النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اثْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) بعض دون بعض، قاله في ((الفتح)) (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الداوديّ أرجح، فيكون واجباً كفائيّاً، مثل ردّ السلام، وسيأتي البحث فيه مستوفّى في محلّه من ((كتاب السلام)) - إن شاء الله تعالى -. ٦ - (ومنها): جواز صلاة المريض قاعداً، وهو مجمع عليه، ولا يَتَوَقّف ذلك على عدم إمكان القيام، بل له الصلاة قاعداً إذا خاف الهلاك، أو زيادة المرض، أو لحوق مشقة شديدة، أو خوف الغَرَق، ودَوَران الرأس في حقّ راكب السفينة، واختار إمام الحرمين في ضبط العجز أن يَلْحَقه بالقيام مشقة تذهب خشوعه، ذكره العراقيّ كَّتُهُ(٢) . ٧ - (ومنها): أنه يجب متابعة الإمام في القعود، وأنه يقعد المأموم مع قدرته على القيام، وقد اختلف فيه، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٨ - (ومنها): ما قال القاضي عياض تَخّتُهُ: إن قوله: ((إنما جُعل الإمام ليؤتمّ به)) حجة لمالك، وعامّة الفقهاء في ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له في نيّة الصلاة، وغير ذلك، لا سيّما مع قوله: ((ولا تختلفوا عليه))، ولا خلاف أشدّ من اختلاف النيّات في صلاتين فرضين، أو فرض ونفل. وخالف في ذلك الشافعيّ، وفقهاء أصحاب الحديث، فأجازوا اقتداء المفترض بالمتنفّل، ومصلِّي الظهر بمصلِّي العصر، وحجتهم حديث معاذ ولا حجة لهم فيه. انتهى كلام القاضي (٣). قال الجامع عفا الله عنه: كيف لا يكون لهم فيه حجة؟ بل هو من أوضح الحجج للمسألة، فقد أقرّه النبيّ وَّل حيث كان يؤمّ قومه في صلاة الفريضة بعد أن أدّى فرضها مع النبيّ ◌َ﴿، أليس هذا حجةً؟. ومن الحجج لهم أنه وسلو صلّى بأصحابه ببطن نخل صلاة الخوف مرّتين، (١) ((الفتح)) ١٠/ ١١٧ ((كتاب المرضى)) رقم (٥٦٤٨ - ٥٦٥٠). (٢) ((طرح التثريب)) ٣٤٤/٢. (٣) ((إكمال المعلم)) ٣١٣/٢. ٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة بكلّ فرقة مرّةً، فصلاته وَّه الثانية وقعت له نفلاً، وللمقتدين فرضاً، ولا شكّ في ذلك. ومن الحجج أيضاً الحديث الصحيح الذي قدّمناه عن الرجلين اللذين صلّيا في رحالهما، وهي قصّة صحيحة، مشهورة، وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ رُه أن رجلاً دخل المسجد، وقد صلَّى رسول الله وسلم بأصحابه، فقال رسول الله وَله: ((من يتصدق على هذا، فيصلي معه؟))، فقام رجل من القوم، فصلّى معه. وفي رواية أبي داود: أن رسول الله وَ ل ◌ّ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: ((ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه))، وهذا الرجل الذي تصدّق بالصلاة معه متنفّل، اقتدى بمفترض بأمر النبيّ ◌َلآ . والحاصل أن الحقّ ما قاله الشافعيّ، وفقهاء أصحاب الحديث، وسيأتي مزيد تحقيق في محلّه - إن شاء الله تعالى -. ٩ - (ومنها): ما قاله العراقيّ كَّلُهُ: إنه يجوز للإمام إذا مَرِض، وعجز عن القيام أن يصلي بنفسه، ولا يستخلف، لكن الأفضل له الاستخلاف. قال الشافعيّ كَّتُ: وإنما اخترت أن يُؤَكِّل الإمام إذا مرض رجلاً صحيحاً يصلي بالناس قائماً أن مرض رسول الله وهي﴿ كان أياماً كثيرةً، وإنا لم نعلمه صلّى بالناس جالساً في مرضه إلا مرةً واحدةً لم يُصَلِّ بهم بعدها عَلِمته حتى لقي الله رَك، فدلّ ذلك على أن التوكيل بهم، والصلاةَ قاعداً جائزان عنده معاً، وكان ما صلّى بهم غيرُهُ بأمره أكثر من ذلك. انتهى. قال العراقيّ تَخُّْهُ: ومراد الشافعيّ تَخَّتُهُ بكونه وَلو لم يصل بالناس جالساً في مرضه إلا مرة: مرض موته، فإنه قد صلّى بهم في غير مرض الموت غير مرة، وهو جالس، وهم جلوس، كما دلّت عليه الأحاديث، وكذا ذكر الحنابلة، أنه يستحب له الاستخلاف عند العجز عن القيام، وعَلَّلوه بأن الناس اختلفوا في صحة إمامته، فنخرج من الخلاف، وبأن صلاة القائم أكمل، فُيُستحب أن يكون الإمام كامل الصلاة. وأجابوا عن هذا الحديث بأنه وَ ﴿ فعل ذلك لبيان الجواز، واستَخْلَف في الأكثر، وبأن الاقتداء بالنبيّ ولو قاعداً أفضل من الاقتداء بغيره قائماً. ٤٣ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اثْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في البحث المتعلّق بقوله: ((وإذا صلّى قاعداً، فصلّوا قُعُوداً)) : (اعلم): أنه قد لخّص الحافظ الزيلعيّ نَّتُهُ في ((نصب الراية)) اختلاف الروايات في هذا، فقال: حديث: ((إذا صلّى جالساً فصلُّوا جلوساً))، أخرجه البخاريّ، ومسلم، وباقي الستة عن الزهريّ، عن أنس بنظاُبه، قال: سقط رسول الله وَّر عن فرس، فَجُحِش شقه الأيمن، فدخلنا عليه نعوده، فحضرت الصلاة، فصلّى بنا قاعداً، فصلينا وراءه قعوداً، فلما قضى الصلاة قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا - إلى أن قال -: وإذا صلّى قاعداً، فصلوا قعوداً)). وأخرجا من حديث أبي هريرة ◌ُبه نحوه، أن النبيّ وَّ قال: ((إنما جُعِل الإمام ليؤتم به ... )) الحديث، ليس فيه قصة الفرس. وأخرجا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فيّا قالت: اشتكى رسول الله وَه، فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه، فصلّى رسول الله وَل جالساً، فصلَّوا بصلاته قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا، فلما انصرف قال: ((إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلّى جالساً فصلّوا جلوساً)). انتهى. وأخرج مسلم عن أبي الزبير، عن جابر ظُه نحوه سواءً. وقد أخرج البخاريّ في ((صحيحه)) حديث أنس المذكور من رواية حميد الطويل عنه، مخالفاً لرواية الزهريّ عنه، ولفظه: أن رسول الله ◌َله سقط عن فرسه، فجُحِشت ساقه، أو كتفه، وآلى من نسائه شهراً، فجلس في مَشْرُبة له، فأتاه أصحابه يعودونه، فصلّى بهم جالساً، وهم قيامٌ، فلما سَلَّم قال: ((إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإن صلّى قائماً فصلّوا قياماً))، ونزل لتسع وعشرين، فقالوا: يا رسول الله، إنك آليت شهراً، فقال: ((إن الشهر تسع وعشرون)). انتهى. ذكره (١) ((طرح التثريب)) ٣٤٥/٢. ٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة في أوائل (الصلاة)) في ((باب الصلاة في السُّطُوح))، منفرداً به دون الباقين. وتَكَلَّف القرطبيّ في ((شرح مسلم)) الجمع بين الروايتين، فقال: يَحْتَمِل أن يكون البعض صلَّوا قياماً، والبعض صلَّوا جلُوساً، فأخبر أنس بالحالتين، وهذا مع ما فيه من التعسف، ليس في شيء من الروايات ما يساعده عليه. قال الزيلعيّ كَخْتُهُ: وقد ظهر لي فيه وجهان: [أحدهما]: أنهم صلَّوا خلفه قياماً، فلما شَعَر بهم النبيّ وَّر أمرهم بالجلوس فجلسوا، فرآهم أنس على الحالتين، فأخبر بكل منهما مختصراً للأخرى، لم يذكر القصة بتمامها، يدلّ عليه حديث عائشة، وحديث جابر المتقدم. [الثاني]: وهو الأظهر أنهما كانا في وقتين، وإنما أقرّهم العالَّله في إحدى الواقعتين على قيامهم خلفه؛ لأن تلك الصلاة كانت تطوعاً، والتطوعات يُحْتَمَل فيها ما لا يُحْتَمَل في الفرائض، وقد صُرِّح بذلك في بعض طرُقه، كما أخرجه قال: ركب رسول الله أبو داود في ((سننه)) عن أبي سفيان، عن جابر فرساً بالمدينة، فصَرَعه على جِذْمِ نَخْلَةٍ(١)، فانفكّت قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مَشْرُبة لعائشة، يُسَبِّح جالساً، قال: فقمنا خلفه، فسكت عنّا، ثم أتيناه مرةً أخرى نعوده، فصلّى المكتوبة جالساً فقمنا خلفه، فأشار إلينا فقعدنا، قال: فلما قضى الصلاة قال: ((إذا صلّى الإمام جالساً فصلّوا جلوساً، وإذا صلى قائماً فصلُّوا قياماً، ولا تفعلوا كما تفعل فارس بعظمائها)). انتهى. ورواه ابن حبّان في ((صحیحه)) كذلك، ثم قال: وفي هذا الخبر دليل على أن ما في حديث حميد، عن أنس، أنه صلّى بهم قاعداً، وهم قيام، أنه إنما كانت تلك الصلاة سبحةً، فلما حضرت الفريضة أمرهم بالجلوس فجلسوا، فكان أمرَ فريضة، لا فضيلة. انتهى. قلت(٢): ومما يدلّ على أن التطوعات يُحْتَمَل فيها ما لا يُحْتَمَل في الفرائض، ما أخرجه الترمذيّ، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن أنس ظُه قال: قال لي رسول الله وَّر: ((إياك والالتفاتَ في الصلاة، فإنه (١) بكسر، فسكون: أي قطعة نخلة. (٢) القائل هو الزيلعيّ كَُّهُ. ٤٥ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اقْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) هَلَكَةٌ، فإن كان لا بُدّ ففي التطوع، لا في الفريضة))، وقال: حديث حسنٌ(١). انتھی . قال: وأصحابنا - يعني الحنفيّة - يجعلون أحاديث: ((إذا صلّى جالساً، فصلّوا جلوساً)) منسوخة بحديث عائشة ﴿ّ المتقدم أنه صلّى آخر صلاته قاعداً، والناس خلفه قيام، وبحديث: ((لا يَؤُمَّنَّ أحد بعدي جالساً))، وسيأتي ذكره . لكن حديث عائشة وقع فيه اضطراب لا يَقْدَح فيه، فالذي تقدّم أنه وَّـ كان إماماً. وأبو بكر مأموم، وقد ورد فيه العكس، كما أخرجه الترمذيّ والنسائيّ عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة قالت: صلّى رسول الله وَل18 في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعداً، قال الترمذيّ: حديث حسنٌ صحيحٌ. وأخرج النسائيّ أيضاً عن حميد، عن أنس رظبه قال: آخر صلاة صلّاها رسول الله وَي مع القوم صلّى في ثوب واحد متوشحاً خلف أبي بكر. انتهى. ومثل هذا لا يعارض ما وقع في ((الصحيح))، مع أن العلماء جمعوا بینھما . قال البيهقيّ في ((المعرفة)): ولا تعارض بين الخبرين، فإن الصلاة التي كان فيها النبيّ بَّ إماماً هي صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، والتي كان فيها مأموماً هي صلاة الصبح يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلاها وَّرُ حتى خرج من الدنيا، قال: وهذا لا يخالف ما يثبت عن الزهريّ، عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين، وكشفه ظلّ الستر، ثم إرخائه، فإن ذلك إنما كان في الركعة الأولى، ثم إنه عليّل وجد في نفسه خِفّةً، فخرج، فأدرك معه الركعة الثانية، يدُلُّ عليه ما ذكره موسى بن عقبة في ((المغازي))، عن الزهريّ، وذكره أبو الأسود، عن عروة، أن النبيّ وَّ أَقْلَعَ عنه الوَعْكُ ليلة الاثنين، فغدا إلى صلاة الصبح متوكئاً على الفضل بن العباس وغلام له، وقد سجد الناس مع أبي بكر، حتى قام إلى جنب أبي بكر، فاستأخر أبو بكر، فأخذ رسول الله وَ ل* بثوبه، (١) بل هو ضعيف؛ لأن في سنده عليّ بن زيد بن جدعان، ضعيف. ٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة فقدَّمه في مصلّاه، فصفّا جميعاً، ورسول الله وَّ جالسٌ، وأبو بكر يقرأ، فركع معه الركعة الآخرة، ثم جلس أبو بكر، حتى قَضَى سجوده، فتشهد وسلم، فأتى رسول الله وَّ الركعة الأخرى، ثم انصرف إلى جِذْع من جذوع المسجد، فذكر القصة في دعائه أسامة بن زيد، وعَهْدِه إليه فيما بعثه فيه، ثم في وفاة رسول الله ﴾ يومئذ. أخبرنا به أبو عبد الله الحافظ، بسنده إلى ابن لَهِيعة، حدثنا أبو الأسود، عن عروة، فذكره. قال البيهقيّ: فالصلاة التي صلاها أبو بكر، وهو مأموم هي صلاة الظهر، وهي التي خرج فيها بين العباس وعليّ ريّ، والتي كان فيها إماماً هي صلاة الصبح، وهي التي خرج فيها بين الفضل بن العباس وغلام له، وفيها الجمع بين الأخبار. انتهى كلام البيهقيّ. قلت: وحديث كشف الستارة في ((الصحيحين))، وليس فيه أنه وَالّ صلّى خلف أبي بكر، أخرجاه عن أنس، أن أبا بكر كان يصلّي بهم في وجع رسول الله قر الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الاثنين، وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله وَ له ستر الْحُجْرة، فنظر إلينا وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم رسول الله وَّرِ ضاحكاً، قال: فَبُهِتنا ونحن في الصلاة فرحاً برسول الله وَّه، ونَكَصَ أبو بكر على عقبيه، وظَنّ أن رسول الله وَله خارج للصلاة، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل، وأرخى الستر، وتُؤُفّي من يومه ذلك. وفي لفظ للبخاريّ أن ذلك كان في صلاة الفجر، والله أعلم. وقال ابن حبان في (صحيحه)) بعد أن روى حديث عائشة من رواية زائدة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة بلفظ ((الصحيحين))، ثم رواه من حديث شعبة، عن موسى بن أبي عائشة به، أن أبا بكر صلّى بالناس، ورسول الله وَّل في الصف خلفه. انتهى. قال: فهذا شعبة قد خالف زائدة في هذا الخبر، وهما ثبتان حافظان، ثم أخرج عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: أُغْمي على رسول الله وََّ، ثم أفاق، فقال: ((أصَلّى الناسُ؟))، قلنا: ٤٧ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ انْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) لا ... الحديث، إلى أن قال: فخرج بين بَرِيرة ونُوبة(١)، فأجلسناه إلى جنب أبي بكر، فكان رسول الله ا لم يصلّي وهو جالس، وأبو بكر قائم، يصلّي بصلاة رسول الله، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر. ثم قال: وقد خالف نعيم بن أبي هند في هذا الخبر عاصم بن أبي النجود، ثم أخرج عن نعيم بن أبي هند، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: صلّى رسول الله ◌َ في مرضه الذي مات فيه خلف أبي بكر قاعداً، قال: وعاصم بن أبي النجود، ونعيم بن أبي هند حافظان ثقتان. قال: وأقول ـ وبالله التوفيق -: إن هذه الأخبار كلها صحيحة، ليس فيها تعارض، فإن النبيّ وَّ صلّى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد، في إحداهما كان إماماً، وفي الأخرى كان مأموماً، قال: والدليل على ذلك أن في خبر عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة، أنه وَ ل ◌ّ خرج بين رجلين: العباس وعليّ، وفي خبر مسروق عنها أنه وَُّ خرج بين بَرِيرة ونُوبة، فهذا يدلّ على أنها كانت صلاتين لا صلاةً واحدة. انتهى(٢). وفي كلام البخاريّ ما يقتضي الميل إلى أن حديث: ((إذا صلّى جالساً فصلّوا جلوساً)) منسوخ، فإنه قال - بعد أن رواه -: قال الحميديّ: هذا حديث منسوخٌ؛ لأنه ◌َ ﴿ آخر ما صلّى صلّى قاعداً، والناس خلفه قيامٌ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله بَ ◌ّر. انتهى. ذكره في عدة مواضع من كتابه. وابن حبان لم ير النسخَ، فإنه قال بعد أن رواه في ((صحيحه)): وفي هذا الخبر بيان واضح أن الإمام إذا صلّى قاعداً كان على المأمومين أن يصلّوا قعوداً، وأفتى به من الصحابة: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأُسيد بن حُضير، وقيس بن قَهْد، ولم يُرْوَ عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع، فكان إجماعاً، والإجماع عندنا إجماع الصحابة، وقد أفتى به من التابعين: جابر بن زيد، ولم يُرْوَ عن غيره من التابعين خلافه بإسناد صحيح ولا واهٍ، فكان إجماعاً من التابعين أيضاً . (١) بضم النون وبالموحّدة، هو نوبة الأسود مولى رسول الله وَال. (٢) راجع: ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان)) ٤٦٠/٥ - ٤٨٨. ٤٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وأول من أبطل ذلك في الأمة المغيرة بن مِقْسَم، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان، ثم أخذه عن حماد أبو حنيفة، ثم عنه أصحابه، وأعلى حديث احتجُّوا به حديثٌ رواه جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ، قال وَله: ((لا يَؤُمَّنّ أحد بعدي جالساً))، وهذا لو صح إسناده لكان مرسلاً، والمرسل عندنا وما لم يُرْوَ سِيّان؛ لأنا لو قبلنا إرسال تابعيّ، وإن كان ثقة للزمنا قبول مثله عن أتباع التابعين، وإذا قبلنا لزمنا قبوله من أتباع أتباع التابعين، ويؤدي ذلك إلى أن يُقْبَل من كل أحد إذا قال: قال رسول الله ربَّ، وفي هذا نقض الشريعة. والعجب أن أبا حنيفةَ يَجْرَح جابراً الجعفيّ ويُكَذِّبه، ثم لما أخطره الأمر جعل يحتج بحديثه، وذلك كما أخبرنا به الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان بالرَّقَّة، ثنا أحمد بن أبي الحوَارِيّ، سمعت أبا يحيى الْحِمّانيّ، سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفيّ، ما أتيته بشيء من رأيي قط إلا جاءني فيه بحديث. وقد ذكرنا ترجمة جابر الجعفيّ في ((كتاب الضعفاء)). انتهى كلام ابن حبّان ◌َّتُهُ باختصار(١). وحديث جابر الجعفيّ هذا أخرجه الدارقطنيّ، ثم البيهقيّ في ((سننهما)) عن جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ قال: قال رسول الله وَّ: ((لا يؤمنّ أحد بعدي جالساً))، قال الدارقطنيّ: لم يروه عن الشعبيّ غير جابر الجعفيّ، وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة. انتهى. وقال عبد الحقّ في ((أحكامه)): ورواه عن الجعفيّ مُجالدٌ، وهو أيضاً ضعیف. انتهى. وقال البيهقيّ في ((المعرفة)): الحديث مرسل لا تقوم به حجةٌ، وفيه جابر الجعفيّ، وهو متروك في روايته، مذموم في رأيه، ثم قد اختُلِف عليه فيه، فرواه ابن عيينة عنه كما تقدم، ورواه ابن طهمان عنه، عن الحكم، قال: كتب عمر: ((لا يؤمنّ أحد جالساً بعد النبيّ وَّ))، وهذا مرسل موقوفٌ. ثم أسند عن الشافعيّ، ثنا عبد الوهاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، عن (١) راجع: ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٤٧١/٥ - ٤٧٥. ٤٩ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اثْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) أبي الزبير، عن جابر، أنه صلّى وهو مريض جالساً، وصلّى الناس خلفه جلوساً، وأخبرنا الثقفي عن يحيى بن سعيد أن أُسيد بن حضير فعل مثل ذلك، قال الشافعيّ: وإنما فعلا مثل ذلك لأنهما لم يعلما بالناسخ، وكذلك ما حُكِي عن غيرهم من الصحابة أنهم أَمَّوْا جالسين، ومن خلفهم جُلوسٌ محمول على أنه لم يبلغهم النسخ، وعلم الخاصة يوجد عند بعض، ويَعْزُب عن بعض. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: دعوى النسخ في هذه المسألة، لا تثبت، وسيأتي إيضاحها، وتحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة خلف الإمام القاعد لعلّة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَّتُ: اختلفوا في الإمام يصلّي قاعداً من علّة: فقالت طائفة: يصلّون قُعوداً؛ استناناً بأمر النبيّ وَّرَ أصحابه الذين صلَّوا خلفه قياماً بالقعود، فممن رُوي عنه أنه استعمل ذلك: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأُسَيد بن حُضَير، وقد روينا عن قَيْس بن قَهْد - بفتح القاف، وسكون الهاء - أن إماماً اشتكى لهم على عهد رسول الله ◌َّ قال: فكان يؤمّنا جالساً، ونحن جُلُوس. قال ابن المنذر: وهذا قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، قال أحمد: كذا قال النبيّ وَّه، وفعله أربعةٌ من أصحابه: أُسيد بن حُضَير، وقيس بن قَهْد، وجابر، وأبو هريرة طات . قال ابن المنذر: وكان أحقّ الناس بالاستدلال بفعل النبيّ وَّر بأن ذلك غير منسوخ مَنْ جَعَلَ مَشْيَ ابن عُمر بعد بيعه بأنها أحد الدلائل على أن الافتراق في البيوع افتراق الأبدان؛ لما روى ابن عمر الحديث، قال: ابنُ عمر أعلم بتأويل حديث رسول الله و سليم ممن بعده، فكذلك لما كان فيما (١) راجع: ((نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية)) ٤٢/٢ - ٥٢. ٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة روى(١) عن النبيّ وَّةِ أَمْرَهُ الذين صَلَّوْا خلفه قياماً بالقعود أبو هريرة، وجابر، ثم استعملوا ذلك بعد وفاته، وجب كذلك على هذا القائل أن يقول: أبو هريرة وجابر أعلم بتأويل حديث رسول الله وَّر، وبناسخه ومنسوخه ممن بعدهما . ولو لم تختلف الأخبار في أمر أبي بكر في موضع رسول الله وَّ لم يجز الانتقال عما سنّه النبيّ وَّر لهم، وأمرهم بالقعود إذا صلَّى إمامهم قاعداً؛ لأن الذي افتتح بهم الصلاة أبو بكر، فوجب عليهم القيام؛ لقيام أبي بكر بهم مما لم يحدث بإمامهم الذي عقد بهم الصلاة بأنها علّة (٢)، فوجب الجلوس، فعليهم أن يفعلوا كفعل إمامهم، وإن تقدّم إمام غير الإمام الذي عقدوا الصلاة معه، فصلّى جالساً، فليس عليهم الجلوس ما دام الإمام الذي عقدوا معه الصلاة قائماً، فإذا كانت الحال هكذا في حدوث إمام بعد إمام استُعمل ما جاءت به الأخبار في مرض النبيّ وَ ◌ّ الذي مات فيه، وإذا كان مثل الحال الذي صلّى بهم النبيّ وَّر في منزله، وافتَتَح بهم الصلاةَ قاعداً، فعليهم القعود بقعوده . فتكون كلُّ سنّة من هاتين السنّتين مستقلّة في موضعها، ولا يبطل كلُّ واحدة للأخرى؛ أن معنى(٣) كلّ سنة غير معنى الأخرى. وقد تأوّل هذا المعنى بعينه أحمد بن حنبل، وكان أولى الناس بأن يقول هذا القول مَنْ مذهبه استعمال الأخبار كلّها إذا وَجَد إلى استعمالها سبيلاً، كاختلاف صفة صلاة الخوف على اختلاف الأحوال فيها، هذا لو كانت الأحوال لا تختلف في صلاة النبيّ وَّير في مرضه الذي مات فيه. وقالت طائفة: إن صلّى الإمام قاعداً صلّى المأمومون قياماً إذا أطاقوا، وصلّى كلُّ واحد فرضه، هذا قول الشافعيّ، قال: أمرُ النبيّ ◌َّ في حديث (١) هكذا نسخة ((الأوسط)) ولعله: ((فيمن روی)). (٢) هكذا النسخة، والظاهر أن الصواب: ((ما لم يحدُث بإمامهم الذي عقد بهم الصلاة علّة ... إلخ))، فتأمل، والله تعالى أعلم. (٣) كذا النسخة، وهو بتقدير لام التعليل؛ أي لأن معنى ... إلخ. ٥١ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اثْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) أنس، ومن حدّث معه في صلاة النبيّ وَّر أنه صلّى بهم جالساً، ومن خلفه جلوسٌ منسوخٌ بحديث عائشة أن النبيّ وَّ صلّى بهم في مرضه الذي مات فيه جالساً، وصلَّوا خلفه قياماً. وقال أصحاب الرأي في مريض صلّى قاعداً يسجد ويركع، فائتمّ به قوم فصلَّوا خلفه قياماً: يُجزيهم، وإن كان الإمام قاعداً يومئ إيماءً، أو مضطجعاً على فراشه يومئ إيماءً، والقوم يصلّون قياماً قال: لا يجزيه، ولا يجزئ القوم في الوجهين جميعاً. وقال أبو ثور كما قال الشافعيّ. وفي المسألة قول ثالث، قاله مالك، قال: لا ينبغي لأحد أن يؤمّ الناس قاعداً، وحُكي عن المغيرة أنه قال: ما يعجبني أن يصلّي الإمام بالقوم جلوساً، وقد روينا عن جابر الجعفيّ، عن الشعبيّ، أن النبيّ وَّ قال: ((لا يؤمّنّ أحد بعدي جالساً)). قال ابن المنذر: وهذا خبر واهٍ، تُحيط به العلل، جابر متروك الحديث، والحديث مرسل، وهو مخالف للأخبار الثابتة عن النبيّ وَلّ كثيراً. انتهى كلام ابن المنذر تَخْدَثُ ملخّصاً (١). وقال الحافظ تَّتُهُ: واستدلّ به - أي بحديث عائشة رضيّا المذكور الآتي - على صحّة إمامة القاعد المعذور بمثله، وبالقائم أيضاً، وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه، ومحمد بن الحسن، فيما حكاه الطحاويّ، ونَقَل عنه أن ذلك خاص بالنبيّ وَّة، واحتَجّ بحديث جابر، عن الشعبيّ مرفوعاً: ((لا يَؤُمَّنّ أحدٌ بعدي جالساً)). واعترضه الشافعيّ، فقال: قد عَلِم مَن احتجّ بهذا أن لا حجة فيه؛ لأنه مرسلٌ، ومن رواية رجل يَرْغَب أهلُ العلم عن الرواية عنه، يعني جابراً الجعفيّ. وقال ابن بزيزة: لو صَحّ لم يكن فيه حجة؛ لأنه يَحْتَمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس؛ أي يُعْرَب قوله: ((جالساً)) مفعولاً لا حالاً. (١) ((الأوسط)) ٢٠٥/٤ - ٢٠٨. ٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وحكى عياض عن بعض مشايخهم أن الحديث المذكور يدُلّ على نسخ أمره المتقدِّم لهم بالجلوس لَمّا صلَّوا خلفه قياماً. وتُعُقِّب بأن ذلك يَحتاج لو صحّ إلى تاريخ، وهو لا يصحّ، لكنه زَعَم أنه تَقَوَّى بأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحدٌ منهم، قال: والنسخ لا يثبت بعد النبيّ وَّه لكن مواظبتهم على ترك ذلك تشهد لصحة الحديث المذكور. وتُعُقِّب بأنّ عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع، ثم لو سُلُّم لا يلزم منه عدم الجواز؛ لاحتمال أن يكونوا اكتَفَوا باستخلاف القادر على القيام؛ للاتفاق على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله، وهذا كاف في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود. واحتَجَّ أيضاً بأنه وَّه إنما صلّى بهم قاعداً؛ لأنه لا يصح التقدم بين يديه؛ لنهي الله عن ذلك، ولأن الأئمة شُفَعاء، ولا يكون أحدٌ شافعاً له. وتُعُقّب بصلاته بَّهِ خلف عبد الرحمن بن عوف، وهو ثابت بلا خلاف، وصَحَّ أيضاً أنه صلّى خلف أبي بكر. والعجب أن عمدة مالك في منع إمامة القاعد قولُ ربيعة: إن النبيّ وَلـ كان في تلك الصلاة مأموماً خلف أبي بكر، وإنكاره أن يكون وَّرَ أَمَّ في مرض موته قاعداً، كما حكاه عنه الشافعيّ في ((الأم))، فكيف يدَّعي أصحابه عدم تصوير أنه صلّى مأموماً، وكأن حديث إمامته المذكور لَمّا كان في غاية الصحة، ولم يمكنهم ردُّهُ سلكوا في الانتصار وجوهاً مختلفة. وقد تبيّن بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف، أن المراد بمنع التقدم بين يديه في غير الإمامة، وأن المراد بكون الأئمة شفعاء، أي في حق مَن يَحتاج إلى الشفاعة . ثم لو سُلِّم أنه لا يجوز أن يؤمه أحدٌ لم يدل ذلك على منع إمامة القاعد، وقد أمَّ قاعداً جماعة من الصحابة بعده وَّر منهم أُسيد بن حُضير، وجابر، وقَيس بن قَهْد، وأنس بن مالك، والأسانيد عنهم بذلك صحيحةٌ، أخرجها عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم. بل ادَّعى ابنُ حبان وغيره إجماع الصحابة على صحة إمامة القاعد. وقال أبو بكر ابن العربيّ: لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النبيّ وَله (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اثْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) يَخْلُص عند السبك، واتّباع السنة أولى، والتخصيصُ لا يثبت بالاحتمال، قال: إلا أني سمعت بعض الأشياخ يقول: الحال أحد وجوه التخصيص، وحال النبيّ ◌َّ، والتبرك به، وعدم العِوَض عنه، يقتضي الصلاة معه على أيِّ حال كان عليها، وليس ذلك لغيره، وأيضاً فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يُتَصَوَّر في حقه، ويتصور في حق غيره. والجواب عن الأول ردُّه بعموم قوله وَّيهِ: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلي))، وعن الثاني بأن النقص إنما هو في حقّ القادر في النافلة، وأما المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم. واستُدِلّ به على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعداً إذا صلّى الإمام قاعداً؛ لكونه وَلّ أقرّ الصحابة على القيام خلفه، وهو قاعدٌ، هكذا قرره الشافعيّ، وكذا نقله البخاريّ في آخر الباب عن شيخه الحميديّ، وهو تلميذ الشافعيّ، وبذلك يقول أبو حنيفة، وأبو يوسف، والأوزاعيّ، وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك. وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعداً لمرض يُرْجَى برؤه، فحينئذ يصلّون خلفه قُعُوداً، ثانيتهما إذا ابتدأ الإمام الراتب قائماً لزم المأمومين أن يصلُّوا خلفه قياماً سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعداً أم لا، كما في الأحاديث التي في مرض موت النبيّ وَّ، فإن تقريره لهم على القيام دلّ على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة؛ لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائماً، وصلَّوا معه قياماً بخلاف الحالة الأولى، فإنه وَّ ابتدأ الصلاة جالساً، فلما صلَّوا خلفه قياماً أنكر عليهم. ويُقَوِّي هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ، لا سيّما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النسخ مرتين؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلّي قاعداً، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلّى إمامه قاعداً، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين، وهو بعيد، وأبعد منه ما تقدَّم عن نقل عياض، فإنه يقتضي وقوع النسخ ثلاث مرات. وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية، كابن خزيمة، وابن ٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة المنذر، وابن حبان، وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى، منها: قولُ ابن خزيمة: إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلّي قاعداً تبعاً لإمامه لم يُختَلَف في صحتها، ولا في سياقها، وأما صلاته نَّ قاعداً، فاختُلِف فيها، هل كان إماماً أو مأموماً؟ قال: وما لم يُخْتَلَف فيه لا ينبغي تركه لمختَلَف فيه. وأجيب بدفع الاختلاف، والحمل على أنه كان إماماً مرةً، ومأموماً أخرى. ومنها: أن بعضهم جمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز، فعلى هذا الأمرِ مَن أَمَّ قاعداً لعذر تَخَيَّر مَن صلّى خلفه بين القعود والقيام، والقعودُ أولى؛ لثبوت الأمر بالائتمام والاتباع، وكثرة الأحاديث الواردة في ذلك. وأجاب ابن خزيمة عن استبعاد مَن استبعد ذلك بأن الأمر قد صدر من النبيّ وَّ بذلك، واستمرّ عليه عمل الصحابة في حياته وبعده، فَرَوَى عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن قيس بن فَهْد - بفتح القاف، وسكون الهاء - الأنصاريّ أن إماماً لهم اشتكى لهم على عهد رسول الله وَله، قال: فكان يؤمّنا، وهو جالس، ونحن جلوس. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح، عن أُسيد بن حُضير أنه كان يؤمُّ قومه، فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يصلّي بهم، فقال: إني لا أستطيع أن أصلّي قائماً، فاقعدوا، فصلّى بهم قاعداً، وهم قعود. وروى أبو داود من وجه آخر عن أُسيد بن حُضير، أنه قال: يا رسول الله إن إمامنا مريضٌ، قال: ((إذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً))، وفي إسناده انقطاع. ورَوَى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن جابر، أنه اشتكى، فحضرت الصلاة، فصلّى بهم جالساً، وصلَّوا معه جلوساً. وعن أبي هريرة أنه أفتى بذلك، وإسناده صحيح أيضاً. وقد ألزم ابن المنذر من قال بأن الصحابيّ أعلم بتأويل ما رَوَى بأن يقول بذلك؛ لأن أبا هريرة وجابراً رويا الأمر المذكور، واستمرّا على العمل به، والفتيا بعد النبيّ وََّ، ويلزم ذلك من قال: إن الصحابي إذا رَوَى وعَمِل بخلافه أن العبرة بما عَمِل من باب أولى؛ لأنه هنا عَمِل بوفق ما رَوَى. ٥٥ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اقْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) وقد ادَّعَى ابن حبان الإجماع على العمل به، وكأنه أراد السكوتيّ؛ لأنه حكاه عن أربعة من الصحابة الذين تقدم ذكرهم، وقال: إنه لا يُحْفَظ عن أحد من الصحابة غيرهم القول بخلافه، لا من طريق صحيح ولا ضعيف، وكذا قال ابن حزم: إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة خلافُ ذلك، ثم نازع في ثبوت كون الصحابة صَلَّوا خلفه وَّر، وهو قاعد قياماً غير أبي بكر، قال: لأن ذلك لم يَرِد صريحاً، وأطال في ذلك بما لا طائل فيه، والذي ادَّعى نفيه قد أثبته الشافعيّ، وقال: إنه في رواية إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. قال الجامع عفا الله عنه: لا حجة في هذا؛ لأن الشافعي لم يروه متّصلاً، ومعلوم أنه يروي عن إبراهيم بن أبي يحيى، وقد كذّبه أبو داود وغيره، فتنبّه. قال الحافظ: ثم وجدته مُصَرَّحاً به أيضاً في ((مصنف عبد الرزاق))، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، فذكر الحديث، ولفظه: ((فصلّى النبيّ نَّ قاعداً، وجعل أبو بكر وراءه بينه وبين الناس، وصلّى الناس وراءه قياماً))، وهذا مرسلٌ يَعتضد بالرواية التي علَّقها الشافعيّ، عن النخعيّ، وهذا هو الذي يقتضيه النظر، فإنهم ابتدؤوا الصلاة مع أبي بكر قياماً بلا نزاع، فمن ادَّعَى أنهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي ما يردّ هذا، وكيف يحتجّ بمرسل عطاء، وقد ضعّفه الأئمة؟ ضعّفه يحيى القطان؛ لأنه يأخذ عن الضعفاء، وكذلك ضعّفه الإمام أحمد، بل قال: مراسيل الحسن وعطاء أضعف المراسيل؛ لأنهما يأخذان عن كلِّ؛ أي كلّ الناس الثقات والضعفاء، راجع ما كتبه الحافظ ابن رجب كَّتُهُ في ((شرح علل الترمذيّ))(١). قال: ثم رأيت ابن حبّان استَدَلّ على أنهم قعدوا بعد أن كانوا قياماً بما رواه من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: ((اشتكى رسول الله وَله، فصلينا وراءه، وهو قاعدٌ، وأبو بكر يُسمع الناس تكبيره، قال: فالتفت إلينا فرآنا قياماً، فأشار إلينا فقعدنا، فلما سلَّم قال: إن كدتم لتفعلون فعل فارس والروم، فلا تفعلوا ... )) الحديث، وهو حديث صحيحٌ، أخرجه مسلم، لكن ذلك لم (١) ٣١٩/١ - ٣٢٠ بنسخة تحقيق نور الدين عتر. ٥٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة يكن في مرض موته، وإنما كان ذلك حيث سَقَط عن الفرس، كما في رواية أبي سفيان، عن جابر أيضاً، قال: ((رَكِب رسول الله وَّه فرساً بالمدينة، فصرعه على جِذْع نخلة، فانفَكَّت قدمه ... )) الحديث، أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، بإسناد صحيح، فلا حجة على هذا لما ادّعاه، إلا أنه تمسك بقوله في رواية أبي الزبير: ((وأبو بكر يُسمع الناس التكبير))، وقال: إن ذلك لم يكن إلا في مرض موته؛ لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مَشْرُبة عائشة، ومعه نفر من أصحابه، لا يحتاجون إلى من يُسمعهم تكبيره، بخلاف صلاته في مرض موته، فإنها كانت في المسجد بجمع كثير من الصحابة، فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم التكبير. انتھی. ولا راحة له فيما تمسك به؛ لأن إسماع التكبير في هذا لم يتابع أبا الزبير عليه أحدٌ، وعلى تقدير أنه حفظه، فلا مانع أن يُسمعهم أبو بكر التكبير في تلك الحالة؛ لأنه يُحْمَل على أن صوته وَ لّ كان خفيّاً من الوجع، وكان من عادته أن يجهر بالتكبير، فكان أبو بكر يجهر عنه بالتكبير لذلك، ووراء ذلك كلِّه أنه أمر مُحْتَمِل لا يُتْرَك لأجله الخبر الصريح بأنهم صلَّوا قياماً، كما تقدم في مرسل عطاء وغيره، بل في مرسل عطاء أنهم استمروا قياماً إلى أن انقضت الصلاة. قال الجامع عفا الله عنه: هذا فيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن مرسل عطاء ضعيف، كما أسلفناه آنفاً، فلا يكون حجة في المسألة، فتدبّر، ومما يؤيّد ذلك ما أشار إليه بقوله: نعم وقع في مرسل عطاء المذكور متصلاً به بعد قوله: ((وصلّى الناس وراءه قياماً))، فقال النبيّ وَّه: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ ما صلّيتم إلا قعوداً، فصلُّوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلّى قائماً، فصلّوا قياماً، وإن صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً))، وهذه الزيادة تُقَوِّي ما قال ابن حبان أن هذه القصة كانت في مرض موت النبيّ ◌َل﴾. قال الجامع عفا الله عنه: هذا هو العدل، فلو قدّرنا صلاحية مرسل عطاء للاحتجاج به، لكان الاحتجاج بهذه الزيادة أولى وأقرب، فنقول: إن حجة دعوى النسخ بمرسل عطاء بطلت بما دلّت عليه هذه الزيادة؛ لأنه أمرهم بأن يصلّوا قعوداً إذا صلّى الإمام قاعداً. ٥٧ (٢٠) - بَابُ وُجُوبٍ اقْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) والحاصل أن الظاهر صحّة ما قاله ابن حبّان تَخّْتُهُ في المسألة، والله تعالى أعلم. قال: ويستفاد منها - أي من هذه الزيادة - نسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومين قعوداً إذا صلّى إمامهم قاعداً؛ لأنه وتس لم يأمرهم في هذه المرة الأخيرة بالإعادة، لكن إذا نُسخ الوجوب يبقى الجواز، والجواز لا ينافي الاستحباب، فيُحْمَل أمره الأخير بأن يصلُّوا قعوداً على الاستحباب؛ لأن الوجوب قد رُفِع بتقريره لهم، وترك أمرهم بالإعادة، هذا مقتضى الجمع بين الأدلة، وبالله التوفيق، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ المحقّق ◌َظُّهُ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ تَغْتُهُ أخيراً تحقيقٌ حسنٌ، إلا احتجاجه على الاستحباب بمرسل عطاء المذكور؛ لأنك عرفت أنه ضعيف، فتأمّل. وبالجملة فهذا يدلّ على إنصاف الحافظ تَُّ في هذه المسألة حيث خالف مذهبه؛ لأن مذهب الشافعي بخلافه، وهذا هو الذي يجب على كلّ مسلم عَرَفَ صحيح الأحاديث من سقيمها، وعَرَف الجمع بين مختلفها، لا أن يتعصّب لرأي بعض الناس، فيتكلّف ويتعسّف بتأويل ما لا يقبل التأويل، وهو صرف ظواهر الأحاديث عن مقتضاها؛ لمخالفتها مذهبه. والحاصل أن الأرجح ما ذهب إليه من قال: إن من صلّى خلف إمام يصلّي قاعداً لعذر منعه من القيام يصلّي قاعداً تبعاً لإمامه كما فعل الصحابة وراء النبيّ وَّر بأمره، ولكن إن صحّ ما دلّ عليه مرسل عطاء المذكور، فلا مانع لمن صلّى قائماً؛ لأنه وَلو أقرّهم عليه، ولم يأمرهم بإعادة ما صلّوا قائمين، فدلّ على جوازه، وإن كان الأولى الصلاة قاعداً؛ لأمره وَلّ به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف الروايات، هل كان النبيّ وَّ الإمامَ، أو أبو بكر الصدّيق ظُه هو الإمام؟: (اعلم): أن جماعةً قالوا: الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضيّا صريح في أن النبيّ وَّ كان هو الإمامَ؛ لأنه جَلَس عن يسار أبي بكر، ولقوله: فكان رسول الله وسلم يصلّي بالناس جالساً، وأبو بكر قائماً يقتدي به، وكان أبو بكر مبلغاً؛ لأنه لا يجوز أن يكون للناس إمامان. ٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقالت طائفة: كان أبو بكر هو الإمامَ؛ لما رواه شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، أن النبيّ وَلّ صلّى خلف أبي بكر، وفي رواية مسروق عنها: أنه وَ لّ صلّى خلف أبي بكر جالساً في مرضه الذي تُؤُفِّي فيه . وروي حديث عائشة بطرق كثيرة في ((الصحيحين)) وغيرهما، وفيه اضطراب غير قادح، وقال البيهقيّ: لا تعارض في أحاديثها، فإن الصلاة التي كان فيها النبيّ وَّ إماماً، هي صلاة الظهر يوم السبت، أو يوم الأحد، والتي كان فيها مأموماً هي صلاة الصبح من يوم الاثنين، وهي آخر صلاة صلّاها وَل حتى خرج من الدنيا . وقال نعيم بن أبي هند: الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحةٌ، وليس فيها تعارضٌ، فإن النبيّ وَ لَّ صلّى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد، في إحداهما كان إماماً، وفي الأخرى كان مأموماً. وقال الضياء المقدسيّ، وابن ناصر: صحّ وثبت أنه وَّ صلّى خلفه مقتدياً به في مرضه الذي تُوُفّي فيه ثلاث مرات، ولا ينكر ذلك إلا جاهل، لا علم له بالرواية. وقيل: إن ذلك كان مرتين؛ جمعاً بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان. وقال ابن عبد البر: الآثار الصحاح على أن النبيّ هو الإمام، ذكر هذا كلّه العينيّ في ((العمدة))(١). وقال في ((الفتح)) ما حاصله: روى ابن خزيمة في (صحيحه) عن محمد بن بشار، عن أبي داود، عن شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ◌ّا قالت: ((من الناس من يقول: كان أبو بكر المقدَّم بين يدي رسول الله (18 في الصفّ، ومنهم من يقول: كان رسول الله وَ له هو المقدَّم))، ورواه مسلم بن إبراهيم، عن شعبة، بلفظ: ((أن النبيّ وَّ صَلَّى خلف أبي بكر))، أخرجه ابن المنذر، وهذا عكس رواية أبي موسى، وهو اختلاف شدیدٌ. (١) راجع ((عمدة القاري)) ١٩١/٥. ٥٩ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اثْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) ووقع في رواية مسروق عنها أيضاً اختلاف، فأخرجه ابن حبان من رواية عاصم، عن شقيق، عنها بلفظ: ((كان أبو بكر يصلّي بصلاته، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر))، وأخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن خزيمة، من رواية شعبة، عن نعيم بن أبي هند، عن شقيق، بلفظ: ((أن النبيّ وَّ صلّى خلف أبي بكر)). وظاهر رواية محمد بن بشار أن عائشة لم تشاهد الهيئة المذكورة، ولكن تضافرت الروايات عنها بالجزم بما يدل على أن النبيّ ◌َّ كان هو الإمام في تلك الصلاة . منها: رواية موسى بن أبي عائشة التي أشرنا إليها - يعني الرواية المذكورة هنا - ففيها: ((فجَعَل أبو بكر يصلّي بصلاة النبيّ وَّل، والناس بصلاة أبي بكر))، وهذه رواية زائدة بن قُدامة، عن موسى. وخالفه شعبة أيضاً، فرواه عن موسى، بلفظ: ((أن أبا بكر صلّى بالناس، ورسول الله وَلّ في الصف خلفه)). فمن العلماء: مَن سَلَك الترجيح، فقدَّم الرواية التي فيها أن أبا بكر كان مأموماً للجزم بها، ولأن أبا معاوية أحفظ في حديث الأعمش من غيره. ومنهم: مَن سَلَك عكس ذلك، ورَجّح أنه كان إماماً، وتمسك بقول أبي بكر ربه الآتي في الباب التالي: ((ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ◌َچ)). ومنهم: مَن سَلَك الجمعَ، فحمل القصة على التعدد، وأجاب عن قول أبي بكر كما سيأتي في بابه. ويؤيده اختلاف النقل عن الصحابة، غير عائشة ها، فحديث ابن عباس فيه: أن أبا بكر كان مأموماً، وكذا في رواية أرقم بن شُرَحبيل عن ابن عباس(١)، وحديث أنس فيه: أن أبا بكر كان إماماً، أخرجه الترمذيّ وغيره من (١) هو ما أخرجه ابن ماجه في ((سننه)) بإسناد حسن (١٢٣٥) عن الأرقم بن شُرَحبيل، عن ابن عباس، قال: لَمّا مرض رسول الله وَّر مرضه الذي مات فيه، كان في بيت عائشة، فقال: ((ادعوا لي عليّاً))، قالت عائشة: يا رسول الله، ندعو لك أبا بكر؟ قال: ((ادعوه))، قالت حفصة: يا رسول الله، ندعو لك عمر؟ قال: ((ادعوه))، قالت= ٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة رواية حُميد، عن ثابت، عنه، بلفظ: ((آخرُ صلاة صلّاها النبيّ وَّ خلف أبي بكر في ثوب))، وأخرجه النسائيّ من وجه آخر، عن حميد، عن أنس، فلم يذكر ثابتاً. انتهى ما في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي من هذه التوجيهات للاختلافات في أحاديث الباب قول من حمل القصّة على التعدّد، ففي بعض الصلاة كان النبيّ بِّل هو الإمام، وفي بعضها صلّى خلف أبي بكر؛ لأن في بعض الروايات التصريح بذلك، أما كونه ◌َله إماماً فأحاديث ((الصحيحين)) وغيرهما من حديث عائشة واضحة فيه، وأما كونه مأموماً، فكذلك دلّت عليه بعض الأحاديث الصحيحة، کحديث أنس به المذكور، وهو حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: ذكر الإمام ابن حبّان تَُّ في ((صحيحه)) بعد جمعه بين أحاديث الباب؛ ما نصّه: ولا يتوهّمَنّ متوهمٌ أن الجمع بين الأخبار على حسب ما جمعنا بينها في هذا النوع من أنواع السنن يضادُّ قول الشافعيّ - رحمة الله، ورضوانه عليه - وذلك أن كلَّ أصل تكلمنا عليه في كتبنا، أو فرع استنبطناه من أم الفضل: يا رسول الله، ندعو لك العباس؟ قال: ((نعم))، فلما اجتمعوا رفع رسول الله صل رأسه، فنظر، فسكت، فقال عمر: قوموا عن رسول الله وَطير، ثم جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: ((مروا أبا بكر، فليصلّ بالناس))، فقالت عائشة: ((يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيقٌ حَصِرٌ، ومتى لا يراك ییکي، والناس ییکون، فلو أمرت عمر يصلي بالناس، فخرج أبو بكر، فصلى بالناس، فوجد رسول الله وله في نفسه خِفّة، فخرج يهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض، فلما رآه الناس سبّحوا بأبي بكر، فذهب ليستأخر، فأومأ إليه النبيّ وَّ أي مكانك، فجاء رسول الله (1993، فجلس عن يمينه، وقام أبو بكر، فكان أبو بكر يأتم بالنبيّ وَآت، والناس يأتمون بأبي بكر، قال ابن عباس: وأخذ رسول الله وَلهم من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر، قال وكيع: وكذا السنة، قال: فمات رسول الله وَّ في مرضه ذلك. انتهى. (١) ((الفتح)) ١٨١/٢ - ١٨٢.