النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
(٣٣) - بَابُ الاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٠١٠)
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ
[٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
شرح الحديث :
! (فِي قَوْله: ﴿لَا تُحُرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. (٣)﴾، قَالَ)
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)
ابن عبّاس ◌َّا (كَانَّ النَّبِيُّ وَِّهِ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ) المعالجة: محاولة الشيء
بمشقّة، وقوله: ((شدّةً)) منصوب على المفعوليّة لـ((يُعالج))، وقال في ((العمدة)):
أي يحاول من تنزيل القرآن عليه شِدّةً، ومنه ما جاء في حديث آخر: ((وَلِي
حرَّه، وعِلاجه)): أي عَمَله وتَعَبَهُ، ومنه قوله: ((من كسبه وعلاجه)): أي من
محاولته وملاطفته في اكتسابه، ومنه معالجة المريض، وهي ملاطفته بالدواء
حتى يُقْبِل عليه، والمعالجة: الملاطفة في المراودة بالقول والفعل، ويقال:
محاولةُ الشيء بمشقة. انتهى.
وجملة: ((يعالج)) في محلّ نصب خبر ((كان)).
وقوله: (شِدَّةً) بالنصب مفعول ((يعالج))، وقال الكرمانيّ: يجوز أن يكون
مفعولاً مطلقاً له، أي يعالج معالجةً شديدةً، فعلى هذا يحتاج إلى شيئين:
أحدهما تقدير المفعول به لـ((يعالج))، والثاني تأويل الشّدّة بالشديدة، وتقدير
الموصوف لها، فافهم، قاله في ((العمدة))(١).
وقال النوويّ تَخْلَتُهُ: سبب الشدّة هيبة الملك، وما جاء به، وثقل الوحي،
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (3)﴾
[المزّمّل: ٥]، والمعالجة:
المحاولة للشيء، والمشقّة في تحصيله. انتهى(٢).
(كَانَ) ◌َِّ (يُحَرُِّكُ شَفَتَيْهِ) ببناء الفعل للفاعل، وفي الرواية السابقة:
((وكان مما يُحرّك شفتيه))، وقد تقدّم الكلام عليها، قال سعيد: (فَقَالَ لِي ابْنُ
عَبَّاسٍ) ◌ََّا (أَنَا أُحَرِّكُهُمَا) أي الشفتين، وفي رواية البخاريّ: ((فقال ابن
عبّاس: فأنا أحرّكهما))، قال في ((العمدة)): تقديم فاعل الفعل يُشعر بتقوية
الفعل، ووقوعه لا محالة، قال: وقوله: فقال لي ابن عبّاس ◌ُّها إلى قوله:
(١) ((عمدة القاري)) ١٢٨/١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٦/٤.

٣٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
((فأنزل الله)) جملة معترضةٌ بالفاء، وذلك جائزٌ، كما في قول الشاعر [من
الكامل]:
وَاعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفَعُهُ أَنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِّرَا
وفائدة الاعتراض زيادة البيان بالوصف على القول.
(كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُحَرِّكُهُمَا) زاد في نسخة: «فحرّك شفتيه)» (فَقَالَ
سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا(١) كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا) ووقع عند البخاريّ:
((وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عبّاس يحرّكهما))، فقال الكرمانيّ:
فإن قلت: كيف قال في الأول: ((كان يحركهما))، وفي الثاني بلفظ: ((رأيت))؟
قلت: العبارة الأولى أعمّ من أنه رأى بنفسه تحريك رسول الله وملي أم سمع أنه
حر کھما .
وتعقّبه في ((العمدة))، فقال: ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن ابن عباس ضرًّا لم
ير النبيّ ◌َ﴿ في تلك الحالة؛ لأن سورة القيامة مكية باتفاق، ولم يكن ابن
عباس إذ ذاك وُلِد؛ لأنه وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، والظاهر أن نزول هذه
الآيات كان في أول الأمر، ولكن يجوز أن يكون النبيّ وَِّ أخبره بذلك بعدُ أو
أخبره بعض الصحابة أنه شاهد النبي ◌َلتر.
قال في ((الفتح)): والأول هو الصواب، فقد ثبت ذلك صريحاً عن أبي
داود الطيالسيّ في ((مسنده)) عن أبي عوانة بلفظ: ((قال ابن عبّاس: فأنا أحرّك
لك شفتي كما رأيت رسول الله (وَ لات)(٢).
وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من ابن عباس بلا نزاع.
(فَحَرََّكَ شَفَتَيْهِ) لا تنافي بين هذا حيث ذكر الشفتين، وبين قوله (فَأَنْزَلَ اللهُ
تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ﴾) حيث ذكر اللسان؛ لأن تحريك الشفتين بالكلام
(١) زاد في نسخة: ((لك)).
(٢) هكذا نقل في ((الفتح)) في ((تفسير سورة القيامة)) عن ((مسند أبي داود الطيالسيّ)) عن
أبي عوانة، ولكن الذي وجدته في ((مسنده) عن أبي عوانة رقم (٢٦٢٨) نصّه: ((قال
ابن عبّاس: إنما أحرك شفتي كما كان رسول الله صل* يحرّك ... )) الحديث، ولكن
الحافظ ثبتٌ في نقله، فلا أدري من أي موضع نقله، فليُنظر، والله تعالى أعلم.

٣٦٣
(٣٣) - بَابُ الاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٠١٠)
المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان يلزم منه تحريك اللسان،
أو اكتَفَى بالشفتين، وحذَفَ اللسان؛ لوضوحه؛ لأنه الأصل في النطق؛ إذ
الأصل حركة الفم، وكلٌّ من الحركتين ناشئ عن ذلك، وتدلّ عليه رواية
البخاريّ من طريق جرير في ((التفسير)): ((يحرِّك به لسانه وشفتيه))، فجَمَع
بینھما .
وكان النبيّ وََّ في ابتداء الأمر إذا لُقِّن القرآن نازع جبريل القراءة، ولم
يَصْبِر حتى يتمها؛ مسارعة إلى الحفظ؛ لئلا ينفلت منه شيء، قاله الحسن
وغيره.
ووقع في رواية للترمذيّ: ((يحرِّك به لسانه)) يريد أن يحفظه، وللنسائيّ:
(يَعْجَلُ بقراءته ليحفظه))، ولابن أبي حاتم: ((يتلقى أوله، ويحرك به شفتيه؛
خشيةَ أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره)) .
وفي رواية الطبريّ، عن الشعبيّ: ((عَجِلَ يتكلم به من حبه إياه))، وكلا
الأمرین مراد.
ولا تنافي بين محبته إياه، والشدّة التي تلحقه في ذلك، فأمر بأن يُنْصِت
حتى يُقْضَى إليه وحيه، ووَعَدَ بأنه آمن من تفلّته منه بالنسيان أو غيره.
ونحوه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيَّةٌ﴾
[طه: ١١٤]، أي بالقراءة، قاله في ((الفتح))(١).
(لِتَعْجَلَ بِهِ) أي لتأخذه على عجلة (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ (3) قَالَ: جَمْعَهُ
فِي صَدْرِلَكَ، ثُمَّ تَقْرَأَهُ) بالنصب بـ((أن)) مضمرة؛ لكونه معطوفاً على اسم خالص،
وهو ((جمعه))، كما في قول الشاعر [من البسيط]:
إِنِّي وَقَتْلِي سُلَيْكاً ثُمَّ أَعْقِلَهُ كَالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عَافَتِ الْبَقَرُ
فـ((أعقله)) منصوب لعطفه على ((قتلي))، وهو اسم صريح، وإلى هذه
القاعدة أشار في ((الخلاصة)) بقوله:
وَإِنْ عَلَى اسْمِ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ تَنْصِبُهُ ((أَنْ)) ثَابِتاً أَوْ مُنْحَذِفْ
والتقدير هنا: ((ثم قراءتَكَ)).
(١) ((الفتح)) ٣٠/١.

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ووقع في بعض النسخ: ((ثُمّ تَقْرَؤُهُ)) بالرفع، وعليه فيكون مستأنفاً، أي ثم
أنت تقرؤه.
(﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ ﴾﴾، قَالَ) ابن عبّاس ◌ِنَّا مفسّراً هذه الجملة
(فَاسْتَمِعْ، وَأَنْصِتْ) فيه لغتان: قطع همزته، ووصلها، يقال: أنصت إنصاتاً:
استمع، يتعدّى بالحرف، فيقال: أنصت الرجل للقارئ، وقد يُحذف الحرف،
فينصبُ المفعولُ، فيقال: أنصت الرجل القارىءَ، ضُمِّن سَمِعَهُ، ونَصَتَ له
يَنْصِتُ، من باب ضرب لغةٌ: أي سَكَت مستمعاً، وهذا يتعدَّى بالهمزة، فيقال:
أنصته: أي أسكته، قاله في ((المصباح))(١).
وقال النوويّ في ((شرحه)): الاستماع: الإصغاء، والإنصات: السكوت،
فقد يَستمع، ولا يُنصتُ، فلهذا جمع بينهما، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ
وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال الأزهريّ: يقال: أَنْصَتَ، ونَصَتَ، وانتصتَ،
ثلاث لغات، أفصحهنّ: أنصت، وبها جاء القرآن العزيز. انتهى (٢).
(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ) هكذا رواية المصنّف، وهو بيان لمعنى قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾﴾، وقد صُرّح به في رواية البخاريّ، ولفظه:
ثم إن علينا أن تقرأه»، وفي رواية له: ((علينا أن نبيّنه
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (49)
بلسانك))، وفي رواية: ((على لسانك)).
والمعنى: أن الله رَ ضَمِنَ له ◌َّهِ أن يُيسّر له قراءة القرآن متى شاء،
سواء كان لنفسه تدبّراً، وتعبّداً بتلاوته، أو للناس تبليغاً، وأن يُبيّن له ما يراد
منه من المعاني والأحكام، وهذا فضل من الله تعالى الكريم عليه، ﴿وَكَانَ
فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].
(قَالَ) ابن عبّاس ◌َِّا (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾ بعد نزول هذه الآية (إِذَا أَتَاهُ
جِبْرِيلُ) ◌َُّ (اسْتَمَعَ) لقراءته (فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ) عَلَّهُ أَي ذهب، وانصرف من
عنده بَّهِ (قَرَأَهُ النَّبِيُّ ◌َهِ كَمَا أَقْرَأَهُ) فاعل ((قرأ)) الأول ضمير النبيّ ◌ََّ، وفاعل
((قرأ)) الثاني ضمير جبريل ظلَّلاَ.
والمعنى: أن النبيّ ◌َ* كان بعد نزول هذه الآية إذا أتاه جبريللعلَّلامُ
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٠٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٦/٤ - ١٦٧.

٣٦٥
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
بالوحي، وبدأ يقرأ ذلك الوحي عليه، استمع وَلّ لقراءته، فإذا انتهى من
قراءته، وانصرف من عنده، قرأه النبيّ وَّ مثل ما قرأه جبريل لعلّ*، من غير
زيادة، ولا نقص، ولا تبديل، ولا تحريف.
والحديث متّفق عليه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِلَّهِ عَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٣٤) - (بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠١١] (٤٤٩) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي
بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللهِوَّهِ عَلَى
الْجِنِّ، وَمَا رَآهُمُ، انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقٍ
عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ(١) عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ،
فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرٍ
السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا
مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ؟
فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَزَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا(٢) نَحْوَ
تِهَامَةَ، وَهُوَ بِنَخْلِ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّ بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ،
فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ، اسْتَمَعُوا لَهُ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ،
فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرَُّنًا عَبَا يَهْدِىّ إِلَى الْرُّشْدِ فَمَنَا
بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِرَبَِّآَ أَحَدًا ﴾﴾، فَأَنْزَلَ اللهُ رَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ وَّ: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَ
أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾).
(١) وفي نسخة: ((وأُرسل)) بلا تاء.
(٢) وفي نسخة: ((ذهبوا)).

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطِيّ الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار
[٩] (ت٦ أو ٢٣٥) عن بضع وتسعين سنة (م دس) تقدم في ((الإيمان)) ١٢ / ١٥٧.
((وأبو بشر)) هو: ابن أبي وَحْشيّة، جعفر بن إياس، تقدّم قبل باب،
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َا أَنه (قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللهَِّ عَلَى الْجِنِّ، وَمَا
رَآهُمُ) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: في وجه الجمع بين هذا وبين ما يأتي عن ابن
مسعود عظمته أنه وَلّ قرأ عليهم القرآن: هما قضيّتان.
فحديث ابن عبّاس ◌َّ في أول الأمر، وأول النبوة، حين أَتَوا فسمعوا
قراءة ﴿قُلْ أُوحِىَ﴾، واختَلَف المفسرون، هل علم النبيّ وَّر استماعهم حال
استماعهم بوحي أُوحي إليه، أم لم يعلم بهم إلا بعد ذلك؟.
واما حديث ابن مسعود رظُله فقضية أخرى، جَرَت بعد ذلك بزمان، الله
أعلم بقدره، وكان بعد اشتهار الإسلام. انتهى (١).
[تنبيه]: أخرج البخاريّ تَظْلُ حديث ابن عبّاس هذا، لكنه اقتصر على
قوله: ((انطَلَق رسول الله (َّر ... إلخ))، فقال في ((الفتح)): قوله: ((انطلق
رسول الله (وَل98))، كذا اختصره البخاريّ هنا، وفي ((صفة الصلاة))، وأخرجه أبو
نعيم في ((المستخرج)) عن الطبرانيّ، عن معاذ بن المثنى، عن مسدد شيخ
البخاريّ فيه، فزاد في أوله: ((ما قرأ رسول الله وَّ على الجنّ، ولا رآهم،
انطلق ... إلخ))، وهكذا أخرجه مسلم عن شيبان بن فَرُّوخ، عن أبي عوانة
بالسند الذي أخرجه به البخاريّ، فكأنّ البخاريّ حذف هذه اللفظة عمداً؛ لأن
ابن مسعود ◌ُه أثبت أن النبيّ وَّ قرأ على الجنّ، فكان ذلك مقدَّماً على نفي
ابن عباس ◌ًّا، وقد أشار إلى ذلك مسلم، فأخرج عقب حديثٍ ابن عباس
هذا حديثَ ابنِ مسعود ◌َّهِ، عن النبيّ وَّرِ قال: ((أتاني داعي الجنّ، فانطلقتُ
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٧/٤.

٣٦٧
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّنْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
معه، فقرأت عليه القرآن))، ويمكن الجمع بالتعدد، كما سيأتي. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: حمله على التعدّد أولى، كما سبق عن
النوويّ رَّتُهُ .
(انْطَلَقَ) أي ذهب (رَسُولُ اللهِ نَّ فِي طَائِفَةٍ) قال في ((العمدة): ذكره
الجوهريّ في باب ((طَوَفَ))، وقال: الطائفة من الشيء قطعة منه، وقوله تعالى:
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] قال ابن عباس ◌َّ: الواحد فما
فوقه، وقال مجاهد: الطائفة: الرجل الواحد إلى الألف، وقال عطاء: أقلها
رجلان. انتهى(٢).
وقال في ((المصباح)): الطائفة: الفرقة من الناس، والطائفة: القطعة من
الشيء، والطائفة من الناس: الجماعة، وأقلّها ثلاثةٌ، وربّما أُطلقت على
الواحد والاثنين. انتهى (٣).
وقوله: (مِنْ أَصْحَابِهِ) بيان لـ((طائفة))، قال في ((الفتح)): ذكر ابن إسحاق،
وابن سعد أن ذلك كان في ذي القعدة سنة عشر من المبعث لَمّا خرج النبيّ وَلِيل
إلى الطائف، ثم رجع منها، ويؤيده قوله في هذا الحديث: إن الجن رأوه
يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، والصلاة المفروضة إنما شُرِعت ليلة الإسراء،
والإسراء كان على الراجح قبل الهجرة بسنتين، أو ثلاث، فتكون القصّة بعد
الإسراء.
لكنه مشكل من جهة أخرى؛ لأن مُحَصَّل ما في ((الصحيح))، كما في
((بدء الخلق))، وما ذكره ابن إسحاق أنه وَ لَّ لَمّا خرج إلى الطائف، لم يكن معه
من أصحابه إلا زيد بن حارثة، وهنا قال: إنه انطلق في طائفة من أصحابه،
فلعلها كانت وِجْهةً أخرى، ويمكن الجمع بأنه لَمّا رجع لاقاه بعض أصحابه في
أثناء الطريق، فرافقوه. انتهى (٤).
(عَامِدِينَ) أي قاصدين، يقال: عَمَدتُ للشيء عَمْداً، من باب ضرب،
(١) ((الفتح)) ٥٣٨/٨ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٩٢٠ - ٤٩٢١).
(٢) ((عمدة القاري)) ٥٠/٦ في ((كتاب الصلاة)) رقم (٧٧٣).
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٨١/٢.
(٤) ((الفتح)) ٥٣٨/٨.

٣٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وعَمَدتُ إليه: قصدتُ، وتعمّدته: قصدت إليه أيضاً، قاله الفيّوميّ(١).
(إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ) متعلّق بـ((عامدین)).
و((السُّوق)): تؤنّث وتذكّر لغتان، قيل: سُمِّيت بذلك لقيام الناس فيها على
(٢)
سُوقهم(٢).
و ((عُكَاظ)): بضم العين المهملة، وتخفيف الكاف، وآخره ظاء معجمة،
بالصرف وعدمه.
قال اللحيانيّ: الصرف لأهل الحجاز، وعدمه لغة تميم، وهو موسم
معروف للعرب، بل كان من أعظم مواسمهم، وهو نخل في وادٍ بين مكة
والطائف، وهو إلى الطائف أقرب، بينهما عشرة أميال، وهو وراء قرن المنازل
بمرحلة، من طريق صنعاء اليمن.
وقال البكريّ: أَوّلُ ما أُحدثت قبل الفيل بخمس عشرة سنة، ولم تزل
سوقاً إلى سنة تسع وعشرين ومائة، فخرج الخوارج الحرورية، فَنَهَبُوها، فَتُرِكت
إلى الآن، وكانوا يقيمون به جميع شَوّال، يتبايعون، ويتفاخرون، وتنشد
الشعراء ما تجدد لهم، وقد كثر ذلك في أشعارهم، كقول حسان [من الوافر]:
يُنَشَّرُ فِي الْمَجَامِعِ مِنْ عُكَاظِ
سَأَنْشُرُ إِنْ حَبِيتُ لَكُمْ كَلَاماً .
وكان المكان الذي يجتمعون به منه يقال له: الابتداء، وكانت هناك
صُخُور يطوفون حولها، ثم يأتون مَجَنّة (٣)، فيُقيمون بها عشرين ليلة من ذي
القَعْدة، ثم يأتون ذا الْمَجَاز، وهو خلف عرفة، فيقيمون به إلى وقت الحجّ.
وقال ابن التين: سُوق عكاظ من إضافة الشيء إلى نفسه، كذا قال،
وعلى ما تقدم من أن السوق كانت تقام بمكان من عكاظ، يقال له الابتداء، لا
يكون كذلك، قاله في ((الفتح))(٤).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن التين، من أنه من إضافة
(١) ((المصباح المنير)) ٤٢٨/٢.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٤/ ١٦٧.
(٣) قال في ((القاموس)) ٢١٠/٤: و((الْمَجَنَّةُ)): الأرض الكثيرة الجنّ، وموضع قرب
مکة، وقد تکسر میمها. انتهى.
(٤) ((الفتح)) ٥٣٩/٨.

٣٦٩
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
الشيء إلى نفسه، ليس كما قال، بل هو من إضافة العام إلى الخاصّ، كشجر
أراك، وعلم الفقه، ونحو ذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال الفيّوميّ: ((عُكَاظ)) وزانُ غُرَاب: سوقٌ من أعظم أسواق الجاهليّة،
وراء قرن المنازل بمرحلة، من عَمَل الطائف، على طريق اليمن، وقال أبو
عُبيد: هي الصحراء مستويةً، لا جبل فيها، ولا عَلَمَ، وهي بين نجد والطائف،
وكان يقام فيها السوق في ذي الْقَعْدة نحواً من نصف شهر، ثم يأتون موضعاً
دونه إلى مكة، يقال له: سوق مَجَنّة، فيقام فيه السوق إلى آخر الشهر، ثم
يأتون موضعاً قريباً منه، يقال له: ذو الْمَجَاز، فيقام فيه السوق إلى يوم التروية،
ثم يَصْدُرُون إلى منى، والتأنيث لغة الحجاز، والتذكير لغة تميم. انتهى (١).
وقال في ((العمدة)): وعن الليث: سُمِّي عُكاظُ عُكاظاً؛ لأن العرب كانت
تجتمع فيها، فيَعْكِظ بعضهم بعضاً بالمفاخرة: أي يَدْعَك(٢)، وقال غيره: عَكَظَ
الرجلُ دابته يَعْكِظها عَكْظاً(٣): إذا حَبَسَها، وتَعَكّظ القوم تعكّظاً: إذا تحبسوا
ينظرون في أمرهم، وبه سُمِيت عكاظ.
قال: وقال أبو عبيدة: عُكاظ فيما بين نخلة والطائف إلى موضع، يقال
له: الْفُتُق(٤)، به أموال ونخيل لثقيف، بينه وبين الطائف عشرة أميال، فكان
سوق عكاظ يقوم صبيحة هلال ذي القعدة عشرين يوماً، وسوق مَجَنّة يقوم بعده
عشرة أيام، وسوق ذي المجاز يقوم هلال ذي الحجة.
وزعم الرشاطيّ أنها كانت تقام نصف ذي القعدة إلى آخر الشهر، فإذا
أَهَلّ ذو الحجة أَتَوا ذا المجاز، وهي قريب من عُكاظ، فيقوم سوقها إلى يوم
التروية، فيسيرون إلى منى، وقال ابن الكلبيّ: لم يكن بعُكاظ عُشُور ولا
خَفَارة. انتهى(٥) .
(وَقَدْ حِيلَ) بكسر الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة، بعدها لام: أي
حُجِز، ومُنِعٍ على البناء للمجهول، قاله في ((الفتح))(٦).
(١) ((المصباح المنير)) ٤٢٤/٢.
(٣) من باب ضرب.
(٥) ((عمدة القاري)) ٦/ ٥١.
(٢) يقال: دعك خصمه: ليّنه. اهـ. ((ق)).
(٤) بضمتين: قرية بالطائف. اهـ. ((ق)).
(٦) ٥٣٩/٨.

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وقال في ((العمدة)): يقال: حال الشيءُ بيني وبينك: أي حَجَزَ، وأصل
مصدره واويّ، يعني من الْحَوْل، وأصلُ حِيلَ حُوِلَ، نُقِلت كسرة الواو إلى ما
قبلها، بعد حذف الضمة منها، فصار حِيلَ. انتهى (١) .
(بَيْنَ الشَّيَاطِينِ) جمع شيطان، قال الزمخشريّ: وقد جَعَل سيبويه نون
الشيطان في موضع من كتابه أصليةً، وفي آخر زائدةً، واشتقاقه من شَطَن: إذا
بَعُدَ؛ لبعده عن الصلاح والخير، أو من شاط إذا بطل، إذا جعلت نونه زائدة،
والشياطين: العصاة من الجنّ، وهم من ولد إبليس، والمراد أعتاهم وأغواهم،
وهم أعوان إبليس، يُنَفِّذون بين يديه في الإغواء، وقال الجوهريّ: كل عاتٍ
متمرّدٍ من الجنّ، والإنس، والدواب شيطان.
وقال القاضي أبو يعلى: الشياطين: مردة الجنّ وأشرارهم، ولذلك يقال
للشِّرِّير: ماردٌ وشيطانٌ، وقال تعالى: ﴿شَيْطَنِ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧].
وقال أبو عمر بن عبد البر: الجنّ مُنَزَّلون على مراتب، فإذا ذكر الجنّ
خالصاً، يقال: جنيّ، وإن أريد به أنه ممن يَسْكُن مع الناس، يقال: عامرٌ،
والجمع عُمّار، وإن كان مما يَعْرِض للصبيان، يقال: أرواح، فإن خَبُث فهو
شيطان، فإن زاد على ذلك فهو ماردٌ، فإن زاد على ذلك، وقَوِيَ أمره فهو
عِفْرِيت، والجمع عفاريت. انتهى.
وفي الحديث المذكور ذكر وجود الجنّ، ووجود الشياطين، ولكنهما نوع
واحدٌ، غير أنهما صارا صنفين باعتبار أَمْرٍ عَرَض لهما، وهو الكفر والإيمان،
فالكافر منهم يُسَمَّى بالشيطان، والمؤمن بالجنّ، قاله في ((العمدة))(٢).
(وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ) وفي نسخة: ((وأُرسل)) بلا تاء التأنيث
(عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ) بضم الهاء: جمع شِهَاب، وهو شُعْلة نار، ساطعةٌ كأنها كوكب
مُنْقَضٌّ.
قال ((الفتح)): ظاهر هذا أن الحيلولة، وإرسال الشهب وقع في هذا
الزمان المقدَّم ذكْرُهُ، والذي تضافرت به الأخبار أن ذلك وقع لهم من أول
البعثة النبوية، وهذا مما يؤيِّد تغاير زمن القصّتين، وأن مجيء الجنّ لاستماع
(١) ((عمدة القاري)) ٦/ ٥١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٦/ ٥٢.

٣٧١
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
القرآن كان قبل خروجه وَّله إلى الطائف بسنتين، ولا يَعْكُر على ذلك إلا قوله
في هذا الخبر: إنهم رأوه يصلّي بأصحابه صلاة الفجر؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون
ذلك قبل فرض الصلوات ليلة الإسراء، فإنه و ﴿ كان قبل الإسراء يصلّي قطعاً،
وكذلك أصحابه، لكن اختُلِف هل افتُرِض قبل الخمس شيء من الصلاة، أم
لا؟، فيصح على هذا قولُ مَن قال: إن الفرض أوّلاً كان صلاةً قبل طلوع
الشمس، وصلاةً قبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ
◌ُلُوعِ الشَمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهاً﴾ [طه: ١٣٠]، ونحوها من الآيات، فيكون إطلاق صلاة
الفجر في حديث الباب باعتبار الزمان، لا لكونها إحدى الخمس المفترضة ليلة
الإسراء، فتكون قصّة الجن متقدّمة من أول المبعث.
قال الحافظ تَّتُهُ: وهذا الموضع مما لم يُنَبِّه عليه أحدٌ ممن وقفت على
كلامهم في شرح هذا الحديث.
وقد أخرج الترمذيّ، والطبريّ حديث الباب بسياقٍ سالم من الإشكال الذي
ذكرته من طريق أبي إسحاق السبيعيّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
قال: ((كانت الجنّ تصعد إلى السماء الدنيا، يستمعون الوحي، فإذا سَمِعُوا الكلمة
زادوا فيها أضعافاً، فالكلمة تكون حقّاً، وأما ما زادوا فيكون باطلاً، فلما بُعِث
النبيّ وَّهِ مُنِعُوا مقاعدهم، ولم تكن النجوم يُرْمَى بها قبل ذلك)).
وأخرجه الطبريّ أيضاً، وابن مردويه، وغيرهما، من طريق عطاء بن
السائب، عن سعيد بن جبير مُطَوَّلاً، وأوله: ((كان للجن مقاعدُ في السماء،
يستمعون الوحي ... )) الحديث، ((فبينما هم كذلك، إذ بُعِث النبيّ منَّ، فدُحِرت
الشياطين من السماء، ورُمُوا بالكواكب، فجَعَلَ لا يصعد أحد منهم إلا احترق،
وفزع أهل الأرض لِمَا رأوا من الكواكب، ولم تكن قبل ذلك، فقالوا: هلك
أهل السماء، وكان أهل الطائف أَوَّلَ من تفطّن لذلك، فعَمَدُوا إلى أموالهم،
فَسَيَّبُوها، وإلى عبيدهم فعتقوها(١)، فقال لهم رجل: ويلكم لا تُهلِكوا
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب: فأعتقوها، بالهمزة؛ لأن عتق الثلاثي لا
يتعدّى، اللهمّ إلا أن نجعله من التعتيق المضاعف، وإن كان غير ظاهر، فتأمل،
والله تعالى أعلم.

٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
أموالكم، فإن معالمكم من الكواكب التي تَهْتَدون بها لم يَسقُط منها شيء،
فَأَقْلَعُوا، وقال إبليس: حَدَث في الأرض حَدَثٌّ، فأُتِي من كل أرض بتربة
فشَمَّها، فقال لتربة تهامة: ها هنا حَدَثَ الحدث، فصَرَفَ إليه نَفَراً من الجنّ،
فهم الذين استمعوا القرآن.
وعند أبي داود في ((كتاب المبعث)) من طريق الشعبيّ أن الذي قال لأهل
الطائف ما قال، هو عبدُ ياليل بن عمرو، وكان قد عَمِيَ، فقال لهم: لا
تَعْجَلوا وانظروا، فإن كانت النجوم التي يُرْمَى بها هي التي تُعْرَف، فهو عند
فناء الناس، وإن كانت لا تُعْرَف فهو من حَدَثٍ، فنظروا فإذا هي نجوم لا
تُعْرَف، فلم يلبثوا أن سمعوا بمبعث النبي ◌َّر.
وقد أخرجه الطبريّ، من طريق السُّدّيّ مُطَوَّلاً، وذكر ابن إسحاق نحوه
مطوّلاً بغير إسناد في ((مختصر ابن هشام))، زاد في رواية يونس بن بُكير، فساق
سنده بذلك، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حَدَّثه، عن
عبد الله بن عبد الله، أنه حدثه أن رجلاً من ثقيف، يقال له: عمرو بن أمية،
كان من أدهى العرب، وكان أوَّلَ مَن فَزِعَ لَمّا رُمِي بالنجوم من الناس، فذكر
نحوه.
وأخرجه ابن سعد من وجه آخر، عن يعقوب بن عتبة، قال: أول العرب
فَزْع مِن رَمْيِ النجوم ثقيف، فأَتَوْا عمرو بن أمية.
وذكر الزبير بن بكار في ((النسب)) نحوه بغير سياقه، ونسب القول
المنسوب لعبد ياليل لعتبة بن ربيعة، فلعلهما تواردا على ذلك.
فهذه الأخبار تَدُلّ على أن القصّة وقعت أول البعثة، وهو المعتمد.
قال: وقد استَشْكَل عياض، وتبعه القرطبيّ، والنوويّ، وغيرهما من
حديث الباب موضعاً آخر، ولم يتعرضوا لما ذكرته، فقال عياض: ظاهر
الحديث أن الرمي بالشهب لم يكن قبل مبعث النبيّ وَّطلقة لإنكار الشياطين له،
وطلبهم سببه، ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب، ومرجوعاً إليها في
حكمهم، حتى قُطِع سببها، بأن حيل بين الشياطين وبين استراق السمع، كما
قال تعالى في ((سورة الجنّ)): ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِتَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُّهُبَّاً
وَأَنَّا كُنَّا نَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلِسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا
٨

٣٧٣
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
[الشعراء: ٢١٢]،
[الجنّ: ٨ -٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
وقد جاءت أشعار العرب باستغراب رميها وإنكاره؛ إذ لم يَعْهَدوه قبل المبعث،
وكان ذلك أحد دلائل نبوته وَله، ويؤيده ما ذُكِر في الحديث من إنكار
الشیاطین.
قال: وقال بعضهم: لم تَزَلِ الشُّهُبُ يُرْمَى بها مذ كانت الدنيا، واحتجوا
بما جاء في أشعار العرب من ذلك، قال: وهذا مرويّ عن ابن عباس،
والزهريّ ورَفَع فيه ابنُ عباس حديثاً عن النبيّ وَّهِ.
وقال الزهريّ لمن اعترض عليه بقوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا
رَّصَدًا﴾ [الجنّ: ٩] قال: غُلِّظَ أمرها، وشُدِّد. انتهى.
وهذا الحديث الذي أشار إليه أخرجه مسلم، من طريق الزهريّ، عن
عبيد الله، عن ابن عباس، عن رجال من الأنصار، قالوا: ((كنا عند النبيّ وَّه
إذ رمي بنجم، فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون لهذا إذا رُمِي به في
الجاهلية؟ ... )) الحديث(١)، وأخرجه عبد الرزاق، عن معمر، قال: سئل
الزهريّ عن النجوم، أكان يُرْمَى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكنه إذ جاء
الإسلام غُلِّظَ وشُدِّد، وهذا جمع حسن.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله ◌َ﴿ إذا رُمِي بها في الجاهلية، أي جاهلية
المخاطبين، ولا يلزم أن يكون ذلك قبل المبعث، فإن المخاطب بذلك
الأنصار، وكانوا قبل إسلامهم في جاهلية، فإنهم لم يُسْلِموا إلا بعد المبعث
بثلاث عشرة سنة .
وقال السهيليّ: لم يَزَل القذف بالنجوم قديماً، وهو موجود في أشعار
قدماء الجاهلية، كأوس بن حُجْر، وبشر بن أبي حازم وغيرهما .
وقال القرطبيّ: يُجْمَع بأنها لم تكن يُرْمَى بها قبل المبعث رمياً يَقطع
الشياطين عن استراق السمع، ولكن كانت تُرْمَى تارةً، ولا تُرْمَى أخرى، وتُرْمَى
من جانب، ولا تُرْمَى من جميع الجوانب، ولعل الإشارة إلى ذلك بقوله
تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ ﴿ يُحُورًا﴾ [الصافات: ٨ -٩]. انتهى.
(١) سيأتي للمصنّف في ((كتاب السلام)) برقم (٢٢٢٩).

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
قال الحافظ تخّهُ: ثم وجدت عن وهب بن منبه ما يرفع الإشكال،
ويجمع بين مختلف الأخبار، قال: كان إبليس يَصْعَد إلى السماوات كلهنّ،
يتقلَّب فيهنّ كيف شاء، لا يُمنَع منذ أُخرج آدم إلى أن رُفِع عيسى، فحُجِب
حينئذ من أربع سماوات، فلما بُعِث نبينا بََّ حُجِب من الثلاث، فصار يسترق
السمع هو وجنوده، ويقذفون بالكواكب.
ويؤيِّده ما رَوَى الطبريّ، من طريق الْعَوْفيّ، عن ابن عباس، قال: لم
تكن السماء تُحْرَس في الفترة بين عيسى ومحمد، فلما بُعِث محمد وَِّ حُرِست
حَرَساً شديداً، ورُجِمت الشياطين، فأنكروا ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رواه وهب بن منبّه الظاهر أنه من
الإسرائيليّات، فرَفْعُهُ الإشكال محلّ نظر، وأما تأييده برواية العوفيّ، فلا ينفع؛
لأنّ عطيّة العوفي ضعيف، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
قال: ومن طريق السديّ قال: إن السماء لم تكن تُحْرَس إلا أن يكون في
الأرض نبيّ، أو دين ظاهرٌ، وكانت الشياطين قد اتَّخَذت مقاعد يسمعون فيها
ما يحدُث، فلما بُعِث محمد ◌َِّ رُچِموا .
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر: ظاهر الخبر أن الشهب لم تكن يُرْمَى بها، وليس
كذلك؛ لما دَلّ عليه حديث مسلم، وأما قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الَْنَ يَجِدْ لَهُ
شِهَابًا رَّصَدًا﴾، فمعناه أن الشهب كانت تُرْمَى فتصيب تارةً، ولا تصيب أخرى،
وبعد البعثة أصابتهم إصابةً مستمرةً، فوصفوها لذلك بالرصد؛ لأن الذي يَرْصُد
الشيء لا يخطئه، فيكون المتجدد دوام الإصابة لا أصلها .
وأما قول السهيليّ: لولا أن الشهاب قد يُخطئ الشيطان لم يَتَعَرَّض له
مرة أخرى، فجوابه أنه يجوز أن يقع التعرض مع تحقق الإصابة؛ لرجاء
اختطاف الكلمة وإلقائها قبل إصابة الشهاب، ثم لا يبالي المختطِفُ بالإصابة
لِمَا طُبع عليه من الشرّ كما تقدّم.
وأخرج العقيليّ، وابن منده، وغيرهما، وذكره أبو عمر بغير سند من
طريق لَهَب - بفتحتين، ويقال: بالتصغير - ابن مالك الليثيّ قال: ذُكِرت عند
النبيّ وَّل﴿ الكهانة، فقلت: نحن أول من عَرَفَ حراسة السماء، ورَجْمَ
الشياطين، ومَنْعَهم من استراق السمع عند قذف النجوم، وذلك أنا اجتمعنا عند

٣٧٥
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
كاهن لنا، يقال له: خطر بن مالك، وكان شيخاً كبيراً، قد أتت عليه مائتان
وستة وثمانون سنةً، فقلنا: يا خطر هل عندك علمٌ من هذه النجوم التي يُرْمَى
بها، فإنا فَزِعنا منها، وخِفْنا سوء عاقبتها ... الحديث، وفيه: فانقضّ نجم
عظيم من السماء، فصرخ الكاهن رافعاً صوته:
أَصَابَهُ أَصَابَهُ خَامَرَهُ عَذَابُهُ أَحْرَقَهُ شِهَابُهُ
الأبيات، وفي الخبر أنه قال أيضاً:
قَدْ مُنِعَ السَّمْعَ عُتَاةُ الْجَانِ بِثَاقِبٍ يُتْلِفُ ذِي سُلْطَانِ مِنْ أَجْلِ مَبْعُوثٍ عَظِيمِ الشَّانِ
وفيه أنه قال:
أَرَى لِقَوْمِي مَا أَرَى لِنَفْسِي أَنْ يَتْبَعُوا خَيْرَ نَبِيِّ الإِنْسِ
الحديث بطوله، قال أبو عمر: سنده ضعيف جدّاً، ولو كان فيه حكم لما
ذكرته؛ لكونه عَلَماً من أعلام النبوة والأصول.
[فإن قيل]: إذا كان الرمي بها غُلِّظَ وشُدِّد بسبب نزول الوحي، فهلا
انقطع بانقطاع الوحي، بموت النبيّ صلّ، ونحن نشاهدها الآن يرمى بها.
[فالجواب]: يؤخذ مما تقدّم من حديث الزهريّ عند مسلم(١)، ففيه:
((قالوا: كنا نقول: وُلِدَ الليلة رجل عظيمٌ، ومات رجل عظيمٌ، فقال
رسول الله وَ﴾: ((فإنها لا تُرْمَى لموت أحد، ولا لحياته، ولكن رَبّنا إذا قضى
أمراً أخبر أهلُ السماوات بعضهم بعضاً حتى يبلغ الخبر السماء الدنيا، فيخطف
الجنّ السمع، فَيَقْذِفُون به إلى أوليائهم)).
فيؤخذ من ذلك أن سبب التغليظ والحفظ لم ينقطع؛ لِمَا يتجدد من
الحوادث التي تُلْقَى بأمره إلى الملائكة، فإن الشياطين مع شدّة التغليظ عليهم
في ذلك بعد المبعث، لم ينقطع طمعهم في استراق السمع في زمن النبيّ ◌َّر،
فكيف بما بعده؟.
وقد قال عمر ظُّه لغيلان بن سلمة لَمّا طَلَّق نساءه: إني أحسب أن
الشياطين فيما تسترق السمع سمعت بأنك ستموت، فألقت إليك ذلك ...
الحديث، أخرجه عبد الرزاق وغيره.
(١) تقدّم أنه سيأتي في ((كتاب السلام)) برقم (٢٢٢٩).

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
فهذا ظاهر في أن استراقهم السمع استَمَرَّ بعد النبيّ وََّ، فكانوا يَقْصِدون
استماع الشيء مما يحدث، فلا يصلون إلى ذلك، إلا إن اختَطَف أحدهم بخفة
حركته خَطْفَةً، فيتبعه الشهاب، فإن أصابه قبل أن يُلقيها لأصحابه فاتت، وإلا
سمعوها وتداولوها، وهذا يرد على قول السهيليّ المقدّم ذكره. انتهى ما في
((الفتح))، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا) أي قال لهم رؤساؤهم، قال في
((الفتح)): الذي قال لهم ذلك هو إبليس، كما تقدّم في رواية أبي إسحاق
المتقدّمة قريباً. انتهى(١). (مَا لَكُمْ؟) ((ما)) استفهاميّة، أي أيّ شيء ثبت عندكم؟
(قَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ) المراد جنس الأخبار التي في السماء عند
الملائكة (وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَالَكَ) ((ما)) نافية، أي ليس هذا الذي
حال بيننا وبين خبر السماء (إِلَّا مِنْ) زائدة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ نَكِرَةً كَـمَا لِبَاغْ مِنْ مَفَرّ))
ويَحْتَمِل أن تكون أصليّة للتعليل، ويعود اسم الإشارة إلى حصول
الحيلولة، أي ليس حصول الحيلولة بيننا وبين خبر السماء إلا من أجل (شَيْءٍ
حَدَثَ) أي وُجد بعد أن لم يكن (فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) بنصب
(مشارق))، و((مغارب)) على الظرفيّة، أي سيروا في الأرض كلّها، فالمشارق
والمغارب كناية عن الكلّ، ويقال: فلان ضرب في الأرض، أي سار فيها،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَيْتُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]، وقوله: ﴿وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ
فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهُ﴾ [المزمّل: ٢٠]، ومنه أيضاً قوله وَّ و: ((لا يخرج
الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عوراتهما يتحدّثان، فإن الله تعالى يمقت
على ذلك))(٢).
وفي رواية نافع بن جبير، عن ابن عباس ﴿ما عند أحمد: ((فَشَكَوا ذلك
(١) ((الفتح)) ٨/ ٥٤١ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٩٢٠ - ٤٩٢١).
(٢) أبو داود، وابن خزيمة، وفي سنده عياض بن عبد الله، أو عبد الله بن عياض
مجهول، لكن صححه الشيخ الألباني لغيره، انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب))
رقم (١٥٥).

٣٧٧
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّنْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
إلى إبليس، فَبَثَّ جنوده، فإذا هم بالنبيّ وَّهِ يصلّ بِرَحْبَةٍ في نَخْلَة)). انتهى.
(فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ؟ فَانْطَلَّقُوا يَضْرِبُونَ
مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا) وفي نسخة: ((ذَهَبُوا))، أي
ذهب الشياطين الذين توجّهوا نحو تهامة.
قال في ((الفتح)): قيل: كان هؤلاء المذكورون من الجنّ على دين اليهود،
ولهذا قالوا: ﴿أَنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠]، وأخرج ابن مردويه من طريق
عُمر بن قيس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنهم كانوا تسعةً، ومن
طريق النضر بن عربيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس: كانوا سبعةً من أهل
نَصِيبين، وعند ابن أبي حاتم، من طريق مجاهد نحوه، لكن قال: كانوا أربعةً
من نَصِيبين، وثلاثة من حَرّان، وهم حسا ونسا وشاصر وماضر والأدرس
ووردان والأحقب، ونقل السهيليّ في ((التعريف)) أن ابن دريد ذكر منهم خمسةً:
شاصر وماضر ومنشي وناشي والأحقب، قال: وذكر يحيى بن سلام وغيره قصة
عمرو بن جابر، وقصة سرق، وقصة زَوْبعة، قال: فإن كانوا سبعةً، فالأحقب
لقب أحدهم لا اسمه، واستدرك عليه ابن عساكر ما تقدم عن مجاهد، قال:
فإذا ضُمّ إليهم عمرو، وزوبعة، وسرق، وكان الأحقب لقباً كانوا تسعة، قال
الحافظ: هو مطابق لرواية عمر بن قيس المذكورة.
وقد روى ابن مردويه أيضاً من طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن
ابن عباس: كانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الْمَوْصِل، فقال النبيّ وَّو لابن
مسعود: ((انظرني حتى آتيك، وخَطَّ عليه خطّاً ... )) الحديث.
والجمع بين الروايتين تعدد القصة، فإن الذين جاؤوا أوّلاً كان سبب
مجيئهم ما ذُكِر في الحديث من إرسال الشهب، وسببُ مجيء الذين في قصة ابن
مسعود أنهم جاؤوا لقصد الإسلام، وسماع القرآن، والسؤال عن أحكام الدين.
قال الحافظ: وقد بينتُ ذلك في أوائل المبعث في الكلام على حديث
أبي هريرة، وهو من أقوى الأدلة على تعدد القصة، فإن أبا هريرة إنما أسلم
بعد الهجرة، والقصة الأولى كانت عقب المبعث، ولعل مَن ذكر في القصص
المفَرَّقة كانوا ممن وَفَد بعدُ؛ لأنه ليس في كل قصة منها إلا أنه كان ممن وَفَد،
وقد ثبت تعدد وفودهم. انتهى كلام الحافظ تَُّهُ .

٣٧٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
قال الجامع عفا الله عنه: أشار بحديث أبي هريرة ظه المذكور إلى ما
أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) عن أبي هريرة ◌َُّه أنه كان يَحْمِل مع النبيّ ◌َّ
إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: ((مَن هذا؟))، فقال: أنا أبو
هريرة، فقال: ((ابغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة))، فأتيته
بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعتها إلى جنبه، ثم انصرفت حتى إذا
فَرَغَ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: ((هما من طعام الجنّ، وإنه
أتاني وَفْدُ جنّ نصيبين، ونعم الجنّ، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا
يَمُرُّوا بعظم ولا بروثة، إلا وجدوا عليها طعاماً)). انتهى.
قال في ((الفتح)): وحديث أبي هريرة في هذا الباب، وإن كان ظاهراً في
اجتماع النبيّ رَّ بالجنّ، وحديثِهِ معهم، لكنه ليس فيه أنه قرأ عليهم، ولا أنهم
الجن الذين استمعوا القرآن؛ لأن في حديث أبي هريرة أنه كان مع النبيّ
ليلتئذ، وأبو هريرة إنما قَدِم على النبيّ وَّر في السنة السابعة المدينة، وقصةٌ
استماع الجن للقرآن كان بمكة قبل الهجرة، وحديث ابن عباس صريح في
ذلك.
فيُجْمَع بين ما نفاه وما أثبته غيره بتعدد وفود الجنّ على النبيّ وَّ، فأما
ما وقع في مكة فكان لاستماع القرآن، والرجوع إلى قومهم منذرين، كما وقع
في القرآن، وأما في المدينة فللسؤال عن الأحكام، وذلك بَيِّنٌ في الحديثين
المذکورین .
ويحتمل أن يكون القدوم الثاني كان أيضاً بمكة، وهو الذي يدل عليه
حديث ابن مسعود نظريته، وأما حديث أبي هريرة فليس فيه تصريح بأن ذلك وقع
بالمدينة، ويَحْتَمِل تعدد القدوم بمكة مرتين وبالمدينة أيضاً.
قال البيهقيّ: حديث ابن عباس حَكَى ما وقع في أول الأمر عندما عَلِم
الجنّ بحاله وَّر، وفي ذلك الوقت لم يَقْرأ عليهم، ولم يرهم، ثم أتاه داعي
الجنّ مرة أخرى، فذهب معه، وقرأ عليهم القرآن، كما حكاه عبد الله بن
مسعود. انتھی.
وأشار بذلك إلى ما أخرجه أحمد، والحاكم، من طريق زِرّ بن حُبيش،
عن عبد الله بن مسعود نظُه، قال: هَبَطُوا على النبيّ وَّل، وهو يقرأ القرآن

٣٧٩
(٣٤) - بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ، وَالْقِرَاءَةِ عَلَى الْجِنِّ - حديث رقم (١٠١١)
ببطن نَخْل، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، وكانوا سبعةً، أحدهم زوبعة. وهذا
یوافق حديث ابن عباس.
وأخرج مسلم من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن علقمة،
قال: قلت لعبد الله بن مسعود: هل صَحِب أحد منكم رسول الله صل* ليلة
الجنّ؟ قال: لا، ولكنا فقدناه ... الحديث.
قال: وقول ابن مسعود في هذا الحديث: إنه لم يكن مع النبيّ ◌َّ أصح
مما رواه الزهريّ، أخبرني أبو عثمان بن شيبة الْخُزَاعِيّ، أنه سمع ابن مسعود
يقول: إن رسول الله وَّه قال لأصحابه، وهو بمكة: ((مَن أحبّ منكم أن ينظر
الليلة أثر الجنّ فليفعل))، قال: فلم يحضر منهم أحد غيري، فلما كنا بأعلى
مكة خَطّ لي برجله خَطّاً، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق، ثم قرأ القرآن،
فغشيته أسودة كثيرة، حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا،
وفَرَغَ منهم مع الفجر، فانطلق ... الحديث.
قال البيهقيّ: يَحْتَمِل أن يكون قوله في ((الصحيح)): ما صَحِبِه منا أحدٌ
أراد به في حال إقرائه القرآن، لكن قوله في ((الصحيح)): إنهم فقدوه يدلّ على
أنهم لم يعلموا بخروجه إلا أن يُحْمَل على أن الذي فقده غير الذي خرج معه،
فالله أعلم.
ولرواية الزهريّ متابع من طريق موسى بن عُلَيّ بن رَبَاحِ، عن أبيه، عن
ابن مسعود رضيته قال: استتبعني النبيّ وَ﴾، فقال: ((إن نفراً من الجنّ خمسة
عشر بني إخوة، وبني عمّ، يأتونني الليلةَ، فأقرأ عليهم القرآن))، فانطلقت معه
إلى المكان الذي أراد، فَخَّ لي خَطّاً ... ، فذكر الحديث، نحوه، أخرجه
الدارقطنيّ، وابن مردويه، وغيرهما .
وأخرج ابن مردويه، من طريق أبي الجوزاء، عن ابن مسعود نحوه
مختصراً .
وذكر ابن إسحاق أن استماع الجنّ كان بعد رجوع النبيّ ◌َّ من الطائف
لَمّا خرج إليها يدعو ثقيفاً إلى نصره، وذلك بعد موت أبي طالب، وكان ذلك
في سنة عشر من المبعث، كما جزم ابن سعد بأن خروجه إلى الطائف كان في
شوال، وسوق عكاظ التي أشار إليها ابن عباس كانت تقام في ذي القعدة،

٣٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وقولُ ابن عباس في حديثه: ((وهو يصلّي بأصحابه)) لم يُضْبَط ممن كان معه في
تلك السفرة غيرُ زيد بن حارثة، فلعل بعض الصحابة تلقّاه لَمّا رجع، والله أعلم.
وقول من قال: إن وفود الجن كان بعد رجوعه ﴾ من الطائف ليس
صريحاً في أولية قدوم بعضهم، والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه
المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء، من استراق الجنّ السمع دالٌّ على أن
ذلك كان قبل المبعث النبويّ، وإنزال الوحي إلى الأرض، فكَشَفُوا ذلك إلى أن
وقفوا على السبب، ثم لما انتشرت الدعوة، وأسلم من أسلم، قَدِموا،
فسمعوا، فأسلموا، وكان ذلك بين الهجرتين، ثم تعدد مجيئهم حتى في
المدينة. انتهى ما في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من سياق الروايات المختلفة،
أن وقائع قصّة الجنّ متعدّدة، قبل الهجرة إلى المدينة، وبعدها، وبهذا تندفع
الإشكالات الواردة على تلك الأحاديث، فتنبّه لذلك، والله تعالى أعلم.
(نَحْوَ تِهَامَةَ) - بكسر التاء المثناة - اسم لكل مكان غير عال، من بلاد
الحجاز، سُمِّيت بذلك؛ لشدة حرّها؛ اشتقاقاً من التَّهَم - بفتحتين - وهو شدّة
الحرّ، وسكونُ الريح، وقيل: من تَهِمَ الشيءُ(٢): إذا تغير، قيل لها ذلك لتغير
هوائها، قال البكريّ: حدُّها من جهة الشرق ذات عِرْق، ومن قبل الحجاز
السَّرْج - بفتح المهملة، وسكون الراء، بعدها جيم -: قرية من عَمَل الْفُرْع،
بينها وبين المدينة اثنان وسبعون ميلاً. انتهى (٣).
وقال في ((الموعب)): تهامة: اسم مكة، وطرف تهامة من قِبَل الحجاز
مدارج الْعَرْج، وأولها من قِبَل نَجْد مدارج عِرْق، فإذا نُسِب إليها يقال: تَهَاميّ،
بفتح التاء، قاله أبو حاتم، وعن سيبويه بكسرها، وفي ((أمالي الْهَجَريّ)): آخر
تهامة أعلام الحرم الشاميّ.
(١) ((الفتح)) ٢٠٨/٧ - ٢١٠ ((كتاب مناقب الأنصار)) ((باب ذكر الجنّ)) رقم الحديث
(٣٨٦٠).
(٢) من باب تَعِبَ. ((المصباح)).
(٣) ((الفتح)) ٨/ ٥٤٢ رقم (٤٩٢٠ - ٤٩٢١).