا مَنْ رَوَى
وَهَكَذَا (غَيْرُ)) وَ(بَعْضُ)) و((سِوَى))
قال: وقد جاء منفصلاً عنها في قول الأعشى:
أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عِلْقَمَةَ الْفَاخِرِ
وقد أشربه في هذا البيت معنى التعجّب، فكأنه قال: تَعَجُّباً من علقمةً !.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠١/٤ - ٢٠٢.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
هذا قول حُذّاق النحويين، وأئمّتهم، وقد ذهب بعضهم إلى أن ((سبحان))
جمع سِبَاح، من سَبَحَ يسبح في الأرض: إذا ذهب فيها سبحاً وسباحاً، وهذا
كحِسَاب وحُسبان، وقيل : جمع سَبيح للمبالغة من التسبيح، مثل خبير وعليم،
ويُجمع على سُبْحان، كقَضِيب وقُضبان، وأبطل القرطبي هذين القولين بدليل
عدم صرفه، كما مرّ في بيت الأعشى(١).
(اللَّهُمَّ) تقدّم قريباً أن أصلها ((يا ألله))، فحُذفت ((يا)»، وعُوّض عنها الميم
المشدّدة (رَبَّنَا) منادى بحذف حرف النداء، أي يا ربّنا (وَبِحَمْدِكَ) متعلّق بفعل
محذوف دلّ عليه التسبيح، أي بحمدك سبّحتك، ومعناه: بتوفيقك لي،
وهدايتك، وفضلك عليّ سبَّحتك، لا بحولي وقُوّتي، ففيه شكر الله تعالى على
هذه النعمة، والاعتراف بها، والتفويض إلى الله تعالى، وأن كل الأفعال له،
والله أعلم، قاله النوويّ ◌َُّهُ .
وقال القرطبيّ بعد ذكره نحو ما تقدّم: هكذا قولهم، وكأنهم لاحظوا أن
الحمد هنا بمعنى الشكر، قال: ويظهر لي وجه آخر، وهو إبقاء معنى الحمد
على أصله، ويكون إثباتاً للسبب، ويكون معناه: بسبب أنك موصوفٌ بصفات
الكمال والجلال سبّحك المسبِّحون، وعظّمك المعظّمون، والله تعالى أعلم (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أشبعت هذا البحث في ((شرح النسائيّ))،
فراجعه تستفد(٣)، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (اللَّهُمَّ) كرّره للتأكيد (اغْفِرْ لِي))) أي استر ذنوبي، واصفح عنها .
وقولها: (يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ) أي يَعْمَل ما أُمر به في قول الله رَّ: ﴿فَسَيِّحْ
﴾ [النصر: ٣]، وكان ل* يقول هذا
بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاُسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا
الكلام البديع في الجزالة المستوفِيَ ما أُمر به في الآية، وكان يأتي به في
الركوع والسجود؛ لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها، فكان يختارها لأداء هذا
الواجب الذي أُمر به؛ ليكون أكمل، قاله النوويّ تَذْتُ (٤) .
(١) راجع: ((المفهم)) ٨٧/٢ - ٨٨، و((إكمال المعلم)) ٣٩٨/٢ - ٣٩٩.
(٣) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١٥٢/١٣.
(٢) ((المفهم)) ٨٨/٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ٢٠١/٤.

١٩١
(٤٣) - بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ - حديث رقم (١٠٩٠)
وقال الحافظ ابن رجب تَخُّْ: والمراد أنه يمتثل ما أمره الله تعالى به
بقوله: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ الآية، فتأويل القرآن تارةً يُراد به تفسير معناه بالقول،
وتارةً يراد به امتثال أوامره بالفعل، ولهذا يقال لمن ارتكب شيئاً من الرُّخَص
بتأويل سائغ، أو غيره: إنه فعله متأوّلاً . انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((يتأول القرآن)) أي يفعل ما أُمر به فيه، وقد تبين
من رواية الأعمش - يعني الآتية بعد هذا - أن المراد بالقرآن بعضه، وهو
السورة المذكورة، والذكر المذكور.
قال: وفي هذا تعيين أحد الاحتمالين في قوله تعالى: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ
رَيِّكَ﴾؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون المراد بـ﴿سَبَّحَ﴾ نفس الحمد؛ لما تضمّنه الحمد
من معنى التسبيح الذي هو التنزيه؛ لاقتضاء الحمد نسبة الأفعال المحمود عليها
إلى الله ، فعلى هذا يكفي في امتثال الأمر الاقتصار على الحمد.
ويحتمل أن يكون المراد: ﴿فَسَِّحْ﴾ متلبساً بالحمد، فلا يمتثل حتى
يجمعهما، وهو الظاهر. انتهى. وهو بحث نفيسٌ(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّنا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٩٠/٤٣ و١٠٩١ و١٠٩٢ و١٠٩٣] (٤٨٤)،
و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٧٩٤ و٨١٧) و((المغازي)) (٤٢٩٣) و((التفسير))
(٤٩٦٧ و٤٩٦٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٨٧٧)، و(النسائيّ) فيها (٢/
٢١٩)، و(ابن ماجه) فيها (٨٨٩)، و(عبد الرزّاق) (٢٨٧٨)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٤٣/٦ و٤٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٦٠٥)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (١٩٣٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٨٨١ و١٨٨٢ و١٨٨٣
و١٨٨٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٧٥ و١٠٧٦ و١٠٧٧ و١٠٧٨
(١) (فتح الباري)) لابن رجب ٧/ ٢٧٢.
(٢) ((الفتح)) ٣٤٩/٢.

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
و١٠٧٩)، و(الطحاويّ) في معاني الآثار)) (٢٣٤/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(١٠٩/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٦١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الدعاء في الركوع والسجود بالدعاء المذكور.
٢ - (ومنها): بيان جواز الدعاء في الركوع، ونُقل عن مالك: كراهته،
وقد ترجم الإمام البخاريّ في ((صحيحه)): ((باب الدعاء في الركوع))، ثم أورد
حديث عائشة يا المذكور في الباب، فقيل: الحكمة في تخصيص الركوع
بالدعاء دون التسبيح، مع أن الحديث واحد، أنه قَصَدَ الإشارة إلى الردّ على
من كَرِهَ الدعاء في الركوع، كمالك، وأما التسبيح فلا خلاف فيه، فاهتَمّ هنا
بذكر الدعاء لذلك، وحجة المخالف حديثُ ابن عباس ﴿مّ الذي تقدّم في
الباب الماضي، وفيه: ((فأما الركوع فعَظّموا فيه الربّ، وأما السجود فاجتهدوا
في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم))، لكنه لا مفهوم له، فلا يمتنع الدعاء في
الركوع، كما لا يمتنع التعظيم في السجود، وظاهر حديث عائشة ضعيها أنه وله
كان يقول هذا الذكر كله في الركوع، وكذا في السجود، قاله في ((الفتح))(١).
وقال ابن دقيق العيد تَُّ: يؤخذ من هذا الحديث إباحة الدعاء في
الركوع، وإباحة التسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله ويتليفون: ((أما الركوع
فعَظّموا فيه الربّ، وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء)).
قال: ويمكن أن يُحْمَل حديث الباب على الجواز، وذلك على الأولوية.
ويَحْتَمِل أن يكون أَمَر في السجود بتكثير الدعاء؛ الإشارة قوله:
((فاجتهدوا))، والذي وقع في الركوع من قوله: ((اللهم اغفر لي)) ليس كثيراً، فلا
يعارض ما أَمَر به في السجود. انتهى.
واعترضه الفاكهانيّ بأن قول عائشة رضيوثها: ((كان يكثر أن يقول)) صريح في
كون ذلك وقع منه كثيراً، فلا يعارض ما أَمَر به في السجود.
قال الحافظ: هكذا نقله عنه شيخنا ابن الْمُلَقِّن في ((شرح العمدة))،
وقال: فليُتَأَمَّل، وهو عجيب، فإن ابن دقيق العيد أراد بنفي الكثرة عدم الزيادة
(١) «الفتح)) ٣٢٩/٢.

١٩٣
(٤٣) - بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ - حديث رقم (١٠٩١)
على قوله: ((اللهم اغفر لي)) في الركوع الواحد، فهو قليل بالنسبة إلى السجود
المأمور فيه بالاجتهاد في الدعاء الْمُشْعِر بتكثير الدعاء، ولم يُرِد أنه كان يقول
ذلك في بعض الصلوات دون بعض، حتى يَعْتَرِض عليه بقول عائشة ضًَّا: ((كان
یکثر ... إلخ)) انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول أن الأمر بتعظيم الربّ ◌َ في
الركوع لا ينافي جواز الدعاء فيه بدليل هذا الحديث، وإنما غاية ما يدلّ عليه
قوله: ((فعظّموا فيه الربّ)) أن يكون معظم الذكر المشروع فيه هو التعظيمَ
بالتسبيح والتجميد، والتقديس، كما أن الغالب في السجود الاجتهاد في
الدعاء، ولا ينافي التسبيح فيه أيضاً، بدليل قوله وَ ل﴿ لَمّا نزل ﴿سَيِّجِ اسْمَ رَيِّكَ
اُلْأَعْلَى ﴾﴾ [الأعلى: ١]: ((اجعلوها في سجودكم))، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّر من الإكثار من الاستغفار، مع
أنه غُفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر، كما قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ
مِن ذَلِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] الآية، وسبب ذلك أن يكون عبداً شكوراً، فقد
أخرج الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة رضه قال: قام النبيّ وَّ حتى
تَوَرَّمت قدماه، فقيل له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر؟ قال: ((أفلا
أكون عبداً شكوراً)».
٤ - (ومنها): شدّة حرصه على مبادرته أمر الله رب له في القرآن، حيث
قال له: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ الآية [النصر: ٣]، وهو معنى قوله: ((يتأول
القرآن))، أي يُطبّق على نفسه ما أُمر به في القرآن، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٩١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثْنَا
أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ
(١) ((الفتح)) ٣٤٩/٢ - ٣٥٠.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
رَسُولُ اللهِ نَّهِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ: ((سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ (١)، أَسْتَغْفِرُكَ
وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَرَاكَ
أَحْدَثْتَهَا (٢)، تَقُولُهَا؟ قَالَ: ((جُعِلَتْ لِي عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي، إِذَا رَأَيْتُهَا قُلْتُهَا: ﴿إِذَا
جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾﴾ [النصر: ١])) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَّةً) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب أيضاً.
٤ - (الْأَعْمَشرُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل باب أيضاً.
والباقون ذُكروا في السند الماضي. ومسلم هو ابن صُبيح، أبو الضحى.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َتُهُ، وله فيه شيخان، قَرَن
بینھما .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه محمد بن العلاء، أحد مشايخ الستة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، فكلهم كوفيّون، سوى عائشة
،
فمدنيّة .
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض:
الأعمش، عن مسلم بن صُبيح، عن مسروق، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َوْنا أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ
يَمُوتَ) هذا يدلّ على أنه وَّهَ لا يخصّ هذا الذكر في الصلاة فقط، ويؤيّد هذا
(١) وفي نسخة: ((سبحانك اللهمّ وبحمدك)).
(٢) وفي نسخة: ((قد أحدثتها)).

١٩٥
(٤٣) - بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ - حديث رقم (١٠٩١)
ما أخرجه ابن جرير الطبريّ، عن أم سلمة ظلّا قالت: كان رسول الله وَّل في
آخر أمره لا يقوم، ولا يقعد، ولا يذهب، ولا يجيء، إلا قال: سبحان الله
وبحمده، فقلت: يا رسول الله، رأيتك تكثر من سبحان الله وبحمده، لا
تذهب، ولا تجيء، ولا تقوم، ولا تقعد، إلا قلت: سبحان الله وبحمده،
قال: ((إني أُمرت بها))، فقال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴾﴾ إلى آخر
السورة(١).
((سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ) وفي نسخة: ((سبحانك اللهم وبحمدك)) (أَسْتَغْفِرُكَ
وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))) قال النوويّ: فيه حجةٌ على أنه يجوز، بل يُستحبّ أن يقول:
((أستغفرك، وأتوب إليك))، وحُكي عن الرَّبِيع بن خثيم قال: لا يقل أحدكم:
((أستغفر الله وأتوب إليه))، فيكون ذنباً وكذباً إن لم يفعل، بل يقول: ((اللهم
اغفر لي، وتب عليّ)) وهذا الذي قاله من قوله: ((اللهم اغفر لي، وتب عليّ))
حَسَنٌ، وأما كراهته ((أستغفر الله)) وتسميته كذباً فلا نوافق عليه؛ لأن معنى
((أستغفر الله)) أطلب مغفرته، وليس في هذا كَذِبٌ، ويكفي في ردّه ما أخرجه
أبو داود، والترمذيّ عن ابن مسعود ◌ُبه قال: قال رسول الله وَله: ((من قال:
أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ، وأتوب إليه، غُفرت ذنوبه، وإن
كان قد فَرّ من الزَّحْف))(٢)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
البخاري ومسلم. انتهى(٣).
(قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا) استفهاميّة (هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَرَالَكَ) وفي
رواية عامر الشعبي الآتية: ((فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول:
سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه)) (أَحْدَثْتَهَا) وفي نسخة: ((قد
أحدثتها)» (تَقُولُهَا؟) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (قَالَ) إِلَيه
((جُعِلَتْ) بالبناء للمفعول، أي جعل الله تعالى (لِي عَلَامَةٌ فِي أَمَّتِي) وفي رواية
الشعبيّ الآتية: ((فقال: خبّرني ربّي أني سأرى علامةً في أمتي، فإذا رأيتها
أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه، فقد رأيتها))
(١) صححه الشيخ الألبانيّ في ((الصحيحة)) ٤٤٧/٧.
(٢) حديث صحيح، كما قال الحاكم.
(٣) ((الأذكار)) للنوويّ ٣٢٣/١.

١٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(إِذَا رَأَيْتُهَا) أي تلك العلامة (قُلْتُهَا) أي قلت هذه الكلمات التي أحدثتها .
ثم ذكر العلامة فقال: (﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾)) إِلَى آخِرِ
السُّورَةِ) وفي رواية الشعبيّ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾﴾ فتح مكة،
﴿وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِىِ دِينِ اَللَّهِ أَفْوَجًا ﴾ فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ
كَانَ تَوَّابًا
﴾ [النصر: ٢ - ٣] .
تفسير السورة الكريمة :
﴿إِذَا﴾ منصوب بـ(سَبِّح))، وهو لما يُسْتَقْبَل، والإعلام بذلك قبل كونه من
أعلام النبوّة ﴿جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ النصر: الإغاثةُ والإظهار على العدوّ،
والفتح: فتح البلاد، والمعنى نَصْرُ رسول الله بَّر على العرب، أو على قريش،
وفَتْحُ مكة، أو جنس نصر الله المؤمنين، وفتح بلاد الشرك عليهم، قاله
النسفيّ دَّثُ.
وقال القرطبيّ: النصر العون، مأخوذ من قولهم: قد نَصَرَ الغيثُ
الأرضَ: إذا أعان على نباتها من قَحْطها، قال الشاعر (من الطويل]:
بِلَادَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِرٍ
إِذَا انْسَلَخَ الشهر الحرامِ فَوَدِّعِي
ویروی:
إِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ فَجَاوِزِي بِلَادَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِرٍ
يقال: نَصَره على عدوه ينصره نصراً: أي أعانه، والاسم النُّصْرة،
واستنصره على عدوه: أي سأله أن ينصره عليه، وتناصروا: نصر بعضهم
بعضاً .
ثم قيل: المراد بهذا النصر نصر الرسول وَل على قريش، قاله الطبريّ،
وقيل: نصره على من قاتله من الكفار، فإن عاقبة النصر كانت له.
وأما الفتح فهو فتح مكة، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، وقال ابن
عباس، وسعيد بن جبير: هو فتح المدائن والقصور، وقيل: فتح سائر البلاد:
وقيل ما فتحه عليه من العلوم، و((إذا)) بمعنى ((قد)): أي قد جاء نصر الله؛ لأن
نزولها بعد الفتح، ويمكن أن يكون معناه إذا يجيئك. انتهى (١).
(١) (تفسير القرطبيّ)) ٢٣٠/٢٠.

١٩٧
(٤٣) - بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ - حديث رقم (١٠٩١)
﴿وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾ [الفتح: ٢] هو حال من ((الناس)) على أن
((رأيت)) بمعنى أبصرتَ، أو عَرَفْتَ، أو مفعول ثان على أنه بمعنى ((عَلِمتَ)) ﴿فِ
دِينِ اُللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ هو حال من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾ وجواب ﴿إِذَا﴾، ﴿فَيِّحْ﴾، أي
إذا جاء نصر الله إياك على من ناوأك، وفَتْحُ البلاد، ورأيت الناس يدخلون في
ملة الإسلام جماعات كثيرة، بعدما كانوا يدخلون فيه واحداً واحداً، واثنين
اثنين ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ﴾ فقل: سبحان الله حامداً له، أو فَصَلِّ له،
﴿ وَأَسْتَغْفِرْهُ﴾ أي اطلب مغفرته لك؛ تواضعاً وهضماً للنفس، أو دُمْ على
الاستغفار، قاله النسفيّ.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ: [فإن قيل]: فماذا يُغْفَر للنبيّ وَّر حتى يؤمر
بالاستغفار؟ .
[قيل له]: كان النبيّ وَّلقول يقول في دعائه: ((رب اغفر لي خطيئتي،
وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي
خطئي، وعمدي، وجهلي، وهَزْلي، وكلُّ ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما
قدَّمت، وما أخرت، وما أعلنت، وما أسررت، أنت المقدم وأنت المؤخر،
إنك على كل شيء قدير)).
فكان * يستقصر نفسه؛ لعظم ما أنعم الله به عليه، ويرى قصوره عن
القيام بحقّ ذلك ذنوباً .
ويَحْتَمِل أن يكون بمعنى: كن متعلقاً به سائلاً راغباً متضرعاً على رؤية
التقصير في أداء الحقوق؛ لئلا ينقطع إلى رؤية الأعمال.
وقيل: الاستغفار تعبّد يجب إتيانه، لا للمغفرة، بل تعبداً، وقيل: ذلك
تنبيهٌ لأمته؛ لكيلا يأمنوا ويتركوا الاستغفار، وقيل: ﴿وَأَسْتَغْفِرْهُ﴾ أي استغفر
ج
لأمتك.
﴿إِنَّهُ كَانَ﴾ ولم يزل ﴿تَوَّابًا﴾ التّاب الكثير القبول التوبة، وفي صفة
العباد الكثير الفعل للتوبة، قاله النسفيّ تَخْذَّتُهُ (١) .
وقال القرطبيّ رَّتُ: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا﴾ [النصر: ٣] أي على المسبِّحين
(١) (تفسير النسفي)) ٤/ ٣٦١.

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
والمستغفرين يتوب عليهم ويرحمهم، ويَقْبَل توبتهم، وإذا كان وَّ، وهو
معصوم، يؤمر بالاستغفار، فما الظن بغيره؟.
وقال ابن عمر : نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزلت
﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣]، فعاش بعدهما
النبيّ ◌َّ ثمانين يوماً، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوماً، ثم
نزل ﴿لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فعاش بعدها خمسة
وثلاثين يوماً، ثم نزل: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فعاش
بعدها أحداً وعشرين يوماً، وقال مقاتل: سبعة أيام، وقيل غير هذا. انتهى
كلام القرطبيّ ◌َُّ(١) .
وقال في ((الفتح)): أخرج النسائيّ من حديث ابن عباس أنها آخر سورة
نزلت من القرآن، وقد تقدم في تفسير ((براءة)) أنها آخر سورة نزلت، والجمع
بينهما أن آخرية سورة النصر نزولها كاملةً، بخلاف براءة، كما تقدم توجيهه،
ويقال: إن ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ نزلت يوم النحر، وهو بمنى، في حجة
الوداع، وقيل: عاش بعدها أحداً وثمانين يوماً، وليس منافياً للذي قبله، بناءً
على بعض الأقوال في وقت الوفاة النبوية، وعند ابن أبي حاتم من حديث ابن
عباس: عاش بعدها تسع ليال، وعن مقاتل سبعاً، وعن بعضهم ثلاثاً، وقيل:
ثلاث ساعات، وهو باطل.
وأخرج ابن أبي داود في ((كتاب المصاحف)) بإسناد صحيح عن ابن عباس
أنه كان يقرأ ((إذا جاء فتح الله والنصر)). انتهى (٢).
وقال الإمام ابن كثير في ((تفسيره)): ((سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ
والفَتْحُ ﴾﴾ مدنية)).
أخرج البخاريّ عن ابن عباس، قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر،
فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لِمَ يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال
عمر: إنه ممن قد عَلِمتم، فدعاهم ذات يوم، فأدخله معهم، فما رأيت أنه
دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول الله رحمك: ﴿إِذَا جَآءَ
(١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٣٣/٢٠.
(٢) ((الفتح)) ٦٠٥/٨ - ٦٠٦.

١٩٩
(٤٣) - بَابُ مَا يُقَالُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ - حديث رقم (١٠٩١)
(٢) [الفتح: ١]؟ فقال بعضهم: أُمِرنا أن نحمد الله
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
ونستغفره، إذا نُصِرنا، وفُتِح علينا، وسكت بعضهم، فلم يقل شيئاً، فقال لي:
أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل
رسول الله ﴿﴿ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾، فذلك
﴾ [النصر: ٣]،
علامة أجلك، ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. تفرّد به البخاريّ.
وأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس ثًا قال: بينما رسول الله وَّر في
المدينة، إذ قال: ((الله أكبر الله أكبر جاء نصر الله والفتح، جاء أهل اليمن))،
قيل: يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: ((قوم رقيقة قلوبهم، لَيِّنةٌ طباعهم،
الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية))(١).
وأخرج أحمد بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ أنه قال: لما نزلت
هذه السورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾﴾ قرأها رسول الله وَظل حتى
ختمها، فقال: ((الناس حَيْزٌ(٢) وأنا وأصحابي حَيْزٌ - وقال - لا هجرة بعد
الفتح، ولكن جهاد ونية))، فقال له مروان: كَذَبتَ، وعنده رافع بن خَدِيج،
وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك،
ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عِرَافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة،
فرفع مروان عليه الدِّرّة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق. تفرد به أحمد.
قال ابن كثير رَُّ: فالذي فَسَّر به بعض الصحابة من جلساء عمر ◌َّه
من أنه قد أُمِرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون، أن نحمد الله ونشكره
ونسبحه، يعني نُصَلِّ له ونستغفره، معنی مَلِيحٌ صحيحٌ، وقد ثبت له شاهد من
صلاة النبيّ ◌َّه يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي
صلاة الضحى، وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها، فكيف صلاها ذلك اليوم؟
وقد كان مسافراً لم ينو الإقامة بمكة، ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان
قريباً من تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، ويفطر هو وجميع الجيش، وكانوا
(١) صححه الشيخ الألبانيّ بشواهده. ((الصحيحة)) ١١٠٧/٧.
(٢) أي جماعة وفئة.

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
نحواً من عشرة آلاف، قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح، قالوا: فيستحب
لأمير الجيش إذا فتح بلداً أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات، وهكذا
فَعَل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن، ثم قال بعضهم: يصليها كلها
بتسليمة واحدة، والصحيح أنه يسلم من كل ركعتين، كما ورد في ((سنن أبي
داود)): أن رسول الله سير كان يسلم يوم الفتح من كل ركعتين.
وأما ما فَسَّر به ابن عباس وعمر من أن هذه السورة نُعِيَ فيها إلى
رسول الله * روحه الكريمة، وأُعْلِم: أنك إذا فتحت مكة، وهي قريتك التي
أخرجتك، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، فقد فَرَغ شغلنا بك في الدنيا،
فتهيأ للقدوم علينا، والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك
ربك فترضى، ولهذا قال: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
أخرج النسائيّ بسند حسن عن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَآءَ
نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴾﴾ [النصر: ١] إلى آخر السورة، قال: نعيت لرسول الله وَل
نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشدّ ما كان اجتهاداً في أمر الآخرة، وقال
رسول الله * بعد ذلك: ((جاء الفتح، وجاء نصر الله، وجاء أهل اليمن))،
فقال رجل: يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ قال: ((قوم رقيقة قلوبهم، ليّنة
قلوبهم، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفقه یمان)).
وقال ابن جرير الطبريّ: حدّثنا أبو السائب، حدّثنا حفص، حدّثنا
عاصم، عن الشعبيّ، عن أم سلمة ﴿ّا قالت: كان رسول الله وَّ﴿ل في آخر أمره
لا يقوم، ولا يقعد، ولا يذهب، ولا يجيء، إلا قال: سبحان الله وبحمده،
فقلت: يا رسول الله، رأيتك تكثر من سبحان الله وبحمده، لا تذهب، ولا
تجيء، ولا تقوم، ولا تقعد، إلا قلت: سبحان الله وبحمده، قال: إني أُمرت
بها، فقال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾ إلى آخر السورة(١).
قال ابن كثير كَّلُ: والمراد بالفتح ها هنا فتح مكة قولاً واحداً، فإن
أحياء العرب كانت تَتَلَوَّمُ بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو
نبيّ، فلما فتح الله عليه مكة، دخلوا في دين الله أفواجاً، فلم تمض سنتان حتى
(١) صححه الشيخ الألبانيّ في ((الصحيحة)) ٧/ ٤٤٧.