النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ (١٩) - بَابُ التَّأْمِينِ - حديث رقم (٩٢٠) والنسائيّ عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه، قال: صلّيت خلف النبيّ ◌َلآ، فعَطَست، فقلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، مباركاً عليه، كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله وَ ﴿ انصرف، فقال: ((من المتكلم في الصلاة؟)) فلم يكلمه أحدٌ ... وفيه: فقال النبيّ وَلّ: ((والذي نفسي بيده، لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكاً، أيُّهم يَصْعَد بها)). فهذا دليل على أنّ الحمد للعطاس في الصلاة مشروع، فكيف يجب بسببه استئناف الفاتحة؟ هذا غريب، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ١٠ - (ومنها): أن المستحب الاقتصار على التأمين عقب الفاتحة، من غير زيادة عليه اتّباعاً للحديث، وأما ما رواه البيهقيّ، من حديث وائل بِن حُجْر ◌َهُ أنه سمع رسول الله وَ ﴿ حين قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا اَلْضَّآلّينَ﴾، قال: ((رب اغفر لي آمين))، فإن في إسناده أبا بكر النَّهْشليّ، وهو ضعيف، وفي ((الأم)) للشافعيّ نَُّ: فإن قال: آمين ربَّ العالمين كان حسناً، ونقله النوويّ في زوائده في ((الروضة)). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي نُقل عن الشافعيّ: يحتاج إلى دليل، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ذكر في ((الفتح)) ما نصّه: وفي الحديث حجةٌ على الإمامية في قولهم: إن التأمين يُبطل الصلاة؛ لأنه ليس بلفظ قرآن: ولا ذكر، ويمكن أن يكون مستندهم ما نُقِل عن جعفر الصادق أن معنى آمين: أي قاصدين إليك، وبه تمسك من قال: إنه بالمد والتشديد، وصرح المتولي من الشافعية بأن من قاله هكذا بطلت صلاته. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ليت صاحب ((الفتح)) لم يذكر خلاف الإماميّة هنا؛ لأن هذه الفرقة ليست ممن يُعدّ في الإجماع ولا الخلاف، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجهر بـ«آمين)): قال الإمام ابن المنذر رَّتُهُ بعد ذكر أحاديث الجهر بالتأمين، ما نصّه: فقد ثبت الجهر بالتأمين عن رسول الله وَللز من وجوه، وممن كان يؤمّن على إثر القراءة من أصحاب رسول الله وَس9: عبد الله بن الزبير ها، ويؤمّن من خلفه ٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة حتى إن للمسجد للَجّةً، ثم قال: إنما ((آمين)) دعاء، وكان ابن عمر ◌ًَّا إذا ختم ((أم القرآن)) قال: ((آمين))، وروي ذلك عن أبي هريرة ◌ُبه، وبه قال عطاء، والأوزاعيّ، واختلف فيه عن الأوزاعيّ، فحكى الوليد بن مسلم عنه أنه كان يرى الجهر بـ(آمين))، وحَكَى عنه الوليد بن يزيد(١) أنه قال: خمس يُخْفيهنّ الإمام، فذكر ((آمين)). وقال أحمد: يجهر بـ((آمين))، وبه قال إسحاق، ويحيى بن يحيى، وسليمان بن داود، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وقال أبو هريرة، وهلال بن يساف: ((آمين)) اسم من أسماء الله. وكان أصحاب الرأي يرون أن يُخفي الإمام ((آمين))، وقال سفيان الثوريّ: فإذا فرغت من قراءة فاتحة الكتاب، فقل: ((آمين)) تُخفيها. انتهى كلام ابن المنذر نَظْتُ ملخّصاً (٢). قال الجامع عفا الله عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: باستحباب الجهر بـ((آمين))؛ لثبوته عن النبيّ وَّر، فقد أخرج أبو داود من حديث وائل بن حجر ظبه، قال: صليت خلف النبيّ وَّه، فجهر بـ((آمين))، وفي لفظ له: ((ورفع بها صوته))، ورواه الترمذيّ، وحسّنه بلفظ: ((ومدّ بها صوته))، وأخرجه الحاكم، وصحّحه. وأما رواية شعبة في هذا الحديث: ((وخَفَض بها صوته))، فهي خطأ خَطّأه فيها البخاريّ، وأبو زرعة، وغيرهما . ولأبي داود، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ظه بإسناد جيّد مرفوعاً: ((كان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِينَ﴾ قال: آمين، حتى يسمعها أهل الصف الأول، فيرتجّ بها المسجد)). وقد استوفيت البحث في هذه المسألة فيما كتبته على النسائيّ، فارجع إليه، تستفد علماً جمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. (١) هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من ((الوليد بن مَزْيَد))، فليُحرّر. (٢) ((الأوسط)) ١٣١/٣ - ١٣٢. ٢٣ (١٩) - بَابُ التَّأْمِينِ - حديث رقم (٩٢١ - ٩٢٢) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٢١] (.) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَالِكِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ ابْنِ شھَاب). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى) بن حَرملة بن عمران النُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حافظ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. والباقون تقدّموا قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِك إلخ) يعني أن حديث يونس عن الزهريّ مثل حديث مالك عنه، غير أنه لم يذكر مرسل الزهريّ. [تنبيه]: رواية يونس هذه، أخرجها الحافظ أبو عوانة في ((مسنده)) (١/ ٤٥٥)، فقال : (١٦٨٥) حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة، أن أبا هريرة، قال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ يقول: ((إذا أمَّن الإمام فأمّنوا، فإن الملائكة تؤمِّن، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غُفِر له ما تقدم من ذنبه)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٢٢] ( .. ) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَطِّ قَالَ: ((إِذَا قَالَ ٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ آمِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ، فَوَافَقَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. ٢ - (أَبُو يُونُسَ) سُليم بن جُبير الدَّوْسيّ المصريّ، مولى أبي هريرة ـه ، ثقةٌ [٣] (ت١٢٣) (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٠/٣٤. والباقون تقدّموا في الذي قبله، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٢٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَالْمَلَائِكَّةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى(١)، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت٢٢١) (خ م د ت س) تقدم في ((الطهارة)) ١٧ / ٦١٧. ٢ - (الْمُغِيرَةُ) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الْحِزَاميّ المدنيّ، وقد نزل عسقلان، لقبه قُصَيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٢٦/ ٦٥٣. ٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥. ٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣. (١) وفي نسخة: ((فوافق أحدهما الآخر)). ٢٥ (١٩) - بَابُ التَّأْمِينِ - حديث رقم (٩٢٤) وقوله: ((إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ) وفي رواية البخاريّ: ((وقالت الملائكة)). [تنبيه]: احتجّ الإمام البخاريّ تَخْلُّ بهذا الحديث على فضل التأمين، فترجم عليه، فقال: ((باب فضل التأمين))، ووجه ذلك أنّ هذه الرواية مطلقة، غير مقيدة بحال الصلاة، قال ابن الْمُنَيِّرِ كَذَتُ: وأَيُّ فضل أعظم من كونه قولاً يسيراً، لا كلفة فيه، ثم قد ترتبت عليه المغفرة؟. انتهى. وقال الحافظ ◌َُّهُ: ويؤخذ منه مشروعية التأمين لكل من قرأ الفاتحة، سواء كان داخل الصلاة أو خارجها؛ لقوله: ((إذا قال أحدكم))، لكن في رواية مسلم من هذا الوجه: ((إذا قال أحدكم في صلاته))، فيُحْمَل المطلق على المقيد، نعم في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد، وساق مسلم إسنادها: ((إذا أَمّن القارئ فأمّنوا))، فهذا يُمكن حمله على الإطلاق، فيستحب التأمين إذا أمّن القارئ مطلقاً لكل من سمعه من مصلٍّ أو غيره، ويمكن أن يقال: المراد بالقارئ الإمام إذا قرأ الفاتحة، فإن الحديث واحدٌ اختَلَفت (١) ألفاظه. انتهى قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم قريباً أن التقييد هو الأظهر؛ لاتحاد الحديث، ويوضّح ذلك قوله في رواية سهيل، عن أبيه الآتية بعد حديث بلفظ: ((إذا قال القارئ ﴿غَيْرِ اٌلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾، فقال من خلفه: آمين ... )) الحديث، فقد بيّن فيه أن المراد الإمام القارئ في الصلاة، فتأمّل، والله تعالى أعلم. (فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) وفي بعض النسخ: ((فوافق أحدهما الآخر))، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [٩٢٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنٍِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَِّيِّ ◌َِّ بِمِثْلِهِ). (١) ((الفتح)) ٣١١/٢. ٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س)ً تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظً مصنّف شهير، عمي في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّه) بن كامل الأبناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، أخو وهب، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. و ((أَبُو هُرَيْرَةَ ﴿ه) ذُكر قبله. وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن رواية همّام عن أبي هريرة ظُه مثل رواية الأعرج، عنه. [تنبيه]: رواية همّام هذه أخرجها الإمام أبو عوانة في ((مسنده)) (٤٥٦/١) فقال : (١٦٩٢) حدّثنا السلميّ، قال: ثنا عبد الرزّاق، أنبأ معمر، عن همّام بن منبّه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة: آمين في السماء، فوافق إحداهما الأخرى، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه)). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٩٢٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - بَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١) عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِذَا (١) وفي نسخة: ((يعقوب بن عبد الرحمن)). ٢٧ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ انْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) قَالَ الْقَارِئُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ﴾، فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ: آمِينَ، فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). هذا الإسناد هو إسناد الحديث الثاني من أحاديث هذا الباب، وقد تقدّم الكلام فيه هناك. وقوله: (إِذَا قَالَ الْقَارِئُ) المراد الإمام القارئ للفاتحة بدليل قوله: ((فقال من خلفه: آمين))، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (٢٠) - (بَابُ وُجُوبِ اثْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٩٢٦] (٤١١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَقَطَ النَّبِيُّ بَّهِ عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدَاً، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُوداً، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ(١) قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِداً، فَصَلُّوْا قُعُوداً أَجْمَعُونَ))). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قريباً. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م دس) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قبل بابين. (١) وفي نسخة: ((صلاته)). ٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة حافظٌ [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران ميمون الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ حجة فقيه، من كبار [٨] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٣. ٦ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير، مات ظُه سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ◌َظّتُهُ، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٤٥) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ستّة من الشيوخ قرن بينهم. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه: يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، وزهير، فما أخرج لهما الترمذيّ، وعمرو الناقد، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الأصول الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثاً، ومن المعمّرين، فقد جاوز المائة، وهو خادم رسول الله وير المعروف، خدمه ، بالبصرة، والله تعالى أعلم. عشر سنين، وهو آخر من مات من الصحابة . شرح الحدیث: (يَقُولُ: سَقَطَ) (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) . بالبناء للفاعل (النَّبِيُّ وَّهِ عَنْ فَرَسٍ) أي وقع على الأرض عن ظهر فرس ركبها، يقال: سَقَطَ سُقُوطاً، من باب قعد: وقع من أعلى إلى أسفل، ويتعدّى بالألف، فيقال: أسقطه(١). (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٨٠/١. ٢٩ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اثِْمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) و((الفرسُ)) بفتحتين يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفرس، وهي الفرس، وتصغير الذكر فُرَيسٌ، والأنثى فُريسةٌ على القياس، وجُمعت الفرس على غير لفظها، فقيل: خَيْلٌ، وعلى لفظها، فقيل: ثلاثة أفراس بالهاء للذكور، وثلاث أفراس بحذفها للإناث(١). [تنبيه]: قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرف الفرس الذي سقط منه وَه بعينه، وله ◌َّ سبعة أفراس متّفقٌ عليها، قال الشاعر [من البسيط]: لِزَازُ مُرْتَجِزٌ وَرْدٌ لَهَا اسْرَارُ وَالْخَيْلُ سَكْبٌ لُحَيْفُ سَبْحَةٌ ظَرِبٌ (٢) انتھی(٢). وقال الحافظ العراقيّ ◌َخْلُهُ في ((ألفيّة السيرة)): مُرْتَجِزٌ وَرْدٌ لُحَيْفٌ سَبْعَةُ سَكْبٌ لِزَازٌ ظَرِبٌ وَسَبْحَةُ وَالْخُلْفُ فِي مُلَاوِحٍ وَالطَّرْفِ وَلَيْسَ فِيهَا عِنْدَهُمْ مِنْ خُلْفٍ مِرْوَاحُ بَحْرٌ أَذْهَمٌ نَجِيبُ كَذَاكَ ضَرْسٌ وَشَحَا مَنْدُوبُ سِرْحَانُ وَالْعُقَالُ سِجْلٌ يَعْبُوبْ(٣) أَبْلَقُ مَعْ مُرْتَجِلٍ وَيَعْسُونْ (فَجُحِشَ) بضم الجيم، وكسر الحاء المهملة، بعدها شين معجمة، مبنيّاً للمفعول؛ أي: قُشِرَ جلدُهُ، وخُدِش، وذكر بعضهم أن الْجَحْش أكبر من الْخَدْش، وفي رواية للبخاريّ: ((فخُدِش، أو فجُحِش))، قال في ((الطرح)): وهذا يقتضي فرقاً بينهما، إلا أن يكون شكّاً من الراوي في اللفظ المقول(٤). وقال القاضي عياض كَُّ: قد يكون ما أصاب رسول الله وَلجه من ذلك السقوط مع الخدش رَضٌّ في الأعضاء، وتوَجُعٌ، فلذلك منعه القيام في (٥) الصلاة. انتهى (شِقُهُ الْأَيْمَنُ) بالرفع على أنه نائب فاعل ((جُحِشَ))، و((الشِّقُّ)) - بكسر الشين المعجمة -: الجانب. (١) ((المصباح المنير)) ٣٦٧/٢. (٢) ((تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم)) ص ١٢٣ - ١٢٤. (٣) راجع: ((العُجالة السنّة)) شرح ((ألفيّة السيرة النبويّة)) ص٢٦٢ - ٢٦٣. (٤) ((طرح التثريب)) ٣٤٣/٢ - ٣٤٤. (٥) ((إكمال المعلم)) ٣١١/٢. ٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وفي رواية الليث، عن الزهريّ التالية الاقتصار على قوله: ((فَجُحِش))، وهي في ((الصحيحين))، وفي رواية للبخاريّ عن ابن عيينة: ((حَفِظت شقَّه الأيمنَ))، فلما خرجنا من عند الزهريّ قال ابن جريج: ((فَجُحِش ساقه الأيمن)). انتھی. قال في ((الطرح)): وقوله: ((فَجُحش ساقه الأيمن)) لا ينافي قوله في الرواية المشهورة: ((شقه الأيمن))؛ لأن الْجَحْش لم يستوعب الشِّقَّ، وإنما كان في بعضه، وقد تبيّن بتلك الرواية أن ذلك البعض هو الساق، وفي ((سنن أبي داود)) وغيره، عن جابر نَُّه: ((رَكِبَ رسول الله وَّ فرساً بالمدينة، فَصَرَعه على جِذْعِ نخلةٍ، فانفكَّت قدمه ... )) الحديث، فيَحْتَمِل أن يقال في الجمع بينه وبين حديث أنس ◌َظُه: لا مانع من حصول فَكّ القدم، وقَشْرِ الجلد معاً ويحتمل أنهما واقعتان. انتهى (١). ، (عَلَيْهِ نَعُودُهُ) أي يزورونه، يقال: (فَدَخَلْنَا) أي جماعة الصحابة ظّ عُدتُ المريضَ عِيَادةً: زُرْتُهُ، فالرجل عائدٌ، وجمعه عُوّادٌ، والمرأة عائدةٌ، وجمعها عُوَّدٌ بغير ألف، قاله الأزهريّ، وإلى هذا أشار ابن مالك تَُّ في ((الخلاصة» بقوله: وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ وَفُعَلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَاماً نَدَرَا وَمِثْلُهُ الْفُغَالُ فِيمَا ذُكِّرَا والجملة في محلّ نصبٍ على الحال من فاعل ((دخلنا)). (فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ) وكذا هو في رواية حميد، عن أنس، عند الإسماعيليّ، وفي رواية مالك، عن ابن شهاب، عن البخاريّ: ((فصلى صلاةً من الصلوات)). قال القرطبيّ تَظُّهُ: قوله: ((فحضرت الصلاة)) اللام للعهد ظاهراً، والمراد الفرض؛ لأنها التي عُرِف من عادتهم أنهم يجتمعون لها، بخلاف النافلة، وحَكَى عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفلاً. وتعقب الحافظ هذا، بأن في رواية جابر عند ابن خزيمة، وأبي داود (١) ((طرح التثريب)) ٣٤٤/٢. ٣١ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ انْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) الجزم بأنها فرضٌ، لكن لم أقف على تعيينها، إلا أن في حديث أنس: ((فصلى بنا يومئذ))، فكأنها نهاريّة الظهر، أو العصر. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: لفظ حديث أبي داود في ((سننه)): (٦٠٢) حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، ووكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: رَكِب رسول الله ﴿ ﴿ فرساً بالمدينة، فصَرَعه على جِذْم نخلةٍ، فانفكَّت قدمه، فأتيناه نعوده، فوجدناه في مشرُبة لعائشة يُسَبِّحُ جالساً، قال: فقمنا خلفه، فسكت عنّا، ثم أتيناه مرةً أخرى نعوده، فصَلَّى المكتوبة جالساً، فقمنا خلفه، فأشار إلينا، فقعدنا، قال: فلما قَضَى الصلاة قال: ((إذا صَلَّى الإمام جالساً، فصلوا جلوساً، وإذا صلى الإمام قائماً، فصلوا قياماً، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها)). انتهى. والحديث صحيحٌ، وهو صريح في أنهم دخلوا عليه يعودونه مرّتين، ففي المرّة الأولى صلَّوا وراءه نافلةً قياماً، وهو جالسٌ، وفي المرّة الثانية صلَّوا وراءه فريضةً قياماً، فأشار عليهم بالجلوس، فدلّ على اختلاف الحكم بين الفريضة والنافلة، وأن تلك الصلاة التي أمرهم بالجلوس فيها كانت فريضة، والله تعالى أعلم. قال الحافظ: لكن لم أقف على تعيينها، إلا أن في حديث أنس بنظ ◌ُبه: ((فصلَّى بنا يومئذ))، فكأنها نهاريّة: الظهر، أو العصر. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: في استدلال الحافظ على أنها نهاريّة بقوله: ((يومئذ)) نظر لا يخفى؛ لأن ((يومئذ)) في مثل هذا لمطلق الوقت، لا لخصوص النهار، فتأمّل، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قد تبيّن من قوله: ((في مشرُبة لعائشة)) أن ذلك لم يكن في المسجد، وإنما كان في بيته، وكأنه لم يستطع الخروج لعذره، ولا يمكن التقدّم عليه، فصلّى بهم، وصلّى الناس وراءه في منزله. قال القاضي عياض كَثْتُهُ: والظاهر أن مَن في المسجد صلَّى بصلاته؛ لكون منزله في المسجد. (١) ((الفتح)) ٢١١/٢. ٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال الجامع عفا الله عنه: استظهار القاضي صلاة من في المسجد بصلاته وَّه محلّ نظر؛ لأن هذا الحديث لا يدلّ عليه، كما لا يخفى، فتأمل. قال: وفيه جواز صلاة الإمام على أرفع مما عليه أصحابه إذا كانت معه جماعة هناك، قال: وقد روي هذا عن مالك، وحمله شيوخنا على تفسير ما وقع من الكراهية مجملاً، وأن منعه من ذلك إنما هو لمن يفعله تكبّراً، وهو ضدّ ما وُضعت له الصلاة من التواضع والسكينة. انتهى(١). قال العراقيّ كَُّهُ: وهذه الصورة إن صحّ فيها أن أهل المسجد صلَّوْا مقتدين بالنبيّ وَّ ليست من صُوَر المنع عند مالك وأبي حنيفة؛ لأنهما يقولان: إن كان مع الإمام في العلو طائفة جازت الصلاة بالذين أسفل، وإلا فلا. (٢) انتھی (٢). (فَصَلَّى بِنَا) حال كونه ◌َّةِ (قَاعِداً، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُوداً) بالضمّ جمع قاعد، قال في (الفتح)): ظاهره يخالف حديث عائشة ظ﴿يّا، فإن فيه: ((وصلّى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا ... )). والجمع بينهما أن في رواية أنس هذه اختصاراً، وكأنه اقتَصَر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس، وفي رواية للبخاريّ من طريق حميد، عن أنس، بلفظ: ((فصلَّى بهم جالساً، وهم قيامٌ فلما سلم، قال: إنما جُعل الإمام ... ))، وفيها أيضاً اختصارٌ؛ لأنه لم يُذكَر فيه قولُهُ لهم: ((اجلسوا)). والجمع بينهما أنهم ابتدءُوا الصلاة قياماً، فأومأ إليهم بأن يقعدوا فقعدوا، فنَقَلَ كلٌّ من الزهريّ وحميد أحد الأمرين، وجمعتهما عائشة، وكذا جمعهما جابر في حديثه الآتي في هذا الباب. وجَمَعَ القرطبيّ بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قَعَدَ من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس، وبعضهم قام حتى أشار إليه بالجلوس، وهذا الذي حكته عائشة. وتُعُقِّب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه وَّر؛ لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد؛ لأن فرض القادر في الأصل القيام. (١) ((إكمال المعلم)) ٣١٥/٢. (٢) ((طرح التثريب)) ٣٤٥/٢ - ٣٤٦. ٣٣ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اقْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) وجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة، قال الحافظ: وفيه بُعْدٌ؛ لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقةً لزم منه ما ذكرنا من النسخ بالاجتهاد، وإن كانت متأخّرةً لم يحتج إلى إعادة قول: ((إنما جُعِل الإمام ليؤتم به ... إلخ))؛ لأنهم قد امتَثَلُوا أمره السابق، وصَلَّوا قعوداً؛ لكونه قاعداً. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: القول بتعدّد الواقعة لا بُعْد فيه؛ لاحتمال أن يكون الذين صلّوا معه بَّر في واقعة غير الذين صلَّوا معه في أخرى، فتأمله، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ) وفي نسخة: ((صلاته)) (قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ) ببناء الفعل للمفعول، وهو بمعنى صُيِّرَ يتعدّى إلى مفعولين، فـ((الإمامُ)) بالرفع نائب فاعله، وهو المفعول الأول، وحُذف المفعول الثاني، وهو ((إماماً))، أي إنما جُعل الإمام إماماً (لِيُؤْتَمَّ بِهِ) أي ليُقتدَى به على الوجه المشروع، فقوله: ((فإذا ركع فاركعوا إلخ)) بيان للوجه المشروع الذي يُطلب الاقتداء به فيه. قال العلّامة الشوكانيّ كَظّتُ: لفظ ((إنما)) من صِيَغ الحصر عند جماعة من أئمة الأصول والبيان، ومعنى الحصر فيها إثباتُ الحكم في المذكور، ونفيُهُ عما عداه، واختار الآمديّ أنها لا تفيد الحصر، وإنما تفيد تأكيد الإثبات فقط، ونقله أبو حيان عن البصريين، وفي كلام الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد: ما يَقتضي نقلَ الاتفاق على إفادتها للحصر. والمراد بالحصر هنا حصر الفائدة في الاقتداء بالإمام، والاتّباع له، ومن شأن التابع أن لا يتقدم على المتبوع، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال التي فَصَّلها الحديثُ، ولا في غيرها قياساً عليها، ولكن ذلك مخصوص بالأفعال الظاهرة، لا الباطنة، وهي ما لا يَطَّلِع عليه المأموم، كالنية فلا يضرّ الاختلاف فيها، فلا يصحّ الاستدلال به على مَن جَوَّز ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر، ومن يصلي الأداء بمن يصلي القضاء، ومن يصلي الفرض بمن يصلي النفل، وعكس ذلك. وعامّة الفقهاء على ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وترك مخالفته له (١) ((الفتح)) ٢١١/٢. ٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة في نية أو غيرها؛ لأن ذلك من الاختلاف، وقد نَهَى عنه وَله بقوله: ((فلا تختلفوا)). وأجيب بأنه وَّه قد بَيَّنَ وجوه الاختلاف، فقال: ((فإذا كَبَّر فكبروا ... إلخ)). ويُتَعَّقب بإلحاق غيرها بها قياساً، كما تقدم. وقد استَدَلَّ بالحديث أيضاً القائلون بأن صحة صلاة المأموم لا تتوقف على صحة صلاة الإمام، إذا بان جنباً، أو محدثاً، أو عليه نجاسة خفيّة، وبذلك صَرَّح أصحاب الشافعيّ؛ بناءً على اختصاص النهي عن الاختلاف بالأمور المذكورة في الحديث، أو بالأمور التي يمكن المؤتمَّ الاطلاع عليها . انتهى كلام الشوكانيّ كَظُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجّح عندي أن الاختلاف المنهيّ عنه مقصور على الأشياء المذكورة في الحديث، فلا يُلحَق بها غيرها؛ قياساً عليها . ومما يؤيّد هذا ما ورد في قصّة معاذ بنظُه في صلاته مع النبيّ وَّر، ثم يؤمّ قومه، وهو متنقّل، وهم مفترضون، وقصّته في ((الصحيح))، وكذلك، أمر النبيّ وَّ﴿ الرجلين اللذين صلّيا في رحالهما، أن يصليا إذا أتيا المسجد مع الإمام نافلة، وهو حديث صحيح أخرجه الترمذيّ وغيره، وغير ذلك مما يدلّ على أن الاختلاف في مثله لا يضرّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح)): قال البيضاوي وغيره: الائتمام: الاقتداء، والاتِّباع، أي جعل الإمام إماماً؛ ليُقْتَدَى به ويُتَّبَع، ومن شأن التابع أن لا يَسْبِقِ متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله، ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال. وقال النووي وغيره: متابعة الإمام واجبة في الأفعال الظاهرة، وقد نَبَّه عليها في الحديث، فذكر الركوع وغيره، بخلاف النية فإنها لم تُذْكَر، وقد خرجت بدليل آخر، وكأنه يعني قِصّة معاذ الآتية. ويُمكِن أن يستدل من هذا الحديث على عدم دخولها؛ لأنه يقتضي (١) ((نيل الأوطار)) ٢٦/٤ - ٢٧. ٣٥ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اثْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) الحصر في الاقتداء به في أفعاله، لا في جميع أحواله، كما لو كان محدثاً، أو حامل نجاسة، فإن الصلاة خلفه تصحّ لمن لم يعلم حاله على الصحيح عند العلماء، ثم مع وجوب المتابعة ليس شيء منها شرطاً في صحة القدوة، إلا تكبيرة الإحرام. واختلف في السلام، والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الإحرام والقيام من التشهد الأول، وخالف الحنفية، فقالوا: تكفي المقارنة، قالوا: لأن معنى الائتمام الامتثال، ومن فَعَل مثل فعل إمامه عُدَّ ممتثلاً. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الحنفيّة مخالف لصريح الذي يوجب تأخّر فعل المأموم عن فعل الإمام، فمقارنة الإمام في الأفعال محرّمة، بالنصوص الصحيحة، وقد تقدّم قوله ﴿ في الحديث الطويل(٢): ((فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم))، وقال: ((فتلك بتلك))، وكذلك قال في السجود، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى، فراجعه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى أعلم. (فَإِذَا كَبَّرَ) أي للإِحرام، أو مطلقاً، فيشمل تكبيرات الانتقالات (فَكَبِّرُوا) وروى أبو داود حديث أبي هريرة رَُّبه، ولفظه: ((إنما جُعِل الإمام ليؤتَمَّ به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد ... ))، الحديث(٣). فهذه الرواية توضّح أن المراد أن تكبير المأموم يكون بعد تكبير الإمام. [فائدة]: جزم ابن بطال ومن تبعه حتى ابن دقيق العيد أن الفاء في قوله: ((فكبروا)) للتعقيب، قالوا: ومقتضاه الأمر بأن أفعال المأموم تقع عقب فعل الإمام. لكن تُعُقِّب بأن الفاء التي للتعقيب هي العاطفة، وأما التي هنا فهي للربط فقط؛ لأنها وقعت جواباً للشرط، فعلى هذا لا تقتضي تأخّر أفعال المأموم عن (١) ((الفتح)) ١٧٨/٢. (٢) هو حديث أبي موسى الأشعريّ ◌َّ ◌ُبه الطويل، وقد تقدّم في ((الصلاة)) برقم (٩٠٩/١٦). (٣) حديث صحيح أخرجه أبو داود في ((سننه)) بسند صحيح رقم (٦٠٣). ٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة الإمام إلا على القول بتقدم الشرط على الجزاء، وقد قال قوم: إن الجزاء يكون مع الشرط، فعلى هذا لا تنتفي المقارنة، لكن رواية أبي داود هذه صريحة في انتفاء التقدم والمقارنة، قاله في ((الفتح)). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره في ((الفتح)) من أن رواية أبي داود بلفظ: ((ولا تكبّروا حتى يكبّر، ولا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد)) نصّ صريح في منع المقارنة للإمام، فبالأحرى التقدّم، فلا متمسّك لمن قال باستحباب مقارنة الإمام في الركوع والسجود محتجّين بأن الفاء ليست للتعقيب . ثم إن المراد بالتعقيب هنا هو الترتيب بدون مهلة، فما قاله الأولون من إفادة الفاء له هو الصواب، وأما الاعتراض بأن الفاء لا تفيد الترتيب إلا إذا كانت للعطف، فغير صحيح، فقد نقل محمد الأمير في ((حاشيته)) على ((مغني اللبيب)) لابن هشام الأنصاريّ (١٣٩/١) عن المحقّق الرضيّ أن الفاء تفيد الترتيب مطلقاً، سواء كانت حرف عطف أو لا. انتهى. والحاصل أن أفعال المأموم يجب أن تكون بعد أفعال الإمام، وذلك بأن يقع كلّ فعل من أفعاله عقب كلّ فعل من أفعاله، كأن يركع بعد تمام انحناء الإمام، ويسجد بعد تمام وضع جبهته على الأرض، وهكذا بلا تراخ، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَإِذَا سَجَدَ) أي أخذ وشرع في السجود (فَاسْجُدُوا) أي فلا تسجدوا حتى يتحقّق سجوده، كما بيّنته رواية أبي داود المذكورة: ((ولا تسجدوا حتى يسجد))، وهو يتناول جميع السجدات، وقال في ((الفتح)) بعد ذكر هذه الزيادة من عند أبي داود ما نصّه: وهي زيادةٌ حسنةٌ، تنفي احتمال إرادة المقارنة من قوله: ((إذا كبر فكبروا)). انتهى. وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ليس في رواية المصنّف هذه ذكر الركوع، وقد ساقه بتمامه أبو عوانة، وأبو نعيم في ((مستخرجيهما))، ولفظهما: سقط النبيّ وَّر من فرس، فَجُحِش شقه الأيمن، فدخلنا نعوده، فحضرت الصلاة، فصلى بنا قاعداً، وصلينا خلفه قعوداً، فلما قضى صلاته قال: ((إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن ٣٧ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اثْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعداً فصلُّوا قعوداً أجمعون))(١) . قال ابن الْمُنَيِّر كَُّ: قوله: ((فإذا ركع فاركعوا))، مقتضاه أن ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام، إما بعد تمام انحنائه، وإما أن يسبقه الإمام بأوله، فيشرع فيه بعد أن يشرع. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الصواب، يدلّ عليه حديث البراء ربه الآتي، ولفظه: ((كان رسول الله وَّ﴿ إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يَحْنِ أحدٌ منّا ظهره حتى يقع رسول الله وَ﴿ ساجداً ثم نقع سجوداً بعده))، متّفقٌ عليه، وفي رواية للبخاريّ: قال: ((كنا نصلي خلف النبيّ وَّ فإذا قال: سمع الله لمن حمده لم يَحْن أحدٌ منّا ظهره حتى يضع النبيّ وَّ جبهته على الأرض)). فهذا ظاهر في أنهم ما كانوا يتابعونه في الركن إلا بعد تمام دخوله وَّر فيه. (وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا) يتناول الرفع من الركوع، والرفع من السجود، قاله في (الفتح))(٢). (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) قال في ((الفتح)): كذا لجميع الرُّواة في حديث عائشة بإثبات الواو، وكذا لهم في حديث أبي هريرة، وأنس، إلا في رواية الليث، عن الزهريّ - أي عند البخاريّ - فللکشمیهنيّ بحذف الواو. ورُجِّح إثبات الواو بأن فيها معنى زائداً؛ لكونها عاطفةً على محذوف، تقديره: ربنا استجب، أو ربنا أطعناك، ولك الحمد، فيشتمل على الدعاء والثناء معاً . ورجّح قوم حذفها؛ لأن الأصل عدم التقدير، فتكون عاطفة على كلام غير تامّ، والأول أوجه، كما قال ابن دقيق العيد نَُّهُ . (١) راجع: ((مسند أبي عوانة)) ٤٣٥/١ رقم (١٦١٥)، و((مستخرج أبي عوانة)) ٣٤/٢ - ٣٥ رقم (٩١٣). (٢) ٢١٠/٢. ٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقال النوويّ كَخْلَتُهُ: كذا وقع هنا ((ولك الحمد)) بالواو، وفي روايات بحذفها، وقد سبق أنه يجوز الأمران. انتهى(١). وقد تقدّم الكلام على زيادة ((اللهم)) قبلها، في شرح حديث أبي موسى الأشعريّ رُّه برقم (٩٠٩)، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ونَقَل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استَدَلَّ به على أن الإمام يقتصر على قوله: ((سمع الله لمن حمده))، وأن المأموم يقتصر على قوله: (ربنا ولك الحمد)»، وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك؛ لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله، نعم مقتضاه أن المأموم يقول: ((ربنا لك الحمد)»، عَقِب قول الإمام: ((سمع الله لمن حمده)، فأما منع الإمام من قول: ((ربنا ولك الحمد))، فليس بشيء؛ لأنه ثبت أن النبيّ وَّ﴿ كان يجمع بينهما. انتهى(٢). (وَإِذَا صَلَّى) الإمام حال كونه (قَاعِداً) لمرض منعه من القيام (فَصَلُّوْا قُعُوداً) بالضمّ: جمع قاعد، حال من الفاعل. وفي رواية البخاريّ: ((وإذا صلَّى جالساً، فصلُّوا جُلُوساً))، قال في ((الفتح)): استُدِلّ به على صحة إمامة الجالس، وادَّعَى بعضهم أن المراد بالأمر أن يقتدي به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين؛ لأنه ذكر ذلك عقب ذكر الركوع، والرفع منه، والسجود، قال: فَيُحْمَل على أنه لَمّا جلس للتشهد قاموا تعظيماً له، فأمرهم بالجلوس تواضعاً، وقد نَبَّهَ على ذلك بقوله في حديث جابر: ((إن كِدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم، وهم قُعُود، فلا تفعلوا)). وتعقبه ابن دقيق العيد وغيره بالاستبعاد، وبأن سياق طُرُق الحديث تأباه، وبأنه لو كان المراد الأمر بالجلوس في الركن، لقال: وإذا جلس فاجلسوا؛ ليناسب قولَهُ: و((إذا سجد فاسجدوا))، فلما عَدَل عن ذلك إلى قوله: ((وإذا صلّى جالساً))، كان كقوله: ((وإذا صلَّى قائماً))، فالمراد بذلك جميع الصلاة، ويؤيد ذلك قول أنس تظله: ((فصَلَّينا وراءه قعوداً)). انتهى(٣)، وهو تعقّب جيّدٌ، والله تعالى أعلم. (١) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/٤. (٣) ((الفتح)) ٢١١/٢ - ٢١٢. (٢) ((الفتح)) ٢١٠/٢ - ٢١١. ٣٩ (٢٠) - بَابُ وُجُوبِ اثْتِمَامِ الْمَأْمُومِ بِالإِمَامِ - حديث رقم (٩٢٦) وقوله: (أَجْمَعُونَ))) قال في ((الفتح)): كذا في جميع الطرق في (الصحيحين)) بالواو، إلا أن الرواة اختلفوا في رواية هَمّام، عن أبي هريرة ظُه، فقال بعضهم: ((أجمعين)) بالياء، والأول تأكيد لضمير الفاعل في قوله: ((صَلُّوا))، وأخطأ مَن ضَعَّفَه، فإن المعنى عليه، والثاني نَصْبٌ على الحال، أي جُلُوساً مجتمعين، أو على التأكيد لضميرٍ مقدَّرٍ منصوبٍ، كأنه قال: أَعْنِيكُم أجمعين. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك نظّ ◌ُله هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩٢٦/٢٠ و٩٢٧ و٩٢٨ و٩٢٩ و٩٣٠] (٤١١)، و(البخاريّ) في ((الأذان)) (٨٠٥) وفي ((تقصير الصلاة)) (١١١٤)، و(النسائيّ) في (الصلاة)) (١٩٥/٢ - ١٩٦)، و(ابن ماجه) فيها (١٢٣٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤٠٧٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٢٥/٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١١٨٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (١١٠/٣ و١٦٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢١٠٢ و٢١٠٣ و٢١٠٨ و٢١١١ و٢١١٣)، و(ابن الجارود) في (المنتقى)) (٢٢٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٤٠٣/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٨/٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٨٥٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٦١٥ و١٦١٦ و١٦١٧ و١٦١٨ و١٦١٩ و١٦٢٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٩١٣ و٩١٤ و٩١٥ و٩١٦ و٩١٧) والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعية ركوب الخيل، والتدرُّب على أخلاقها، والتأسي لمن يحصل له سقوطٌ ونحوُه بما اتَّفَق للنبيّ وَّز في هذه الواقعة، وبه الأسوة الحسنة. ٢ - (ومنها): بيان أنه يجوز على النبيّ وَلّ ما يجوز على البشر من الأسقام ونحوها، من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدرُهُ رِفْعَةً، ومنصبُهُ جلالةً. ٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ٣ - (ومنها): بيان جوازٍ الإشارة، والعمل القليل في الصلاة للحاجة. ٤ - (ومنها): بيان وجوب متابعة المأموم لإمامه في التكبير، والقيام، والقعود، والركوع والسجود، وأنه يفعلها بعد الإمام، فيكبر تكبيرة الإحرام بعد فراغ الإمام منها، فإن شَرَع فيها قبل فراغ الإمام منها لم تنعقد صلاته، وكذلك يركع بعد شروع الإمام في الركوع، وقبل رفعه منه، فإن قارنه أو سبقه فقد أساء، ولكن لا تبطل صلاته، وكذا السجود، هذا مذهب الجمهور، وأبطلها الظاهريّة، وهو الظاهر؛ لظواهر النصوص الكثيرة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. قال النوويّ: ويسلّم بعد فراغ الإمام من السلام، فإن سَلَّم قبله بطلت صلاته، إلا أن ينوي المفارقة، ففيه خلاف مشهور، وإن سلّم معه، لا قبله ولا بعده، فقد أساء، ولا تبطل صلاته على الصحيح، وقيل: تبطل. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: القول بالبطلان هو الظاهر؛ لما أسلفته آنفاً، والله تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): مشروعيّة عيادة المريض، وإن كان المرض خفيفاً، كالخدش، ونحوه، واختُلف في حكمه، ومذهب البخاريّ الوجوب، فقد قال في (صحيحه)): ((باب وجوب عيادة المريض))، ثم أورد حديث أبي موسى الأشعريّ ظُبه، قال: قال رسول الله وَله: («أطعموا الجائع، وعُودوا المريض، وفُكُّوا العاني)). ومن أدلته ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ظبه قال: سمعت رسول الله وَلَّ يقول: ((حقُّ المسلم على المسلم خمس: رَدُّ السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس)). وفي لفظ لمسلم: ((خمسٌ تجب للمسلم على أخيه: ردُّ السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادةُ المريض، واتباع الجنائز)). قال ابن بطّال تَخْلُهُ: يَحْتَمل أن يكون الأمر على الوجوب بمعنى الكفاية، كإطعام الجائع، وفكّ الأسير، ويَحْتَمل أن يكون للندب؛ للحثّ على التواصل والألفة، وجزم الداوديّ بالأول، فقال: هي فرضٌ يَحمله بعض الناس عن بعض، وقال الجمهور: هي في الأصل ندبٌ، وقد تصل إلى الوجوب في حقّ