النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّنْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
وفي كتاب الرشاطيّ: تهامة: ما ساير البحر من نجد، ونجد ما بين
الحجاز إلى الشام إلى الْعُذَيب، والصحيح أن مكة من تهامة.
وقال المدائنيّ: جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز،
وعروض، ويمن، أما تهامة فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأما نجد فهي
الناحية التي من الحجاز والعراق، وأما الحجاز فهو جبل يُقْبِل من اليمن حتى
يتصل بالشام، وفيه المدينة وعمان، وأما العروض فهي اليمامة إلى البحرين،
قال: وإنما سمي الحجاز حجازاً؛ لأنه يَحْجُز بين نجد وتهامة، ومن المدينة
إلى طريق مكة إلى أن يبلغ مهبط الْعَرْج حجازٌ أيضاً، وما وراء ذلك إلى مكة
وجُدّة فهو تهامة.
وقال الواقديّ: الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق
الكوفة، ومن وراء ذلك إلى أن يُشارف أرض البصرة فهو نجد، وما بين العراق
وبين وَجْرةٍ (١) وعمرة الطائف نجد، وما كان من وراء وجرة إلى البحر فهو
تهامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز.
وقال قطرب: تهامة من قولهم: تَهِم البعير تَهَماً - أي من باب تَعِبَ -
دخله حَرّ، وتَهِم البعيرُ: إذا استنكر الْمَرْعَى، ولم يَسْتَمْرِ به، ولحم تَهِمُ:
خَنِزٌ(٢)، ويقال: تهامة، وتهومة، وقيل: سُمِّيت تهامة؛ لأنها انخفضت عن
نجد، فَتَهِمَ ريحُها: أي تغير، وعن ابن دريد: التَّهَمُ: شدّةُ الحرّ، وركود
الريح، وسميت بها تهامة، قاله في ((العمدة))(٣).
(وَهُوَ بِنَخْلٍ) قال النوويّ كَُّهُ: هكذا وقع في ((صحيح مسلم)) بـ(نخل))
بالخاء المعجمة، وصوابه بنخلة بالهاء، وهو موضع معروف هناك، كذا جاء
صوابه في ((صحيح البخاريّ))، ويَحْتَمِل أنه يقال فيه: نَخْلٌ، ونَخْلَةٌ. انتهى (٤).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((بنخلة)) بفتح النون، وسكون المعجمة: موضع
بين مكة والطائف، قال البكريّ: على ليلة من مكة، وهي التي يُنسب إليها بطن
(١) بفتح الواو، وسكون الجيم: موضع بين مكة والبصرة. ((ق)).
(٢) خَنْزِ اللحم، من باب تعِب: تغيّر. ((المصباح)).
(٣) ((عمدة القاري)) ٥٣/٦.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/٤.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
نخل، ووقع في رواية مسلم: ((بنخل)) بلا هاء، والصواب إثباتها. انتهى (١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((وهو بنخلة)) - بفتح النون، وسكون الخاء
المعجمة - وهو موضع معروف ثمة، وبطن نخلة موضع بين مكة والطائف،
وقال البكريّ: نخلة على لفظ الواحدة من النخل موضع على ليلة من مكة،
وهي التي نسب إليها بطن نخلة، وهي التي ورد الحديث فيها ليلة الجنّ، وهو
غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث. انتهى.
(عَامِدِينَ) منصوب على الحال، وإنما جُمِع وإن كان ذو الحال واحداً
باعتبار أن أصحابه معه، كما يقال: جاء السلطان، والمراد هو وأتباعه، أو
جُمِع تعظيماً له (٢) .
(إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ) متعلّق بـ «عامدين)) (وَهُوَ يُصَلِّ بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ)
جملة في محلّ نصب على الحال، فيكون مع ما قبله مترادفين، أو متداخلين.
قال في ((الفتح)): قوله: ((وهو يصلّي بأصحابه ... إلخ))، لم يُخْتَلف على
ابن عباس في ذلك، ووقع في رواية عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن
دينار، قال: قال الزبير، أو ابن الزبير: كان ذلك بنخلة، والنبيّ وَّ يقرأ في
العشاء، وأخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، قال:
قال الزبير، فذكره، وزاد: ((فقرأ: ﴿كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجنّ: ١٩]))، وكذا
أخرجه ابن أبي حاتم، وهذا منقطع، والأول أصح. انتهى(٣).
(فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ، اسْتَمَعُوا لَهُ) أي قصدوا لسماع القرآن، وأصغوا
إليه، قال في ((العمدة)): والفرق بين السماع والاستماع، أن باب الافتعال لا بُدّ
فيه من التصرف، فالاستماع تصرُّفٌ بالقصد، والإصغاءِ إليه، والسماع أعمّ
(٤)
منه. انتھی
(وَقَالُوا) أي الجنّ الذين سمعوا القرآن واستمعوا له (هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا
وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ) وفي رواية البخاريّ: ((فَهُنالك رجعوا
إلى قومهم)) (فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجْبًا﴾) أي بديعاً مبيّناً لسائر
(١) ((الفتح)) ٥٤٢/٨.
(٣) ((الفتح)) ٨/ ٥٤٢ - ٥٤٣.
(٢) ((عمدة القاري)) ٦/ ٥٣.
(٤) ((عمدة القاري)) ٥٣/٦.

٣٨٣
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
الكتب في حسن لفظه، وصحّة معانيه، قائمة فيه دلائل الإعجاز، وانتصاب
((عجباً)) على أنه مصدرٌ وُضِع موضع التعجب، وفيه مبالغةٌ، والْعَجَبُ ما خَرَج
عن حدّ أشكاله ونظائره.
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قوله: ﴿قُرْءَانًا عَجَبًا﴾ أي في فصاحة كلامه، وقيل:
عجباً في بلاغة مواعظه، وقيل: عجباً في عظم بركته، وقيل: قرآناً عزيزاً، لا
يوجد مثله، وقيل: يعنون عظيماً. انتهى(١).
(﴿يَهْدِىّ﴾) جملة في محلّ نصب صفة لـ((عجباً))، أي هادياً (﴿إِلَى
الرُّشْدِ﴾) أي يدعو إلى الصواب، وقيل: يَهدِي إلى التوحيد والإيمان، وقيل:
يهدي إلى مراشد الأمور، وقيل: إلى معرفة الله تعالى: (﴿فَامَنَّا بٌِّ﴾) أي
فاهتدينا بالقرآن، وصدَّقنا أنه من عند الله تعالى.
قال في ((الفتح)): قال الماورديّ: ظاهر هذا أنهم آمنوا عند سماع القرآن،
قال: والإيمان يقع بأحد أمرين: إما بأن يَعْلَم حقيقةَ الإعجاز، وشروط
المعجزة، فيقع له العلم بصدق الرسول، أو يكون عنده علم من الكتب
الأولى، فيها دلائل على أنه النبيّ المبشَّر به، وكلا الأمرين في الجنّ محتمل.
(٢)
انتھی(٢) .
ونقل القاضي عياض عن المازريّ أنه قال: ظاهر الحديث أنهم آمنوا عند
سماع القرآن، ولا بدّ لمن آمن عند سماعه أن يعلم حقيقة الإعجاز، وشروط
المعجزة، وبعد ذلك يقع العلم له بصدق الرسول وَل﴿، فإما أن يكون الجنّ
علموا بذلك، أو علموا من كتب الرسل المتقدّمة ما دلّهم على أنه هو النبيّ
الصادق الْمُبَشَّر به. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((لا بدّ لمن آمن ... إلخ))، وكذا ما قبله
من كلام المازريّ شيء عجيبٌ، فمن أين له هذا الشرط؟ فأي آية دلّت عليه؟
ومتى قال النبيّ ◌َّر: من شرط الإيمان بي العلم بحقيقة الإعجاز، وشروط
المعجزة؟ بل هذا قول تبع فيه المتكلّمين الذين يتّبعون أهواءهم، فيقول
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٧/١٩.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٣٦١/٢.
(٢) ((الفتح)) ٨/ ٥٤٣.

٣٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
أحدهم: أول واجب على المكلّف النظر، ويقول الآخر: لا، بل أول الواجب
الشكّ، ثم النظر، إلى آخر ما تنازعوا فيه مما هو مهزلة في الدين، واتّباع
السبيل المعتدين من الفلاسفة والملحدين.
فمن رأى النبيّ ◌َّر، أو سمع كلامه، أو استمع إلى قراءته، فآمن، فذلك
المؤمن الذي شرح الله تعالى صدره للإسلام، فلا يجوز أن نقول له: هل
علمت المعجزة، وهل علمت معنى الإعجاز، وهل، وهل، ﴿سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَرُ
عَظِيمٌ﴾، ﴿قُلّ هَاتُواْ بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾، وقد استوفيت هذا البحث في
المسائل التي كتبتها في أوائل ((كتاب الإيمان))، فارجع إليها ترى العجب
العجاب، وتجد ما يسرّك مما جاء عن السلف من فصل الخطاب، والله تعالى
الهادي إلى سواء السبيل.
(﴿وَلَنْ تُشْرِكَ بِيَنَا أَحَدًا﴾) لَمّا كان الإيمان بالقرآن إيماناً بالله ◌َ،
وبوحدانيته، وبراءةً من الشرك، قالوا: ﴿وَلَن نُّشْرِكَ بِيِنَا أَحَدًا﴾، أي من خلقه،
وجاز أن يكون الضمير في ﴿بِهِ﴾ لله تعالى؛ لأن قوله: ﴿بِيِنَآَ﴾ يفسّره، قاله
النسفيّ ◌َّتُهُ(١).
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: ﴿ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبَّنَا أَحَدًا﴾ أي لا نرجع إلى إبليس، ولا
نطيعه؛ لأنه الذي كان بعثهم ليأتوه بالخبر، ثم رُمِي الجن بالشهب، وقيل: لا
نتخذ مع الله إلهاً آخر؛ لأنه المتفرد بالربوبية، وفي هذا تعجيب المؤمنين
بذهاب مشركي قريش عما أدركته الجنّ بتدبرها القرآن. انتهى(٢).
(فَأَنْزَلَ اللهُ رَنْ عَلَى نَبِّهِ مُحَمَّدٍ وََّ: ﴿قُلْ﴾) أي قل يا محمد، أي أخبر
قومك ما ليس لهم به علم، ثم بَيَّنَ له ما يقوله، فقال: (﴿أُوْجِىَ إِلَّ﴾) قال في
((العمدة)): وقرأ حيوة الأسديّ: ((قل أُحِيَ إليّ))، وقال الزجاج في ((المعاني)):
الأكثر أَوْحَيْتُ، ويقال: وَحَيْتُ، فالأصل وُحِيَ. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ كَُّ: وقرأ ابن أبي عَبْلة: ((أُحِيَ)) على الأصل، يقال:
أَوْحَى إليه، ووَحَى، فقُلِبت الواو همزةً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِنَتْ﴾
(١) ((تفسير النسفيّ)) ٢٩٩/٤.
(٣) ((عمدة القاري)) ٥٤/٦.
(٢) ((تفسير القرطبي)) ١٩/ ٧.

٣٨٥
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّنْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
[المرسلات: ١١] وهو من القلب المطلق جوازُهُ في كل واو مضمومة، وقد أطلقه
المازنيّ في المكسورة أيضاً، كإِشَاح، وإِسَادة، و((إِعَاءِ أخيه))، ونحوه. انتهى.
(﴿أَنَّهُ﴾) بفتح الهمزة؛ لأنه نائب فاعل ﴿أَوْحَى﴾، والضمير للشأن، تفسّره
الجملة بعده، أي أن الأمر والشأن.
[تنبيه]: قال القرطبيّ تَخْلَتُهُ: كان علقمة، ويحيى، والأعمش، وحمزة،
والكسائيّ، وابن عامر، وخَلَف، وحفص، والسلميّ يفتحون ((أَنّ)) في جميع
السورة، في اثني عشر موضعاً، وهو ﴿وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِنَا﴾، ﴿وَأَنَّهُ, كَانَ يَقُولُ﴾ ،
﴿وَأَنَّا ظَّاً﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾، ﴿وَأَنَهُمْ ظَنُواْ﴾، ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا اُلسَّمَآءُ﴾، ﴿وَأَنَّا كُنَ
نَفْعُدُ﴾، ﴿وَأَنَّا لَ نَدْرِىَ﴾، ﴿وَأَنَا مِنَّا الصَّلِحُونَ﴾، ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَّنْ تُعْجِزَ اَللَّهَ فِى
اَلْأَرْضِ﴾، ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا اُلْهُدَىَ﴾، ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾؛ عطفاً على قوله: ﴿أَنَّهُ
اُسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾، و﴿أَنَّهُ أُسْتَمَعَ﴾ لا يجوز فيه إلا الفتح؛ لأنها في موضع فاعل
﴿أَوْحَى﴾، فما بعده معطوف عليه، وقيل: هو محمول على الهاء في ﴿ءَامَنَّا
◌ِهِ﴾ أي وبأنه تعالى جد ربنا، وجاز ذلك، وهو مضمر مجرور؛ لكثرة حذف
الجارّ مع ((أنّ))، وقيل: المعنى: أي وصدَّقنا أنه جد ربنا .
وقرأ الباقون كلَّها بالكسر، وهو الصواب، واختاره أبو عبيدة، وأبو
حاتم، عطفاً على قوله: ﴿فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا﴾؛ لأنه كلّه من كلام الجنّ.
وأما أبو جعفر وشيبة، فإنهما فتحا ثلاثة مواضع، وهي قوله تعالى:
﴿وَأَنَّهُ تَعَلَى جَدُّ رَبِنَا﴾، ﴿وَنَّهُ كَانَ يَقُولُ﴾، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ﴾ قالا: لأنه من
الوحي، وكسرا ما بقي؛ لأنه من كلام الجنّ، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَّا قَامَ
عَبْدُ اللَّهِ﴾ فكلهم فتحوا إلا نافعاً وشيبة وزِرّ بن حُبيش وأبا بكر والمفضل، عن
عاصم، فإنهم كسروا لا غير، ولا خلاف في فتح همزة ﴿أَنَّهُ أُسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ
اَلْجِنِ﴾، ﴿وَأَلَّوِ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ﴾، ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾ ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُواْ﴾،
وكذلك لا خلاف في كسر ما بعد القول، نحو قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا﴾،
و﴿قُلّ ◌ِنََّا أَدْعُواْ رَبِ﴾، و﴿قُلْ إِنْ أَدْرِىّ﴾، و﴿قُلْ إِ لَآَ أَمَلِكُ﴾، وكذلك لا
خلاف في كسر ما كان بعد فاء الجزاء، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ
جَهَنَّمَ﴾، و﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾؛ لأنه موضع ابتداء. انتهى كلام

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
القرطبيّ تَظّهُ(١).
(﴿أُسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾﴾ أي جماعة، أي استمعوا إلى النبيّ وَ ﴿، فعَلِموا أن ما
يقرؤه كلام الله، ولم يُذْكَر المستمع إليه لدلالة الحال عليه، والنفر: الرهط،
قال الخليل: ما بين ثلاثة إلى عشرة، وقرأ عيسى الثقفيّ: ((يَهْدِي إلى الرَّشَدِ))
بفتح الراء والشين.
(﴿مِّنَ الْجِنِّ﴾) أي جنّ نصيبين، وقيل غير ذلك.
زاد الترمذيّ: قال ابن عباس: وقول الجنّ لقومهم: لَمّا قام عبد الله يدعوه
كادوا يكونون عليه لبداً، قال: لَمّا رأوه يصلّي، وأصحابه يصلّون بصلاته،
يسجدون بسجوده، قال: فتعجبوا من طواعية أصحابه له، قالوا لقومهم ذلك.
وزاد في رواية البخاريّ: ((وإنما أُوحي إليه قولُ الجنّ))، قال في ((الفتح)):
هذا كلام ابن عباس ضيها، كأنه قرّر فيه ما ذهب إليه أوّلاً أنه وَّ لم يجتمع
بهم، وإنما أَوْحَى الله إليه بأنهم استمعوا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ
نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٩]،
ولكن لا يلزم من عدم ذكر اجتماعه بهم حين استمعوا أن لا يكون اجتمع بهم
بعد ذلك، كما تقدم تقريره. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن اجتماعه وَّ﴿ بالجنّ في غير هذه
الواقعة ثابتٌ، فقول ابن عبّاس ◌ًَّا: إنه لم يرهم محمول على عدم علمه، لا
على ما هو الواقع، فقد أثبته ابن مسعود رؤيته، كما سيأتي قريباً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠١١/٣٤] (٤٤٩)، و(البخاريّ) في ((الأذان))
(٧٧٣) و((التفسير)) (٤٩٢١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣٢٣ و٣٣٢٤)،
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ٧/١٩ - ٨.

٣٨٧
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
و(النسائيّ) في ((التفسير)) من ((الكبرى)) (٤٩٩/٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/
٣٣٠ - ٣٣١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٢/١٢ - ٥٣ رقم ١٢٤٤٩)،
و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٠٢/٢٩)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٥٠٣/٢)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٥٢٦)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٢٢٥/٢ -
٢٢٦)، و(البغويّ) في ((تفسيره)) (١٧٣/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٧٩٣
و٣٧٩٤ و٣٧٩٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الجهر بالقراءة في الصبح، وعليه بوّب
البخاريّ رَّتُهُ .
٢ - (ومنها): أن الصلاة في جماعة شُرعت قبل الهجرة في أوائل بعثة
النبيّ ◌َله .
٣ - (ومنها): مشروعيّة صلاة الجماعة في السفر.
٤ - (ومنها): بيان أن النبيّ وَلّ أُرْسِل إلى الإنس والجنّ، ولم يخالف
أحدٌ من طوائف المسلمين في أن الله تعالى أرسل محمداً بَ﴿ إلى الجن
والإنس؛ لقول النبيّ وَّ في حديث جابر رَُّّه في ((الصحيحين)): ((وبُعِثت إلى
الناس عامّةً))، قال الجوهريّ: الناس قد يكون من الإنس، ومن الجنّ، وقد
أخبر الله تعالى في القرآن أن الجنّ استمعوا القرآن، وأنهم آمنوا به، كما في
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَّكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِ﴾ [الأحقاف: ٢٩] إلى قوله: ﴿أُوْلَتِكَ
فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٣٢]، ثم أمره الله أن يخبر الناس بذلك؛ ليعلم الإنس
بأحوالها، وأنه مبعوث إلى الإنس والجن.
٥ - (ومنها): إثبات وجود الشياطين والجنّ، وأنهما لمسمَّى واحد، وإنما
صارا صنفين باعتبار الكفر والإيمان، فلا يقال لمن آمن منهم: إنه شيطان.
وقال إمام الحرمين في كتابه ((الشامل)): إن كثيراً من الفلاسفة، وجماهير
القدريّة، وكافة الزنادقة أنكروا الشياطين والجن رأساً، وقال أبو القاسم الصفّار
في ((شرح الإرشاد)): وقد أنكرهم معظم المعتزلة، وقد دلَّت نصوص الكتاب
والسنة على إثباتهم، وقال أبو بكر الباقلانيّ: وكثير من القدريّة يثبتون وجود
الجن قديماً، وينفون وجودهم الآن، ومنهم من يُقِرّ بوجودهم، ويزعم أنهم لا

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
يُرَوْن لرقة أجسادهم، ونفوذ الشعاع، ومنهم من قال: إنهم لا يُرَون؛ لأنهم لا
ألوان لهم.
وقال الشيخ أبو العباس ابن تيمية: لم يخالف أحدٌ من طوائف المسلمين
في وجود الجنّ، وجمهور طوائف الكفار على إثبات الجنّ، وإن وُجِد من يُنكِر
ذلك منهم كما يوجد في بعض طوائف المسلمين، كالجهمية، والمعتزلة من
ينكر ذلك، وإن كان جمهور الطائفة، وأئمتها مقرين بذلك، وهذا لأن وجود
الجنّ تواترت به أخبار الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - تواتراً معلوماً
بالاضطرار. ذكره في ((العمدة)) (١) .
٦ - (ومنها): بيان أن الاعتبار بما قضى الله للعبد من حسن الخاتمة، لا
بما يظهر منه من الشرّ، ولو بلغ ما بَلَغ؛ لأن هؤلاء الذين بادروا إلى الإيمان
بمجرد استماع القرآن لو لم يكونوا عند إبليس في أعلى مقامات الشرّ ما
اختارهم للتوجه إلى الجهة التي ظهر له أن الْحَدَث الحادث من جهتها، ومع
ذلك فغَلَب عليهم ما قُضِي لهم من السعادة بحسن الخاتمة، ونحو ذلك قصة
سَحَرَة فرعون(٢) .
٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخْتُ: اتّفق العلماء على أن الجن يُعَذَّبون
في الآخرة على المعاصي، قال الله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، واختلفوا في أن مؤمنهم ومطيعهم هل يدخل الجنة،
ويُنَغَّم بها ثواباً ومجازاةً له على طاعته، أم لا يدخلون، بل يكون ثوابهم أن
ينجوا من النار، ثم يقال: كونوا تراباً كالبهائم؟ وهذا مذهب ابن أبي سُلَيم
وجماعة، والصحيح أنهم يدخلونها، ويُنَعَّمون فيها بالأكل والشرب وغيرهما،
وهذا قول الحسن البصريّ، والضحاك، ومالك بن أنس، وابن أبي ليلى،
وغيرهم(٣).
وقال في ((العمدة)) - في بيان ابتداء خلق الجن ـ: وفي كتاب ((المبتدأ))
(١) ((عمدة القاري)) ٥٥/٦.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٥٤٣/٨ (كتاب التفسير)).
(٣) (شرح النوويّ)) ١٦٩/٤.

٣٨٩
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: خلق الله الجنّ قبل آدم بألفي سنة،
وعن ابن عباس: كان الجن سكان الأرض، والملائكة سكان السماء، وقال
بعضهم: عَمَرُوا الأرض ألفي سنة، وقيل: أربعين سنة، وقال إسحاق بن بشر
في ((المبتدأ)): قال أبو رَوْق، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما خلق الله
شوما أبا الجن، وهو الذي خُلق من مارج من نار، فقال تبارك وتعالى: تمنَّ،
قال: أتمنى أن نَرَى ولا نُرَى، وأن نغيب في الثَّرَى، وأن يصير كهلنا شابّاً،
فأعطي ذلك، فهم يَرَون ولا يُرَون، وإذا ماتوا غُيِّبوا في الثرى، ولا يموت
كهلهم حتى يعود شابّاً، يعني مثل الصبي، ثم يردّ إلى أرذل العمر، قال:
وخلق الله آدم علَ* فقيل له: تمنَّ، فتمَنَّى الْحِيَل، فأعطي الحيل.
وفي ((التلويح)): وقد اختُلِف في أصلهم: فعن الحسن أن الجنّ ولد
إبليس، ومنهم المؤمن والكافر، والكافر يسمى شيطاناً، وعن ابن عباس: هم
ولد الجانّ، وليسوا شياطين، منهم الكافر والمؤمن، وهم يموتون، والشياطين
وَلَد إبليس لا يموتون إلّا مع إبليس.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن هذه الحكايات كلّها من الإسرائيليّات
التي لا اعتماد عليها، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: واختلفوا في مآل أمرهم على حسب اختلافهم في أصلهم، فمن
قال: إنهم من ولد الجانّ، قال: يدخلون الجنة بإيمانهم، ومن قال: إنهم من
ذرية إبليس، فعند الحسن يدخلونها، وعن مجاهد لا يدخلونها، وقال: ليس
المؤمني الجن غير نجاتهم من النار، قال تعالى: ﴿ وَيُجِّكُمْ مِّنْ عَذَابٍ أَلِمٍ﴾
[الأحقاف: ٣١]، وبه قال أبو حنيفة، ويقال لهم كالبهائم: كونوا تراباً، وفي
رواية عن أبي حنيفة أنه تردّد فيهم، ولم يَجْزِم، وقال آخرون: يعاقبون في
الإساءة، ويجازَون في الإحسان، كالإنس، وإليه ذهب مالك، والشافعيّ، وابن
أبي ليلى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مِّمَا عَمِلُواْ﴾ [الأنعام: ١٣٢]، بعد
قوله: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنِسِ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٠]. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول الأخير هو الصواب؛ لوضوح حجته.
(١) ((عمدة القاري)) ٦/ ٥٥.

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
والحاصل أن الجنّ مثل الإنس، في الثواب والعقاب، ودخول الجنّة،
والنار؛ لدلالة النصوص على هذا، كالآية المذكورة، وكقوله تعالى: ﴿لَمْ
يَطْمِنْهُنَّ إِنسٌ قَبَّلَهُمْ وَلَا جَنٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، وغير ذلك، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
٨ - (ومنها): أن هذا الحديث مع حديث ابن مسعود رظُه الآتي بعده،
والأحاديث الأخرى يدلّ على أن الجنّ أصناف متعددة، وتعددت وفادتهم على
النبيّ وَّه بمكة والمدينة بعد الهجرة، فقول من قال باتّحاد قصّة ليلة الجنّ غير
صحيح، كما أسلفنا تحقيقه قريباً، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠١٢] (٤٥٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى (١)، عَنْ
دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ: هَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ل ◌َيه
لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: فَقَالَ عَلْقَمَةُ: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ
مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِنَّهِ ذَاتَ
لَيْلَةٍ، فَفَقَدْنَاهُ، فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ، أَوِ اغْتِيلَ، قَالَ:
فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا، إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ، قَالَ:
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْنََكَ، فَطَلَبْتَكَ، فَلَمْ نَجِدَْكَ، فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ،
فَقَالَ: ((أَتَانِ دَاعِي الْجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ»، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا،
فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ(٢)، فَقَالَ: ((لَكُمْ كُلُّ عَظْمَ، ذُكِرَ اسْمُ اللهِ
عَلَيْهِ، يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْماً، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِّدَوَابْكُمْ))، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ بِّهِ: ((فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا، فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى) أبو موسى العنَزيّ، تقدّم قبل بابين.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثني عبد الأعلى)). (٢) وفي نسخة: ((وسألوه عن الزاد)).

٣٩١
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١٢)
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، وكان
يغضب إذا قيل له: أبو هَمّام، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥/ ٥٥٧.
٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد
البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢١/٢٧.
٤ - (عَامِر) بن شَرَاحيل الشَّعْبيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ
مشهور [٣] (ت بعد ١٠٠) عن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٥ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢]
(ت بعد ٦٠ وقيل: بعد ٧٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٢/٦.
٦ - (ابْنُ مَسْعُودٍ) هو: عبد الله الصحابيّ المشهور، مات رضائه سنة (٣٢)
أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، وداود علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا
واسطة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةَ تابعيين روى بعضهم عن بعض: داود، عن
عامر، عن علقمة.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه من السابقين الأولين، من المهاجرين، ومن
كبار علماء الصحابة، ومن المقرئين المشهورين، وقد أثنى على قراءته
النبيّ وَّر، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن عبد الله بن مسعود
أن أبا بكر وعمر بشّرَاه، أن رسول الله وَ له قال: ((من أحبّ أن يقرأ القرآن
غَضّاً كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ عَامِرٍ) الشعبيّ كَخْفُ، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَلْقَمَةَ) بن قيس: (هَلْ كَانَ
ابْنُ مَسْعُودٍ) رَبُه (شَهِدَ) أي حضر (مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهَ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟) أي ليلة
اجتماعه وَّله بالجنّ بعد أن دعوه إليهم (قَالَ) عامر (فَقَالَ عَلْقَمَةُ: أَنَا سَأَلْتُ ابْنَ

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
مَسْعُودٍ) نَظُه أي عن حضوره تلك الليلة، فقوله: (فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ)
تفصيل، وتفسير لمعنى ((سألتُ)) (مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟) أي ليلة حضور
الجنّ مجلس النبيّ وَّ لِيسألوه عن الدين، ويستفتوه في بعض المسائل (قَالَ)
ابن مسعود نظر اته (لَا) أي لم يشهد أحدٌ منا تلك الليلة.
قال النوويّ تَخّْتُهُ: هذا صريح في إبطال الحديث المرويّ في ((سنن أبي
داود)) وغيره المذكور فيه الوضوء بالنبيذ، وحضور ابن مسعود معه وصّل ليلة
الجنّ، فإن هذا الحديث صحيح، وحديث النبيذ ضعيف باتّفاق المحدثين،
ومداره على زيد، مولى عمرو بن حُريث، وهو مجهول. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: أشار بالحديث المذكور إلى ما أخرجه أحمد،
وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي زيد، مولى عمرو بن حُريث، عن
ابن مسعود، قال: كنت مع النبيّ وَّ﴿ ليلةَ لَقِي الجنَّ، فقال: ((أمعك ماء؟))
فقلت: لا، فقال: ((ما هذا في الإداوة؟»، قلت: نبيذٌ، قال: ((أرنيها، تمرةٌ
طيبةٌ، وماء طهورٌ))، فتوضأ منها، ثم صلّى بنا(٢).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٩/٤ - ١٧٠.
(٢) ساقه الإمام أحمد تَُّ في ((مسنده)) (٤١٥٠) فقال: حدّثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن
ابن إسحاق، قال: حدّثني أبو عُميس عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن
مسعود، عن أبي فزارة، عن أبي زيد، مولى عمرو بن حُريث المخزوميّ، عن
عبد الله بن مسعود، قال: بينما نحن مع رسول الله وَل18 بمكة، وهو في نفر من
أصحابه، إذ قال: ((ليقم معي رجل منكم، ولا يقومنّ معي رجل في قلبه من الغش
مثقال ذرة))، قال: فقمت معه، وأخذت إداوة، ولا أحسبها إلا ماءً، فخرجت مع
رسول الله وَ﴿ حتى إذا كنا بأعلى مكة، رأيت أَسْوِدَةً مجتمعةً، قال: فخطَّ لي
رسول الله وَل خطّاً، ثم قال: ((قم ها هنا حتى آتيك))، قال: فقمت، ومضى
رسول الله وقير إليهم، فرأيتهم يتثورون إليه، قال: فسَمَرَ معهم رسول الله وَله ليلاً
طويلاً، حتى جاءني مع الفجر، فقال لي: ((ما زلت قائماً يا ابن مسعود؟))، قال:
فقلت: يا رسول الله أَوَ لم تقل لي: ((قم حتى آتيك؟))، قال: ثم قال لي: ((هل
معك من وَضُوء؟))، قال: فقلت: نعم، ففتحت الإداوة، فإذا هو نبيذ، قال: فقلت
له: يا رسول الله، والله لقد أخذت الإداوة، ولا أحسبها إلا ماءً، فإذا هو نبيذٌ،
قال: فقال رسول الله وَجه: ((تمرةٌ طيبةٌ، وماءٌ طهورٌ))، قال: ثم توضأ منها، فلما=

٣٩٣
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١٢)
قال الترمذيّ: وأبو زيد رجلٌ مجهولٌ عند أهل الحديث، لا تُعرف له
رواية غير هذا الحديث. انتهى.
وكذا حكم بأنه مجهول أحمد بن حنبل، والبخاريّ، وأبو زرعة الرازي،
وأبو أحمد الحاكم، وابن حبّان، والله تعالى أعلم.
(وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي (فَفَقَدْنَاهُ) وفي
رواية الترمذيّ: ((ولكن قد افتقدناه))، يقال: فَقَدته فقداً، من باب ضرب،
وفِقْدَاناً: عَدِمتُهُ، فهو مفقود، وفَقِيدٌ، وافتقده مثله، وتفقّدتُهُ: طلبتُهُ عند
غيبته(١).
(فَالْتَمَسْنَاهُ) أي طلبناه (فِي الْأَوْدِيَةِ) جمع وادٍ، وهو كلُّ منفرج بين جبال،
أو آكام يكون مَنْفَذاً للسيل(٢). (وَالشِّعَابِ) بالكسر: جمع شِعْبٍ بكسر،
فسكون، وهو: الطريق، وقيل: الطريق في الجبل(٣). (فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ) بالبناء
للمفعول، من الاستطارة، أي طارت به الجنّ (أَو) للتنويع، أي قال بعضنا:
استطير، وقال بعضنا: (اغْتِيلَ) بالبناء للمفعول أيضاً، من الاغتيال: أي قُتِل
سِرّاً، والْغِيلَة بكسر الغين المعجمة: هي القتل في خُفْية، قاله النوويّ (٤).
وقال في ((المصباح)): غاله غَوْلاً: أهلكه، واغتاله: قتله على غِرّة،
والاسم: الْغِيلة بالكسر، والغائلة: الفساد والشرّ. انتهى.
(قَالَ) ابن مسعود رَبُه (فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ) يعني أنهم أصابهم
بسب فقده ﴿ همّ وحزن شديد، من نوع ما يصيب القوم من الهموم والحزن
قام يصلي أدركه شخصان منهم، قالا له: يا رسول الله إنا نحب أن تؤمّنا في
=
صلاتنا، قال: فصفّهما رسول الله وَ ل خلفه، ثم صلى بنا، فلما انصرف، قلت له:
من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: ((هؤلاء جنُّ نَصِيبين، جاءوا يختصمون إليّ في
أمور، كانت بينهم، وقد سألوني الزاد، فزوّدتهم))، قال: فقلت له: وهل عندك يا
رسول الله من شيء تزوّدهم إياه؟، قال: فقال: ((قد زوّدتهم الرَّجْعَة، وما وجدوا
من رَوْث وجدوه شعيراً، وما وجدوا من عظم وجدوه كاسياً))، قال: وعند ذلك
نهى رسول الله ﴿ عن أن يستطاب بالروث والعظم. انتهى.
(١) ((المصباح المنير)) ٤٧٨/٢.
(٣) ((المصباح)) ٣١٣/١.
(٢) ((المصباح)) ٦٥٤/٢.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٧٠/٤.

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
الشديد (فَلَمَّا أَصْبَحْنَا) أي دخلنا في الصباح (إِذَا هُوَ جَاءٍ) ((إذا)) هي الفجائيّة،
أي ففاجأنا مجيئه وَّر (مِنْ قِبَلٍ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة: أي من جهة
(حِرَاءٍ) بالكسر، والمدّ، ويُقصر، ويذكّر، فيُصرف، ويؤنّث، فيُمْنَع من الصرف،
ففيه أربع لغات، وقال في ((القاموس)): حِرَاءٌ: ككِتاب، وكعَلَى، عن عياض،
ويؤنَّث، ويمنع من الصرف: جبل بمكة، فيه غارٌ تحنّث فيه النبيّ ◌َِّ. انتهى.
(قَالَ) ابن مسعود رَظُته (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْنَكَ، فَطَلَبْنَكَ، فَلَمْ نَجِدْلَ،
فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَقَالَ) وَ ((أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ) أي الداعي الذي
أرسلته الجنّ، فالإضافة فيه بمعنى ((من)) (فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ)»،
قَالَ) ابن مسعود نَّه (فَانْطَلَقَ) أي ذهب النبيّ وَّ (بِنَا) أي بالصحابة الذين
باتوا بشرّ ليلة باتها قوم، من أجل أنهم فقدوا النبيّ نَّهِ (فَأَرَانَا آثَارَهُمْ) بالمدّ:
جمع أَثَرِ بفتحتين، كسبب وأسباب، والأثر: بقيّة الشيء (وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ) أي ما
بقي من النيران التي أوقدوها تلك الليلة لأغراضهم.
(وَسَأَلُوهُ) أي طلب أولئك الجنّ من النبيّ وَّر (الزَّادَ) وفي نسخة: ((عن
الزاد)»، والمراد به طعامهم، وعلف دوابّهم، وأصل الزاد هو الطعام الذي
يتّخذه المسافر في سفره، قال الفيّوميّ: زاد المسافر: طعامه المتَّخذ لسفره،
والجمع: أزواد. انتهى(١)، ولعلّ التعبير بالزاد؛ لأنهم كانوا رُحّلاً مثل ما
كانت الأعراب ترحل من محلّ إلى آخر؛ لطلب الكلإِ ونحوه، وسيأتي في
الرواية التالية زيادة: ((وكانوا من جِنّ الجزيرة)).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تكلّم العلماء في قوله: ((وسألوه الزاد ...
إلخ)) أنه مدرج من كلام الشعبيّ، وسيأتي تفصيل ما قالوه في المسألة الثالثة -
إن شاء الله تعالى -.
(فَقَالَ) وَ ((لَكُمْ كُلُّ عَظْم) ((كلُّ)) مبتدأ، خبره جملة ((يقع في أيديكم))،
ويحتمل أن يكون الجارّ والمجِّرور قبله خبراً، أي كلُّ عظم كان لكم زاداً،
(ذُكِرَ) بالبناء للفعول (اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) والجملة من الفعل والنائب في محلّ جرّ
صفة لـ((عظم)).
(١) ((المصباح المنير)) ٢٥٩/١ - ٢٦٠.

٣٩٥
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١٢)
قال بعض العلماء: هذا لمؤمنيهم، وأما غيرهم، فجاء في حديث آخر:
((أن طعامهم ما لم يُذْكَر اسم الله عليه))، قاله النوويّ (١).
[تنبيه]: قوله ◌ّية: ((لكم كلّ عظم ... إلخ)) هذا بعد أن دعا الله تعالى
بذلك، فقد أخرج البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)) عن أبي هريرة ◌َُّه أنه كان
يَحْمِل مع النبيّ وَّ إداوةً لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: ((مَن
هذا؟» فقال: أنا أبو هريرة، فقال: ((ابغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني
بعظم، ولا بروثة))، فأتيته بأحجار أَحْمِلها في طرف ثوبي، حتى وضعتها إلى
جنبه، ثم انصرفت حتى إذا فَرَغْ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال:
(«هما من طعام الجنّ، وإنه أتاني وَفْدُ جن نصيبين، ونعم الجنّ، فسألوني
الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يَمُرّوا بعظم، ولا بروثة، إلا وجدوا عليها
طعاماً)). انتهى.
فهذا صريح في كونه وَل﴿ دعا لهم، ثم أخبرهم بأن الله تعالى استجاب له
في ذلك، فحديث الباب بيّن إخباره لهم أخيراً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ) جملة في محلّ رفع خبر المبتدأ، وقوله: (أَوْفَرَ
مَا يَكُونُ لَحْماً) بنصب ((أوفر)) على الحال، و((لحماً)) منصوب على التمييز (وَكُلُّ
بَعْرَةٍ) مبتدأ خبره ((عَلَفٌ))، قال في ((القاموس)): الْبَعْرُ، ويُحَرَّك: رَجِيعُ الْخُفّ،
والظّلْفِ، واحدته بِهاء، والجمع: أَبْعار، والفعل كمَنَعَ. انتهى(٢).
وفي ((المصباح)): الْبَعَرُ معروفٌ، والسكون لغة، وهو من كلّ ذي ظِلْفٍ،
وخُفّ، والجمع: أبعار، مثلُ سَبَبٍ وأسباب، وبَعَرَ ذلك الْحَيَوانُ بَعْراً، من
باب نَفَعَ: ألقى بَعَرَه. انتهى(٣).
(عَلَفْ) بفتحتين: ما يُعلف به، والجمع عِلاف بالكسر، مثلُ جبل
وجِبَال، يقال: عَلَفْتُ الدابّة عَلْفاً، من باب ضرب، وأعلفتها بالألف لغة (٤).
(لِدَوَابْكُمْ))، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((فَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (تَسْتَنْجُوا
بِهِمَا) أي بالعظم، والبعرة (فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ))) الفاء للتعليل؛ أي إنما
(١) ((شرح النوويّ)) ٤/ ١٧٠.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٥٣.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٧٤/١.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٢٥/٢.

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
نهيتكم عن الاستنجاء بهما؛ لأنهما زاد إخوانكم من الجنّ، فلا يجوز
تنجيسهما؛ احتراماً لحقوقهم.
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر هذه الرواية أن الجنّ سألوا النبيّ وَّ عن
الطعام، فأخبرهم بما جعل الله لهم من الطعام، ثم نهى عن الاستنجاء به،
ويعارض هذا ما أخرجه أبو داود بسند صحيح، عن عبد الله بن مسعود
قال: قَدِم وفد الجنّ على رسول الله وََّ، فقالوا: يا محمد انْهَ أُمَّتَكَ أن
يستنجوا بعظم أو روثة، أو حُمَمَة، فإن الله تعالى جَعَل لنا فيها رزقاً، قال:
فنهى رسول الله وَ ل عن ذلك(١).
فظاهر هذه الرواية أن الجنّ هم الذين أخبروا النبيّ وَّر بطعامهم، وطلبوا
منه أن ينهى أمته عن الاستنجاء به.
والجمع بينهما أن يقال: إن الجنّ لَمّا وفدوا على النبيّ ◌َّو طلبوا منه
الزاد، فدعا الله تعالى لهم، ثم أخبرهم بأن الله جعل لهم كلّ عظم ذُكر اسم الله
عليه طعاماً لهم، وكلّ بعرة علفاً لدوابهم، ثم إنهم رأوا أن الناس يستنجون
بهما، فطلبوا منه أن ينهى أمته عن ذلك، فنهى عنه.
والحاصل أن الجنّ طلبوا من النبيّ وَ ﴿ الزاد، فدعا لهم بما ذُكر،
وأخبرهم به، ثم طلبوا منه في وقت آخر أن ينهى أمته عن الاستنجاء بما
جعل الله تعالى لهم فيه رزقاً، فنهاهم عن ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود به هذا من أفراد المصنّف ◌َظّلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠١٢/٣٤ و١٠١٣ و١٠١٤ و١٠١٥] (٤٥٠)،
و(أبو داود) في ((الطهارة)) (٣٩ و٨٥)، و(الترمذيّ) فيها (١٨) و((التفسير))
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)) برقم (٣٩) وفيه إسماعيل بن عيّاش
متكلّم فيه، لكنه ثقة فيما روى عن الشاميين، وهذا منه، فلا كلام فيه، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.

٣٩٧
=
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١٢)
(٣٢٥٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٤٧/١)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (١٥٥/١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨٢)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (١٤٣٢ و٦٣٢٠ و٦٥٢٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٠٨/١ -
١٠٩) وفي («دلائل النبوّة)) (٢٢٩/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٧٨)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في هذا الحديث:
قال النوويّ تَخُّْ: قال الدارقطنيّ كَّتُهُ: انتهى حديثُ ابن مسعود رقُّه
عند قوله: ((فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم))، وما بعده من قول الشعبيّ، كذا رواه
أصحاب داود، الراوي عن الشعبيّ: ابنُ عُلَيّة، وابن زُريع، وابن أبي زائدة،
وابن إدريس، وغيرهم. قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا قاله الدارقطنيّ وغيره، ومعنى
قوله: إنه من كلام الشعبيّ أنه ليس مرويّاً عن ابن مسعود بهذا الحديث، وإلا
فالشعبيّ لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبيّ وَّ، والله تعالى أعلم.
انتهى كلام النوويّ كَذَفُ(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: عبارة عِلَل الدار قطنيّ ◌َّتُهُ (١٣١/٥):
وسئل - أي الدارقطنيّ كَّلُ - عن حديث علقمة، عن عبد الله، أنه سئل:
هل كان أحد منكم مع النبيّ وَ﴿ ليلة الجنّ ... فذكر الحديث، وفيه: قال
رسول الله وَلـ: ((لا تستنجوا بها)) - يعني بالبعر والروث - فقال: يرويه داود بن
أبي هند، عن الشعبيّ، عن علقمة، عن عبد الله، رواه عنه جماعة من
الكوفيين، والبصريين، فأما البصريون، فجعلوا قوله: ((وسألوه الزاد ... )) إلى
آخر الحديث من قول الشعبيّ مرسلاً، وأما يحيى بن أبي زائدة، وغيره من
الكوفيين، فأدرجوه في حديث ابن مسعود، عن النبيّ ◌َّ، والصحيح قول مَن
فَصَّلَهُ، فإنه من كلام الشعبيّ مرسلاً. انتهى كلام الدار قطنيّ رَّتُهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أشار الإمام مسلم رَّتُ إلى هذه العلّة فيما
أورده من الإسنادين التاليين، ففي الرواية الأولى بَيَّنَ أن إسماعيل ابن عليّة
فصّل الحديث، فجعله إلى قوله: ((وآثار نيرانهم)) من قول ابن مسعود نظُبه،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٠/٤.

٣٩٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وجعل ما بعده من قول الشعبيّ عن النبيّ وَّر، مرسلاً، ثم ذكر في الرواية
الثانية، ما يؤيّد هذا، حيث ساق الحديث من رواية عبد الله بن إدريس، عن
داود، فجعل آخر حديثه: ((وآثار نيرانهم))، فلم يذكر ما بعده، فدلّ على أنه
ليس من حديث ابن مسعود ربه، كما فصّله ابن عليّة.
والحاصل أن أرجح الروايتين رواية من فصّله، وجعل آخره من مرسل
الشعبيّ، لكن مراسيل الشعبيّ صححها العلماء، فقد قال العجليّ: مرسل
الشعبيّ صحيحٌ، لا يكاد يُرسل إلا صحيحاً، وقال الحسن بن شُجاع الْبَلْخيّ:
سمعت عليّ ابن المدينيّ يقول: مرسل الشعبيّ، وسعيد بن المسيّب أحبّ إليّ
من داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، ذكره الحافظ ابن رجب
◌َّتْهُ في ((شرح العلل))(١) .
قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول أن كونه من مرسل الشعبيّ، وإن
كان هو الراجحَ، لا يُخرجه عن كونه صحيحاً،، فقد صُحّحت مراسيله، فقد
قدّمها ابن المدينيّ في كلامه السابق على الموصول، وهذا غاية في الصحّة.
ويَحْتَمِل أن يكون الشعبيّ رواه عن أبي هريرة ظه، فقد تقدّم أن
البخاريّ أخرجه في ((صحيحه)) من حديثه مرفوعاً، ولفظه: ((وإنه أتاني وفد جِنّ
نَصِيبين، ونعم الجنُّ، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم، ولا
بروثة إلا وَجَدُوا عليها طعاماً)). انتهى. والشعبيّ ممن أدرك أبا هريرة، وروى
عنه كثيراً، وأحاديثه عنه في ((الصحيحين))، وغيرهما، راجع: ((تحفة الأشراف)
(٤٩٢/٩ - ٤٩٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن النبيّ ◌َ﴿ل قرأ على الجنّ، ودعاهم إلى الله تعالى.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من طلب العلم، والبحث عن
حقيقة المسألة ووجهها، فقد سأل الشعبيّ علقمة عن شهود ابن مسعود
مضرعنه
ليلة الجنّ، كما سأل علقمة عن ذلك ابن مسعود ◌ُله نفسه.
بالنبيّ و ◌َم وشدّة حرصهم على
٣ - (ومنها): شدّة اهتمام الصحابة مثله
(١) راجع: ((شرح علل الترمذيّ)) لابن رجب ٢٩٦/١.

٣٩٩
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١٢)
أن لا يناله مكروه، وهذا هو واجب كلّ مسلم أن يكون ◌َ ﴿ أولى عنده من
جميع الخلق حتى من نفسه التي بين جنبيه، كما قال الله رَك: ﴿النَّبِىُّ أَوَّلَى
بِالْمُؤْمِينَ مِنْ أَنفُسِهِمَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]، فلا يقدّم ما تهواه نفسه على سنته مَّت،
بل يجعلها نُصْبَ عينيه، اعتقاداً، وقولاً، وفعلاً؛ لأن هذا هو مقتضى الإيمان،
قال الله تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا
يَجِدُواْ فِىّ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسَلِيمًا
[النساء: ٦٥]، وقال:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
الآية [الأحزاب: ٣٦].
٤ - (ومنها): بيان أن النبيّ وَّ بُعث إلى الجنّ كما بُعث إلى الناس.
٥ - (ومنها): بيان معجزة النبيّ ◌َلّ حيث إن الجنّ تخضع لأمره،
وتطيعه، وتسأله عما أشكل عليها من أمر المعاش والمعاد.
٦ - (ومنها): إثبات البيّنة على الأمر، وإن كان مما لا يُشكّ فيه، فقد
أراهم النبيّ و ◌َي﴿ آثار الجنّ، وآثار نيرانهم حتى يزدادوا إيماناً مع إيمانهم، وإلا
◌ُّ غنّون عن طلب البيّنة على مثل هذا.
فالصحابة
٧ - (ومنها): إثبات معجزة له وَل﴿ أيضاً، وهي أنه دعا لهم بأن يجعل الله
تعالى لهم العظم الذي أكل لحمه، وبقي بلا شيء لحماً وافراً، بل أوفر مما
كان به من قبلُ، وكذلك البعر صار علفاً لدوابهم.
٨ - (ومنها): أن الجنّ يأكلون الطعام، ولهم داوب مثل الناس.
٩ - (ومنها): بيان أن للجنّ حقوقاً على الإنس، وأنه يجب البعد عما
يؤذيهم كغيرهم.
١٠ - (ومنها): مشروعيّة السعي في تحصيل ما ينفع الإنسان، ودفع ما يضرّه.
١١ - (ومنها): أن على الإمام أن يحذّر الناس عن إلحاق الضرر بأيّ
مسلم إنساً أو جنّاً.
١٢ - (ومنها): النهي عن الاستنجاء بالعظم، والبعر، ويُلحق به كلّ ما
في معناه، من المطعومات، والمحترمات، كأوراق الكتب، وقد تقدّم البحث
في هذا في ((كتاب الطهارة)) مستوفَّى، فراجعه، تستفد علماً جمّاً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج نَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠١٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ(١) عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَسَأَلُوهُ
الزَّادَ، وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ مُفَصَّلاً، مِنْ
حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩]
(ت٢٤٤) وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
و((داود)) ذُكر قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن
علقمة، عن ابن مسعود پبه.
وقوله: (إِلَى قَوْلِهِ: وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ) يعني أن حديث ابن مسعود انتهى إلى
هذا القدر، فما بعده ليس من حديثه، وإنما هو من حديث الشعبيّ، كما بيّنه
بقوله: ((قَالَ الشَّعْبِيُّ ... إلخ)).
وقوله: (وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ) لا تنافي بين هذا وبين ما تقدّم من
رواية البخاريّ: ((أنهم من جنّ نصيبين))؛ لأن نصيبين بلدة مشهورة بالجزيرة،
قال في ((الفتح)): ووقع في كلام ابن التين أنها بالشام، وفيه تجوّز، فإن
الجزيرة بين الشام والعراق، قال: ويجوز صرف نصيبين، وتركه. انتهى(٢).
وقوله: (مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ) أي من مرسلاته، وقد تقدّم الحديث موصولاً
من حديث أبي هريرة نظر ته، أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) فتنبّه.
(١) وفي نسخة: ((وحدّثنا)).
(٢) ((الفتح)) ٢١٠/٧ (كتاب مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٦١).