النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ (٣٧) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٠٤٥) والعمل على هذا عند أصحابنا: الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، قالوا: إذا أَمَّ الرجل القوم في المكتوبة، وقد كان صلّاها قبل ذلك أنّ صلاة من ائتَمّ به جائزة، واحتجّوا بحديث جابر في قصة معاذ، وهو حديث صحيح، وقد رُوي من غير وجه، عن جابر، ورُوي عن أبي الدرداء أنه سئل عن رجل دخل المسجد، والقوم في صلاة العصر، وهو يَحْسَب أنها صلاة الظهر، فائتم بهم، قال: صلاته جائزة. وقد قال قوم من أهل الكوفة: إذا ائتَمّ قوم بإمام، وهو يصلّ العصر، وهم يَحسَبُون أنها الظهر، فصلّى بهم، واقتَدَوا به، فإن صلاة المقتدي فاسدة؛ إذ اختلف نية الإمام ونية المأموم. انتهى(١). وقال الإمام أبو بكر بن المنذر تَُّهُ: قد اختَلَف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة بظاهر قصّة معاذ ظبه، وقصّة صلاة الخوف(٢). وممن قال بهذا عطاء بن أبي رَبَاح، وطاوس، وبه قال الشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وسليمان بن حرب، وأبو ثور، وقال بمثل هذا المعنى الأوزاعيّ. وقالت طائفة: كلُّ من خالفت نيّته نيّة الإمام في شيء من الصلاة لم يُعْتَدّ بما صلّى معه، واستأنف، هذا قول مالك بن أنس، ورُوي معنى ذلك عن الحسن البصريّ، وأبي قلابة، وبه قال الزهريّ، وربيعة، ويحيى بن سعيد، وحَكَى أبو ثور عن الكوفيّ(٣) أنه قال: إن كان الإمام متطوّعاً لم يُجْز من خلفه الفريضة، وإن كان الإمام مفترضاً، وكان من خلفه متطوّعاً كانت صلاتهم جائزة. وكان عطاء، وطاوس يقولان في الرجل يأتي إلى الناس، وهم في قيام (١) راجع: ((الجامع)) للإمام الترمذيّ تَُّ رقم (٥٨٣). (٢) أشار به إلى ما أخرجه النسائيّ ◌َخْذَتُهُ في ((سننه)) (١٥٥٥) بسند صحيح عن أبي بكرة معه، عن النبيّ وَ﴾ ((أنه صلى صلاة الخوف بالذين خلفه ركعتين، والذين جاءوا بعدُ ركعتين، فكانت للنبيّ أربع ركعات، ولهؤلاء ركعتين ركعتين)). (٣) الظاهر أن المراد به الإمام أبو حنيفة تَّقُ. ٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة رمضان، ولم يكن صلّى المكتوبة، قالا: يصلّي معهم ركعتين، فيبني عليهما ركعتين، ويَعتدّ به من العتَمَة، وأبى ذلك سعيد بن المسيِّب، والزهريّ، وقالا: يُصلّي معهم، ثم يُصلّ العشاء وحده. ثم رجّح ابن المنذر: قول من قال بالجواز؛ عملاً بحديث الباب(١). وقال في ((الفتح)) عند شرح حديث الباب ما نصّه: واستُدِلَّ بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل؛ بناءً على أن معاذاً ظُبه، كان ينوي بالأولى الفرض، وبالثانية النفل، ويدلّ عليه ما رواه عبد الرزاق، والشافعيّ، والطحاويّ، والدارقطنيّ، وغيرهم، من طريق ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن جابر نظريته في حديث الباب، زاد: ((هي له تطوُّع، ولهم فریضٌ». قال الحافظ كثّتُهُ: وهو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفت تُهْمة تدليسه. فقول ابن الجوزيّ: ((إنه لا يصحّ)) مردود، وتعليل الطحاويّ له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتمّ من سياق ابن جريج، ولم يذكر هذه الزيادة، ليس بقادح في صحته؛ لأن ابن جريج أسنّ، وأجلّ من ابن عيينة، وأقدم أخذاً عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ، ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، ولا أكثر عدداً، فلا معنى للتوقّف في الحكم بصحتها . وأما رَدّ الطحاويّ لها باحتمال أن تكون مُدْرَجة، فجوابه أن الأصل عدم الإدراج، حتى يثبت التفصيل، فمهما كان مضموماً إلى الحديث فهو منه، ولا سيما إذا رُوي من وجهين، والأمر هنا كذلك، فإن الشافعيّ أخرجها من وجه آخر، عن جابر متابعاً لعمرو بن دینار عنه. وقولُ الطحاويّ: ((هو ظَنٍّ من جابر)) مردودٌ؛ لأن جابراً كان ممن يصلّي مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يُظَنّ بجابر أنه يُخْبِر عن شخص بأمر غير مشاهَد، إلا بأن يكون ذلك الشخص أطلعه عليه. قال: وأما احتجاج أصحابنا - يعني الشافعيّة - لذلك بقوله وَلُ ون: ((إذا (١) راجع كلامه في: ((الأوسط)) ٢١٨/٤ - ٢٢٠. ٢٣ (٣٧) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٠٤٥) أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))، فليس بجيِّد؛ لأن حاصله النهي عن التلبس بصلاة غير التي أقيمت، من غير تَعَرُّض لنية فرض أو نفل، ولو تعينت نية الفريضة لامتنع على معاذ أن يصلّي الثانية بقومه؛ لأنها ليست حينئذ فرضاً له. قال: وكذلك قول بعض أصحابنا: لا يُظَنّ بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة، في المسجد الذي هو من أفضل المساجد، فإنه وإن كان فيه نوع ترجيح، لكن للمخالف أن يقول: إذا كان ذلك بأمر النبيّ وَّ لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع. وكذلك قول الخطابيّ: إن العشاء في قوله: ((كان يصلي مع النبيّ وَلِيل العشاء)» حقيقة في المفروضة، فلا يقال: كان ينوي بها التطوع؛ لأن لمخالفه أن يقول: هذا لا ينافي أن ينوي بها التنفل. وأما قول ابن حزم: إن المخالفين لا يُجيزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن يصلّيه متطوعاً، فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يَجُوزُ عندهم؟ فهذا إن كان كما قال نقضٌ قويّ، وأسلم الأجوبة التمسك بالزيادة المتقدمة. وأما قول الطحاويّ: لا حجة فيها؛ لأنها لم تكن بأمر النبيّ بَّر، ولا تقريره. فجوابه أنهم لا يختلفون في أن رأي الصحابيّ إذا لم يخالفه غيره حجةٌ، والواقع هنا كذلك، فإن الذين كان يصلّي بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عَقَبِيّاً، وأربعون بَدْرِيّاً، قاله ابن حزم، قال: ولا يُحْفَظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك، بل قال معهم بالجواز: عُمر، وابن عمر، وأبو الدرداء، وأنس، وغيرهم. وأما قول الطحاويّ: لو سَلَّمنا جميع ذلك لم يكن فيه حجة؛ لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه تُصَلَّى مرّتين، أي فيكون منسوخاً . فقد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، وهو لا يسوغ، وبأنه يلزمه إقامة الدليل على ما ادعاه من إعادة الفريضة. انتهى. قال الحافظ: وكأنه لم يقف على كتابه، فإنه قد ساق فيه دليل ذلك، ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وهو حديث ابن عمر رفعه: ((لا تُصَلَّوا الصلاة في اليوم مرتين))، ومن وجه آخر مرسلٍ: إن أهل العالية كانوا يصلّون في بيوتهم، ثم يصلّون مع النبيّ ◌ََّ، فبلغه ذلك، فنهاهم. قال: ففي الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظرٌ؛ لاحتمال أن يكون النهي عن أن يصلّوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البيهقيّ جمعاً بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ لم يكن بعيداً. ولا يقال: القصة قديمة؛ لأن صاحبها استُشْهِد بأحد؛ لأنا نقول: كانت أُحُدٌ في أواخر الثالثة، فلا مانع أن يكون النهي في الأولى، والإذن في الثالثة مثلاً . وقد قال رَيه للرجلين اللذين لم يُصَلِّيا معه: ((إذا صلّيتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلّيا معهم، فإنها لكما نافلة))(١)، أخرجه أصحاب ((السنن)) من حديث يزيد بن الأسود العامريّ، وصححه ابن خزيمة وغيره، وكان ذلك في حجة الوداع، في أواخر حياة النبيّ وَّد. ويدلّ على الجواز أيضاً أمره و 18 لمن أدرك الأئمة الذين يأتون بعده، ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها: أن ((صَلَّوها في بيوتكم في الوقت، ثم اجعلوها معهم نافلة)). وأما استدلال الطحاويّ أنه وَّ نَهَى معاذاً عن ذلك بقوله في حديث سُلَيم بن الحارث: ((إما أن تصلّي معي، وإما أن تُخَفِّف بقومك))، ودعواه أن معناه: إما أن تصلّي معي، ولا تصلّي بقومك، وإما أن تخفف بقومك، ولا تصلّي معي، ففيه نظرٌ؛ لأن لمخالفه أن يقول: بل التقدير: إما أن تصلّ معي فقط، إذا لم تُخَفِّف، وإما أن تخفف بقومك، فتصلّي معي، وهو أولى من تقديره؛ لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف؛ لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه. وأما تقوية بعضهم بكونه منسوخاً بأن صلاة الخوف وقعت مراراً على (١) حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد (١٦٨٢٩)، والترمذيّ برقم (٢٠٣)، والنسائيّ (٨٥٨)، والدارميّ (١٣٣٢). ٢٥ (٣٧) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٠٤٥) صفة فيها مخالفة ظاهرةٌ بالأفعال المنافية في حال الأمن، فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لصلّى النبيّ وَله بهم مرتين على وجه، لا تقع فيه منافاة، فلَمّا لم يفعل دَلّ ذلك على المنع. فجوابه أنه ثبت أنه رَله صلّى بهم صلاة الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود، عن أبي بكرة صريحاً، ولمسلم عن جابر نحوه، وأما صلاته بهم على نوع من المخالفة، فلبيان الجواز. وأما قول بعضهم: كان فعل معاذ للضرورة؛ لقلة القُرّاء في ذلك الوقت، فهو ضعيف، كما قال ابن دقيق العيد؛ لأن القدر المجزئ من القراءة في الصلاة، كان حافظوه كثيراً، وما زاد لا يكون سبباً لارتكاب أمر ممنوع منه شرعاً في الصلاة. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من عرض الأقوال وأدلّتها أن الأرجح قول من قال بجواز اقتداء المفترض بالمتنفّل، وبالعكس؛ لحديث الباب وغيره مما سبق بيانه، والذين منعوا من ذلك لم يأتوا بحجة مقنعة تقاوم حجج المجيزين، ولذا قال السنديّ الحنفيّ كَّثُ في ((شرح النسائيّ)): فدلالة حديث قصّة معاذ ربه على جواز اقتداء المفترض بالمتنفّل واضحة، والجواب عنه مشكلٌ جدّاً، وأجابوا بما لا يتمّ، وقد بسطت الكلام فيه في ((حاشية ابن الھُمَام)). انتهى. وهذا من إنصافه تَُّهُ، وهكذا ينبغي لكلّ متمذهب أن يكون مع الأدلّة، وإن خالف مذهبه، بل ومذاهب الجلّ؛ لأن الحقّ أحقّ أن يُتبع، ﴿فَإِن نَزَعْنُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ الآية [النساء: ٥٩]. والحاصل أنه يجوز اقتداء المفترض بالمتنفّل والعكس؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) ((الفتح)) ٢٣٠/٢ - ٢٣١. ٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٠٤٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، قَالَ: (ح)(١) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ الْأَنْصَارِيُّ لِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ، فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّا، فَصَلَّى، فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ، دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ مُعَاذٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَتْرِيدُ أَنْ تَكُونَ فَتَّاناً يَا مُعَاذُ؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ (٢) فَاقْرَأُ بِ﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَنَا ﴾ وَالْقَمَرِ إِذَا نَا (٢) وَالنَّارِ وَنَفْسِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا لَهَا (٦) وَاَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا إِذَا جَّهَا و فَهُمَهَا نُورَهَا وَتَقْوَنَهَا ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّنْهَا ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّنُهَا وَمَا سَوَّنھَا كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَنِهَا ﴾ إِذِ أَنْبَعَثَ أَشْقَنَهَا ﴾ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ ١٠ فَكَذَبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَئِهِمْ فَسَوَّنَهَا (٤) وَلَا يَخَافُ ١٣ وَسُقْيَهَا عُقَّبَهَا ، وَ﴿َسَّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى ﴾﴾، وَ﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَّلِ إِذَا یغْشَى رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ رُمْح) هو: محمد بن رُمْح بن المهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ أ١٠َ] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. والباقون تقدّموا في هذا الباب، و((ليث)) بـ((أل)) وبدونها: هو الليث بن سعد . [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَخْتُهُ، وهو (١) وفي نسخة: تأخير ((قال)) عن التحويل. (٢) وفي نسخة: ((إذا أممت - يعني الناس -)). ٢٧ (٣٧) - بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِشَاءِ - حديث رقم (١٠٤٧) أعلى الأسانيد له، وهو (٥٥) من رباعيّات الكتاب، ووافقه النسائيّ، وابن ماجه على الإسنادين، فأخرجه النسائيّ عن قتيبة برقم (٩٩٨)، وابن ماجه عن محمد بن رُمح برقم (٩٨٦). (فَانْصَرَفَ رَجُلٌ مِنَّ) أي من الأنصار، وقد تقدّم البحث فيه مستوفَى في شرح الحديث الماضي، وبالله التوفيق. وقوله: (فَصَلَّى) أي فصلّى الرجل وحده بعدما قطع صلاته مع معاذ ضربه. وقوله: (فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ) ببناء الفعل للمفعول، أي أخبر بعض الناس معاذاً ظُه بما فعله الرجل من صلاته. وقوله: (فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ) أي وصل إليه قول معاذ إنه منافقٌ. وقوله: (إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ) أي صلّيتَ بهم إماماً، وتمام شرح الحديث ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، فراجعها تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٤٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا(١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (هُشَيْم) بن بَشِير المذكور قبل باب. ٣ - (مَنْصُور) بن زاذان الواسطيّ المذكور أيضاً قبل باب، والباقيان ذُكرا قبل حدیث. وقوله: (الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ) فيه جواز قول: ((العشاء الآخرة))، وقد سبق قريباً (١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)). ٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة بيانه، وقول الأصمعيّ بإنكاره، وإبطال قوله، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [١٠٤٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ مَّعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ وَِّ الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ) هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلّم فيه أحدٌ بحجّة [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣. ٢ - (حَمَّاد) بن زيد بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كَيْسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العباد [٥] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (فَيُصَلِّي بِهِمْ) أي تلك الصلاة التي صلّاها مع النبيّ ◌َّ، وهي العشاء، كما بيّنت في الروايات الماضية. [تنبيه]: تكلّم أبو مسعود الدمشقيّ تَخْتُ في هذا الإسناد، فقال: قتيبة يقول في حديثه: عن حمّاد، عن عمرو، ولم يذكر فيه أيّوبَ، وكان ينبغي لمسلم أن ینبّه عليه. ويُجاب عن مسلم: بأنه إنما أهمل التنبيه عليه؛ لكونه جَعَل الرواية مسوقةً عن أبي الربيع وحده، كذا أفاده النوويّ ◌َظَّهُ(١). (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٣/٤. ٢٩ (٣٨) - بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٤٩) قال الجامع عفا الله عنه: رواية حمّاد التي أشار إليها أبو مسعود، أخرجها الإمام الترمذيّ نَّثُ في ((جامعه))، فقال: (٥٣٢) حدّثنا قتيبة، حدّثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، أن معاذ بن جبل، كان يصلّي مع رسول الله صل ى المغرب، ثم يرجع إلى قومه، فيؤمهم، وقال: هذا حديث حسن صحيح. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَغْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (٣٨) - (بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَامِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [١٠٤٩] (٤٦٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَقَالَ: إِنِّي لَأَتْأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهَ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الْحَاجَةٍ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) الْبَجَليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩. ٢ - (قَيْس) بن أبي حازم البجليّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] (ت بعد ٩٠) وقد جاوز المائة، وتغيّر (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٧٥. ٣ - (أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدريّ الصحابيّ الشهير، مات رُه بالكوفة، وقيل: بالمدينة قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٥٨. ٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة والباقيان تقدّما في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف وَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وهُشيمٍ، فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: إسماعيل، عن قيس. ٥ - (ومنها): أن قيساً هو التابعي الذي انفرد بالرواية عن العشرة المبشّرين بالجنّة على الصحيح، ولا مشارك له في ذلك، خلافاً للحاكم صاحب ((المستدرك)) حيث ادّعى ذلك، وقد أشار السيوطيّ كََّتُهُ إلى ذلك في ((ألفيّة الحدیث)) حیث قال: أَوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرَةْ وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهْ مَعْ خَمْسَةٍ وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِم كَثِيرُ وَذَاكَ قَيْسٌ مَالَهُ نَظِيرُ ٦ - (ومنها): أن صحابيّه اشتهر بنسبته إلى بدر، فعدّه البخاريّ في ((صحيحه))، ومسلم في ((الكنى)): ممن شَهِد غزوة بدر، وقال الأكثرون: لم يشهدها، وإنما نزل ماءً ببدر، فُنُسب إليها، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو (الْأَنْصَارِيِّ) البدريّ ◌َظُهُ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌّ) قال الحافظ تَذْتُ: لم أقف على اسمه، ووَهِم مَن زعم أنه حَزْم بن أُبَيّ بن كعب؛ لأن قصته كانت مع معاذ، لا مع أَبَيّ بن كعب. انتهى(١). (إِلَى رَسُولِ اللهِ ﴿ فَقَالَ: إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ) ولفظ البخاريّ: ((إني لأتأخَّر عن صلاة الغداة))، أي فلا أحضرها مع الجماعة؛ لأجل التطويل، وفي رواية للبخاريّ أيضاً من طريق ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد: ((والله (١) ((الفتح)) ٢٣٢/٢. ٣١ (٣٨) - بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٤٩) لأتأخر)) بزيادة القسم، وفيه جواز مثل ذلك؛ لأنه لم يُنْكِر عليه النبيّ ◌َّ، وفي رواية للبخاريّ من طريق الثوريّ، عن إسماعيل: ((إني لا أكاد أدرك الصلاة)). قال القاضي عياض تَخُّْ: ظاهره مشكل؛ لأن التطويل يقتضى الإدراك لا عدمه، قال: فكأن الألف زيدت بعد ((لا))، وكأن ((أُدْرِك)) كانت ((أَتْرُك)). قال الحافظ: هو توجيه حسن لو ساعدته الرواية، وقال أبو الزناد بن سراج: معناه أنه كان به ضعف، فكان إذا طوَّل به الإمام في القيام، لا يبلغ الركوع إلا وقد ازداد ضعفه، فلا يكاد يتم معه الصلاة. قال الحافظ أيضاً: وهو معنى حسن، لكن رواه البخاريّ، عن الفريابيّ، عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ: ((إني لأتأخر عن الصلاة))، فعلى هذا فمراده بقوله: ((إني لا أكاد أدرك الصلاة))، أي لا أقرُب من الصلاة في الجماعة، بل أتأخر عنها أحياناً؛ من أجل التطويل(١). قال: ويَحْتَمل أيضاً أن يكون المراد أن الذي أَلِفَه من تطويله اقتضى له أن يتشاغل عن المجيء في أول الوقت؛ وثوقاً بتطويله، بخلاف ما إذا لم يكن يطوِّل، فإنه كان يحتاج إلى المبادرة إليه أوّل الوقت، وكأنه يَعْتَمِد على تطويله، فيتشاغل ببعض شغله، ثم يتوجه، فيصادف أنه تارةً يدركه، وتارة لا يدركه، فلذلك قال: ((لا أكاد أدرك مما يُطَوِّل بنا))، أي بسبب تطويله. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى ما في هذا الاحتمال من البعد، فالأول هو الوجه، فتأملّ، والله تعالى أعلم. وإنما خص الصبح بالذكر؛ لأنها تطوَّل فيها القراءة غالباً، ولأن الانصراف منها وقت التوجه لمن له حرفة إليها . (مِنْ أَجْلِ فُلانٍ) هو كناية عن اسم سُمّي به المحدّث عنه، ويقال في غير الآدميّ: الفلان معرّفاً بالألف واللام، قاله الكرمانيّ دَّهُ(٣). والمراد بفلان هنا هو: أَبيّ بن كعب ◌َُّه، قال في ((الفتح)): ووَهِمَ مَن (١) ((الفتح)) ٢٢٤/١ ((كتاب العلم)) رقم الحديث (٩٠). (٢) ((الفتح)) ٢٣٢/٢ (كتاب الأذان)) رقم (٧٠٢). (٣) ((شرح الكرمانيّ)) ٧٨/٢. ٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة فَسَّر الإمام المبهم هنا بمعاذ، بل المراد به أُبَيّ بن كعب، كما أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن، من رواية عيسى بن جارية - وهو بالجيم - عن جابر، قال: كان أُبّيّ بن كعب يصلّي بأهل قباء، فاستفتح سورة طويلةً، فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة، فلما سمعه استفتحها انفتَلَ من صلاته، فغضب أُبَيّ، فأتى النبيّ وَّر يشكو الغلام، وأتى الغلام يشكو أُبَيّاً، فغضب النبيّ وَُّ حتى عُرِف الغضب في وجهه، ثم قال: ((إن منكم منفرين، فإذا صلّيتم فأوجزوا، فإن خلفكم الضعيفَ، والكبيرَ، والمريضَ، وذا الحاجة))، فأبان هذا الحديث أن المراد بقوله في حديث الباب: ((مما يطيل بنا فلان))، أي في القراءة، واستفيد منه أيضاً تسمية الإمام، وبأيّ موضع كان، وفي الطبرانيّ من حديث عديّ بن حاتم: (مَن أَمّنا، فَلْيُتِمّ الركوع والسجود)). انتهى (١). وقوله: (مِمَّا يُطِيلُ بِنَا) ((من)) هنا للتعليل، و((ما)) مصدريّة، و((يُطيل)) من الإطالة، أي من أجل إطالته القراءة في الصلاة علينا، وفي رواية البخاريّ: ((مما يُطوّل))، من التطويل. (فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ) بالنصب على أنه نعت المصدر محذوف، أي غَضَباً أشدّ، أو منصوب على الحال من ((النبيّ وَّ)). وسببه إما لمخالفة الموعظة، أو للتقصير في تعلَّم ما ينبغي تعلمه، كذا قاله ابن دقيق العيد. وتعقّبه تلميذه أبو الفتح العمريّ بأنه يتوقف على تقدم الإعلام بذلك، قال: ويَحْتَمِل أن يكون ما ظهر من الغضب؛ لإرادة الاهتمام بما يُلقيه لأصحابه؛ ليكونوا من سماعه على بالٍ؛ لئلا يعود مَن فَعَل ذلك إلى مثله. قال الحافظ تَخْذَلُهُ: وأقول: هذا أحسن في الباعث على أصل إظهار الغضب، أما كونه أشدّ فالاحتمال الثاني أوجه، ولا يَرِدُ عليه التعقب المذكور. انتهى(٢). (مِمَّا غَضِبَ) ((من)) صلة ((أشدّ))، و((ما)) مصدريّة، أي غضبه (يَوْمَئِذٍ) أي يوم أُخبر بذلك (فَقَالَ) أي النبيّ ◌َِّهِ ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ) وفي رواية البخاريّ: ((أيها الناس)) بحذف حرف النداء. (١) ((الفتح)) ٢٣٢/٢. (٢) ((الفتح)) ٢٣٢/٢ - ٢٣٣. ٣٣ (٣٨) - بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَامِ - حديث رقم (١٠٤٩) [فائدة]: المقصود بالنداء في نحو قوله: ((يا أيها الناس))، هو ((الناس))، وإنما جاءوا بـ((أيّ)) ليمكن الوصول إلى نداء ما فيه ((أل))؛ لأنهم كرهوا الجمع بين التخصيص بالنداء، وأداة التعريف، فكأن المنادى هو الصفة، و((ها)» مُفْحَمة للتنبيه، أفاده في ((العمدة))(١). (إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ) بصيغة الجمع، والنصب على أنه اسم ((إنّ) مؤخّراً، وهو من التنفير، وهو التفريق، قال في ((القاموس)): النَّقْرُ: التفرّق، نَفَرت الدابّة تَنْفِرُ وتَنْفُرُ - أي من بابي ضرب، وقعد - نَفْراً، ونُفُوراً، ونِفَاراً، فهي نافرةٌ، ونَفُورٌ: جَزِعَتْ، وتباعدت، قال: ونَفَرَ الظبيُ: شَرَدَ، ونفّرتُهُ، واستنفرته، وأنفرته. انتهى ملخّصاً (٢). والمعنى: أن منكم من يفرّق الناس، ويُبعدهم عن الجماعة بسبب تطويله. وقال في ((الفتح)): قوله: ((إن منكم منفرين)) فيه تفسير للمراد بالفتنة في قوله في حديث معاذ ظنّه: ((أفتّان أنت))، ويحتمل أن تكون قصة أُبَيّ هذه بعد قصة معاذ، فلهذا أتى بصيغة الجمع، وفي قصة معاذ واجهه وحده بالخطاب، وكذا ذَكَر في هذا الغضب، ولم يذكره في قصة معاذ، وبهذا يتوجه الاحتمال الأول؛ لابن دقيق العيد، يعني ما ذكر في سبب شدّة غضبه. انتهى(٣). وإنما خاطب الكلّ، ولم يُعيّن المطوِّل فقط؛ كرَماً منه، ولطفاً عليه، وكانت هذه عادته ﴿ ﴿ غالباً حينما كان يوجّه العتاب والتأديب لمن يستحقّه حتى لا يحصل له الخجل ونحوه على رؤوس الأشهاد، أفاده الكرمانيّ كَُّ(٤). (فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ) وفي رواية البخاريّ: ((فأيُّكم ما صلّى بالناس)) أي أيُّ واحد منكم، و((ما)) زائدة، وزيادتها بعد ((أيِّ)) الشرطيّة كثيرةٌ، وفائدتها التوكيد، وزيادة التعميم، قاله الكرمانيّ(٥). (فَلْيُوجِزْ) من الإيجاز، وهو الاختصار، ولفظ البخاري: ((فليتجوّز))، أي فليُخفّف، وأصل اللام الكسر، ويجوز فيها السكون؛ تخفيفاً . (١) راجع: ((عمدة القاري)) ١٦٠/٢. (٣) ((الفتح)) ٢٣٣/٢. (٥) (شرح الكرمانيّ)) ٨٢/٥. (٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ١٤٦/٢. (٤) ((شرح الكرماني)) ٧٨/٢ - ٧٩. ٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال ابن دقيق العيد تَخْتُ: التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفاً بالنسبة إلى عادة قوم، طويلاً بالنسبة لعادة آخرين، قال: وقول الفقهاء: لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات، لا يخالف ما ورد عن النبيّ وَّ ر أنه كان يزيد على ذلك؛ لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلاً . قال الحافظ رَّتُهُ: وأولى ما أُخِذ حدُّ التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود، والنسائيّ، عن عثمان بن أبي العاص ظنه أن النبيّ وَ لّ قال له: ((أنت إمام قومك، واقدر القوم بأضعفهم))، وإسناده حسنٌ، وأصله في مسلم. انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: حديث عثمان بن أبي العاص ◌َظ ◌ُّه يأتي في هذا الباب بعد حديث أبي هريرة مضيعبّه . ثم ذكر علّة أمره بالإيجاز والتخفيف، فقال: (فَإِنَّ) الفاء للتعليل، أي لأن (مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ) بالنصب على أنه اسم ((إنّ)) مؤخّراً، وما بعده عطف عليه. ومقتضى هذا التعليل أنه متى لم يكن فيهم مُتَّصِف بصفة من المذكورات، لم يضرّ التطويل، لكن فيه أنه يمكن مجيء من يتصف بإحداها . وقال اليعمريّ كَّتُهُ: الأحكام إنما تناط بالغالب، لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقاً، قال: وهذا كما شُرِع القصر في صلاة المسافر، وعُلِّل بالمشقة، وهو مع ذلك يُشْرَع، ولو لم يَشُقّ؛ عملاً بالغالب؛ لأنه لا يُدرَى ما يَظْرأ عليه، وهنا كذلك. انتهى. وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (وَالضَّعِيفَ) أي المريض، وفي حديث عثمان بن أبي العاص الآتي: ((فإن فيهم الكبيرَ، وإن فيهم المريضَ، وإن فيهم الضعيفَ، وإن فيهم ذا الحاجة))، فيكون المراد بالضعيف هناك الضعيف في خِلْقته، كالنحيف، والسمين. وزاد في رواية الطبرانيّ في حديث عثمان المذكور: ((والحامل، (١) ((الفتح)) ٢٣٣/٢. ٣٥ (٣٨) - بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَام - حديث رقم (١٠٤٩) والمرضع))، وله من حديث عديّ بن حاتم: ((والعابر السبيل))، أفاده في »(١) ((الفتح))(١) . (وَذَا الْحَاجَةِ))) بالنصب أيضاً؛ لما ذُكر، وهذا من عطف العامّ على الخاصّ؛ لأن ذا الحاجة يعمّ الكبير، والضعيف، وغيرهما . وإنما اقتصر على ذكر هذه الثلاثة؛ لأنها متناولة لجميع الأنواع المقتضية للتخفيف، فإن المقتضي له إما في نفسه أولاً، والأول إما في ذاته، وهو الضعف، أو بسبب العارض لذاته، وهو المرض، أو لما يشمل هذين، وغيرهما، وهي الحاجة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مسعود الأنصاريّ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٤٩/٣٨ و١٠٥٠] (٤٦٦)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (٩٠) و((الأذان)) (٧٠٢ و٧٠٤) و((الأدب)) (٦١١٠) و((الأحكام)) (٧١٥٩)، و(ابن ماجه) في ((الصلاة)) (٩٨٤)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (١/ ١٣١ و١٣٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٦٠٧)، و(عبد الرّزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٧٢٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٥٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٨/٤ و١١٩ و٢٧٣/٥)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٣٢٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٦٠٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢١٣٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٧/ ٥٥٥ و٥٥٦ و ٥٥٧ و ٥٥٨ و٥٥٩ و٥٦٠ و٥٦١ و٥٦٢ و٥٦٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٥٣ و١٥٥٤ و١٥٥٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٣٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٥/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٨٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) ٢٣٤/٢. ٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ١ - (منها): بيان الأمر للأئمة بتخفيف الصلاة حتى لا يتضرّر المأمومون، لكن بشرط أن لا يُخلّ بسننها، وآدابها، ومقاصدها، وأما إذا أدّى التخفيف إلى نقص شيء من ذلك، كما يفعله بعض الجهلة مغترّين بظاهر قوله وَله: ((فليُخفّف))، فيتلاعبون بالصلاة، فهذا من تلبيس الشيطان، واستيلاء الجهل بالسنّة، وغلبة الهوى، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. ٢ - (ومنها): بيان سماحة الشريعة، وسهولة أمر الدين، حيث أمر النبيّ ◌َ﴿ الأئمة بالتخفيف في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي الصلاة، حتى لا تحصل مشقّة على الضعفاء، كالمريض، والصغير، والكبير، وذي الحاجة. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ كَّلُهُ: فيه دليلٌ على الرفق بالمأمومين، وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يُدْخِل عليهم ما يشقّ عليهم، وإن كان يسيراً من غير ضرورة. انتهى. ٤ - (ومنها): جواز التأخّر عن صلاة الجماعة، إذا علم من عادة الإمام التطويل الكثير. ٥ - (ومنها): جواز ذكر الإنسان بفلان ونحوه في معرض الشكوى، والاستفتاء. ٦ - (ومنها): جواز الغضب لما يُنْكَر من أمور الدين، والغضب في الموعظة . ٧ - (ومنها): أن فيه حكم النبيّ ◌َ﴾ في حال غضبه، ولا يعارضه قوله وقال: ((لا يقضينّ حكم بين اثنين، وهو غضبان))، متّفقٌ عليه؛ لأنه وَه معصوم فلا يصدر منه في حال غضبه ما يخالف الشرع، بخلاف غيره. والحاصل أن الحكم في حال الغضب خاصّ بالنبيّ ◌َّ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى -. ٨ - (ومنها): جواز الإنكار على مَن ارتَكَبَ ما يُنْهَى عنه، وإن كان مكروهاً غير محرَّم. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قالوا، لكن تقدّم أن كون هذا من المكروهات محلّ نظر، بل هو من المحرّمات إذا تضَرَّر به المأمومون، أو ٣٧ (٣٨) - بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَامِ - حديث رقم (١٠٤٩) بعضهم، وكيف لا يكون محرّماً، وقد غضب النبيّ وَل﴿ غضباً شديداً، وصفه الصحابيّ بأنه لم يره غضب قبله مثله، وقال: ((فأيُّكم أم الناس فليتجوّز))، وأمره للوجوب، كما أن نهيه للتحريم إلا لصارف، ولا صارف هنا، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. ٩ - (ومنها): أن الأرجح كون الأمر بالتخفيف للوجوب، قال العراقيّ تَخُّْهُ: هذا الأمر بالتخفيف صَرَّح أصحابنا - يعني الشافعيّة - وغيرهم بأنه على سبيل الاستحباب، وذهب جماعة إلى الوجوب؛ تمسكاً بظاهر الأمر، قال ابن حزم الظاهريّ كَثْتُ: يجب على الإمام التخفيف، إذا أمَّ جماعةً، لا يَدْري كيف طاقتهم. وقال ابن عبد البرّ المالكيّ تَخْلَثُ: في هذا الحديث أوضح الدلائل على أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف؛ لأمر رسول الله وَل و إياهم بذلك، ولا يجوز لهم التطويل؛ لأن في الأمر لهم بالتخفيف نهياً عن التطويل، وكذا قال ابن بطّال في ((شرح البخاريّ)): فيه دليل أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف؛ الأمر رسول الله وَلّ لهم بذلك. انتهى كلام العراقيّ تَخَذّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح عندي قول من قال بالوجوب؛ عملاً بظاهر الأمر؛ إذ لا صارف له عن الوجوب، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): مشروعيّة التعزير على إطالة الصلاة، إذا لم يَرْضَ المأموم به، وجواز التعزير بالكلام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر ما جاء عن أهل العلم في تخفيف الصلاة: (اعلم): أن أحاديث الباب فيها الأمر للأئمة بتخفيف الصلاة؛ مراعاةً لحال المأمومين. قال الترمذيّ نَّثُ في ((جامعه)): وهو قول أكثر أهل العلم، اختاروا أن لا يُطيل الإمام الصلاة؛ مخافة المشقّة على الضعيف، والكبير، والمريض. انتهى. وقال العراقيّ كَُّ في ((شرح التقريب)) بعد نقل كلام الترمذيّ المذكور: وهو يقتضي خلافاً في ذلك بين أهل العلم، ولا أعلم فيه خلافاً، قال ابن (١) ((طرح التثريب)) ٣٤٨/٢. ٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة عبد البرّ: التخفيف لكل إمام أمر مُجْمَعٌ عليه، مندوب عند العلماء إليه، وقال أيضاً: لا أعلم بين أهل العلم خلافاً في استحباب التخفيف لكل من أمّ قوماً على ما شرطنا من الائتمام بأقل ما يُجزئ، وساق الكلام على ذلك، وكأن الترمذيّ توهم الخلاف في ذلك من قول ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) في التبويب: ((التخفيفُ في الصلاة))، ((من كان يُخَفِّفها))، وليس ذلك صريحاً في وجود خلاف، ولم يبوّب ابن أبي شيبة على التطويل المقابل للتخفيف، ولو كان ثَمّ قائل به لَبَوَّب عليه، وذكره. وقد رَوَى ابن أبي شيبة في الباب المذكور، عن ثابت البنانيّ قال: صلّت مع أنس ◌َّهِ العَتَمَة، فتجوَّز ما شاء الله، وعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: كان أبي إذا صلّى في المسجد خَفَّف الركوع والسجود، وتجوَّز، وإذا صلّى في بيته أطال الركوع والسجود والصلاة، فقلت له؟، فقال: إنا أئمة يُقْتَدَى بنا، وعن أبي رجاء، وهو العطارديّ قال: رأيت الزبير بن العوّام صلّى صلاةً خفيفةً، فقلت: أنتم أصحاب رسول الله وَّ أخفّ الناس صلاةً، فقال: إنا نُبادر هذا الوسواس، وعن عمار بن ياسر، أنه قال: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان. قال الجامع عفا الله عنه: تخفيف الصلاة من أجل مبادرة الوسواس يحتاج إلى دليل، فليُتنّه، والله تعالى أعلم وعن حذيفة أنه عَلَّمَ رجلاً، فقال: إن الرجل ليخفف الصلاة، ويُتِمُّ الركوع والسجود، وعن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، قال: رأيت أبا هريرة به صلّى صلاةً تجوّز فيها، فقلت له: هكذا كانت صلاة النبيّ ◌َلام؟ قال: نعم، وأجوز، وعن عمرو بن ميمون: لَمّا ◌ُعِن عمر، وماج الناس تقدم عبد الرحمن بن عوف، فقرأ بأقصر سورتين في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ ﴾﴾، و﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾، وعن إبراهيم النخعيّ أنه كان يخفف الصلاة، ويتمّ الركوع والسجود، وعن أبي مِجْلَزِ قال: كانوا يُتِمّون، ويوجزون، ويبادرون الوسوسة. قال الجامع: مبادرة الوسوسة محلّ نظر، كما أسلفته آنفاً، فليُتنبّه. وعن عمرو بن ميمون، قال: ما رأيت الصلاة في موضع أخفّ منها فيما ٣٩ (٣٨) - بَابُ أَمْرِ الأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ فِي تَمَامِ - حديث رقم (١٠٤٩) بين هاتين الحائطين، يعني مسجد الكوفة الأعظم، وعن النعمان بن قيس، قال: كُنّ النساء إذا مررن على عَبِيدة، وهو يصلّي قُلْن: خففوا، فإنها صلاة عَبِيدة، يعني مِن خفتها، رواها كلها ابن أبي شيبة. وحَكَى ابن حزم في ((الْمُحَلَّى)) عن عمرو بن ميمون أنه قال: لو أن رجلاً أخذ شاة عزوزاً لم يفرُغ من لبنها حتى أُصلي الصلوات الخمس، أُتِمُّ ركوعها وسجودها، والْعَزُوز - بالعين المهملة، والزاي المعجمة المكررة -: الضيِّقة الإحليل، وعن علقمة: لو أُمر بذبح شاة، فأُخذ في سَلْخها لصلّيت الصلوات الخمس في تمام قبل أن يُفْرَغ منها . ويَحْتَمِل أن ابن أبي شيبة إنما بَوّب تخفيف الصلاة مع الانفراد، أو مع إمامة المحصورين، فذكر فيه من كان يؤثر تخفيفها، ولو مع هذه الحالة، فنقله الترمذيّ إلى أئمة العامة، وأولئك لا خلاف فيهم كما تقدم. انتهى كلام العراقيّ كَّتُهُ(١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): المراد من الأمر بتخفيف الصلاة - كما قال أهل العلم - أن يكون بحيث لا يُخِلّ بسننها ومقاصدها، ففي ((الصحيحين)) عن أنس وظُّّه قال: ((كان رسول الله وَ﴿ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمّنا بالصّافّات)). وقال العلّامة ابن القيّم تَظُّهُ: إذا أمرهم بالتخفيف، وأمرهم أن يصلّوا كصلاته في قوله: ((صلُّوا كما رأيتموني أُصلّي))، عُلِمَ بالضرورة أن الذي كان يفعله هو الذي أَمَرَ به، يوضّح ذلك أنه ما من فعل في الغالب إلا ويُسمّى تخفيفاً بالنسبة إلى ما هو أطول منه، ويُسمّى تطويلاً بالنسبة إلى ما هو أخفّ منه، فلا حدّ له في اللغة يُرجَع إليه، وليس من الأفعال المعروفة التي يُرْجَع فيها إلى العرف كالْحِرْز، والقَبْض، وإحياء الموات، والعباداتُ ترجع إلى الشارع في مقدارها، وصفاتها، وهيآتها، كما يُرجَع إليه في أصلها، فلو جاز الرجوع في ذلك إلى عرف الناس وعوائدهم في مسمّى التخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصلاة ومقاديرها اختلافاً بيِّناً لا ينضبط. (١) (طرح التثريب)) ٣٤٦/٢ - ٣٤٨. ٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ولهذا لَمّا فَهِمَ بعض من نَكَّس الله قلبه أن التخفيف المأمور به هو ما يُمكن من التخفيف، اعتَقَدَ أن الصلاة كلّما خُفِّفت، وأُخِّرت كانت أفضل، فصار كثير منهم يمرّ فيها مرّ السَّهْم، ولا يزيد على ((الله أكبر)) في الركوع والسجود بسرعة، فكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق قراءته، وربّما ظنّ الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل من ثلاث. ويُحْكَى عن بعض هؤلاء أنه رأى غُلاماً له يَطمئنّ في صلاته، فضربه، وقال: لو بعثك السلطان في شغل أكنت مبطئاً عن شغله مثل هذا الإبطاء؟ وهذا كلُّه تلاعب بالصلاة، وتعطيلٌ بها، وخِدَاعٌ من الشيطان. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العلامة ابن القيّم تَخْتُ هو الحقّ، وإن اعتَرَض عليه الصنعانيّ، وطوّل الكلام في الرّدّ عليه في كتابه ((العدّة حاشية العمدة))(١) . وخلاصة ما أشار إليه ابن القيّم: أن ما ثبت عن النبيّ وَّر من كيفيّة الصلاة هو الذي أمر به، فقد كان يُخفّف أحياناً، ويُطوّل أحياناً على حسب ما يراه من حال المأمومين، فقد ثبت أنه وسل﴿ خفّف صلاته، فقرأ في العشاء ﴿وَالِيْنِ وَالزَّيْتُونِ ﴾﴾، وكان ذلك في السفر، وقد روي أنه قرأ بها في المغرب، ولم يُذكر السفر، وعن أبي هريرة به أنه كان يقرأ بقصار المفصّل، ولا يُعارضه حديث زيد بن ثابت به أنه أنكر على مروان قراءته بقصار المفصّل؛ لأنه أنكر استمراره على ذلك، وجاء في ((الصحيح)) أنه قرأ فيها ﴿وَأَلَِّلِ إِذَا يَنْثَى ﴾﴾، وكذلك ورد أنه قرأ بها في صلاة الظهر، وكذلك صلّى الصبح بـ((الزلزلة)) في الركعتين، وقرأ فيه أيضاً ((المعوذتين))، ونحو ذلك من رواية قراءته بالسور القصار. وثبت عنه 18 أنه طوّل في بعض الأحيان، فقرأ في المغرب ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾، و﴿اَلُوَرَ﴾، وبطولى الطوليين، وظاهره أنه أتمّها، فقول القاضي عياض: إن المراد بعضها خلاف الظاهر، وكان يطوّل في الصبح، فيقرأ في الركعتين ما بين الستّين والمائة، وصلاها أيضاً بـ﴿اَلْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى إذا جاء ذكر (١) راجع: ((العدّة على عمدة الأحكام)) ٢٦١/٢ - ٢٦٤.