النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ (١٦) - بَابُ الَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩١٠) مسألتان تتعلّقان بهذه الزيادة: ((وإذا قرأ فأنصتوا): (المسألة الأولى): في بيان اختلاف الحفّاظ في زيادة: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) : (اعلم): أنهم اختلفوا في هذه الزيادة في حديث أبي موسى وأبي هريرة چٹًا: فممن ذهب إلى تصحيحه المصنّف تَخْذَلُهُ، كما سبق توضيحه في هذا الباب، ومنهم الإمام أحمد رَُّهُ، قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ◌َُّهُ في ((التمهيد» : فإن قال قائل: إن قوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) لم يقله أحدٌ في حديث أبي هريرة غيرُ ابن عجلان، ولا قاله أحد في حديث أبي موسى غير جرير، عن التيميّ. قيل له: لم يخالفهما من هو أحفظ منهما، فوجب قبول زيادتهما، وقد صحح هذين الحديثين أحمد بن حنبل، وحسبك به إمامةً وعلماً بهذا الشأن. حدّثنا عبد الله بن محمد، قال: حدّثنا عبد الحميد بن أحمد، قال: حدّثنا الخضر بن داود، قال: حدّثنا أبو بكر الأثرم، قال: قلت لأحمد بن حنبل: مَن يقول عن النبيّ وَّ﴿ من وجهٍ صحيح: ((إذا قرأ الإمام فأنصتوا))؟ فقال: حديث ابن عجلان الذي يرويه أبو خالد، والحديث الذي رواه جرير عن التيميّ، وقد زعموا أن المعتمر رواه، قلت: نعم قد رواه المعتمر، قال: فأيَّ شيء تريد؟ فقد صحح أحمد الحديثين جميعاً عن النبيّ وَلّ حديث أبي هريرة وحديث أبي موسى، قوله وَله: ((إذا قرأ الإمام فأنصتوا)). انتهى المقصود من كلام ابن عبد البرّ ◌َّهُ(١). وضعفها جمهور الحفّاظ، فقد رَوَى البيهقيّ في ((السنن الكبرى)) عن أبي داود السجستانيّ أن هذه اللفظة ليست بمحفوظة، وكذلك رواه عن يحيى بن معين، وأبي حاتم الرازيّ، والدارقطنيّ، والحافظ أبي عليّ النيسابوريّ، شيخ الحاكم، أبي عبد الله، قال البيهقيّ: قال أبو عليّ الحافظ: هذه اللفظة غير (١) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٣٣/١١. ٤٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة محفوظة، قد خالف سليمان التيميّ فيها جميع أصحاب قتادة، واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مُقَدَّم على تصحيح مسلم، لا سيّما ولم يروها مُسْنَدَةً في ((صحيحه))، ذكره النوويّ كَُّهُ . وفي ((علل)) الدار قطنيّ ◌َّهُ: (١٣٣٣) وسئل عن حديث حِطّان بن عبد الله الرّقَاشيّ، عن أبي موسى ربه، عن النبيّ وَّل في صفة الصلاة، فقال: يرويه قتادة، واختُلِف عنه، فرواه سعيد بن أبي عروبة، وهشام، وأبان، وأبو عوانة، ومعمر، وعديّ بن أبي عمارة، عن قتادة، عن يونس بن جُبير، عن حِطّان، عن أبي موسى، وألفاظهم متقاربة. ورواه سليمان التيميّ عن قتادة بهذا الإسناد، فزاد عليهم في الحديث: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) حدّث به عن سليمان كذلك معتمر، وجرير بن عبد الحميد، والثوريّ، وزاد معتمر عليهما، فذكر أنه يقول: ((أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له»، ولم يذكر هذا سواه. ورواه سالم بن نوح العظّار، عن عمر بن عامر، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، بهذا الإسناد: ((إذا قرأ الإمام فأنصتوا))، ولم يزد على هذا. ورواه شعبة عن قتادة بهذا الإسناد، ولم يَشْرَح التشهدَ، وقال فيه: ذَكَرَ حديث التشهد. ورواه المثنى بن سعيد، عن قتادة، فخالف الجماعة في إسناده، جعله عن أبي العالية، عن أبي موسى، وذكر قصة التشهد خاصةً دون غيره من الصلاة، ووَهِمَ في قوله: عن أبي العالية. ورواه حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن حِطّان، عن أبي موسى موقوفاً . وقال بهز بن أسد، والنضر بن شُميل، عن حماد، بهذا الإسناد: ((أن النبيّ بَّ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع))، وغيرهما يرويه عن حماد موقوفاً. ورواه مَطَرٌ الورّاق، عن زَهْدم الْجَرْميّ، عن أبي موسى موقوفاً أيضاً. والصواب من ذلك ما رواه سعيد، وهشام، ومن تابعهما، عن قتادة، ٤٢٣ (١٦) - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩١٠) وسليمان التيميّ من الثقات، وقد زاد عليهم قوله: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، ولعله شُبِّه عليه لكثرة من خالفه من الثقات، وسالم بن نوح ليس بالقويّ، والصواب من حديث الأزرق بن قيس، عن حِطّان قول من وقفه عن حماد بن سلمة، والله أعلم. انتهى كلام الدارقطنيّ كَّفُ(١) . وقال في ((السنن)) بعد أن ساق الحديث ما نصّه: وكذلك رواه سفيان الثوريّ عن سليمان التيميّ، ورواه هشام الدستوائيّ، وسعيد، وشعبة، وهمام، وأبو عوانة، وأبان، وعديّ بن أبي عُمارة، كلهم عن قتادة، فلم يقل أحد منهم: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، وهم أصحاب قتادة الحفاظ عنه. انتهى(٢). وقال البيهقيّ دَّثُ في ((الكبرى)): أخبرنا أبو علي الروذباريّ، أنبأ أبو بكر بن داسة، قال: قال أبو داود السجستانيّ: قوله: ((وأنصتوا)) ليس بمحفوظ، وليس بشيء. (٢٧١١) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عليّ الحافظ يقول: خالف جرير عن التيميّ أصحابَ قتادة كلَّهم في هذا الحديث، والمحفوظ عن قتادة رواية هشام الدستوائيّ، وهَمّام، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، وأبي عوانة، والحجاج بن الحجاج، ومن تابعهم على روايتهم - يعني دون هذه اللفظة - ورواه سالم بن نوح، عن ابن أبي عروبة، وعمر بن عامر، عن قتادة، فأخطأ فيه، أخبرنا بذلك أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عليّ الحافظ يذكره. (٢٧١٢) وأخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأ عليّ بن عمر الحافظ، ثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرميّ، ثنا محمد بن يحيى القَطِيعيّ، ثنا سالم بن نوح، ثنا عمر بن عامر، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير - يعني أبا غلاب - عن حطان بن عبد الله الرَّقَاشيّ، قال: صلى بنا أبو موسى، فقال أبو موسى: إن رسول الله ◌َّ كان يعلمنا إذا صلى بنا، فقال: ((إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا))، قال (١) ((العلل الواردة في الأحاديث النبويّة)) ٢٥٢/٧ - ٢٥٥. (٢) (سنن الدار قطنيّ)) ٣٣٠/١. ٤٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة علي بن عمر(١): سالم بن نوح ليس بالقويّ. قال البيهقيّ: وقد رواه محمد بن عجلان من وجه آخر، أخبرنا أبو عبد الرحمن، محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن محبوب الدهان، ثنا أبو حامد، أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال البزار، ثنا أبو الأزهر، ثنا إسماعيل بن أبان، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، ومصعب بن شُرَحبيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌َّ قال: ((إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون)). وكذلك رواه أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، وهو وَهَمٌ من ابن عجلان . أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدُّوريّ، قال: سمعت يحيى بن معين يقول في حديث ابن عجلان: ((إذا قرأ فأنصتوا))، قال: ليس بشيء. أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الحارث الفقيه، أنبأ أبو محمد بن حيان، أنبأ ابن أبي حاتم، قال: سمعت أبي وذكر هذا الحديث، فقال أبي: ليست هذه الكلمة محفوظة، هي من تخاليط ابن عجلان، قال: وقد رواه خارجة بن مصعب أيضاً يعني عن زيد بن أسلم، وخارجة أيضاً ليس بالقوي. قال البيهقيّ تَخْتُهُ: وقد رواه يحيى بن العلاء الرازيّ كما روياه، ويحيى بن العلاء الرازيّ متروك(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال الحفّاظ الناقدين أن أكثرهم على تضعيف زيادة: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، سواء كان في حديث أبي هريرة رضيته من طريق محمد بن عجلان، أو من حديث أبي موسى الأشعريّ، من طريق سليمان التيميّ، عن قتادة، إلا أن مسلماً وبعض المحدثين صحّحوها (١) هو الدارقطنيّ. (٢) ((السنن الكبرى)) ١٥٥/٢ - ١٥٧. ٤٢٥ (١٦) - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩١٠) على أنها زيادة ثقة، والذي يترجّح عندي قول الجمهور؛ لقوّة حجّتهم، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): أنه ينبغي على قول من قال بصحّة هذه الزيادة - أعني: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) - كالمصنّف ومن قال بقوله، أن يكون هذا الأمر مقيّداً بما سوى الفاتحة، فلا يجوز للمصلّي إذا سمع قراءة الإمام أن يقرأ سوى الفاتحة، وأما الفاتحة فلا بدّ من قراءتها؛ لصحّة استثنائها عن النبيّ وَل. فقد أخرج أبو داود في ((سننه)) بسند صحيح، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت روايته قال: كنا خلف رسول الله وَ 18 في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله وَلّ، فَثَقُلَت عليه القراءة، فلما فرغ قال: ((لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟)) قلنا: نعم هَذّاً يا رسول الله، قال: ((لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)). وأخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) بسند صحيح أيضاً، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبيّ وَّ، قال: قال النبيّ ◌َّر: ((لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ؟)» مرتين أو ثلاثاً، قالوا: يا رسول الله، إنا لنفعل، قال: ((فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب)). فهذا الحديث الصحيح استثنى الفاتحة، فأوجب قراءتها على المأموم، وهذا هو المذهب الراجح من مذاهب العلماء، وقد تقدّم ذكر مذاهبهم، وأدلّتها مستوفّى في ((باب وجوب قراءة الفاتحة في كلّ ركعة)). وقد ذكر الإمام البخاريّ تَخْتُ تحقيق هذه المسألة في الجزء الذي وضعه في القراءة خلف الإمام، قال رَّتُهُ ما مُلخّصه: واحتج هذا القائل - يعني أبا حنيفة - بقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُواْ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، ثم قال: وهذا منقوض بالثناء، مع أنه تطوّع، والقراءة فرض، فأوجب عليه الإنصات بترك فرض، ولم يوجبه بترك سنة، فحينئذ يكون الفرض عنده أهون حالاً من التطوع. واعترضه أيضاً بفرع، وهو أن المصلي لو جاء والإمام في الركعة الأولى من الفجر، فإنه يصلي عنده ركعتي الفجر، ويترك الاستماع والإنصات، مع أنه البل* قال: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)). ٤٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال: ويقال له: أرأيت إذا لم يجهر الإمام، أيقرأ خلفه؟ فإن قال: لا، فقد بطل دعواه؛ لأن الاستماع إنما يكون لما يُجْهَر به. ثم ذكر عن ابن عباس من غير سند: ((فاستمعوا له، وأنصتوا))، قال: في الخطبة، ثم قال: ولو أريد به في الصلاة، فنحن نقول: إنما يقرأ خلف الإمام عند سكوته، وقد رَوَى سمرة رَظُه قال: كان للنبيّ وَل سكتتان: سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من قراءته، قال: وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن، وميمون بن مِهْران، وسعيد بن جبير، وغيرهم يرون القراءة عند سكوت الإمام؛ عملاً بقوله وَالر: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))، والإنصات إذا قرأ الإمام؛ عملاً بالآية. قال: واحتج أيضاً بقوله تعالّله: ((من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة))، قال: وهذا حديث لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز والعراق؛ لإرساله وانقطاعه، أما إرساله، فرواه عبد الله بن شداد، عن النبيّ وَّ، وأما انقطاعه، فرواه الحسن بن صالح، عن جابر الجعفيّ، عن أبي الزبير، عن جابر، ولا يُذْرَى أسمع جابر من أبي الزبير أم لا؟ قال: ولو ثبت، فتكون الفاتحة مستثناةً منه، أي مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة بعد الفاتحة، كما قال وَله: ((جُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً))، وقال في حديث آخر: ((إلا المقبرة))، مع انقطاعه. قال: ونظير هذا قوله تعالَّلا لسليك الغطفاني حين جاء وهو يخطب: ((قم، فاركع))، مع أنه أمر بالإنصات للخطبة، فقال: ((إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت))، ولكنه أخرج الصلاة من هذا الإطلاق. قال: واحتَجّ أيضاً بخبر رُوي عن داود بن قيس، عن ابن نجاد، رجل من ولد سعد، عن سعد، قال: ((وَدِدت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جَمْرة))، قال: وهذا مرسلٌ، فإن ابن نجاد لم يُعْرَف، ولا سُمِّي. قال: واحتَجّ أيضاً بحديث رواه أبو حُبَاب، عن سلمة بن كُهَيل، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: ((وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام مُلِىء فُوهُ نَتْناً))، قال: وهذا مرسلٌ لا يُحْتَجّ به، وخالفه ابن عوان، عن إبراهيم، عن الأسود، وقال: رَضْفاً، وهذا كله ليس من كلام أهل العلم لوجهين: ٤٢٧ (١٦) - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩١٠) أحدهما: قول النبيّ وَّ: ((لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بالنار، ولا تعذبوا بعذاب الله))، فكيف يجوز لأحد أن يقول في الذي يقرأ خلف الإمام جمرة، والجمرة من عذاب الله؟. الثاني: أنه لا يحل لأحد أن يتمنى أن تُملأ أفواه أصحاب رسول الله وَّهِ، مثل عمر بن الخطاب، وأُبَيّ بن كعب، وحُذيفة، وعليّ بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعائشة، وعبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدريّ، وعبد الله بن عمر، في جماعة آخرين، ممن رُوي عنهم القراءة خلف الإمام رَضْفاً، ولا نَتْناً، ولا تراباً. ثم روى أحاديث هؤلاء في مواضع متفرقة من الجزء المذكور. قال: واحتَجّ أيضاً بخبر رواه عمر بن موسى بن سعد، عن زيد بن ثابت، قال: ((من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له))، قال: ولا يعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله. قال: ورَوَى سليمان التيميّ، وعُمر بن عامر، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِطّان، عن أبي موسى في حديثه الطويل، عن النبيّ وَّر وفيه: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعاً من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير. وروى هشام، وسعيد، وأبو عوانة، وهمام، وأبان بن يزيد، وغيرهم، عن قتادة، فلم يقولوا فيه: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، ولو صحّ لَحُمل على ما سوى الفاتحة. ورَوَى أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَلّ: ((إنما جُعل الإمام ليؤتم به))، وزاد فيه: ((وإذا قرأ فأنصتوا))، ولا يُعْرَف هذا من صحيح حديث أبي خالد الأحمر، قال أحمد: أراه كان يُدَلِّس. وقد رواه الليث، وبكير، عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ورواه الليث أيضاً عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، وعن ابن عجلان، عن مصعب بن محمد، وزيد بن أسلم، والقعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فلم يقولوا فيه: ((وإذا قرأ فأنصتوا)). ورواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّل، ولم يُتَابَعْ أبو خالد في زيادته. ٤٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة قال: ويقال لهذا القائل: قد أجمع أهل العلم وأنت على أن الإمام لا يتحمل عن القوم فرضاً، ثم قلت: إن الإمام يتحمل عن القوم هذا الفرض، مع أنك قلت: إنه لا يتحمل عنهم شيئاً من السنن، كالثناء، والتسبيح، ونحو ذلك، فتثبت أن الفرض عندك أهون حالاً من التطوع. انتهى كلام البخاريّ: مُلَخّصاً محرراً(١)، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم تحقيق هذا مستوفَّى في محلّه، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٩١١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: ((فَإِنَّ الله(٢) رَْ قَضَى عَلَى لِسَانِ نَبِّهِ وََّ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ مشهور، عمي في آخره، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. والباقيان تقدّما في السند الماضي. (١) لخّصه، وحرّره الحافظ الزيلعيّ كَُّ في كتابه ((نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية)) ١٩/٢ - ٢٠. (٢) وفي نسخة: ((وإن الله)). ٤٢٩ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) إشارة إلى إسناد قتادة الماضي، وهو عن يونس بن جُبير، عن حِطّان بن عبد الله الرقَاشيّ، عن أبي موسى الأشعريّ رضىعنه. وقوله: (وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ) ضمير ((قال)) لمعمر، أي قال معمر في روايته هذا الحديث عن قتادة: ((فإن الله ... إلخ)). وقوله: ((فَإِنَّ اللهَ رَى قَضَى ... إلخ))) أي حكم بذلك، وأنزله على نبيّهِ وَ ﴿، فبلّغْهِ وَّ بلسانه إلى الأمة. [تنبيه]: رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة التي أحالها المصنّف هنا على رواية من تقدّم ذكرهم من رُواة قتادة، ساقها الإمام أحمد تَُّ في «مسنده))، فقال: (١٨٦٩٠) حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِّان بن عبد الله الرَّقَاشيّ، عن أبي موسى الأشعريّ، أن رسول الله ولو قال: ((إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، يسمع الله رم، فإن الله تعالى قضى على لسان نبيه وله: سمع الله لمن حمده)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١٧) - (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٩١٢] (٤٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نُعَيْم بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ - وَعَبْدَ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: هُوَ الَّذِي كَانَ أُرِيَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ - أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: أَنَانَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَنَحْنُ فِي مَجْلِسٍ ٤٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَّهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ وَِّ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلَّهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلٍ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الإمام المجمع على جلالته، وإتقانه، وحفظه [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٣ - (نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرُ) (١) مولى آل عمر المدني، ثقة [٣] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٧٥/٩. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ) هو: محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاريّ الخزرجيّ المدنيّ، ثقة [٣]. روى عن أبيه، وأبي مسعود الأنصاريّ، وروى عنه ابنه عبد الله بن محمد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ونعيم بن عبد الله المجمر. قال العجلي: مدنيّ تابعيّ ثقة، وقال ابن منده: وُلِد في عهد النبيّ ◌َ وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، والمصنّف، والأربعة، وله عندهم سوى ابن ماجه، حديث الباب فقط، وعند البخاريّ في ((خلق أفعال العباد))، وأبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه حديث الأذان، فقط. (١) بجرّ ((المجمر)) صفة لعبد الله، ورفعه صفة لنعيم. ٤٣١ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ◌َّهِ بَعْدَ الَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) ٥ - (أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدريّ الصحابيّ الشهير، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّلُهُ . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، ومحمد بن عبد الله، فما أخرج له البخاريّ في ((الصحیح)). ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها . ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: نعيم، عن محمد بن عبد الله، وهو أيضاً من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه مشهور بكونه بدريّاً، وقد اختلف في نسبته إلى بدر، والمشهور أنه لسُكْناه فيها، لا لشهوده غزوة بدر، وقال البخاريّ ومسلم: إنه شهدها، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ) - بضمّ الميم، وسكون الجيم، وكسر الميم الثانية، بصيغة اسم الفاعل، من الإجمار، أو بضمّ الميم، وفتح الجيم، وكسر الميم الثانية المشدّدة، من التجمير - وهو لقب لعبد الله؛ لقّب به؛ لأنه كان يُبخّر المسجد النبويّ، ويُلقّب به أيضاً ابنه نُعيم (أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) بالرفع على الابتداء، وخبره قوله: (هُوَ الَّذِي كَانَ أُرِيَ) بالبناء للمفعول، وقوله: (النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ) بالنصب على أنه مفعول ثانٍ لـ((أُرِيَ))، أي أراه الله تعالى في منامه الأذان للصلاة، وقد تقدّمت قصّته في أبواب الأذان، والجملة من المبتدأ والخبر معترضة بين اسم ((إنّ))، وخبرها، أتى به لبيان أن والد محمد هو عبد الله بن زيد بن عبد ربّه الذي رأى الأذان في منامه، وإنما أتى به لئلا ٤٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة يشتبه بعبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ، راوي صفة الوضوء، وصلاة الاستسقاء، وغيرهما . وذلك لأنهما يشتبهان على من لا معرفة له بعلم الرجال؛ إذ هما متّفقان في الاسم، واسم الأب، والنسبة إلى الأنصار، ثم إلى الخزرج، وكذا في الصحبة، والرواية، ويَفترقان في الجدّ، والبطن الذي من الخزرج؛ لأن حفيد عاصم من مازن، وحفيد عبد ربّه من بَلْحَارث بن الْخَزْرَج، أفاده في (الفتح))(١) . وقد تقدّمت ترجمة عبد الله بن زيد بن عاصم ظُبه في أبواب الوضوء ٥٦١/٧. وأما عبد الله بن زيد المذكور هنا، فهو: عبد الله بن زيد بن عبد ربّه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو محمد المدنيّ، وقيل في نسبه غير ذلك، شَهِدَ العقبة وبدراً، والمشاهد، وهو الذي أُرِي النداء للصلاة في النوم، وكان رؤياه في السنة الأولى بعد بناء المسجد . رَوَى عن النبيّ ◌َِّـ، وعنه ابنه محمد، وابن ابنه عبد الله بن محمد، على خلاف فيه، وسعيد بن المسيِّب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقيل: لم يسمع منه، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، ولم يدركه. قال الترمذيّ، عن البخاريّ: لا يُعْرَف له إلا حديث الأذان، وكذا قال نحوه ابن عديّ، وأطلق غيرُ واحد أنه ليس له غيره، وقال ابن عديّ: لا نعرف له شيئاً يصحّ عن النبيّ وَله إلا حديث الأذان. انتهى. قال الحافظ تَُّ: وهذا يؤيد كلام البخاريّ، وهو المعتمد، وقد وجدت له أحاديث غير الأذان جمعتها في جزء، واغتَرّ الأصبهاني بالأول، فجزم به، وتبعه جماعة، فَوَهِمُوا . (١) ((الفتح)) ١٩٠/٣ ((كتاب الاستسقاء)). ٤٣٣ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَهَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) قال المدائنيّ: عن كثير بن زيد، عن المطّلب بن حنطب، عن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: مات أبي سنة (٣٢) وهو ابن (٦٤)، وصلّى عليه عثمان . وقال الحاكم: الصحيح أنه قُتِل بأحد، والروايات عنه كلها منقطعة، كذا قال، وخالف ذلك في ((المستدرك)). وفي ترجمة عمر بن عبد العزيز من ((الحلية)) بسند صحيح، عن عبيد الله بن عمر العمريّ، قال: دخلت ابنة عبد الله بن زيد بن عبد ربه على عمر بن عبد العزيز، فقالت: أنا ابنة عبد الله بن زيد، شهد أبي بدراً، وقُتِل بأحد، فقال: سليني ما شئتِ، فأعطاها(١). أخرج له البخاريّ في ((خلق أفعال العباد)»، والأربعة، وليس له عند مسلم رواية، وإنما له ذكر فقط. وقوله: (أَخْبَرَهُ) خبر ((أنّ)) (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو البدريّ ◌َّهِ أنه (قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ، وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) بن دُلَيم بن حارثة بن أبي خُزيمة، ويقال: خُزيمة بن أبي خزيمة، ويقال: حارثة بن حَرَام بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طَرِيف بن الخزرج الأنصاريّ، سيد الخزرج، أبي ثابت، ويقال: أبو قيس المدنيّ، وأمه عمرة بنت مسعود، كانت لها صحبة، وماتت في زمن النبيّ وََّ، شَهِد العقبة، وغيرها من المشاهد، واختُلِف في شهوده بدراً. روى عن النبيّ وَّر، وعنه أولاده: قيس، وإسحاق، وسعيد، وابن ابنه شُرَحبيل بن سعيد، على خلاف فيه، وابن عباس، وابن المسيِّب، وأبو أمامة بن سهل، والحسن البصريّ، ولم يدركه، وعيسى بن فائد، وقيل: بينهما رجل. شَهِدَ العَقَبَة، وغيرها من المشاهد، واختُلِف في شُهوده بدراً، فذكر (١) ((تهذيب التهذيب)) ١٩٧/٥ بزيادة من ((الإصابة)). ٤٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة البخاريّ، وأبو حاتم، وأبو أحمد الحاكم أنه شَهِدَ بدراً، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى ممن لم يَشْهَد بدراً، وقال: كان ممن يتهيأ للخروج إلى بدر، فنُهِش فأقام، وقال ابن سعد أيضاً: كان سعد في الجاهلية يَكتُب بالعربية، ويحسن العَوْم والرَّمْي، وكان مَن أحسن ذلك سُمِّ الكامل، وكان هو وعِدّةٌ من آبائه في الجاهلية يُنادَى على أُطُمهم: مَن أحبّ الشحم واللحم، فليأت أُطُم دُلَيم بن حارثة، قال: وكانت جَفْنة سعد تدور مع رسول الله وَّ في بيوت أزواجه، وقال مِقْسَم عن ابن عباس ظُه: كانت راية رسول الله وَّ في المواطن كلِّها مع عليّ راية المهاجرين، ومع سعد بن عُبَادة راية الأنصار، وقال محمد بن سيرين: كان سعد بن عبادة يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصُّفّة يُعَشِّيهم. وقال ابن عبد البرّ: تخلَّف سعد عن بيعة أبي بكر الصدِّيق، وخرج عن المدينة، فمات بحَوْران(١) من أرض الشام سنة (١٥)، وقيل: سنة (١٤)، وقيل: سنة (١١)، ولم يختلفوا أنه وُجِد ميتاً في مُغْتَسَله، وقال ابن جريج، عن عطاء: سمعت أن الجن قتلته، وقال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة (١٦)، له ذِكْرٌ في ((الصحيحين)) في غير موضع، وأخرج له الأربعة . (فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ) بن ثَعْلبة بن الْجُلاس(٢) بن زيد بن مالك بن ثَعْلبة بن كعب بن الْخَزْرِج الأكبر الأنصاريّ الْخَزْرجيّ، والد النعمان، شَهِد بدراً، وهو أول من بايع أبا بكر الصديق من الأنصار، رَوَى عن النبيّ وَّل حديثاً واحداً في النُّخْل على خلاف فيه. (١) بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو: نسبة إلى حَوْران مدينة بالشام، أفاده في ((لب اللباب)) ١/ ٢٦٣. (٢) بضمّ الجيم، وتخفيف اللام، وضبطه الدار قطنيّ بفتح الخاء المعجمة، وتثقيل اللام، أفاده في ((الإصابة)) ١/ ٢٦٢. ٤٣٥ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) رَوَى عنه ابنه النعمان، وابن ابنه محمد، وعروة، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، ذكره ابن أبي حاتم فيمن مات سنة (١٣) فتكون رواية هؤلاء عنه سوى النعمان مرسلةً، وقد رُوي حديث حميد بن عبد الرحمن، عن النعمان، عن أبيه، فتعيّن إرساله، إن كان رواه عن بشير بلا واسطة. وذكر ابن إسحاق والواقديّ أنه قُتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد مُنْصَرَفه من اليمامة سنة (١٢). لكن رَوَى البخاري في ((تاريخه)) من طريق الزهريّ، عن محمد بن النعمان بن بشير، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال يوماً، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو تَرَّصت في بعض الأمر ماذا كنتم فاعلين؟ قال: فقال له بشير بن سعد: لو فَعلتَ قَوَّمناك تقويم القادح، فقال عمر: أنتم إذاً أنتم. فهذا يدلّ على أنه بقي إلى خلافة عمر، وفي ((كتاب الطبقات)) لابن سعد: أنه كان يكتب بالعربية في الجاهلية. وبعثه النبيّ وَّ﴿ في بعض السرايا، واستعمله على المدينة في عمرة القضاء . أخرج له النسائيّ حديث النُّحْلة فقط، وله ذِكْرٌ عند المصنّف وغيره في حديث أبي مسعود البدريّ ◌َظُه المذكور في هذا الباب فقط. (أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلَِّ عَلَيْكَ، يَا رَسُولَ الهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟) معناه أمرنا الله تعالى بقوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فكيف نَلْفِظ بالصلاة؟ وفي هذا أن مَن أُمر بشيء لا يَفْهَم مراده يسأل عنه؛ لِيَعْلم ما يأتي به، قاله النوويّ نَّتُهُ . وقال القاضي عياض: وسؤالهم هنا عن الصلاة يَحْتَمل أن يراد به السؤال عن كيفية الصلاة في غير الصلاة، ويَحْتَمل أن يكون في الصلاة، قال: وهو الأظهر؛ لقوله: ((والسلام كما علمتم))، قال النوويّ: وهذا ظاهر اختیار مسلم، ولهذا ذكر هذا الحديث في هذا الموضع. انتهى. ٤٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقال القاضي عياض ◌َّتُ أيضاً: حُكْمُ من خُوطب بأمر يَحْتَمِل لوجهين، أو مُجْمَلٍ لا يَفْهَمُ مراده، أو عامّ يَحْتَمِل الخصوص أن يسأل، ويَبحث إذا أمكنه ذلك، واتَّسَعَ له الوقتُ للسؤال؛ إذ لفظ الصلاة الواردة في القرآن بقوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ محتمل لأقسام معاني لفظ الصلاة، من الرحمة، والدعاء، والثناء، فقد قيل: صلاة الله عليه: ثناؤه عليه عند الملائكة، ومن الملائكة دعاءٌ، وقيل: هي من الله رحمةٌ، ومن الملائكة رقّةٌ، ودعاء بالرحمة، وقيل: هي من الله لغير النبيّ رحمة، وللنبيّ تشريف، وزيادة تكرمة، وقيل: هي من الله وملائكته تبريك، ومعنى ﴿يُصَلُّونَ﴾ يبر كون. فيَحْتَمِل أنّ الصحابةَ سألوا عن المراد بالصلاة؛ لاشتراك هذه اللفظة، وإلى هذا ذهب بعض المشايخ في معنى سؤالهم في هذا الحديث. وقد اختَلَفَ الأصوليّون في الألفاظ المشتركة إذا وردت مطلقةً، فقيل: تُحْمَلُ على عموم مقتضاها من جميع معانيها ما لم يَمنَع مانعٌ، وقيل: تُحمَل على الحقيقة دون ما تُجُوِّز به، وإليه نحا القاضي أبو بكر. وذهب بعض المشايخ إلى أن سؤالهم عن صفة الصلاة، لا عن جنسها؛ لأنهم لم يؤمروا بالرحمة، ولا هي لهم، فإن ظاهر أمرهم بالدعاء(١)، وإليه نحا الباجيّ. قال القاضي عياض: وهو أظهر في اللفظ، وإن كانت الصلاة كما قدّمنا مشتركة اللفظ، والخلاف في معنى الصلاة من الله والملائكة موجود، ويعضده السؤال فيه بـ(كيف)) التي تقتضي الصفة لا الجنس الذي يُنقل عنه بها. انتهى كلام القاضي عياض تَّتُهُ(٢). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال هو المتعيّن هنا، وأما الاحتمال الأول، فلا يخفى بُعده، فتبصّر. (١) لعل الصواب: فالظاهر أن أمرهم بالدعاء، فليُحرّر. (٢) ((إكمال المعلم)) ٣٠١/٢ - ٣٠٢. ٤٣٧ (١٧) - بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِّ ◌َِّ بَعْدَ التَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) إنما سألوا عن صيغة الصلاة التي أُمِروا بها، والحاصل أن الصحابة ويدلّ على تعيّن هذا المعنى قوله في حديث كعب ظُه الآتي: ((عَرَفْنا كيف نسلّم عليك)) أي عَلِمنا صيغة السلام عليك المأمور به في الآية، حيث علّمتنا بقولك في التشهد: ((السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته))، فما هو اللفظ الذي نصلّي عليك به؟، فالسؤال عن صيغة الصلاة، لا عن المعنى المراد بها، فتفطّن، والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح)): واختُلِف في المراد بقولهم: ((كيف))، فقيل: المراد السؤال عن معنى الصلاة المأمور بها بأيِّ لفظ يُؤَدَّى، وقيل: عن صفتها، قال عياض: لَمّا كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿صَلُواْ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦] يَحْتَمِل الرحمة والدعاء والتعظيم، سألوا بأيّ لفظ تُؤَدَّى؟ هكذا قال بعض المشايخ، ورَجّح الباجيّ أن السؤال إنما وقع عن صفتها، لا عن جنسها، وهو أظهر؛ لأن لفظ ((كيف)) ظاهر في الصفة، وأما الجنس فيُسْأل عنه بلفظ ((ما))، وبه جزم القرطبيّ، فقال: هذا سؤالُ مَن أشكلت عليه كيفية ما فَهِم أصله، وذلك أنهم عَرَفُوا المراد بالصلاة، فسألوا عن الصفة التي تليق بها لیستعملوها. انتهى. والحامل لهم على ذلك أن السلام لَمّا تقَدَّم بلفظ مخصوص، وهو ((السلامُ عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته))، فَهِمُوا منه أن الصلاة أيضاً تقع بلفظ مخصوص، وعَدَلُوا عن القياس؛ لإمكان الوقوف على النصّ، ولا سيّما في ألفاظ الأذكار، فإنها تجيء خارجة عن القياس غالباً، فوقع الأمر كما فَهِمُوا، فإنه لم يقل لهم قولوا: الصلاة عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، ولا قولوا: الصلاة والسلام عليك إلخ، بل علَّمَهم صيغة أخرى. انتهى(١). (قَالَ) أبو مسعود رَّهُ (فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴾ أي منتظراً للوحي (حَتَّى تَمَتَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلُهُ) إنما تمنّوا ذلك خشيةَ أن يكون النبيّ وَّ لم يُعجبه السؤال المذكور؛ لما تقرّر عندهم من النهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية [المائدة: ١٠١]. (١) ((الفتح)) ١٥٩/١١ - ١٦٠ (كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٥٨). ٤٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة ووقع عند الطبريّ من وجه آخر في هذا الحديث: ((فسكت حتى جاءه الوحي، فقال: تقولون ... )). (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ) بعد أن سَكَت منتظراً للوحي، فنزل عليه: ((قُولُوا: اللَّهُمَّ) هذه الكلمة كَثُر استعمالها في الدعاء، وهو بمعنى: يا الله، والميم عوض عن حرف النداء، فلا يقال: اللهم غفور رحيم مثلاً، وإنما يقال: اللهم اغفر لي، وارحمني، ولا يدخلها حرف النداء إلا في نادر، كقول الراجز: إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا واختُصَّ هذا الاسم بقطع الهمزة عند النداء، ووجوب تفخيم لامه، وبدخول حرف النداء عليه مع التعريف، وإلى هذا أشار ابن مالك تَّتُهُ في ((الخلاصة)) بقوله: إِلَّا مَعَ ((الله)) وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ (يَا)) وَ(أَلْ)) وَشَذَّ ((يَا اللَّهُمَّ) فِي قَرِيضِ وَالأَكْثَرُ ((اللَّهُمَّ)) بِالتَّعْوِيضِ وذهب الفَرّاء ومن تبعه من الكوفيين إلى أن أصله ((يا الله))، وحذف حرف النداء تخفيفاً، والميم مأخوذة من جملة محذوفة، مثل أُمَّنَا بخير، وقيل: بل زائدة، كما في زُرْقُم للشديد الزُّرْقَة، وزيدت في الاسم العظيم تفخيماً، وقيل: بل هو كالواو الدالة على الجمع، كأن الداعي قال: يا مَن اجتمعت له الأسماء الحسنى، ولذلك شُدِّدت الميم؛ لتكون عوضاً عن علامة الجمع، وقد جاء عن الحسن البصريّ: اللهم مُجْتَمَعُ الدعاء، وعن النضر بن شُميل: مَن قال: اللهم فقد سأل الله بجميع أسمائه، ذكره في ((الفتح)) (١) . (صَلِّ) أصحّ التفاسير للصلاة ما ذكره البخاريّ في ((صحيحه)) عن أبي العالية قال: معنى صلاة الله على نبيه ◌َل﴿ ثناؤه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء له. وعند ابن أبي حاتم، عن مقاتل بن حَيّان قال: صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الاستغفار. (١) ١٦٠/١١ ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٥٨). ٤٣٩ (١٧) - بَابُ الصَّلَةِ عَلَى النَّبِيِّ نَّهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ - حديث رقم (٩١٢) وعن ابن عباس نظُّّه: إن معنى صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار. وقال الضحاك بن مُزاحم: صلاة الله رحمته، وفي رواية عنه: مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء، أخرجهما إسماعيل القاضي عنه، وكأنه يريد الدعاء بالمغفرة ونحوها . وقال المبرد: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة رِقّة تَبْعَث على استدعاء الرحمة. وتُعُقِّب بأن الله غاير بين الصلاة والرحمة في قوله: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وكذلك فَهِم الصحابة المغايرةَ من قوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٦] حتى سألوا عن كيفية الصلاة مع تقدم ذكر الرحمة في تعليم السلام، حيث جاء بلفظ: ((السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته))، وأقرّهم النبيّ وَّ، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة، لقال لهم: قد علمتم ذلك في السلام. وجَوَّز الحليميّ أن تكون الصلاة بمعنى السلام عليه، وفيه نظرٌ، وحديث الباب یَرُدّ على ذلك. وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية أن معنى صلاة الله على نبيه وَله ثناؤه عليه، وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد طلب الزيادة، لا طلب أصل الصلاة. وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصّةً، وتكون عامّةً، فصلاته على أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة فهي التي وَسِعت كل شيء. ونَقَل عياض عن بَكْر القشيريّ قال: الصلاة على النبيّ ◌َّ من الله تشريف، وزيادة تَكْرِمة، وعلى من دون النبيّ رحمة، وبهذا التقرير يَظْهَر الفرق بين النبيّ وََّ، وبين سائر المؤمنين، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَئِكَتَّهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيَّ﴾ ، وقال قبل ذلك في السورة المذكورة: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَمَلَتَبِكَتُهُ﴾، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبيّ وسير من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبيّ وَّ، والتنويه به ما ليس في غيرها. ٤٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة وقال الْحَلِيميّ في ((الشعب)): معنى الصلاة على النبيّ وَّر تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد: عَظِّم محمداً، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾: ادعوا ربكم بالصلاة عليه. انتهى. ولا يَعْكُر عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه، فإنه لا يمتنع أن يُدْعَى لهم بالتعظيم؛ إذ تعظيم كلّ أحد بحسب ما يليق به، وما تقدّم عن أبي العالية أظهر، فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله، والى ملائكته، وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيِّده أنه لا خلاف في جواز الترحّم على غير الأنبياء، واختُلِف في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللهم صل على محمد: اللهم ارحم محمداً، أو ترحم على محمد، لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة، وكذا الرحمة لسقط الوجوب في التشهد عند من يوجبه بقول المصلي في التشهد: ((السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته)). ويمكن الانفصال بأن ذلك وقع بطريق التعبد، فلا بد من الإتيان به، ولو سبق الإتيان بما يدلّ عليه، قاله في ((الفتح))(١). (عَلَى مُحَمَّدٍ) هو أشهر أسمائه بَّهِ، وهو اسم منقولٌ من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمّن الثناء على المحمود، ومحبّته، وإجلاله، وتعظيمه، وقد تقدّم البحث فيه، مستوفَى في ((شرح المقدّمة))، فراجعه تستفد علماً جمّاً(٢). (وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) قيل: أصل ((آل)) ((أهلٌ))، قُلبت الهاء همزةً، ثم سُهِّلت، ولهذا إذا صُغِّر رُدّ إلى الأصل، فقالوا: أُهيلٌ، وقيل: بل أصله أَوَلِ، من آل: إذا رجع، سُمّي بذلك من يؤول إلى الشخص، ويُضاف إليه، ويقوّيه أنه لا يضاف إلا إلى مُعظّم، فيقال: آل القاضي، ولا يقال: آل الحَجّام، (١) ((الفتح)) ١٦٠/١١ - ١٦١ (كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٥٨). (٢) راجع: ((قرة عين المحتاج)) ٢٢٢/١ - ٢٢٤.