النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ (٣٨) - بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَامِ - حديث رقم (١٠٥٧) وقوله: (إِذَا أَمَمْتَ قَوْماً إلخ) خبر المبتدأ محكيّةٌ؛ لقصد لفظها، أي آخرُ الأمر الذي عهده إليّ رسول الله وَطل هو هذا القول. وقوله: (فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ) بفتح الهمزة، وكسر الخاء المعجمة، أمر من أخفّ رباعيّاً، والتخفيف ضدّ التثقيل، أي خفّف الصلاة، ولا تُثقِلها عليهم بالتطويل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٧] (٤٦٩) - (وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَام، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ كَانَ يُوجِزُ فِي الصَّلَاةِ(١)، وَيُتِمُّ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثَعْلب البزّار المقرىء البغداديّ، ثقةٌ، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت٢٢٩) (مد) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي أيضاً. ٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٥ - (أَنَس) بن مالك الصحابيّ الشهير، مات نظُّه سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْدَثُ، كالأسانيد الثلاثة التالية، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرّة، وهو (٥٨) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. (١) وفي نسخة: ((كان يوجز الصلاةَ)). ٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه خلف، فبغداديّ، وأبو الربيع بصريّ، نزیل بغداد. ٤ - (ومنها): أن أنساً ظُبه هو المشهور بالخادم، خدم النبيّ وَل عشر سنين، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات بالبصرة، وقد جاوز عمره المائة، والله تعالى أعلم. من الصحابة شرح الحديث : (عَنْ أَنَسٍ) ◌َهُبُهُ (أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ كَانَ يُوجِزُ فِي الصَّلَاةِ) وفي نسخة: ((يوجز الصلاة))، وهو من الإيجاز، قال الفيّوميّ رَّتُهُ: وَجُز اللفظُ بالضمّ وَجَازةً، فهو وَجِيزٌ: أي قصير، سريع الوصول إلى الفهم، ويتعدّى بالحركة، والهمزة، فيقال: وَجَزته، من باب وَعَدَ، وأوجزته، وبعضهم يقول: وَجَزَ في كلامه، وأوجز فيه أيضاً. انتهى(١). ولفظ البخاريّ: ((كان النبيّ وَل ﴿ يوجز الصلاة، ويُكملها))، قال في ((العمدة)): من الإيجاز، وهو ضدّ الإطناب، والإكمالُ ضدّ النقص. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): والمراد بالإيجاز مع الإكمال: الإتيان بأقلّ ما يُمكن من الأركان والأبعاض. انتهى (٣). وقال الحافظ ابن رجب تَّتُهُ في ((شرح البخاريّ)): الإيجاز: هو التخفيف، والاختصار، والإكمال: هو إتمام أركانها من الركوع والسجود والانتصاب بينهما، قال: وإدخال هذا الحديث في هذا الباب (٤) فائدته أنه بيَّن به قدر التخفيف المأمور به، وأنه إنما يُشكى الإمام إذا زاد عليه زيادة فاحشة، فأما إكمال الصلاة، وإتمام أركانها، فليس بتطويل منهيّ عنه. انتهى(٥). (وَيُتِمُّ) بضمّ أوله، من الإتمام، وهو إتمام أركانها، من القراءة، والركوع (١) ((المصباح المنير)) ٦٤٨/٢. (٢) ((عمدة القاري)) ٣٥٨/٥. (٣) ((الفتح)) ٢٣٦/٢. (٤) يعني الباب الذي في ((صحيح البخاريّ)): ((باب من شكا إمامه إذا طوّل)). (٥) ((فتح الباري)) للحافظ ابن رجب ٢٣٣/٦. ٦٣ (٣٨) - بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٥٨) والسجود، وكذا سننها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس هذا متّفق عليه. ضرعنه (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٥٧/٣٨ و ١٠٥٨ و١٠٥٩] (٤٦٩)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٧٠٦ و٧٠٨)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٨٥٣)، و((الأدب)) (٤٩٠٤)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٢٣٧)، و(النسائيّ) فيها (٩٤/٢ و٩٥)، و(ابن ماجه) فيها (٩٨٥)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٩٧)، و(عبد الرّزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٧١٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٥/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٧٠/٣ و١٧٣ و١٧٩ و٢٣١ و٢٣٤ و٢٧٦ و٢٧٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٨/١ و٢٨٩)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٦٠٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٧٥٩ و١٨٨٦ و٢١٣٨)، و(الطبرانيّ) في ((المعجم الكبير)) (٧٢٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٦٤ و١٥٦٥ و١٥٦٦ و١٥٦٧ و١٥٦٨ و١٥٦٩ و١٥٧٠ و١٥٧١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٣٧ و١٠٣٨ و١٠٣٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٥/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٨٤٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٠٥٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَل كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَةً فِي تَمَامِ). (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو عَوَانَةً) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. والباقون ذُكروا في الباب. ومن لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف نَّتُهُ، كسابقه، ولا حقيه، وهو (٥٩) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (كَانَ مِنْ أَخَفِّ النَّاسِ صَلَاةً) ((من)) زائدة للتوكيد، و((أخفّ)) خبر ((كان))، واسمها ضمير ((رسول الله وَ لا))، و((صلاةً)) منصوب على التمييز. وقوله: (فِي تَمَام) ((في)) بمعنى ((مع))، كما في قوله تعالى: ﴿أَدْخُلُواْ فِىّ أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨] أيَّ مع أمم، وقيل: التقدير فيه: في جملة أمم، فحُذف المضاف(١)، والحديث متّفقٌ عليه، وفوائده ستأتي قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٥٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا (٢) يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، وَيَحْبَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنْ شَرِيِكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّهُ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ، أَخَفَّ صَلَاةً، وَلَا أَثَمَّ صَلَاةً، مِنْ رَسُولِ اللّهِ مَّ﴾﴾. رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْبَى بْنُ أَيُّوبَ) الْمقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤)، وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. (١) ((مغني اللبيب)) ٣٣٨/١. (٢) وفي نسخة: ((وحدّثني)). ٦٥ (٣٨) - بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَامِ - حديث رقم (١٠٦٠) ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنَ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارىء المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٤ - (شَرِيك بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ يُخطىء [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٤٢١/٨٠. والباقون ذُكروا قبله. ومن لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تََّثُ أيضاً، كسابقه، ولاحقه، وهو (٦٠) من رباعيّات الكتاب، وهو مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل. وقوله: (مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ) ((ما)) نافية، ((وقٌ)) بضمّ الطاء المشدّة ظرف زمان تختصّ بالنفي ماضياً غَّالباً، وقد تجيء في الإثبات، كما أثبت ذلك ابن مالك لغةً في ((شرح شواهد التوضيح))، خلافاً لمن منع ذلك. وقوله: (أَخَفَّ صَلَاةً) ((أخفّ) صفة لـ((إمام)) ممنوع من الصرف؛ للوصفيّة ووزن الفعل، و((صلاةً)) منصوب على التمييز. وقوله: (وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً) عطف على ما قبله عطف معمولين على معمولین، فـ((أتمّ)) عطف على ((أخفّ))، و((صلاةً)) عطف على ((صلاة))، والحديث متّفق عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦٠] (٤٧٠) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ أَنَسرٌ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ مَعَ أُمِّهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ الْخَفِيفَةِ، أَوْ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، وكان يتشيّع [٨] (١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٢/٥٥. (١) وفي نسخة: ((حدّثنا)). ٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٢ - (ثَابِتُ الْبُنَانِيُّ) هو: ابن أسلم، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع وعشرين ومائة، وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. والباقيان تقدّما قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ أيضاً، كالأسانيد الثلاثة قبله، وهو (٥٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ثابتاً من أثبت الناس في أنس حظوته، ممن كان معروفاً بملازمته، فقد لازمه أربعين سنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث : (عَنْ أَنَسِ) رَبُ أنه (قَالَ أَنَسرٌ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ) ومثله الصبيّة، فَليس هذا الحكم خاصّاً بالذكور. والبُكاء بالضمّ والمدّ، وبالقصر: مصدر بَكَى، من باب ضرب، وقيل: القصر مع خروج الدموع، والمدّ على إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من الوافر]: بَكَتْ عَيْنِي وَحَقَّ لَهَا بُكَاهَا وَمَا يُغْنِي الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ قاله الفيّوميّ تَخُّْهُ(١)، وقال الكرمانيّ ◌َخْتُ: ((البكاء)) إذا مددت أردت به الصوت الذي يكون معه الدمع، وإذا قصرت أردت خروج الدمع، وها هنا ممدود لا محالة بقرينة ((فأسمع))؛ إذ السماع لا يكون إلا في الصوت. انتھی (٢) . وقوله: (مَعَ أُمِّهِ) ظرف متعلّق بحال من ((الصبيّ))، أي حال كونه كائناً مع أمه (وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من ((رسولُ اللهِوَلَ)) (فَيَقْرَأُ بِالسُّورَةِ) قرأ يتعدّى بنفسه، وبالباء، فيقال: قرأتُ أمّ الكتاب، وبأمّ (١) ((المصباح المنير)) ١ / ٥٩. (٢) ((شرح الكرماني)) ٨٦/٥. ٦٧ (٣٨) - بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَامِ - حديث رقم (١٠٦٠) الكتاب، قاله الفيّوميّ (١)، وقوله: (الْخَفِيفَةِ) بالجرّ صفة لـ((السورة))، والمراد السورة القصيرة، كما بيّنه قوله: (أَوْ بِالسُّورَةِ الْقَصِيرَةِ) ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس رُّه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٦٠/٣٨ و١٠٦١] (٤٧٠)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٧٠٨ و٧٠٩ و٧١٠)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٣٧٦)، و(ابن ماجه) فيها (٩٨٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٧١٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في (مسنده)) (٢٠٣٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٧/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٩/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٦٢ و١٥٦٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٤٠ و١٠٤١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٦١٠)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢١٣٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٨/٣ و٣٩٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٨٤٥ و٨٤٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): استحباب الرفق بالمأمومين، وسائر الأتباع، ومراعاة مصالحهم، وعدم إدخال ما يشقّ عليهم، وإن كان يسيراً من غير ضرورة. ٢ - (ومنها): بيان كمال شفقة النبيّ وَل﴾، حيث كان يخفّف صلاته من أجل بكاء الصبيّ حتى لا يشقّ على أمه، وهو مصداق قوله ريات: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٣ - (ومنها): جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد. ٤ - (ومنها): جواز إدخال الصبيان المسجد، لكن بشرط أن لا يخاف (١) ((المصباح)) ٥٠٢/٢. ٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة منهم تلويثه، وتنجيسه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٦١] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، حَذَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَأَلَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُخَفِّفُ، مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ الضَّرِيرُ) التيميّ، أبو عبد الله، أو أبو جعفر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان) ٣٣٦/٦٠. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧. والباقيان تقدّما في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلهُ . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذي، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) ﴿ه أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ: ((إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ) وفي نسخة: «لأدخل في الصلاة)) (أُرِيدُ إِطَالَتَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي حال كوني مريداً إطالة تلك الصلاة التي أدخل فيها ٦٩ (٣٨) - بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٦١) (فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأُخَفِّفُ) أي أترك إطالتها، وأقتصر على أقلّ ما هو مطلوب فيها، من الأركان، والواجبات، والمستحبّات (مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ بِهِ))) وفي رواية البخاري: ((مما أعلم من شدّة وجد أمه من بكائه))، و((من)) للتعليل، أي من أجل شدّة حزنها، وشفقتها عليه. و((الوجدُ»: يُطلَق على الحزن، وعلى الحبّ أيضاً، وكلاهما سائغ هنا، والحزن أظهر، أي حزنها، واشتغال قلبها به، قاله النوويّ(١). وقال في ((القاموس)): وَجَدَ المطلوبَ، كوَعَدَ، وَوَرِمَ يَجِدُهُ ويَجُدُهُ بضم الجيم، ولا نظير لها وَجْداً وَجِدَةً وَوُجْداً ووُجُوداً ووِجْداناً وإِجْداناً بكسرهما: أدركه، والمالَ وغيرَهُ يَجِدُهُ وَجْداً مثلثةً وَجِدَةً: استغنى، وعليه يَجِدُ وَيَجُدُ وَجْداً وجِدَةً ومَوْجِدةً: غَضِبَ، وبه وَجْداً في الحبّ فقط، وكذا في الحزن، لكن یکسر ماضیه. انتھی (٢). قال الجامع عفا الله عنه: عبارة ((القاموس)) هذه تفيد أن وَجَدَ عليه بمعنى حَزِنَ مكسور الماضي، ولا يفتح، وقد اعتَرض عليه الشارح المرتضى في شرحه، وأفاد أن ماضي وجد بمعنى حزن يجوز فيه الفتح، والكسر، والضمّ، ودونك عبارته بعد نقل أقوال أهل اللغة: فتحصّل من مجموع أقوالهم أن وجد بمعنى حَزِنَ فيه ثلاث لغات: الفتح الذي عليه الجمهور، والكسر الذي عليه اقتصر المصنّف - يعني صاحب ((القاموس)) والهجريّ، وغيرهما - والضم الذي حكاه اللحيانيّ في ((نوادره))، ونقلهما ابن سِيدَهْ في ((المحكم)) مقتصراً عليهما. (٣) انتهى كلامه(٣). وقد نظمت مُلخّص ذلك، فقلت : وَوَرِمَتْ يَجِدُهُ كَسْراً بَدَا وَوَجَدَ الْمَظْلُوبَ قُلْ كَوَعَدَا لِعَامِرٍ بِلَا نَظِيرٍ وُجِدَا يَجُدُهُ بِضَمِّ جِيمٍ وَرَدَا وَيَجِدُ الْمَالَ بِكَسرٍ كَوَعَدْ كَذَاكَ فِي الْحُبِّ وَفِي الْحُزْنِ أَتَى وَالْكَسْرُ وَالضَّمُّ لِغَضْبَانَ وَرَدْ مُثَلَّثَ الْمَاضِي بِـ(تَاجٍ)) أُثْبِتَا (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٧/٤. (٢) ((القاموس المحيط)) ٤١٣/١. (٣) ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٥٢٢/٢ - ٥٢٣. ٧٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال في ((الفتح)): وكأنّ ذكر الأمّ هنا خرج مخرج الغالب، وإلا فمن كان في معناها ملتحقٌ بها، واعترضه العينيّ كعادته بما لا وجه له، فتفطّن. وقال أيضاً: فيه أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحبّ لا يجب عليه الوفاء به، خلافاً لأشهب حيث ذهب إلى أن من نوى التطوّع قائماً ليس له أن يُتَمّه جالساً. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: فيه دليلٌ على جواز الإسراع في الصلاة، وإن كان قد شرع في تطويلها؛ لأجل حاجة الأم، ولا حجة فيه للشافعيّ على جواز انتظار الإمام مَن سَمِعَ حسّه داخلاً؛ لأن هذه الزيادة عملٌ في الصلاة بخلاف الحدیث. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: ما نسبه إلى الشافعيّ من احتجاجه على ما ذكر بهذا الحديث بعيد، ولم أر من نسبه إليه غيره، والنووي مع كونه من أشدّ الناس اهتماماً بأقوال الشافعي، لم يتعرّض لهذا، وإنما ذكر الشافعية ذلك في حديث: ((أن النبيّ وَل﴿ كان يقوم في الركعة الأولى من صلاة الظهر، حتى لا يسمع وَقْعَ قَدَم))، وقد تقدّم أني رجّحت القول بعدم استحباب انتظار الداخل بتطويل الركوع؛ لعدم ثبوت النصّ عليه، ولأنه لم يُنقل عن السلف، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٣٩) - (بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَامِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٠٦٢] (٤٧١) - (وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ حَامِدٌ: حَدَّثَنَا أَّو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ (١) ((الفتح)) ٢/ ٢٣٧. (٢) ((المفهم)) ٧٩/٢. ٧١ (٣٩) - بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٦٢) عَازِبٍ، قَالَ: ((رَمَقْتُ الصَّلَاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ بَّهِ، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِنْصِرَافِ قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عُمَر بن حفص بن عمر بن عُبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، وقيل: إن حفصاً جدّه هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٣) (خ م) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٩/٢٦. [تنبيه]: ((البكراويّ)) بفتح الموحّدة، وسكون الكاف: نسبة جدّه الأعلى أبي بكرة الصحابيّ ظُبه، وقد سبق بيان هذا(١)، والله تعالى أعلم. ٢ - (أَبُوِ كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (أَبُو عَوَانَّةَ) الوضّاح بن عبد الله تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (هِلَالُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ) ويقال: ابن حميد، ويقال: ابن عبد الله، ويقال: ابن عبد الرحمن، ويقال: ابن مِقْلاص الْجُهَنيّ مولاهم، أبو عمر، ويقال: أبو أمية، ويقال: أبو الجهم الكوفيّ الصيرفيّ الْجِهْبِذ الوَزّان، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن عبد الله بن عَكيم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعروة بن الزبير، وأبي بِشْر. ورَوَى عنه مِسْعرٌ، وإسرائيل، وشيبان، وحجاج بن أرطاة، وأبو عوانة، وشريك، وابن عيينة، وعُمر بن عبيد الطَّنافسيّ، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: لا بأس به، ثنا حامدٌ، ثنا سفيان، قال: كان هلال الوزّان شيخاً قد كَبِرَ، وكان يكتب على البيدر في كل شهر بعشرة دراهم، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ولكنه فَرَّق بين هلال بن عبد الرحمن، وهلال بن مِقْلاص، وهلال بن أبي حميد، وأشار البخاريّ إلى أن هلال بن أبي حميد (١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٨٧/٤. ٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة أصحّ، وقال: قال وكيع: هلال بن حميد، ومرَّةً: هلال بن عبد الله، ولا يصحّ. ٤ أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط هذا برقم (٤٧١)، وحديث (٥٢٩): ((لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور ... ))، و(٢٩٧١): ((ما شبعَ آل محمد يومين من خبز ... )). ٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات بوقعة الْجَماجم سنة (٨٣) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ١/١. ٦ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) ﴿ّ، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَظُّهُ، وله فيه شيخان جمع بينهما . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوی شیخیه، وهلال، كما أسلفناه آنفاً . ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من هلال. شرح الحديث: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) ﴿هَا أنه (قَالَ: ((رَمَقْتُ الصَّلَاةَ) أي أطلت النظر، يقال: رَمَقَه بعينه رَمْقاً، من باب نظر: أطال النظر إليه (١). وقال الصنعانيّ تَّتُهُ: ((رمقت الصلاة)): أي نظرتها نظر تعرّف، وإخبار لجملتها وتفصيلها، وهي تقال على المحسوسات حقيقةً، وعلى المعقولات مجازاً عن تيقّن معرفتها. انتهى(٢). وقال ابن الملقّن رَّتُهُ: معنى ((رمقتُ)) هنا: المبالغة في النظر، وشدّة التتبّع لأفعاله، وأقواله وَ لّه، ففيه الحثّ على استحباب مراعاة أفعال العالم وأقواله؛ للاقتداء به، فإن تعارض القول والفعل، فعلى أيهما يعتمد؟ فيه خلاف (١) ((المصباح المنير)) ٢٣٩/١. (٢) ((العدّة حاشية العمدة)) ٣٣٠/٢. ٧٣ (٣٩) - بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٦٢) للأصوليين، ليس هذا موضعه. انتهى(١). وقوله: (مَعَ مُحَمَّدٍ وََّ) متعلّق بحال مقدّر من ((الصلاة))، أي حال كونها كائنة معه وَ ال﴿ ﴿فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ) حَكَى ابن دقيق العيد تَّتُهُ عن بعض العلماء أنه نَسَبَ هذه الرواية إلى الوهم، ثم استبعده؛ لأن توهيم الراوي الثقة على خلاف الأصل، ثم قال في آخر كلامه: فليُنْظَر ذلك من الروايات، ويحقق الاتحاد، أو الاختلاف من مخارج الحديث. انتهى. قال الحافظ تَّتُهُ: وقد جمعتُ طرقه، فوجدت مداره على ابن أبي ليلى، عن البراء، لكن الرواية التي فيها زيادة ذكر القيام من طريق هلال بن أبي حميد، عنه، ولم يذكره الْحَكَم عنه، وليس بينهما اختلاف في سوى ذلك، إلا ما زاده بعض الرواة عن شعبة، عن الحكم، من قوله: ((ما خلا القيام والقعود))، وإذا جُمِع بين الروايتين ظهر من الأخذ بالزيادة فيهما، أن المراد بالقيام المستثنى: القيام للقراءة، وكذا القعود المراد به: القعود للتشهد. انتهى(٢). [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ لهذا الحديث استثناء لم يُذكر في رواية مسلم، ونصّه: ((قال: كان ركوع النبيّ ◌َّ، وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود، قريباً من السواء)). قال في ((الفتح)): قوله: ((ما خلا القيامَ، والقعودَ)) بالنصب فيهما، قيل: المراد بالقيام الاعتدال، وبالقعود الجلوس بين السجدتين، وجزم به بعضهم، وتَمَسّك به في أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين لا يطوَّلان. وردّه ابن القَيِّم في كلامه على ((حاشية السنن))، فقال: هذا سوء فهم من قائله؛ لأنه قد ذَكَرهما بعينهما، فكيف يستثنيهما؟ وهل يحسن قول القائل: جاء زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيداً وعمراً؟ فإنه متى أراد نفي المجيء عنهما كان تناقضاً. انتهى. وتُعُقِّب بأن المراد بذكرها إدخالها في الطمأنينة، وباستثناء بعضها إخراج المستثنى من المساواة. (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٩٨/٣ - ٩٩. (٢) ((الفتح)) ٣٣٧/٢. ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال الجامع عفا الله عنه: هذا التعقّب فيه نظرٌ لا يخفى، بل ردّ ابن القيّم: هو الوجه السديد، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. قال: وقال بعض شيوخ شيوخنا: معنى قوله: ((قريباً من السواء)) أن كل ركن قريب من مثله، فالقيام الأول قريب من الثاني، والركوع في الأولى قريب من الثانية، والمراد بالقيام والقعود اللذين استُثْنِيا الاعتدال والجلوس بين السجدتين، ولا يخفى تكلُّفه. واستُدِلّ بظاهره على أن الاعتدال ركن طويلٌ، ولا سيما قوله في حديث أنس الآتي: ((حتى يقول القائل: قد نسي))، وفي الجواب عنه تعسُّفٌ. (١) انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: بل هو تعسّف بارد بعيد عن مدلول الحديث، فتبصّر . (فَرَكْعَتَهُ) المراد به الركوع (فَاعْتِدَالَهُ) أي استواءه قائماً (بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالاِنْصِرَافِ) أي الرجوع من موضع صلاته إلى موضع حاجته، قال النوويّ كَُّ: فيه دليلٌ على أنه وَ ﴿ كان يجلس بعد التسليم شيئاً يسيراً في مصلاه. انتهى(٢). وكان جلوسه ◌ّ﴿ بعد التسليم حتى ينصرف النساء قبل أن يراهنّ الرجال، فقد أخرج البخاريّ رَّلُ في (صحيحه)) عن أم سلمة ◌َّا، قالت: كان رسول الله ◌َّ إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مَقَامه يسيراً قبل أن يقوم، قال: نَرَى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهنّ أحد من الرجال. وقوله: (قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ») منصوب على أنه مفعول ثانٍ لـ((وَجدتُ)). والمراد أن مقدار قيامه بسلاح*، وركوعه، وسجوده، واعتداله، وجلوسه بين السجدتين، وكذا جلوسه بعد التسليم من الصلاة، إلى أن ينصرف إلى حاجته متقارب، وفيه إشعار بأن فيها تفاوتاً، لكنه لم يُعَيِّنه، وهو دالّ على تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين؛ لِمَا عُلِم من عادته وَلّر من تطويل الركوع (١) ((الفتح)) ٣٢٣/٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/٤. ٧٥ (٣٩) - بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٦٢) والسجود، وأن القول بأن الاعتدال ركن قصير قول ضعيفٌ، بل باطلٌ، وكذا الجلوس بين السجدتين. وقال النوويّ كَّتُهُ: فيه دليل على تخفيف القراءة، والتشهد، وإطالة الطمأنينة في الركوع والسجود، وفي الاعتدال عن الركوع وعن السجود، ونحو هذا قول أنس به في الحديث الآتي بعده: ((ما صَلّيت خلف أحد أوجز صلاةً من صلاة رسول الله وَ ﴿ في تمام)). وقوله: ((قريباً من السواء)) يدُلّ على أن بعضها كان فيه طول يسير على بعض، وذلك في القيام، ولعله أيضاً في التشهد. (واعلم): أن هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلا فقد ثبتت الأحاديث السابقة بتطويل القيام، وأنه سير كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر بـ﴿الّ ﴾ تَزِيلُ﴾ السجدة، وأنه كان تقام الصلاة، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يرجع، فيتوضأ، ثم يأتي المسجد، فيدرك الركعة الأولى، وأنه قرأ ((سورة المؤمنين))، حتى بلغ ذكر موسى وهارون، وأنه قرأ في المغرب ب﴿ الطُّورِ﴾، وب﴿ وَالْمُرْسَلَتِ﴾، وفي ((صحيح البخاريّ)) بـ((الأعراف))، وأشباه هذا، وكلُّه يدلُّ على أنه وَ لّ كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات، وهذا الحديث الذي نحن فيه جَرَى في بعض الأوقات، وقد ذكره مسلم في الرواية الأخرى، ولم يذكر فيه القيام، وكذا ذكره البخاريّ، وفي رواية للبخاريّ: ((ما خلا القيام والقعود))، وهذا تفسير الرواية الأخرى. انتهى كلام النوويّ تَُّهُ، وهو تحقيقٌ جيّد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب طيها هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٦٢/٣٩ و١٠٦٣ و١٠٦٤] (٤٧١)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٧٩٢ و٨٠١ و٨٢٠)، و(أبو داود) في ((الصلاة» (٨٥٤)، و(الترمذيّ) فيها (٢٧٩ و٢٨٠)، و(النسائيّ) فيها (١٩٧/٢ - ١٩٨)، ٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة و(أبو داود الطيالسيّ) في («مسنده)) (٧٣٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٠/٤ و٢٨٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٠٦/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٦١٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٨٨٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٧٠٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٤٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/ ١٢٢ - ١٢٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٦٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الإمام ابن دقيق العيد تَّتُهُ: هذا الحديث يدلّ على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس ظه يعني الذي بعده بلفظ: ((كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائماً حتى يقول القائل: قد نسي)) أصرح في الدلالة على ذلك، بل هو نصّ فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف، وهو قولهم: لم يُسَنّ فيه تكرير التسبيحات، كالركوع والسجود، ووَجْهُ ضعفه أنه قياس في مقابلة النصّ، وهو فاسدٌ، وأيضاً فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع، فتكرير ((سبحان ربي العظيم)) ثلاثاً يجيء قدر قوله: ((اللهم ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه))، وقد شُرع في الاعتدال ذكر أطول، كما أخرجه مسلم، من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وأبي سعيد الخدريّ، وعبد الله بن عباس عظته بعد قوله: ((حمداً كثيراً طيباً ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ))، زاد في حديث ابن أبي أوفى: ((اللهم طَهِّرني بالثلج ... إلخ))، وزاد في حديث الآخَرَين: ((أهلَ الثناء والمجد ... إلخ))، وقد ثبت أن النبيّ ◌َ لل أثنى على رجل زاد من عند نفسه في الاعتدال ذكراً (١). ومن ثَمّ اختار النوويّ جواز تطويل الركن القصير بالذكر، خلافا للمرجَّح في المذهب، واستَدَلَّ لذلك أيضاً بحديث حذيفة رَظُه في مسلم، أنه وكَّ قرأ (١) هو: ما يأتي برقم (٦٠٠) عن أنس ظه، أن رجلاً جاء، فدخل الصفّ، وقد حَفَزَه النفَسُ، فقال: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، فلما قضى رسول الله وَلِيل صلاته، قال: ((أيكم المتكلم بالكلمات؟)) فأرمّ القوم، فقال: ((أيكم المتكلم بها؟ فإنه لم يقل بأساً))، فقال رجل: جئت وقد حَفَزني النفَسُ فقلتها، فقال: ((لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيُّهُم يرفعها)). ٧٧ (٣٩) - بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٦٢) في ركعة بالبقرة، أو غيرها، ثم ركع نحواً مما قرأ، ثم قام بعد أن قال: ((ربنا لك الحمد)» قياماً طويلاً قريباً مما ركع، قال النوويّ: الجواب عن هذا الحديث صَعْبٌ، والأقوى جواز الإطالة بالذكر. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا من إنصاف النوويّ ◌َُّهُ، وإيثاره النصّ على مذهبه، فقد ثبت في مذهبه أنهم قالوا ببطلان الصلاة بتطويل الاعتدال، وهكذا ينبغي لمقّدي الأئمة أن يتّبعوا النصوص وإن خالفت نصّ إمامهم؛ لأن نصوص الكتاب والسنة مضمون فيها الحقّ والصواب، لا يتطرّق إليها خلاف ذلك بوجه من الوجوه، بخلاف نصوص الأئمة، فإنها عُرْضة للخطأ والزلل، فالواجب على العاقل أن يتمسّك بالنصوص حيثما كانت، وعند من كانت، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: وقد أشار الشافعيّ في ((الأُمّ)) إلى عدم البطلان، فقال في ترجمة ((كيف القيام من الركوع)): ولو أطال القيام بذكر الله، أو يدعو، أو ساهياً، وهو لا ينوي به القنوت، كرهت له ذلك، ولا إعادة، إلى آخر كلامه في ذلك. فالعجب ممن يُصَحِّح مع هذا بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال، وتوجيهُهُم ذلك أنه إذا أطيل انتفت الموالاة مُعْتَرَضٌ بأن معنى الموالاة أن لا يتخلَّل فصلٌ طويلٌ بين الأركان بما ليس منها، وما ورد به الشرع لا يصحّ نفي كونه منها، والله أعلم. وأجاب بعضهم عن حديث البراء وبه أن المراد بقوله: ((قريباً من السواء)) ليس أنه كان يركع بقدر قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أن صلاته كانت قريباً معتدلةً، فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفّها أخفّ بقية الأركان، فقد ثبت أنه قرأ في الصبح بـ((الصافات))، وثبت في ((السنن)) عن أنس ◌َُّه أنهم حَزَرُوا في السجود قدر عشر تسبيحات، فيُحْمَل على أنه إذا قرأ بدون ((الصافات))، اقتصر على دون العشر، وأقلَّه كما ورد في ((السنن)) أيضاً ثلاث تسبيحات. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد اتّضح بما سبق مما قاله محقّقو الشافعيّة، (١) ((الفتح)) ٣٣٧/٢ - ٣٣٨. ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة كالنوويّ، وابن دقيق العيد، وصاحب ((الفتح)) أن قول من قال: إن الاعتدال ركنٌ قصير ضعيفٌ، بل باطلٌ؛ لمنابذته الأحاديث الصحيحة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: الحديث الذي ورد في ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود، هو: ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه عن عون بن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود ظبه أن النبيّ وَّ قال: ((إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد، فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تم سجوده، وذلك » (١) . أدناه)» وهو حديث ضعيفٌ؛ للانقطاع، قال الترمذيّ: حديث ابن مسعود ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد الله بن عتبة، لم يلق ابن مسعود ظراته. انتهى. وقال أبو داود بعد إخراجه: هذا مرسل - أي منقطع - عون لم يُدرك ابن مسعود غائه. انتھی. قال الترمذيّ تَخْتُ: والعمل على هذا عند أهل العلم، يَستحِبّون أن لا يَنقُص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات، ورُوي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: أستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحات؛ لكي يدرك مَن خلفه ثلاث تسبيحات، وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٠٦٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا(٢) عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ(٣) رَجُلٌ قَدْ سَمَّاهُ، زَمَنَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَأَمَرَ أَبَا غُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَكَانَ يُصَلِّي، فَإِذَا رَفَعَ (١) حديث ضعيف؛ للانقطاع، أخرجه أبو داود برقم (٨٨٦)، والترمذيّ برقم (٢٤٢)، وابن ماجه برقم (٨٩٠). (٢) وفي نسخة: ((حدّثنا)). (٣) وفي نسخة: ((على أهل الكوفة)). ٧٩ (٣٩) - بَابُ اعْتِدَالِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَتَخْفِيفِهَا فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٦٣) رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامَ قَدْرَ مَا أَقُولُ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»، قَالَ الْحَكَمُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَرُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَسُجُودُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ، قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَلَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ هَكَذَا). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب. ٤ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والبراء ظُه، تقدّما في السند الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالکوفیین. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الحكم، عن ابن أبي ليلى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ الْحَكَم) بن عُتيبة: أنه (قَالَ: غَلَبَ) بالبناء للفاعل (عَلَى الْكُوفَةِ) وفي نسخة: ((على أهل الكوفة))، وهي المدينة المعروفة، وقد تقدّم الكلام عليها ٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قريباً (رَجُلٌ) بالرفع على الفاعليّة لـ((غلب))، وقوله: (قَدْ سَمَّاهُ) هذا قول شعبة، والضمير المرفوع للحكم، والمنصوب لـ((رجلٌ))، أي سمّى الحكم أي عيّن اسم ذلك الرجل، ويأتي في الرواية التالية تسميته بمطر بن ناجية (زَمَنَ ابْنِ الأَشْعَثِ) بنصب ((زمن)) على الظرفيّة، وهو متعلّق بـ((غَلَب)). و ((ابن الأشعث)) هذا هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الْكِنديّ، الأمير متولّي سِجِستان، بعثه الحجاج على سِجِستان، فثار هناك، وأقبل في جمع كبير، وقام معه علماء وصلحاء لله تعالى، لِمَا انتَهَك الحجاج من إماتة وقت الصلاة، ولجوره وجبروته، فقاتله الحجاج، وجَرَى بينهما عِدّة مُصافّات، وينتصر ابن الأشعث، ودام الحرب أشهراً، وقُتِل خلق من الفريقين، وفي آخر الأمر انهزم جمع ابن الأشعث، وفَرّ هو إلى الملك رُتْبِيل ملتجئاً إليه، فقال له علقمة بن عمرو: أخاف عليك، وكأني بكتاب الحجاج قد جاء إلى رُتْبيل يُرْغِبِه ويُرْهِبه، فإذا هو قد بَعَث بك، أو قتلك، ولكن ها هنا خمسمائة مقاتل، قد تبايعنا على أن ندخل مدينة نَتَحَصَّن بها، ونقاتل حتى نُعْطَى أماناً، أو نموت كراماً، فأبى عليه، وأقام الخمسمائة حتى قَدِمَ عُمارة بن تميم، فقاتلوه حتى أَمَّنَهم، ووَفَى لهم، ثم تتابعت كتب الحجاج إلى رُقبيل بطلب ابن الأشعث، فبَعَثَ به إليه على أن تَرْك له الحمل(١) سبعة أعوام، وقيل: إن ابن الأشعث أصابه السِّلّ فمات، فقُطِع رأسه، ونَفِذ إلى الحجاج، وقيل: إن الحجاج كَتَب إلى رُتْبيلِ: إني قد بعثت إليك عُمَارة في ثلاثين ألفاً يطلبون ابن الأشعث، فأبى أن يُسَلِّمه، وكان مع ابن الأشعث عُبيد بن أبي سُبيع، فأرسله إلى رُتْبِيل، فَخَفّ على رتبيل، واختَصّ به، قال لابن الأشعث أخوه القاسم: لا آمن غَدْر رُتبيل، فاقتله، يعني عُبيداً، فَهَمّ به، فَفَهِم ذلك، وخاف، فوَشَى به إلى رُتبيل، وخَوَّفه من غائلة الحجاج، وهَرَب سرّاً إلى عُمَارة، فاستعجل في ابن الأشعث ألف ألف درهم، فكَتَب بذلك عمارة إلى الحجاج، فكتب: أن أعط عُبيدة، ورُتبيل ما طَلَبا، فاشترط أموراً، فأعطيها، وأرسل إلى ابن الأشعث، وإلى ثلاثين من أهل بيته، وقد هيأ لهم القيود والأغلال، فقَيَّدهم، (١) هكذا النسخة، ولعل المعنى ترك حمل الجزية إلى الحجّاج، والله تعالى أعلم.