النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ (٢٥) - بَابُ الأَمْرِ بِتَحْسِينِ الصَّلَاةِ، وَإِنْمَامِهَا، وَالْخُشُوعِ فِيهَا - حديث رقم (٩٦٢) قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه القرطبيّ تََّثُ من حمل الرؤية على الرؤية الحقيقيّة، كما هو ظاهر النصّ تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً. ومن غريب ما رأيته ما كتبه صاحب ((فتح المنعم)) في هذا المحلّ مستنكراً هذا المعنى الظاهر، ومرجحاً كون الرؤية بمعنى الإحساس والشعور، وأعجب منه تشبيهه بإحساس الأعمى التي يعطيه تعويضاً عما فقده من البصر، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فأيّ بصر فقده النبيّ وَّر حتى عوّضه الله إحساساً كالأعمى؟ إن هذا لهو العجب العجاب. والحاصل أنه لا ينبغي الالتفات إلى مثل هذا التأويل المزري على منصب النبيّ وَّه في تنظيره بالأعمى، وهو ربَّ صرّح تصريحاً لا خفاء فيه ولا لبس بأن الله رَق خصّه، وفضّله بأن أعطاه إبصاراً من وراء ظهره، كما يبصر من أمامه من غير فرق، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): ظاهر الحديث أن ذلك الإبصار يختص بحالة الصلاة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك واقعاً في جميع أحواله، وقد نُقِل ذلك عن مجاهد، وحَكَى بَقِيّ بن مَخْلَد أنه وَّ كان يبصر في الظلمة كما يبصر في الضوء. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: في كون الإبصار خاصّاً بالصلاة مما يدلّ عليه ظاهر الحديث عندي نظر، بل الاحتمال الثاني هو الظاهر، فالأولى حمله على العموم، كما نُقل عن مجاهد تَخْذُ، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َظُه هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩٦٢/٢٥ و٩٦٣] (٤٢٣ و٤٢٤)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤١٨) و((الأذان)) (٧٤١)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (١١٩/٢)، و(مالك) في ((الموطأ)) (١٦٧/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٤/٢ و٣٦٥ و٣٧٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٣٣٧ و٦٣٣٨)، و(عليّ بن الجعد) في ١٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (مسنده)) (٢٨٩٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦١٤)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٩٥٠ و٩٥١)، و(البيهقيّ) في ((دلائل النبوّة)) (٧٣/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٣٧١٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه الأمرَ بإحسان الصلاة، والمحافظة على إتمام أركانها، ومستحبّاتها، والحثّ على الخشوع فيها . ورَوَى البيهقيّ بإسناد صحيح عن مجاهد، قال: كان ابن الزبير ضَ ◌ّا إذا قام في الصلاة كأنه عُود، وحدَّث أن أبا بكر الصديق ظُبه كان كذلك، قال: وكان يقال: ذاك الخشوع في الصلاة. قال في ((الفتح)): واستُدِلّ بحديث الباب على أنه لا يجب؛ إذ لم يأمرهم ل بالإعادة، وفيه نظرٌ. نعم في حديث أبي هريرة من وجه آخر عند مسلم - يعني هذا الحديث -: ((صلى رسول الله وَله يوماً ثم انصرف، فقال: يا فلان ألا تحسن صلاتك))، وله في رواية أخرى: ((أتموا الركوع والسجود))، وفي أخرى: ((أقيموا الصفوف))، وفي أخرى: ((لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود)»، وعند أحمد: ((صلى بنا الظهر، وفي مؤخر الصفوف رجلٌ، فأساء الصلاة))، وعنده من حديث أبي سعيد الخدريّ ◌َُّه ((أن بعض الصحابة تعمّد المسابقة؛ لينظر هل يعلم به رسول الله ﴿ أو لا؟ فلما قضى الصلاة نهاه عن ذلك))، واختلاف هذه الأسباب يدل على أن جميع ذلك صدر من جماعة في صلاة واحدة، أو في صلوات. وقد حَكَى النوويّ الإجماع على أن الخشوع ليس بواجب، ولا يَرِد عليه قول القاضي حسين: إن مدافعة الأخبثين إذا انتهت إلى حدّ يَذْهَب معه الخشوع أبطلت الصلاة، وقاله أيضاً أبو زيد المروزيّ؛ لجواز أن يكون بعد الإجماع السابق، أو المراد بالإجماع أنه لم يُصَرِّح أحد بوجوبه، وكلاهما في أمر يحصل من مجموع المدافعة وترك الخشوع. وفيه تعقب على من نسب إلى القاضي وأبي زيد أنهما قالا: إن الخشوع شرط في صحة الصلاة، وقد حكاه المحب الطبريّ، وقال: هو محمول على ١٨٣ (٢٥) - بَابُ الأَمْرِ بِتَحْسِينِ الصَّلَاةِ، وَإِنْمَامِهَا، وَالْخُشُوعِ فِيهَا - حديث رقم (٩٦٣) أن يحصل في الصلاة في الجملة، لا في جميعها، والخلاف في ذلك عند الحنابلة أيضاً . وأما قول ابن بطال: فإن قال قائل: فإن الخشوع فرض في الصلاة. قيل له: بحسب الإنسان أن يُقْبِل على صلاته بقلبه ونيته، يريد بذلك وجه الله رَبَّك، ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر، فحاصل كلامه أن القدر المذكور هو الذي يجب من الخشوع، وما زاد على ذلك فلا . وأنكر ابن الْمُنَيِّر إطلاق الفرضية، وقال: الصواب أن عدم الخشوع تابع لما يظهر عنه من الآثار، وهو أمر متفاوت، فإن أَثَّر نقصاً في الواجبات كان حراماً، وكان الخشوع واجباً، وإلا فلا. انتهى (١). ٢ - (ومنها): جواز الحلف بالله تعالى من غير ضرورة، لكن المستحب تركه إلا لحاجة، كتأكيد أمر، وتفخيمه، والمبالغة في تحقيقه، وتمكينه من النفوس، وعلى هذا يُحْمَل ما جاء في الأحاديث من الحلف، قاله النوويّ تَذَتُهُ(٢). ٣ - (ومنها): إثبات معجزة باهرة للنبيّ وَلقة، حيث جعله الله تعالى يرى من خلفه كما يرى من أمامه، قال الحافظ العراقيّ كَّتُهُ في ((ألفيّة السيرة)): أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ حَقّاً تَبَعَا يَرَى وَرَاءَهُ كَقُدَّامٍ مَعَا وهذه الرؤية كما أسلفنا على ظاهرها، وأن الله تعالى جعله يُبصر من وراء ظهره، كما يُبصر من أمامه. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للإمام أن يُنَبِّه الناس على ما يتعلق بأحوال الصلاة، ولا سيما إن رأى منهم ما يخالف الأَوْلى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٣] (٤٢٤) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَ ◌ّ قَالَ: ((هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا (١) ((الفتح)) ٢٦٤/١ - ٢٦٥. (٢) («شرح النوويّ)) ٤/ ١٥٠. ١٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة هُنَا، فَوَاللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ، وَلَا سُجُودُكُمْ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي(١))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في (المقدمة)) ٣٠/٥. ٢ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣. وقتيبة تقدّم في الباب الماضي، ومالك قبل باب. وقوله: ((هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا) الإشارة إلى القبلة، أي هل ترون توجّهي إلى جهة القبلة، فتظنّون أني أرى ما في المواجهة فقط؟، والاستفهام إنكاريّ لما يلزم منه، أي أنتم تظنون أني لا أرى فعلكم؛ لكون قبلتي في هذه الجهة؛ لأن من استقبل شيئاً استدبر ما وراءه، فلا ينبغي لكم أن تظنّوا هذا؛ فإن رؤيتي ليست قاصرة في جهة قبلتي، بل أراكم من وراء ظهري، كما أراكم من أمامي. وقوله: (فَوَ اللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ، وَلَا سُجُودُكُمْ) وفي رواية البخاريّ: ((فَوَالله ما يخفى عليّ خشوعكم ولا ركوعكم))، قال في ((الفتح)): أي في جميع الأركان، ويَحْتَمِل أن يريد به السجود؛ لأن فيه غاية الخشوع، وقد صَرَّح بالسجود في رواية لمسلم، يعني هذه الرواية. وقوله: (إِنِّي لَأَرَاكُمْ) بفتح الهمزة. وقوله: (وَرَاءَ ظَهْرِي) وفي نسخة: ((من وراء ظهري)) بزيادة ((من)). والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) وفي نسخة: ((من وراء ظهري)). ١٨٥ (٢٥) - بَابُ الأَمْرِ بِتَحْسِينِ الصَّلَاةِ، وَإِنْمَامِهَا، وَالْخُشُوعِ فِيهَا - حديث رقم (٩٦٤) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٤] (٤٢٥) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَ ◌ِّ قَالَ: ((أَقِيمُوا الزُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي - وَرُبَّمَا قَالَ -: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي، إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العَنَزيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار بُنْدار تقدّم قريباً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم قريباً أيضاً. ٤ - (شُعْبَةٌ) بن الحجّاج، تقدّم قريباً أيضاً. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠. ٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الصحابيّ الشهير بَُّّه، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع. ٥ - (ومنها): أن شيخيه كانا كفرسي رهان في الحفظ، وماتا في سنة واحدة، سنة (٢٥٢) ومن المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب السّة بلا واسطة. ٦ - (ومنها): أن فيه أنساً ظ ◌ُله ممن لازم النبيّ أقل﴾، وخدمه عشر سنين، ومن المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﴿ه، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره مائة سنة، والله تعالى أعلم. ١٨٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك) (عَنِ النَّبِيِّنََّ) أنه (قَالَ: ((أَقِيمُوا الرُّكُوعَ رضىعنه وَالسُّجُودَ) أي أكملوهما بمراعاة الطمأنينة والاعتدال، وفي رواية النسائيّ: ((أتمّوا)) بدل ((أقيموا))، والإقامة هنا بمعنى الإحسان المتقدّم في قوله: ((ألا تُحسن صلاتك)) (فَوَ اللهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي) أي بعد ظهري، كما أشار إليه بقوله: (وَرُبَّمَا قَالَ: مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي) تقدّم الكلام على معنى هذه الجملة في حديث أبي هريرة . قال في ((الفتح)): وأغرب الداوديّ الشارح، فحَمَل البعدية هنا على ما بعد الوفاة، يعني أن أعمال الأمة تُعْرَض عليه، وكأنه لم يتأمل سياق حديث أبي هريرة ظُه حيث بَيَّنَ فيه سبب هذه المقالة، وحديثه وحديث أنس رَظ ◌ُه في قضية واحدة، وهو مقتضى صنيع الشيخين في إيرادهما الحديثين في هذا الباب. [فإن قيل]: ما الحكمة في تحذيرهم من النقص في الصلاة برؤيته إياهم، دون تحذيرهم برؤية الله تعالى لهم، وهو مقام الإحسان المبيّن في سؤال جبريل ظلّل، كما تقدم في (كتاب الإيمان)): ((اعبدِ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)»؟. [أجيب]: بأن في التعليل برؤيته ويغلق لهم تنبيهاً على رؤية الله تعالى لهم، فإنهم إذا أحسنوا الصلاة؛ لكون النبيّ وَالقر يراهم أيقظهم ذلك إلى مراقبة الله تعالى، مع ما تضمنه الحديث من المعجزة له وَ ل# بذلك، ولكونه يُبْعَث شهيداً عليهم يوم القيامة، فإذا عَلِمُوا أنه يراهم، تحفظوا في عبادتهم؛ ليشهد لهم بحسن عبادتهم، أفاده في ((الفتح))(١). وقوله: (إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ))) ظرف لـ((أراكم))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: ط ◌ُبه هذا متفقٌ عليه. (١) راجع: ((الفتح)) ٢٦٥/٢. ١٨٧ (٢٥) - بَابُ الأَمْرِ بِتَحْسِينِ الصَّلَاةِ، وَإِنْعَامِهَا، وَالْخُشُوعِ فِيهَا - حديث رقم (٩٦٥) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩٦٤/٢٥ و٩٦٥] (٤٢٥)، و(البخاريّ) في (٧٤٢)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (١٠٥٤ و١١١٧) و((الكبرى)) (٦٤١ و٧٠٤ و١٣٦٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (١١٥/٣ و١٣٠ و١٧٠ و١٧٧ و٢٦٩ و٢٧٤)، و(عبد بن حميد) في («مسنده)) (١١٧٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٧١٥ و١٧١٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٥٢ و٩٥٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ - يَعْنِي ابْنَ هِشَام - حَدَّثَنِي أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ سَعِيَّدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ نََّ قَالَ: ((أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدٍ ظَهْرِي، إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ))، وَفِي حَدِيثٍ سَعِيدٍ: ((إِذَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا سَجَدْتُمْ (١))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٨/ ١٣٧. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستَوَائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيَّمان)) ١٥٦/١٢. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) عن (٧٨) سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦. ٤ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. ٥ - (سَعِيد) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، (١) وفي نسخة: ((إذا ركعتم، وسجدتم)). ١٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط، أثبت الناس في قتادة [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٦/ ١٢٧. والباقون تقدّموا في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالبصريين، كسابقه. وقوله: (إِذَا مَا رَكَعْتُمْ، وَإِذَا مَا سَجَدْتُمْ) ((ما)) بعد ((إذا)) زائدة، كما تبيّن من الرواية التالية. والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٢٦) - (بَابُ تَحْرِيمِ سَبْقِ الإِمَامِ بِرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٦] (٤٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرِ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ ، قَالَ ابْنُ حُجْرٍ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلِ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ ذَاتَ يَوْمِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالاِنْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي))، ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً، وَلَكَيْتُمْ كَثِيراً))، قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السّعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ١٨٩ (٢٦) - بَابُ تَحْرِيمِ سَبْقِ الإِمَامِ بِرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا - حديث رقم (٩٦٦) ٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٤ - (الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلِ) مولى عمرو بن حُريث البصريّ، ثقةٌ له أوهام [٥] (م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٣٦. ٥ - (أَنَس) بن مالك ظُته، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلُ، وهو (٤٧) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن أنساً ظُله من المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، وآخر من مات بالبصرة من الصحابة ﴿ه، كما سبق قريباً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَس) رَبُهُ أنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ ذَاتَ يَوْم) أي يوماً من الأيّام (فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ) أي أدّاها، وسلّم منها (أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِّوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ) بكسر الهمزة، أي ومُهمّة الإمام أن يؤتمّ، ويُقتدى به، على وجه المتابعة. وقال السنديّ تَّتُهُ: فيه أن امتناع التقدّم عليه لكونه إماماً، فيعمّ كلَّ إمام، لا لكونه نبيّاً؛ ليختصّ به. انتهى. (فَلَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (تَسْبِقُوني) أصله تسبقونني، فحُذفت نون الرفع للجازم، والنون الموجودة هي نون الوقاية، كما قال في ((الخلاصة)): وَقَبْلَ يَا النَّفْسِ مَعَ الْفِعْلِ الْتُزِمْ نُونُ وِقَايَةٍ وَلَيْسِي قَدْ نُظِمْ (بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالاِنْصِرَافِ) المراد بالانصراف هنا هو السلام، وقيل: هو الانصراف بعد السلام، والأول أرجح؛ بدليل أنه ذكره مع الركوع والسجود والقيام، وأيضاً قوله: ((فإني أراكم من وراء ظهري)) يدلّ على أن المبادرة التي نهاهم عنها هي المبادرة الواقعة في الصلاة قبل توجّهه إلیه. وأما الانصراف الذي يكون بعد السلام، فيجوز قبل الإمام، إلا إذا كان ١٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة هناك نساء، فيتأخّر مع الإمام حتى ينصرفن إلى بيوتهنّ قبل الاختلاط بالرجال. وقد أخرج الطبرانيّ في ((المعجم الكبير)) بإسناد رجاله ثقات، عن أبي الأحوص، أن ابن مسعود ◌َُّله قال: ((إذا كنت خلف الإمام، فلا تركع حتى يركع، ولا تسجد حتى يسجد، ولا ترفع رأسك قبله، وإذا فرغ الإمام، ولم يقم، ولم ينحرف، وكانت لك حاجة فاذهب، ودَعْهُ، فقد تمّت صلاتك)). انتھی(١). وقد استوفيت هذا البحث في ((شرح النسائيّ)) في باب («جلسة الإمام بين التسليم والانصراف)) (١٣٣٣/٧٧) فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق. وقال القرطبيّ تَخْتُ: وأما نهيه وَّه عن سبقهم إياه بالانصراف، فقد ذهب الحسن والزهريّ إلى أن حقّ المأموم أن لا ينصرف حتى ينصرف الإمام؛ أخذاً بظاهر هذا الحديث، والجمهور على خلافهما؛ لأن الاقتداء بالإمام قد تمّ بالسلام من الصلاة، ورأوا أن ذلك كان خاصّاً بالنبيّ وَلّر، وأن ذلك من باب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوْ مَعَهُمٍ عَلَى أَمْرِ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَذِنُوُ﴾ الآية [النور: ج ٦٢]، فإنه قد يحتاج إلى مكالمتهم في أمور الدين، ومراعاة المصالح والآراء، والله أعلم. ويَحْتَمِل أن يريد بالانصراف المذكور التسليم، فإنه يقال: انصرف من الصلاة، أي سلَّم منها، والله أعلم. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: حمله على التسليم هو الظاهر؛ لما أسلفته آنفاً، والله تعالى أعلم. (فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي) وفي رواية النسائيّ: ((من أمامي)) (وَمِنْ خَلْفِي))) أي رؤية حقيقيّةً، أعطاه الله تعالى إياها آية بيّنة على نبوّته، وقد تقدّم أقوال العلماء في معنى هذه الرؤية في الباب الماضي، فراجعه. وقال ابن الملك تَخْتُهُ: إنما ذكر النبيّ ◌َ ◌َّ الأَمَامَ مع الخلف؛ إشارةً إلى (١) راجع: ((مجمع الزوائد)) للحافظ الهيثميّ ٧٨/٢ - ٧٩. (٢) ((المفهم)) ٥٨/٢ - ٥٩. ١٩١ (٢٦) - بَابُ تَحْرِيمِ سَبْقِ الإِمَامِ بِرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا - حديث رقم (٩٦٦) أن رؤيته من خلفه كرؤيته من قُدّامه، ولعلّ هذه الحالة تكون حاصلة له في بعض الأوقات حين تغلب عليه جهة مَلَكيّته دون بشريّته؛ لأنهفعلَّلا قال: ((إنما أنا بشر أَنْسَى كما تنسون)). انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((جهة ملكيّته)) محلّ تأمل، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ قَالَ) ◌َِ ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ) وَ (بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد لله رَّ على ما يليق بجلاله (لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ) ((ما)» موصولة، وعائد الصلة محذوفٌ، والتقدير: لو رأيتم الذي رأيته، أي من عظيم قدرة الله تعالى، وشدّة انتقامه من أهل الإجرام. (لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً) منصوب على أنه صفة لمفعول مطلق محذوف، أي ضحكاً قليلاً، ويحتمل أن يكون صفة ظرف محذوف: أي زمناً قليلاً، والأول أظهر . قيل: معنى القلّة هنا العدم، والتقدير: لتركتم الضحك، ولم يقع منكم إلا نادراً؛ لغلبة الخوف، واستيلاء الحزن عليكم (وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً))) وإعرابه كسابقه، أي بكيتم بكاءً كثيراً، أو زمناً كثيراً؛ خوفاً من عذاب الله تعالى، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: لو رأيتم من سعة رحمة الله وحلمه، وغير ذلك ما رأيت لتركتم الضحك وبكيتم على ما فاتكم من ذلك. (قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) ((ما)) استفهاميّة، مفعول مقدّم وجوباً؛ لكونه اسم استفهام، ويحتمل أن تكون مبتدأ، و((رأيت)) خبرها بتقدير الرابط، أي أيُّ شيء رأيته؟ والرؤية هنا بصريّة، ولذا تتعدّى إلى مفعول واحد (قَالَ) وَهـ ((رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ))) هذه الرؤية أيضاً حقيقيّة، يعني أن الجنّة والنار سبب لكثرة البكاء، وقلّة الضحك، فالجنّة شوقاً إليها، وخوفاً من الحرمان منها، والنار خوفاً من الدخول فيها، والاحتراق بلهيبها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس ﴿به هذا من أفراد المصنّف نَّهُ. ١٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩٦٦/٢٦ و٩٦٧] (٤٢٦)، و(النسائيّ) في ((الصلاة)) (٨٣/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٢/٣ و١٢٦ و١٥٤ و٢١٧ و٢٤٥ و٢٩٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٧١٥ و١٧١٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٧٠٧ و١٧٠٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم مسابقة الإمام بالركوع، والسجود، والقيام، والسلام. ٢ - (ومنها): بيان حرص النبيّ وَّل، وشدّة عنايته في تحذير أمته مما يكون سبباً لهلاكها، وحثّهم على ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، وبالجملة فما من شيء فيه خير لهم إلا دلّهم عليه، وما من شيء فيه شرّ إلا حذّرهم منه، فظهر فيه مصداق قوله ريك: ﴿لَقَدْ جَءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (٣٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٣ - (ومنها): بيان ما خصّ الله رَك نبيّه وَّل من إطلاعه على المغيّبات، حتى الجنّة والنار. ٤ - (ومنها): الحثّ على قلّة الضحك، وكثرة البكاء؛ لأن هذا هو اللائق بالعاقل؛ إذ لا يدري ماذا يكون حاله في الآخرة: هل يكون من الفائزين بدخول الجنّة، أو يكون من الخاسرين بدخول النار؟ اللهم إنّا نسألك الجنّة، ونعوذ بك من النار آمين. ٥ - (ومنها): بيان أن الجنّة والنار مخلوقتان، قاله النوويّ تَخُّْهُ. [تنبيه]: من أغرب ما رأيته في هذا المحلّ من بعض شرّاح الكتاب(١) أنه كتب هنا ردّاً على استنباط النوويّ المذكور كلاماً خطيراً، حيث قال: إن قلنا : الرؤية بصريّة، يَحْتَمِل أنهما صُوّرتا له بَّهِ، فرآهما، ومن فيهما من المنعّمين والمعذّبين في عُرْض الحائط كما نرى شاشة التلفزيون بتصوير ما سيكون في (١) هو الدكتور موسى شاهين، صاحب كتاب ((فتح المنعم)). ١٩٣ (٢٦) - بَابُ تَحْرِيمِ سَبْقِ الإِمَامِ بِرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا - حديث رقم (٩٦٦) صورة ما هو كائن، فليس فيه دليلٌ على أن الجنّة والنار موجودتان، كما استدلّ به النوويّ، وإن قلنا: إن الرؤية علميّة سقط الاستدلال من أساسه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلامه هذا يدلّ على أنه ممن لا يؤمن بوجود الجنّة والنار، كما يفيده تشبيهه بما يشاهَدُ في التلفزيون مما سيكون ... إلخ، وهذا خطر عظيم، فإن هذا من عقائد الفرق الضالّة، فكيف يصدر مثل هذا ممن يتولّى شرح ((صحيح مسلم))، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإنما نبّهت عليه لعِظَم خطره؛ لأن الناس كثيراً ما يغترّون بمثل هذا الكلام، ولا سيّما إذا صدر من الدكاترة، فلا حول ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شرّ ما قضيت آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في بطلان من سابق إمامه في أفعال الصلاة : قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَخَّتُهُ: اختلفوا في صلاة من خالف الإمام في صلاته، فقالت طائفة: لا صلاة له، روي هذا القول عن ابن عمر رضيها. وروي عن ابن مسعود ربه أنه قال: لا تبادروا أئمتكم الركوع ولا السجود، فإن سبق أحد منكم، فليضع قدر ما سبق به. وممن رأى أن يرجع راكعاً أو ساجداً إذا رفع رأسه قبل الإمام: مالك بن أنس، والأوزاعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقال الأوزاعيّ: فليُعد رأسه، فإذا رفع الإمام رأسه فليمكث بعده بقدر ما نزل، وكان أبو ثور يقول: إذا ركع قبل الإمام، فأدركه الإمام، وهو راكع، ويسجد قبله، فقد أساء ويجزيه، وحُكي عن الشافعيّ أنه قال: يجزيه، وأكرهه، وقال سفيان الثوريّ فيمن ركع قبل الإمام: ينبغي أن يرفع رأسه، ثم يركع، قيل له: أيُعيد؟ قال: ومن يسلم من هذا؟. انتهى كلام ابن المنذر تَخْتُ باختصار (١). وقال الحافظ ابن رجب تَخُّهُ: وقد اختلف العلماء فيمن تعمّد رفع رأسه قبل إمامه في ركوعه أو سجوده، هل تبطل صلاته أم لا؟ وفيه وجهان (١) ((الأوسط)) ١٩٠/٤ - ١٩٢. ١٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة لأصحابنا - يعني الحنبليّة - وأكثرهم على البطلان، ورُوي عن ابن عمر ◌ًَّا. انتھی (١) وقال في ((الفتح)): الجمهور على أن فاعله يأثم، وتجزئ صلاته، وعن ابن عمر ◌ًا: تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر؛ بناءً على أن النهي يقتضي الفساد، وفي ((المغني)): عن أحمد أنه قال في ((رسالته)): ليس لمن سَبَقَ الإمام صلاةٌ؛ لهذا الحديث، قال: ولو كانت له صلاة لَرَجى له الثوابَ، ولم يَخْشَ عليه العقاب. انتهى(٢). وقال أبو محمد بن حزم تَّتُهُ: وفرض على كل مأموم أن لا يرفع، ولا يركع، ولا يسجد، ولا يكبّر، ولا يقوم، ولا يسلم قبل إمامه، ولا مع إمامه، فإن فعل عامداً بطلت صلاته، لكن بعد تمام كل ذلك من إمامه، فإن فعل ذلك ساهياً فليرجع، ولا بُدّ حتى يكون ذلك كله منه بعد كل ذلك من إمامه، وعليه سجود السهو. قال: وبه قال السلف، رَوَينا عن أبي هريرة ◌َُّبُه أنه قال: إن الذي يرفع رأسه قبل الإمام، ويخفض قبله، فإن ناصيته بيد شيطان، وعن عبد الله بن مسعود : ما يُؤَمِّن الرجل إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يعود رأسه رأس كلب، وعنه قال: لا تبادروا أئمتكم بالسجود، فإن سبقكم من ذلك شيء، ◌َُّه مثل هذا حرفاً فليضع أحدكم رأسه كقدر ما سَبَق. وعن عمر بن الخطاب حرفاً . قال ابن حزم: لا وعيد أشدّ من المسخ في صورة كلب أو حمار - يعني المذكور في حديث أبي هريرة ه الآتي -، ولا عقوبة أعظم من إسلام ناصية المرء إلى يد الشيطان، والمعصية المحرِّمة المبعدة من الله تعالى، لا تنوب عن الطاعة المفترضة المقرِّبة منه . انتهى كلام ابن حزم ◌َّهُ(٣). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن عمر ﴿ًّا، ونُقل عن الإمام أحمد كَّثُ، من بطلان صلاة من سابق إمامه، وعزاه ابن حزم إلى السلف، هو (١) ((فتح الباري)) ١٦٧/٦ لابن رجب. (٣) ((المحلّى)) ٦١/٤ - ٦٢. (٢) ((الفتح)) ٢١٥/٢. ١٩٥ (٢٦) - بَابُ تَحْرِيمِ سَبْقِ الإِمَامِ بِرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا - حديث رقم (٩٦٧) الراجح عندي؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٦٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلِ جَمِيعاً، عَنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَِّّ ◌َِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ: ((وَلَا بِالاِنْصِرَافِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (ابْنُ فُضَيْل) هو: محمد بن فُضَيل بن غَزْوَان الضّبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣. والباقيان تقدّما في السند الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ◌َظّتُهُ، كسابقه ولاحقه، وهو (٤٨). وقوله: (جَمِيعاً، عَنِ الْمُخْتَارِ) يعني أن كلّاً من جرير، وابن فُضيل رويا عن المختار بن فُلْفُل. وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) أي بحديث أنس الماضي. [تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد لم أر من أخرجها، وأما رواية محمد بن فُضيل، فقد أخرجها الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال: (١١٥٥٩) حدّثنا محمد بن فضيل، حدّثنا المختار بن فُلْفُل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله 8َ﴿ ذات يوم، وقد انصرف من الصلاة، فأقبل ١٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة إلينا، فقال: ((يا أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالقعود، ولا بالانصراف، فإني أراكم من أمامي، ومن خلفي، وايم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً))، قالوا: يا رسول الله، وما رأيت؟ قال: ((رأيت الجنة والنار)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [٩٦٨] (٤٢٧) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَام، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَفٌ: حَدَّثَنَا حَّمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ قَ: ((أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ، أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَاٍ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثَعْلَب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختياراتٌ في القراءات [١٠] (ت٢٢٩) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلّم فيه أحدٌ بحجة [١٠] (٢٣٤) (خ م دس) تقدم في ((الإيمان)) ٢٣ /١٩٠. ٣ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريباً. ٤ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْد) بن دِرْهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، ربّما أرسل [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٠. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُهُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ◌َظْلَهُ، كسابقيه، وهو (٤٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: خلف، وأبي الربيع، كما أسلفته آنفاً . ١٩٧ (٢٦) - بَابُ تَحْرِيمِ سَبْقِ الإِمَامِ بِرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا - حديث رقم (٩٦٨) ٣ - (ومنها): أن أبا هريرة ظُله أكثر الصحابة روايةً للحديث، روى (٥٣٧٤) حديثاً . شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ زِيَادٍ) الْجُمَحِيّ، أنه قال (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َظُه (قَالَ: قَالَ مُحَمَّدٌ وَّهِ: ((أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَام) كذا في هذه الرواية، وفي الرواية التالية: ((ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته قبل الإمام ... ))، وفي رواية البخاريّ: ((أما يخشى أحدكم، أو ألا يخشى أحدكم)) بالشكّ. و((أما)) - بتخفيف الميم ـ: حرف استفتاح، مثل ((ألا))، وأصلها ((ما)) النافية، دخلت عليها همزة الاستفهام، وهو هنا استفهام إنكار وتوبيخ، و ((يخشى) بمعنى يخاف، لفظه خبرٌ، ومعناه النهي، قاله الصنعانيّ تَُّهُ(١). وزيادة ((في صلاته)) المذكورة آنفاً تدلّ على أن المسابقة المنهيّ عنها عامّة في جميع أجزاء الصلاة. ووقع في رواية أبي داود، عن حفص بن عمر: «الذي يرفع رأسه، والإمام ساجد))، فقال في ((الفتح)): فتبيّن أن المراد الرفع من السجود، ففيه تعقّب على من قال: إن الحديث نصّ في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معاً، وإنما هو نصّ في السجود، ويلتحق به الركوع؛ لكونه في معناه، ويمكن أن يُفَرَّق بينهما بأن السجود له مزيد مزية؛ لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه؛ لأنه غاية الخضوع المطلوب منه، فلذلك خُصّ بالتنصيص عليه. ويَحْتَمِل أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم، إذا كان للمذكور مزية، وأما التقدم على الإمام في الخفض في الركوع والسجود، فقيل: يَلْتَحِق به من بابٍ أولى؛ لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد، وإذا دلّ الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة، فأولى أن يجب فيما هو مقصد. (١) ((العدّة)) حاشية ((العمدة)) ٢٣٣/٢. ١٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح؛ لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعه عن غاية كماله، ودخول النقص في المقاصد أشدّ من دخوله في الوسائل، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخر، أخرجه البزار من رواية مَلِيح بن عبد الله السعديّ، عن أبي هريرة ◌َظُّه مرفوعاً: (الذي يَخِفِض ويرفع قبل الإمام، إنما ناصيته بيد شيطان))، وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفاً، وهو المحفوظ. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله في ((الفتح)) من إلحاق الركوع والسجود، وأنه لا يشمله النصّ المذكور غير سديد، بل الظاهر أنه يشمله، ويقوّي ذلك زيادة ((في صلاته)) في الرواية الآتية، ويؤيّده حديث أنس ◌َظُبه المذكور قبله: (فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، وبالقيام، ولا بالانصراف)». ومن الغريب أن يحتجّ على هذا برواية البزّار المختلف في رفعها ووقفها، مع أن حديث أنس رُه أصرح في النهي، وهو عند مسلم. والحاصل أن أحاديث الباب وغيرها تدلّ دلالة صريحة على أن المسابقة في جميع أجزاء الصلاة محرّمة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ) من التحويل (رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ))) وفي رواية محمد بن زياد التالية: ((أن يحوّل الله صورته صورة حمار))، وفي رواية الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد الآتية أيضاً: ((أن يجعل الله وجهه وجه حمار)). ووقع في رواية البخاريّ: ((أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار)) بالشكّ، قال في ((الفتح)): الشك من شعبة، فقد رواه الطيالسيّ، عن حماد بن سلمة، وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد، ومسلم من رواية يونس بن عبيد، والربيع بن مسلم، كلهم عن محمد بن زياد بغير تردّد، فأما الحمّادان فقالا: ((رأس))، وأما يونس فقال: ((صورة))، وأما الربيع فقال: ((وجه))، والظاهر أنه من تصرف الرواة. قال القاضي عياض تخّته: هذه الروايات متفقة؛ لأن الوجه في الرأس، ومعظم الصورة فيه، قال الحافظ تَخْذَتُهُ: لفظ الصورة يُطلق على الوجه أيضاً، وأما الرأس فرواتها أكثر، وهي أشمل فهي المعتمدة، وخُصّ وقوع الوعيد عليها؛ لأن بها وقعت الجناية، وهي أشمل. ١٩٩ (٢٦) - بَابُ تَحْرِيمِ سَبْقِ الإِمَامِ بِرُكُوعٍ، أَوْ سُجُودٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا - حديث رقم (٩٦٨) وقال القرطبيّ تَظّهُ: هذه الروايات متقاربة إذا أريد بالصورة الوجه، فإن أريد بها الصفة انصرفت إلى الصفة الباطنة من البلادة، ومقصود هذا الحديث الوعيدُ بمسخ الصورة الظاهرة، أو الباطنة على مسابقة الإمام بالرفع، وهذا يدلّ على أن الرفع من الركوع والسجود مقصود لنفسه، وأنه ركن مستقلّ، كالركوع والسجود. قال: وقوله في الحديث الآخر: ((فإنما ناصيته بيد شيطان))(١) يعني أنه قد تمكّن منه بجهله، فهو يصرفه كيف يشاء، كما تفعل بمن ملكتَ ناصيته. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تمام ما قاله العلماء في معنى التحويل المذكور في هذا الحديث في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: إنما اختصّ الحمار بالذكر دون سائر الحيوان على الرواية الصحيحة المشهورة - والله أعلم - لأن الحمار من أبلد الحيوانات وأجهلها، وبه يُضرب المثل في الجهل والبلادة، ولهذا مثّل الله تعالى العالم السَّوْءَ الذي يَحمِل العلم، ولا ينتفع به في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النََّرَنَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الآية [الجمعة: ٥]، فكذلك المتعبّد بالجهل يشبه الحمار، فإن الحمار يُحرّك رأسه، ويرفعه، ويَخْفِضه لغير معنى. والحاصل أن مشابهة من يسابق إمامه بالحمار في البلادة، وعدم الفهم واضحة؛ لأن من يعلم أنه لا يخرج من تلك الصلاة إلا بخروج إمامه منها، ومع ذلك يسابقه، قد بلغ الغاية من البلادة والحماقة، فناسب بذلك أن يجعل الله رأسه رأس حمار؛ لشبهه به(٣)، وقد قالوا: إن العقوبة تكون من جنس الجناية والذنب، والله تعالى أعلم. (١) أخرجه الإمام مالك دَخّْتُهُ في ((الموطأ)) (١٩٤) عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن مَلِيح بن عبد الله السعديّ، عن أبي هريرة ◌َُّه أنه قال: ((الذي يرفع رأسه، ويخفضه قبل الإمام، فإنما ناصيته بيد شيطان)). انتهى، ومليح بن عبد الله وثّقه ابن حبّان. (٢) ((المفهم)) ٥٩/٢ - ٦٠. (٣) راجع: ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٥٤٦/٢ - ٥٤٧. ٢٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة [تنبيه آخر]: جاء في ((صحيح ابن حبّان)) في هذا الحديث بلفظ: ((أن يحوّل الله رأسه رأس كلب))، وقال ابن الملقّن تَُّ: وروى ابن جُمَيع(١) في حديث أبي هريرة ظله أيضاً: ((أنه يحول الله رأسه رأس شيطان)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة عظته هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب نَّتُ في ((شرح البخاريّ)): قال الحافظ أبو موسى المدينيّ تَخْتُهُ: اتّفق الأئمة على ثبوت هذا الحديث من هذا الطريق، رواه عن محمد بن زياد قريبٌ من خمسين نفساً، وبعضهم يقول: ((صورته))، وبعضهم يقول: ((وجهه))، ومنهم من قال: ((رأس كلب، أو خنزير))، وتابع محمد بن زياد جماعة عن أبي هريرة ظلاله. انتهى(٣). وقال ابن الملقّن تَّتُهُ: هذا الحديث رواه مع أبي هريرة عائشة، وابن عمر، وابن عبّاس، وأنس، وحذيفة بن اليمان، كما أفاده ابن منده في ((مستخرجه))(٤). (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩٦٨/٢٦ و٩٦٩ و٩٧٠] (٤٢٧)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٦٩١)، و(أبو داود) في ((الصلاة)) (٦٢٣)، و(الترمذيّ) فيها (٥٨٢)، و(النسائيّ) فيها (٨٢٨) و((الكبرى)) (٩٠٢)، و(ابن ماجه) فيها (٩٦١)، و(أبو داود الطيالسيّ) في («مسنده)) (٢٤٩٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٠/٢ و٤٥٦ و٤٦٩ و٤٧٢ و٥٠٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٠٢/١)، (١) أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد، صاحب ((المعجم)) (٣٠٥هـ) ومات سنة (٤٠٢ هـ). (٢) ((الإعلام)) ٢/ ٥٤٧. (٣) (فتح الباري)) للحافظ ابن رجب ١٦٦/٦. (٤) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٥٤٥/٢.