النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(٣٢) - بَابُ التَّوَسُّطِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٠٦)
قول مُخَرّج، وأشبه الأقوال بما دَلّ عليه ظاهر التنزيل، وذلك أن قوله: ﴿وَلَا
تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ عقيب قوله: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّ مَا
تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وعقيب تقريع الكفار بكفرهم بالقرآن،
وذلك بُعْدُهم منه، ومن الإيمان، فإذا كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى وأشبه
بقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ أن يكون من سبب ما هو في سياقه
من الكلام، ما لم يأت بمعنى يوجب صرفه عنه، أو يكون على انصرافه عنه
دليل يُعْلَم به الانصراف عما هو في سياقه.
فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: قل: ادعوا الله أو ادعوا الرحمن
أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى، ولا تجهر يا محمد بقراءتك في صلاتك،
ودعائك فيها ربَّك، ومسألتك إياه، وذكرك فيها، فيؤذيك بجهرك بذلك
المشركون، ولا تخافت بها، فلا يسمعها أصحابك، وابتغ بين ذلك سبيلاً،
ولكن التمس بين الجهر والمخافتة طريقاً إلى أن تُسْمِع أصحابك، ولا يسمعه
المشركون، فيؤذوك.
قال: ولولا أن أقوال أهل التأويل مَضَت بما ذكرتُ عنهم من التأويل،
وإنّا لا نستجيز خلافهم فيما جاء عنهم، لكان وجهاً يَحْتَمِلُه التأويل أن يقال:
ولا تجهر بصلاتك التي أمرناك بالمخافتة بها، وهي صلاة النهار؛ لأنها
عجماء، لا يُجْهَر بها، ولا تخافت بصلاتك التي أمرناك بالجهر بها، وهي
صلاة الليل، فإنها يُجهَر بها، وابتغ بين ذلك سبيلاً، بأن تجهر بالتي أمرناك
بالجهر بها، وتخافت بالتي أمرناك بالمخافتة بها، لا تجهر بجميعها، ولا
تخافت بكلها، فكان ذلك وجهاً غير بعيد من الصحة، ولكنا لا نَرَى ذلك
صحيحاً؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على خلافه.
فإن قال قائل: فأية قراءة هذه التي بين الجهر والمخافتة؟.
قيل: حدَّثني مطر بن محمد، قال: ثنا قتيبة، ووهب بن جرير، قالا: ثنا
شعبة، عن الأشعث بن سُلَيم، عن الأسود بن هلال، قال: قال عبد الله: لم
يُخافِتْ من أسمع أذنيه.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الأشعث،

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
عن الأسود بن هلال، عن عبد الله مثله. انتهى كلام ابن جرير تَخْذَتْهُ(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٠٦/٣٢] (٤٤٦)، و(البخاريّ) في ((التفسير))
(٤٧٢٢) و((التوحيد)) (٧٤٩٠ و٧٥٢٥ و٧٥٤٧)، و(الترمذيّ) في (التفسير)
(٣١٤٥ و٣١٤٦)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (١٧٧/٢ - ١٧٨)، و(ابن خزيمة)
في (صحيحه)) (١٥٨٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (١٧٩٦)، و(الطبريّ) في
«تفسيره)) (١٨٤/١٥ و١٨٥ - ١٨٦)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٩٥/٢)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٦١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٩١)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في سبب نزول هذه الآية
الكريمة :
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال:
(الأول): هذا الذي ذُكر في حديث ابن عبّاس ﴿ه هذا، وهو متّفق
عليه .
(الثاني): ما يأتي في حديث عائشة ﴿ّا أنها نزلت في الدعاء، متّفقٌ
عليه، وروي عن ابن عبّاس أيضاً.
وقال ابن كثير في تفسيره: قال أشعث بن سوّار، عن عكرمة، عن ابن
عباس: نزلت في الدعاء، وهكذا روى الثوريّ، ومالك، عن هشام بن عروة،
عن أبيه، عن عائشة ◌َّا أنها نزلت في الدعاء، وكذا قال مجاهد، وسعيد بن
جبير، وأبو عياض، ومكحول، وعروة بن الزبير.
وقال الثوريّ، عن ابن عياش العامريّ، عن عبد الله بن شدّاد، قال: كان
(١) ((تفسير الطبري)) ١٨٨/١٥.

٣٤٣
(٣٢) - بَابُ التَّوَسُّطِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٠٦)
أعرابيّ من بني تميم، إذا سَلَّم النبيّ وَّ قال: اللهم ارزقني إبلاً وولداً، قال:
فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾. انتهى.
ورَوَى سعيد بن منصور من طريق صحابيّ لم يُسَمّ رَفَعَه في هذه الآية:
((لا ترفع صوتك في دعائك، فتذكُّرَ ذنوبك، فتُعَيَّر بها))(١).
(الثالث): قول ابن سيرين تخّتُهُ: كان الأعراب يجهرون بتشهّدهم، فنزلت
الآية في ذلك.
قال ابن جرير كَّتُهُ: حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص بن غياث، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ميها: نزلت هذه الآية في التشهد، ﴿وَلَا
تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾، وبه قال حفص، عن أشعث بن سوّار، عن
محمد بن سیرین مثله.
(الرابع): ما رُوي عن ابن سيرين أيضاً أن أبا بكر به كان يُسرّ قراءته،
وكان عمر ظُه يجهر بها، فقيل لهما في ذلك؟ فقال أبو بكر: إنما أناجي
ربي، وهو يعلم حاجتي إليه، وقال عمر: أنا أطرُد الشيطان، وأوقظ الوسنان،
فلما نزلت هذه الآية، قيل لأبي بكر: ارفع قليلاً، وقيل لعمر: اخفض قليلاً.
وقال ابن جرير الطبريّ: حدّثنا يعقوب، حدّثنا ابن عُلَيّة، عن سلمة بن
علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: نُبِّئت أن أبا بكر كان إذا صلى، فقرأ
خفض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال:
أناجي ربي ◌َ، وقد عَلِم حاجتي، فقيل: أحسنت، وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟
قال: أطرد الشيطان، وأوقظ الْوَسْنان، قيل: أحسنت، فلما نزلت: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ
بِصَلَئِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا وَأَبْتَغْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، قيل لأبي بكر: ارفع شيئاً، وقيل
العمر: اخفض شيئاً. انتهى.
(الخامس): ما رُوي عن ابن عبّاس ﴿ما أيضاً أن معناها: ولا تجهر
بصلاة النهار، ولا تخافت بصلاة الليل، ذكره يحيى بن سلّام وغيره.
وقال في ((الفتح)): قال الطبريّ كَُّ: لولا أننا لا نستجيز مخالفة أهل
التفسير فيما جاء عنهم، لاحْتَمَل أن يكون المراد لا تجهر بصلاتك، أي
(١) راجع: ((الفتح)) ٢٥٨/٨.

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
بقراءتك نهاراً ولا تخافت بها أي ليلاً، وكان ذلك وجهاً لا يبعد من الصحة.
انتهى. وقد أثبته بعض المتأخرين قولاً. انتهى (١).
(السادس): قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس ◌ًّا في قوله: ﴿وَلَا
تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَفِتْ بِهَا﴾ قال: لا تُصَلّ مراءاةً للناس، ولا تَدَعها مخافةً
الناس، وقال الثوريّ عن منصور، عن الحسن البصريّ: ﴿وَلَ تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَ
تُغَافِتْ بِهَا﴾، قال: لا تُحْسن علانيتها، وتسيء سريرتها، وكذا رواه عبد الرزاق،
عن معمر، عن الحسن به، وهشام، عن عوف عنه به، وسعيد عن قتادة عنه
كذلك.
(السابع): قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله: ﴿وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ
سَبِيلاً﴾ قال: أهل الكتاب يخافتون، ثم يجهر أحدهم بالحرف، فيصيح به،
ويصيحون هم به وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيح هؤلاء، وأن يخافت كما
يخافت القوم، ثم كان السبيل الذي بين ذلك الذي سَنّ له جبريل من الصلاة.
(٢)
.
انتھی
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أرجح هذه الأقوال هو الأول والثاني؛
لقوتهما صحّةً، ولا تنافي بينهما؛ إذ يُحمل الدعاء على الدعاء الذي يكون في
الصلاة، ويؤيّده ما رَوَاه ابن مردويه من حديث أبي هريرة ◌َظُه قال: كان
رسول الله ◌َ﴿ إذا صلى عند البيت رفع صوته بالدعاء، فنَزَلت. انتهى(٣)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التوسّط في القراءة في الصلاة الجهريّة،
فينبغي للقارئ أن يكون رفعه لصوته وسطاً، بحيث لا يحصل منه ضرر لأيّ
أحد، لا له، ولا لمن يستمع منه.
(١) ((الفتح)) ٢٥٨/٨.
(٢) راجع: هذه الأقوال في: ((تفسير ابن جرير ١٧/ ٥٨٠ - ٥٨٩، و((تفسير ابن كثير))
٩٨/٣ - ٩٩.
(٣) ((الفتح)) ٢٥٨/٨.

٣٤٥
(٣٢) - بَابُ التَّوَسُّطِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٠٧)
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّل في بداية أمره من إيذاء قومه له،
حتى كان يعبد ربّه خفيةً، ولكنه مع ذلك يواصل في الدعوة إلى الله رغمان، لا
يفتر عن ذلك لا ليلاً ولا نهاراً، لا سرّاً، ولا علانيةً، حتى أتاه النصر من الله
العزيز الحكيم، وكذلك ينبغي للداعي أن يأخذ أسباب الوقاية من أعدائه،
ويدعو ما استطاع، ولا ييأس، ولا ينقطع، ويصبر على ذلك حتى يأتيه النصر
من عند الله العزيز الحكيم.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه المشركون من شدّة عنادهم، وهجرهم
للحقّ، ومبارزتهم بكلّ قواهم حتى يصدّوا عنه، ولكنّ الله رَمَّ غالب على
أمره، فحفظ نبيّه چ، ونصر دينه، ورفع قدر كتابه.
٤ - (ومنها): بيان أنه يجب على الداعي في حال الدعوة أن يبتعد عن
كلّ ما يؤدّي إلى الطعن في الله، أو في كتابه، أو نبيّه وَّ، وذلك بأن تكون
دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، كما أوضح الله
تعالى ذلك في محكم كتابه، حيث قال: ﴿اَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
اَلْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ الآية [النحل: ١٢٥].
فينبغي له أن لا يجهر، ولا يُعلن في مجمع الجهلاء بما يدعوهم إلى أن
يتجرّءوا على الله تعالى، أو على رسوله وَّ﴾، أو كتابه، أو دينه بالسبّ
والطعن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٠٧] (٤٤٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا(١) يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ،
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ رَتِ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا
◌ُغَافِتْ بِهَا﴾، قَالَتْ: أَنْزِلَ هَذَا فِي الدُّعَاءِ)(٢).
(١) وفى نسخة: ((حدّثنا)).
(٢) وفي نسخة: ((أُنْزِلِت هذه في الدعاء).

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (يَحْبَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌّ،
من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) عن (٩٣) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ربما دلّس
[٥] (ت٥ أو١٤٦) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيه عابدٌ [٣] (ت٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص ٤٠٧.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين حظّا، تقدّمت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وشيخ
شيخه، فكوفيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن، عن أبيه، عن
خالته: هشام عن أبيه، عن عائشة پا .
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﴿ّا، وهكذا أخرجه البخاريّ عن شيخه طَلْق بن
غَنّام، عن زائدة بن قُدامة، عن هشام، عن أبيه، قال في ((الفتح)): قوله: ((عن
عائشة)) تابعه (١) الثوريّ، عن هشام، وأرسله سعيد بن منصور، عن يعقوب بن
عبد الرحيم(٢) الإسكندرانيّ، عن هشام، وكذلك أرسله مالك. انتهى (٣).
(١) الضمير الزائدة بن قُدامة.
(٢) كذا في نسخة ((الفتح))، وليُنظر هل هو يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندرانيّ، أم لا؟.
(٣) ((الفتح)) ٢٥٨/٨.

٣٤٧
(٣٢) - بَابُ التَّوَسُّطِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ ... إلخ - حديث رقم (١٠٠٧)
(فِي قَوْلِهِ رََّ) أي في بيان سبب نزول قوله رَتْ (﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا
◌ُثَفِتْ بِهَا﴾، قَالَتْ) عائشة ◌َ﴿ّا (أَنْزِلَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (هَذَا
فِي الدُّعَاءِ) وفي نسخة: ((أُنزلت هذه في الدعاء)).
قال في ((الفتح)): هكذا أطلقت عائشة ﴿ّا، وهو أعمّ من أن يكون ذلك
داخل الصلاة، أو خارجها، وقد أخرجه الطبريّ، وابن خزيمة، والعمريّ،
والحاكم، من طريق حفص بن غياث، عن هشام، نزلت: ((في التشهد))، ومن
طريق عبد الله بن شدّاد، قال: كان أعرابيّ من بني تميم إذا سَلَّم النبيّ وَلـ
قال: اللهم ارزقنا مالاً وولداً، ورَجّح الطبريّ حديث ابن عباس ضًا، قال:
لأنه أصحّ مخرجاً، ثم أسند عن عطاء، قال: يقول قوم: إنها في الصلاة،
وقوم: إنها في الدعاء.
وقد جاء عن ابن عباس نحو تأويل عائشة، أخرجه الطبريّ من طريق
أشعث بن سَوّار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت في الدعاء.
ومن وجه آخر، عن ابن عباس ﴿ا مثله، ومن طريق عطاء، ومجاهد،
وسعيد، ومكحول مثله، ورَجّح النوويّ وغيره قول ابن عباس، كما رجّحه
الطبريّ(١).
قال الحافظ تَخُّْهُ: لكن يَحْتَمِل الجمع بينهما بأنها نزلت في الدعاء داخل
الصلاة، وقد رَوَى ابن مردويه من حديث أبي هريرة ◌َظُبه قال: كان
رسول الله وَ﴿ إذا صلّى عند البيت رفع صوته بالدعاء، فَنَزَلت. انتهى(٢).
وقيل: الآية في الدعاء، وهي منسوخة بقوله: ﴿أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
وَخُفْيَةٌ﴾ [الأعراف: ٥٥]. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) لكن الذي في ((شرح النووي)) أن الطبريّ رجّح كون الآية نزلت في الدعاء،
والظاهر أنه غلط، فإن الذي في تفسير الطبريّ ترجيح قول ابن عبّاس ◌ِ﴿ًا، راجع:
((تفسير الطبريّ)) ٥٨٨/١٧.
(٢) ((الفتح)) ٢٥٨/٨.
(٣) ((الفتح)) ٢٥٨/٨.

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٠٧/٣٢ و١٠٠٨] (٤٤٧)، و(البخاريّ) في
(التفسير)) (٤٧٢٣)، و((الدعوات)) (٦٣٢٧)، و((التوحيد)) (٧٥٢٦)، و(النسائيّ)
في ((التفسير)) من ((الكبرى)) (٣٨٤/٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٧٠٧)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦٦٢ و١٦٦٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٩٩٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠٠٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ -
(ح) قَالَ: وَحَذَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَوَكِيعٌ (ح) قَالَ:
وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيةٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٤ - (وَكِيع) بن الجرّاح تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد هشام السابق، وهو: عن أبيه، عن
عائشة هما .
[تنبيه]: أما رواية حماد بن زيد، فلم أجد من أخرجها، فليُنظر.
وأما رواية أبي أسامة، فأخرجها البخاريّ في ((صحيحه))، فقال:

٣٤٩
(٣٣) - بَابُ الاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٠٠٩)
(٧٥٢٦) حدّثنا عُبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن
أبيه، عن عائشة ﴿ّا قالت: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ
بِهَا﴾ في الدعاء. انتهى.
وأما رواية وكيع، فأخرجها ابن أبي شيبة في ((مصنّفه)) (٩٦/٦) فقال:
(٢٩٧٦٠) حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن
عائشة، في قوله: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ قالت: في الدعاء.
انتھی .
وأما رواية أبي معاوية، فأخرجها أبو عوانة في ((مسنده)) (٤٥٠/١)
فقال :
(١٦٦٣) حدثنا الصومعيّ، قال: ثنا النُّفَيليّ، قال: ثنا أبو معاوية، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ
بِهَا﴾ قالت: في الدعاء. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٣٣) - (بَابُ الاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[١٠٠٩] (٤٤٨) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كُلُّهُمْ عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدٍ
الْحَمِيدِ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي
قَوْلِهِ رَّ: ﴿لَا تُرِّكْ بِهِ، لِسَانَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَهَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ
بِالْوَحْي، كَانَ مِمَّا يُحَرَّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ، فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ بُعْرَفُ مِنْهُ،
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكِ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: ﴿﴾﴾، أَخْذَهُ، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ
وَقُرْءَنَهُ (3)﴾، إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، وَقُرْآنَهُ فَتَقْرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَأَعْ

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
﴿﴾، قَالَ: أَنْزَلْنَاهُ، فَاسْتَمِعْ لَهُ، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ، فَكَانَ
قَرْءَانَهُ
إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ أَطْرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللهُ)(١).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ) بن قُرْط الضّبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل
الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٣ - (مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الْهَمْدَانيّ مولاهم، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ
عابدٌ، كان يُرسل [٥] (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٢٢/ ٩٤١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ،
قَرَن بينهم.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: ((قال أبو بكر ... إلخ))، وذلك لبيان اختلاف
شيوخه في صيغ الأداء، فقد صرّح أبو بكر بن أبي شيبة، بتحديث شيخه له،
وذكر شيخه باسمه، واسم أبيه، بخلاف الآخرين، فلم يفعلا ذلك.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، فما
أخرج له الترمذيّ، وإسحاق، فما أخرج له ابن ماجه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، إلا قتيبة، فبغلانيّ، وإسحاق،
فمروزيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: موسى، عن سعيد.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه كان يقال له: الحبر والبحر؛ لكثرة علمه،
وترجمان القرآن، وهو والد الخلفاء، وأحد العبادلة الأربعة، وهم: عبد الله بن
عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن
العاص يه، وقول الجوهريّ في ((الصحاح)) بدل ابن العاص: ابن مسعود
(١) وفي نسخة: ((كما وعده الله تبارك وتعالى)).

٣٥١
(٣٣) - بَابُ الاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٠٠٩)
مردود عليه؛ لأنه منابذ لما قال أعلام المحدثين، كالإمام أحمد وغيره(١)، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) قال في ((الفتح)): لا يُعرف اسم أبيه، وقد
تابعه على بعضه عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير. انتهى. (عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿﴿ّا (فِي قَوْلِهِ ێ) أي في توضيح معانيه، وبيان سبب
نزوله (﴿لَا تُرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ﴾).
قال الإمام ابن كثير رَّتُهُ في ((تفسيره)): هذا تعليم من الله رَمَ لرسوله وَلهم
في كيفية تَلَقِيه الوحيَ من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في
قراءته، فأمره الله رَّك إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتَكَفَّل الله له أن
يَجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يُبَيِّنه له،
ويفسره، ويوضحه، فالحالة الأولى جمعُه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة
تفسيره وإيضاح معناه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تُحرِّك ◌ِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.
[القيامة: ١٦] أي بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىّ
إِلَيْكَ وَحْيُّةٌ وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾
أي في صدرك، ﴿وَقُرْءَانَهُ﴾ أي أن تقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ﴾ أي إذا تلاه عليك الملك
عن الله تعالى، ﴿فَّعْ قُرْءَانَهُ﴾ أي فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا
بَيَانَهُ ﴾﴾ أي بعد حفظه وتلاوته نُبَيِّنه لك، ونوضِّحه، ونلهمك معناه على ما
أردنا وشرعنا. انتهى(٢).
(قَالَ) ابن عبّاس ﴿هَا (كَانَ النَّبِيُّ بَّ) لفظة ((كان)) في مثل هذا التركيب
تفيد الاستمرار (إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ) عَلَّ، هو ملك الوحي إلى الرسل -
عليهم الصلاة والسلام - الموكل بإنزال العذاب والزلازل والدَّمَادِم، ومعناه:
عبد الله بالسريانية؛ لأن ((جبر)) عبد بالسريانية، و((إيل)) اسم من أسماء الله
تعالی .
(١) راجع: ((عمدة القاري)) ٧٠/١.
(٢) ((تفسير ابن كثير)) (٤/ ٤٥٠).

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
ورَوَى عبد بن حميد في ((تفسيره)) عن عكرمة أن اسم جبريل: عبد الله،
واسم ميكائيل: عبيد الله.
وقال السهيليّ: جبريل سريانيّ، ومعناه: عبد الرحمن، أو عبد العزيز،
كما جاء عن ابن عباس مرفوعاً وموقوفاً، والموقوف أصحّ.
وذهبت طائفة إلى أن الإضافة في هذه الأسماء مقلوبة، فـ((إيل)) هو
العبد، وأوله اسم من أسماء الله تعالى، والجبر عند العجم هو إصلاح ما
فسد، وهي توافق معناه من جهة العربية، فإن في الوحي إصلاحَ ما فسد، وجَبْرَ
ما وَهَی من الدین.
ولم يكن هذا الاسم معروفاً بمكة، ولا بأرض العرب، ولهذا لما ذكره
النبيّ وَ﴿ لخديجة ◌ّا انطلقت لتسأل مَن عنده علم من الكتاب، كعَدّاس،
ونَسطُور الراهب، فقالا: قدوس قدوس، ومن أين هذا الاسم بهذه البلاد؟(١).
(بِالْوَحْيِ) أي بالقرآن الذي أوحاه الله رَت إليه (كَانَ) قال النوويّ ◌َُّهُ:
إنما كرّر ((كان)) لطول الكلام، وقد قال العلماء: إذا طال الكلام جاز إعادة
اللفظ ونحوه، كقوله تعالى: ﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِثُمْ وَّكُمْ تُرَبًا وَعِظَمًا أَنَّكُمْ تُخْرَبُونَ﴾
[المؤمنون: ٣٥]، فأعاد ((أنكم)) لطول الكلام، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِنَبُ
مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُوا بِدٍّ﴾
[البقرة: ٨٩]، وقد سبق بيان هذه المسألة مبسوطاً في أوائل ((كتاب الإيمان)).
انتھی(٢).
(مِمَّا يُحَرُِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيْهِ) اختلفوا في معنى هذا الكلام وتقديره، فقال
القاضي عياض كَّتُهُ: معناه: كثيراً ما كان يفعل ذلك، قال: وقيل: معناه: هذا
من شأنه ودأبِهِ، فجعل ((ما)) كنايةً عن ذلك، وأُدغمت نون ((من)) في ميم ((ما)).
ومنه قوله في حديث سمرة ربه: كان رسول الله وَل إذا صلّى الصبح
مما يقول لأصحابه: ((مَن رأى منكم رؤيا)) أي هذا من شأنه.
وحديث البراء ◌َهُبه: ((كُنّا إذا صلّينا خلف النبيّ وَّهُ مما نُحبّ أن نكون
عن يمينه))، أي هذا شأننا .
(١) ((عمدة القاري)) ١/ ١٢٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٦٦/٤.

٣٥٣
(٣٣) - بَابُ الاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٠٠٩)
وقال بعضهم: معناه: (رُبَّما))؛ لأن ((من)) إذا وقع بعدها ((ما)) كانت بمعنى
((ربما))، قاله الشِّيرازيّ، وابن خروف، وابن طاهر، والأعلم، وخَرّجوا عليه
قول سيبويه: ((واعلم أنهم مما يحذفون كذا))، وأنشدوا قول الشاعر [من
الطويل]:
وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً عَلَى رَأْسِهِ نُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الْفَم
وقال الكرمانيّ: أي كان العلاج ناشئاً من تحريك الشفتين، أي مبدأ
العلاج منه، أو بمعنى ((مَنْ))؛ إذ قد تجيء للعقلاء أيضاً، أي وكان ممن يحرك
شفتيه .
قال الجامع عفا الله عنه: كون ((ما)) هنا بمعنى ((مَن)) هو التوجيه الوجيه،
وأما قوله تَخْلُهُ: ((كان العلاج ... إلخ))، فلا يخفى بُعده، فتأمله، والله تعالى
أعلم.
زاد في الرواية التالية: ((فقال لي ابن عباس: أنا أُحَرِّكهما كما كان
رسول الله ◌َ يُحَرِّكهما، فقال سعيد: أنا أُحَرِّكهما كما كان ابن عباس
يُحَرِّكهما، فحَرَّك شفتيه))، وسيأتي شرحه هنا - إن شاء الله تعالى -.
(فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير التحريك المفهوم، أي
يشقّ عليه وَّ تحريكه شفتيه (فَكَانَ ذَلِكَ) أي كونه يشتدّ عليه التحريك (يُعْرَفُ
مِنْهُ) ببناء الفعل للمفعول، يعني أنه يعرفه من رآه؛ لِما يظهر على وجهه وبدنه
من آثاره، كما قالت عائشة ثنا: ((ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد
البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عَرَقاً))(١).
(فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ، لِسَانَكَ﴾) الضمير عائد على القرآن، وإن
لم يَجْرِ له ذكرٌ، لكن القرآن يُرشد إليه، بل دلّ عليه سياق الآية، أي لا تعجل
بقراءة القرآن ما دام جبريل يقرؤه.
(﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾﴾ أَخْذَهُ) أي لتأخذه على عَجَلة، يقال: عَجِلَ عَجَلاً، من
باب تَعِبَ، وعَجَلَةً: إذا أسرع، وحَضَر، فيكون قوله: ((أخذه)) منصوباً بنزع
الخافض، أي في أخذه، ويَحْتَمِل أن يكون من عَجِلَ إلى الشيء، من باب
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٦/٤.

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
تَعِبَ أيضاً: إذا سبق إليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَّضَى﴾ [طه:
٨٤]، فيكون التقدير: إلى أخذه، والله تعالى أعلم.
ثم عَلَّلَ النهي عن الْعَجَلَة بقوله: (﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرَْنَهُ (5)﴾) ثم فسّره
بقوله: (إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَجْمَعَهُ فِي صَدْرِكَ، وَقُرْآنَهُ) بالنصب عطفاً على ((أن
نجمعه))؛ لأنه في تأويل المصدر، أي إن علينا جمعه في صدرك، وقرآنه،
والمراد بالقرآن هنا معناه المصدريّ، أي القراءة، ولذا فسّره بقوله: (فَتَقْرَؤُهُ)
أي إن علينا قراءته.
﴿﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُرْءَانَهُ (٣٨)﴾ قَالَ) ابن عبّاس ◌ًِّا، موضّحاً معناه:
(أَنْزَلْنَاهُ) يعني أن معنى ﴿قَرَأْنَهُ﴾ أنزلناه على لسان جبريل علَُّ، فقرأه عليك
(فَاسْتَمِعْ لَهُ) أي ومعنى: ﴿فَّعْ قُزْءَانَهُ﴾ استمع إلى قراءة جبريل علَّهُ، فالقرآن
هنا أيضاً بمعنى القراءة.
قال ابن كثير تَخْتُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ﴾ أي إذا تلاه جبريل علَّله، ففيه إضافة ما يكون
عن أمر الله تعالى إليه ﴿فَعْ قُزْءَانَهُ﴾ أي فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك. انتهى.
(﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾﴾ أي ثمّ إن علينا (أَنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ) وقيل: معناه: إن
علينا تفسير ما فيه من الحدود، والحلال والحرام، قاله قتادة، وقيل: إن علينا
بيان ما فيه من الوعد، والوعيد، وتحقيقهما، ذكره القرطبيّ(١).
والأَّولى تفسير البيان بما يعمّ هذا كلّه، وقد ذكرت في ((المنحة الرضيّة
شرح التحفة المرضيّة)) توضيح ذلك، وحاصله أن البيان يُطلق على التبيين الذي
هو مصدر بَيّن، وهو فعل المبيِّن، ويُطلق أيضاً على ما حصل به التبيين، وهو
الدليل، والمراد به كلُّ ما يُزيل الإشكال، فيدخل فيه التقييد، والتخصيص،
والنسخ، والتأويل، ويُطلق أيضاً على متعلَّق التبيين، وهو المدلول، أي المبَيَّنُ
- بالفتح - وعلى محلّه أيضاً، ويُطلق البيان على كلّ إيضاح، سواء تقدّمه خفاء
وإجمالٌ أم لا، فالبيان تارةً يكون ابتداءً، وتارةً يكون بعد إجمال. انتهى.
وكلّ هذه المعاني تشملها هذه الآية، وإلى هذا أشرت في ((التحفة
المرضيّة))، حيث قلت:
(١) ((الجامع لأحكام القرآن)) ١٠٦/١٩.

٣٥٥
(٣٣) - بَابُ الاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٠٠٩)
إِلَى تَجَلِّيهِ الْبَيَانُ الْغَالِي
إِخْرَاجُهُ مِنْ حَيِّزِ الإِشْكَالِ
وَهْوَ الْمُبَيِّنُ وَيُظْلَقُ عَلَى
فَهُوَ كُلُّ مَا أَزَالَ مُشْكِلَا
كَذَلِكَ التَّأْوِيلُ وَالْبَيَانُ قَدْ
مَا حَصَّلَ الْبَيَانَ عِنْدَ النُّبَلَا
تَقِْيداً اوْ تَخْصِيصاً اوْ نَسْخاً جَلَا
يُظْلَقُ لِلإِيضَاحِ مُظْلَقاً وَرَدْ
يَأْتِي ابْتِداً أَوْ بَعْدَ إِجْمَالٍ يُبَانْ
سَبَقَهُ الإِجْمَالُ أَمْ لَا فَالْبَيَانْ
(فَكَانَ) وَِّ (إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ) عَُّ بعد نزول هذه الآية (أَطْرَقَ) أي
سكت وَله، أو نظر إلى الأرض ساكتاً، من الإطراق، وهو السكوت، أو النظر
إلى الأرض، قال في ((اللسان)): الإطراق: السكوت عامّةً، وقيل: السكوت من
فَرَق، أي خَوْف، ورجلٌ مُطْرِقٌ، ومِطْرَاقٌ، وطِرِّيقٌ: كثير السكوت، وأطرق
الرجلُ: إذا سكت، فلم يتكلّم، وأطرق أيضاً: أي أرخى عينيه ينظر إلى
الأرض، وفي حديث نظر الفَجْأة: ((أَظْرِق بصرك))(١)، والإطراق: أن يُقْبِل
ببصره إلى صدره، ويسكُت ساكناً. انتهى(٢).
(فَإِذَا ذَهَبَ) جبريل علَلها من عنده بعد القراءة عليه، وفي الرواية التالية:
((فإذا انطلق جبريل)) (قَرَأَهُ) وَ (كَمَا وَعَدَهُ اللهُ) زاد في نسخة: ((تبارك وتعالى))،
وفي الرواية التالية: ((قرأه النبيّ وَّر، كما قرأه))، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠٠٩/٣٣ و١٠١٠] (٤٤٨)، و(البخاريّ) في
(بدء الوحي)) (٥)، و((التفسير)) (٤٩٢٧ و٤٩٢٨ و٤٩٢٩)، و((الفضائل))
(٥٠٤٤)، و((التوحيد)) (٧٥٢٤)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣٢٩)،
(١) هكذا في ((اللسان))، والمعروف في الحديث: ((اصرف بصرك))، والحديث أخرجه
أحمد، وأبو داود بسند صحيح، عن جرير بن عبد الله والله قال: سألت
رسول الله وَل﴿ عن نظرة الفَجْأة؟ فقال: ((اصرف بصرك)).
(٢) راجع: ((لسان العرب)) ٢١٩/١٠.

٣٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (١٤٩/٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٢٦٢٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٢٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٤٣/١)،
و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (١٩٨/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢٢٩٧)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٩٣ و٩٩٤)،
و((دلائل النبوّة)) (٢٧٩/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): بيان استحباب الاستماع لقراءة القارئ، والتأدّب معه
بالإطراق، والإنصات.
٢ - (ومنها): بيان ما كان النبيّ وَل يلقاه من معالجة الشدّة عند نزول
الوحي عليه، وذلك لثقل الوحي، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلِّقِى عَلَيْكَ قَوْلًا
ثَقِيلًا (ج)﴾ [المزمّل: ٥].
٣ - (ومنها): معاناته وَّله من تلقّي الوحي عن الملك، بحيث إنه كان يُحرّك
شفتيه؛ لئلا ينسى، وقيل: إنما كان يفعل ذلك من حبّه له، وحلاوته في لسانه،
والأول أظهر، فنُهي عن ذلك حتى يجتمع له كلّه؛ لأن بعضه مرتبط ببعضه.
٤ - (ومنها): أن فيه النوع المسمّى في فنّ ((مصطلح الحديث))
بـ((المسلسل بتحريك الشفتين)) (٢)، فقد تسلسل بتحريك النبيّ ◌َ لو لابن
عبّاس ﴿ّ، ففي رواية أبي داود الطيالسيّ: أنه رآه يُحرّك شفتيه، ثم بتحريك
ابن عبّاس ◌ِّ لسعيد بن جبير، ثم بتحريك سعيد، لموسى بن أبي عائشة،
وهلُمّ جرّا، حتى وصل إلينا من بعض شيوخنا(٣).
وفائدة التسلسل اشتماله على زيادة الضبط، واتّصال السماع، والأمن من
التدليس، لكن غالب المسلسلات لا يصحّ تسلسلها، كحديث الرحمة المسلسل
بالأوليّة، فإن تسلسله انقطع على سفيان بن عيينة، فمن رواه مسلسلاً إلى آخره
فقد وَهِمَ.
(١) المراد فوائد الروايتين، هذه والتي بعدها، لا خصوص هذا، فتنبّه.
(٢) هذا من فوائد الرواية التالية؛ لأن التحريك ليس في هذه الرواية، فتنبّه.
(٣) هو الشيخ إسماعيل بن عثمان زين اليمنيّ المتوفى (١٤١٤/١٢/١٢هـ).

٣٥٧
(٣٣) - بَابُ الاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٠٠٩)
وقد بيّن السيوطيّ تَّتُ النوع المسلسل مع بيان أنواعه، وفائدته في ((ألفيّة
الحدیث))، حيث قال:
قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ
هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ
لَهُمْ أَوِ الإِسْنَادِ فِیمَا قُسِّمَا
قَوْلِيَّةٍ فِعْلِيَّةٍ كِلَيْهِمَا
مُفَادِهِ زِيَادَةُ الصَّبْطِ زُكِنْ
وَخَيْرُهُ الدَّالُ(١) عَلَى الْوَصْفِ وَمِنْ
مِنْ خَلَلٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلٍ
وَقَلَّمَا يَسْلَمُ فِي التَّسَلْسُلِ
وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا
كَأَوَّلِيَّةٍ لِسُفْيَانَ انْتَهَى
٥ - (ومنها): بيان أن الله تعالى تكفّل لرسوله وَ ل﴿ أن لا ينسى القرآن،
وأنه كان بعد نزول هذه الآية يستمع ويُنصت لقراءة جبريل ظلّلا، فإذا انتهى
جبريل من قراءته، وذهب من عنده قرأه النبيّ وَّر على أصحابه كما قرأه
جبريل نظلّ* من غير زيادة، ولا نقص، كما قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَسَ﴾
[الأعلى: ٦].
٦ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أنّ أحداً لا يحفظ القرآن إلا بعون الله
تعالى وفضله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّذُّكِرٍ
[القمر: ١٧].
٧ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض تَّهُ: اختلف السلف والخلف في
الْهَذّ - أي الإسراع في القراءة - أو الترتيل، فمن رأى الْهَذّ أراد استكثار
الأجر، وحَوْز الحسنات بعدد الكلمات، ومن رأى الترتيل - وهم الأكثرون -
ذهبوا إلى تفهّم معانيه، والوقوف عند حدوده، وتدبّر آياته، وتحسين تلاوته،
كما أمر الله تعالى نبيّه وَله، حيث قال: ﴿وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَّرْتِلًا﴾ [المزمّل: ٤]، ولا
خلاف أن الْهَذّ المفضي إلى لفّ كلماته، وترك إقامة حروفه غير جائز، وقال
مالك ◌َّتُهُ: مِن الناس مَنْ إذا هَذّ كان أخفّ عليه، وإذا رتّل أخطأ، ومنهم من
لا يُحسن الْهَذّ، والناس في ذلك على قدر حالاتهم، وما يَخفّ عليهم، وكلُّ
واسعٌ. قال: وما قاله مالكٌ كَّتُهُ وغيره ممن أجاز الهذّ، فإنما هو لمن لم يكن
حظّه غير مجرّد التلاوة، وفضل القراءة، فأما من فتح الله عليه بعلمه، وتلاه
(١) بتخفيف اللام؛ للوزن.

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
بالتفكّر والاعتبار، وتفهّم معانيه، واستثارة أحكامه، فلا مرية أن تلاوة هذا
على مكث وإن قلّ ما يتلوه أفضل من ختمات غيره، وقد جاء للعلماء في ذلك
أخبار، واختيار معلوم. انتهى كلام القاضي تَّتُهُ ببعض تصرّف(١).
٨ - (ومنها): أنه استدلّ بهذا من جوّز اجتهاد النبيّ وَّ، حيث إنه كان
يعجل بالقراءة، وجوّز الفخر الرازيّ أن يكون أذن له في الاستعجال إلى وقت
ورود النهي عن ذلك، فلا يلزم وقوع الاجتهاد في ذلك(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما جوّزه الرازيّ لا يخفى بُعده، والحقّ أن
اجتهاد النبيّ وَ ﴿ جائز، وواقع، وقد أوضحت ذلك في ((التحفة المرضيّة)) حيث
قلت :
فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُوهُ وَوُجِدْ
اخْتَلَفُوا هَلِ الرَّسُولُ يَجْتَهِدْ
حَرْبٍ رَأَى وَالْبَعْضُ ذُو تَوَقُّفِ
وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ وَالْبَعْضُ فِي
جَاءَتْ وَقَائِعُ لَهَا قَدِ اجْتَهَدْ
وَالْحَقُّ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَقَدْ
وَقُوعُهُ بِلَا تَمَادٍ صَاحَبَا
وَالْخُلْفُ فِي خَطَئِهِ وَصُوِّبَا
يُنْزِلُ وَحْيَهُ إِزَالَةَ الْخَلَلْ
فَالله لَا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ بَلْ
لِلدِّينِ لَا غَيْرُ فَخُذْهُ رَاغِبَا
ثُمَّةَ ذَا الْخُلْفُ لِأَمْرٍ نُسِبَا
اتَّفَقُوا فِي كَوْنِهِ فِيهَا اجْتَهَدْ
أَمَّا الأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَقَدْ
فإن أردت إيضاح معاني الأبيات، فارجع إلى الشرح (٣)، والله تعالى وليّ
التوفيق.
٩ - (ومنها): أنه استدلّ به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب،
كما هو مذهب الجمهور من أهل السنّة، وهو الصحيح في كتب الأصول،
ونصّ عليه الشافعيّ تَخُّْ؛ لما تقتضيه ((ثمّ)) من التراخي.
قال في ((الفتح)): أولُ من استدلّ لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكر بن
الخطيب وتبعوه، وهذا لا يتمّ إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلا فإذا
حُمِل على أن المراد استمرار حفظه له، وظهوره على لسانه فلا .
(١) ((إكمال المعلم)) ٣٥٩/٢ - ٣٦٠.
(٣) ((المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضيّة)) ٤٩٥/٣.
(٢) ((الفتح)) ٥٥١/٨.

٣٥٩
(٣٣) - بَابُ الاسْتِمَاعِ لِلْقِرَاءَةِ - حديث رقم (١٠٠٩)
قال الجامع عفا الله عنه: حمل البيان على معنى استمرار حفظه فقط
بعيد، فالأولى حمله على ما يعمّه، وجميع أنواع البيان، فتبصّر، والله تعالى
أعلم.
وقال الآمديّ: يجوز أن يراد بالبيان الإظهار، لا بيان المجمل، يقال:
بان الكوكب: إذا ظهر. قال: ويؤيّد ذلك أن المراد جميع القرآن، والمجمل
إنما هو بعضه، ولا اختصاص لبعض بالأمر المذكور دون بعض.
وقال أبو الحسين البصريّ: يجوز أن يراد البيان التفصيليّ، ولا يلزم منه
جواز تأخير البيان الإجماليّ، فلا يتمّ الاستدلال.
وتُعُقّب باحتمال إرادة المعنيين: الإظهار، والتفصيل، وغير ذلك؛ لأن
قوله: ﴿بَيَانَهُ﴾ جنس مضاف، فيعُمّ جميع أصناف البيان، من إظهاره، وتبيين
أحكامه، وما يتعلّق بها، من تخصيص، وتقييد، ونسخ، وغير ذلك. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه في ((الفتح)) أخيراً هو الحقّ.
جميع انواع
١٩
عَلَيْنَا بَيَانَهُ
13
وحاصله أن المراد بقوله تعالى:
البيان، من جهة لفظه، ومن جهة معناه، وحمل الآية على بعض أنواع البيان
دون بعض تحكّم، لا دليل عليه، فيكون لفظه محفوظاً لديه لا يغيب عنه شيء
حتى يبلّغه، فمتى أراد تبليغه استطاع أداءه كما سمعه من جبريل ظلّلا، كما
يكون معناه ظاهراً لديه ظهوراً لا خفاء فيه، وإذا أراد بيان أحكامه أراه الله
تعالى ما أراد منه، وتكون دلالاته كلها ظاهرة لديه متى أراد بيانها للناس
استطاع، فهو يعلم تفصيل مجمله، وتقييد مطلقه، وتخصيص عامّه، وناسخه من
منسوخه، وغير ذلك من أنواع الدلالات.
وأما مسألة تأخير البيان، فقد وقع فيها اختلاف بين العلماء، والصحيح
ما عليه الجمهور، من أن تأخير البيان عن وقت الخطاب، لا عن وقت الحاجة
جائز، وواقع، وهذا هو الصواب؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾﴾ فقد
عبّر بـ(ثم)) المقتضية للتأخير، وإلى هذا قد أشرت في ((التحفة المرضيّة))، حيث
قلت :
(١) ((الفتح)) ٥٥١/٨.

٣٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
عَنْ وَقْتِ حَاجَةِ الْمُكَلَّفِ الْمُعَانْ
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَخَرَ الْبَيَانْ
لأَنَّهُ يُوقِعُ فِي التَّكْلِيفِ مَا
جَوَّزَهُ بَعْضٌ وَلَكِنْ قَالَ لَا
وَجَوَّزَ الْجُمْهُورُ تَأْخِيرَهُ عَنْ
وَرُبَّمَا الْحَاجَةُ تَدْعُوكَ إِلَى
لَيْسَ يُطَاقُ وَهْوَ مَمْنُوعاً سَمَا
يَقَعُ فَالإِجْمَاعُ حَتْماً حَصَلَا
وَقْتِ الْخِطَابِ لاحْتِيَاجِ فَانْصُرَنْ
تَعْجِيلِهِ أَوْ ضِدِّهِ فَلْتَعْقِلَا
فَوَاتُهُ بِلَا تَمَكُّنِ الثَّلَافْ
فَوَاجِبٌ تَعْجِيلُهُ إِذَا يُخَافْ
تَأُخِيرُ إِسْمَاعِ مُخَصِّصٍ خُذَا
كُلُّ الأَدِلَّةِ كَذَا عِنْدَ النَّبَلْ
وَجَازَ تَدْرِيجُ الْبَيَانِ وَكَذَا
وَوَجَبَ اعْتِقَادُ عَامِ وَالْعَمَلْ
وإن أردت تحقيق معنى الأبيات، فارجع إلى شرحي ((المنحة الرّضيّة))(١)
تنل بغيتك، والله تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[١٠١٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ
أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْله: ﴿لَا تُحُرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ
١﴾، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، كَانَ يُحَرُِّكُ شَفَتَيْهِ،
لِتَعْجَلَ بِهِ؟
فَقَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسِ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُحَرِّكُهُمَا(٢)، فَقَالَ
سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا (٣) كَمَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرََّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ
١١١
تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: ﴿﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ (﴾﴾ قَالَ: جَمْعَهُ
فِي صَدْرَِكَ، ثُمَّ تَقْرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّعْ قُزْءَنَهُ ﴾﴾، قَالَ: فَاسْتَمِعْ، وَأَنْصِتْ، ثُمّ
إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ
جِبْرِيلُ، قَرَأَهُ النَّبِيُّ نَِّ كَمَا أَقْرَأَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدّموا في السند الماضي، إلا واحداً،
وهو :
(١) ١٢٧/٣ - ١٣٨.
(٣) زاد في نسخة: ((لك)).
(٢) زاد في نسخة: ((فحرّك شفتيه).