النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(١٥) - بَابُ وَضْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، ... إلخ - حديث رقم (٩٠١)
سورة))، فقرأ رسول الله وَلَهُ: (بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ
اَلْكَوْثَرَ﴾)) حتى ختمها، قال: «هل تدرون ما الكوثر؟)) قالوا: الله ورسوله
أعلم، قال: ((هو نهر أعطانيه ربي رَق في الجنة، عليه خير كثير، يَرِد عليه
أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يُخْتَلج العبد منهم، فأقول: يا رب، إنه
من أمتي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)). انتهى.
وهذه أيضاً مخالفة لما أشار إليه المصنّف؛ كما لا يخفى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(١٥) - (بَابُ وَضْع الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى بَعْدَ تَكْبِيرَةٍ
الإِحْرَامِ، وَوَضْعِهِمَا فِي السُّجُودِ عَلَى الأَرْضِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ)
[تنبيه]: ترجم النوويّ كَّتُهُ وتبعه الشرّاح هنا بقوله: (بَابُ وَضْعِ يَدِهِ
الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ تَحْتَ الصَّدْرِ فَوْقَ سُرَّتِهِ، وَوَضْعِهِمَّا فِي
السُّجُودِ عَلَى الأَرْضِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ) وهذا هو الذي أشرت إليه في المقدّمة بأن
بعض تراجم الشرّاح - كالنوويّ - ليست كما ينبغي؛ إذ يترجمون على حسب
مذهبهم، لا على حسب ما اقتضاه الحديث المذكور في الباب، فهنا الحديث
لا يدلّ على كون الوضع تحت الصدر وفوق السرّة، وإنما هذا جار على ما
يراه النووي في مذهبه، فالأولى إسقاط هذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم
بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٩٠١] (٤٠١) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَقَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، حَدَّثَنِي (١) عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنٍ وَائِلِ، وَمَوْلَّى
لَهُمْ، أَنَّهُمَا حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ◌َِهَ رَفَعَ يَّدَيْهِ حِينَ
(١) وفي نسخة: ((حدّثنا)).

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ، وَصَفَ هَمَّامُ حِيَالَ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ بَدَهُ
الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، أَخْرَجَ بَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ
كَبَّرَ، فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ))، رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا سَجَدَ، سَجَدَ بَيْنَ
كَفَّيْهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٤.
٣ - (هَمَّام) بن يحيى بن دينار الْعَوذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ) - بضمّ الجيم، وتخفيف الحاء المهملة -
الأوديّ، أو الإياميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وزياد بن عِلاقة، وعطاء بن أبي رَبَاح، وأبي إسحاق
السَّبيعيّ، ونافع مولى ابن عمر، وأبي حازم الأشجعيّ، وعبد الجبار بن وائل بن
حُجْر، وغيرهم.
وروى عنه ابنه إسماعيل، وشعبة، وإسرائيل، وهمام، وعمران القطان،
والسفيانان، وزهير بن معاوية، وشَريك النخعيّ، وعبد الوارث بن سعيد،
وجماعة.
قال أبو طالب، عن أحمد: محمد بن جُحَادة من الثقات، وقال ابن أبي
حاتم: سألت أبي عنه، فقال: صدوقٌ ثقةٌ، محلُّه محل عمرو بن قيس
الملائيّ، وقال محمد بن حُميد الرازيّ، عن جرير: رأيته وكان زاهداً يلبس
الْخُلْقان يغسلها، وقال في موضع: نظيف الثياب، وقال الآجريّ، عن أبي
داود: كان لا يأخذ عن كل أحد، وأثنى عليه، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن
حبان في ((الثقات))، وقال في طبقة أتباع التابعين: كان عابداً ناسكاً، مَن زَعَم
أنه سمع من أنس بن مالك، فقد وَهِم، تلك الروايات ينفرد بها يحيى بن

٣٤٣
(١٥) - بَابُ وَضْعِ الْبَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْمُسْرَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، ... إلخ - حديث رقم (٩٠١)
عقبة بن أبي العيزار، وهو وَاهٍ، وقال العجليّ، وعثمان بن أبي شيبة: ثقةٌ، زاد
عثمان: لا بأس به، وقال يعقوب بن سفيان: من ثقات أهل الكوفة، وقال أبو
عوانة: كان يغلو في التشيع، نقله عنه العقيليّ، والله أعلم.
قال القرّاب: إنه مات سنة إحدى وثلاثين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا وحديث
(١٣٢١): ((نُقَلِّدُ الشاءَ، فنرسل بها، ورسول الله وَلَ حلال ... )).
٥ - (عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِل) بن حُجْرِ الْحَضْرميّ الكوفيّ، أبو محمد، ثقةٌ،
لكنه أرسل عن أبيه [٣].
رَوَى عن أبيه، وعن أخيه علقمة، وعن مولى لهم، وعن آل بيته، وعن
أمه أم يحيى، وقيل: لم يسمع من أبويه.
وروى عنه ابنه سعيد، والحسن بن عبد الله النخعيّ، ومحمد بن جُحَادة،
وأبو إسحاق السبيعيّ، وفِطْر بن خَلِيفة، ومسعر بن كِدَام، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال الدُّوريّ، عن ابن
معين: ثبتٌ، ولم يسمع من أبيه شيئاً، وقال أبو داود، عن ابن معين: مات
وهو حمل، وقال رَقَبَة بن مَصْقَلة: سمعت طلحة بن مُصَرِّف يقول: ما بالكوفة
رجلان يزيدان على محمد بن سُوقة وعبد الجبار بن وائل، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وقال: مات سنة اثنتي عشرة ومائة، وقال غيره: وُلد بعد موت أبيه،
قال الحافظ المزيّ: وهذا القول ضعيف جدّاً، فإنه قد صح أنه قال: كنت
غلاماً لا أعقل صلاة أبي، ولو مات أبوه وهو حمل لم يقل هذا القول، ونص
أبو بكر البزار على أن القائل: ((كنت غلاماً لا أعقل صلاة أبي)) هو علقمة بن
وائل، لا أخوه عبد الجبار، وقال الترمذيّ: سمعت محمداً يقول: عبد الجبار
لم يسمع من أبيه، ولا أدركه، وقال ابن حبان في ((الثقات)): من زعم أنه سمع
أباه فقد وَهِمَ؛ لأن أباه مات وأمه حامل به، وقال البخاريّ: لا يصح سماعه
من أبيه، مات أبوه قبل أن يولد، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى،
قليل الحديث، ويتكلمون في روايته عن أبيه، ويقولون: لم يلقه، وبمعنى هذا
قال أبو حاتم، وابن جرير الطبريّ، والجريريّ، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب
ابن شيبة، والدارقطنيّ، والحاكم، وقبلهم ابن المدينيّ، وآخرون.

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
أخرج له المصنّف والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٦ - (عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِل) بن حُجْر الْحَضْرميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٣] (ي م ٤)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٧ - (وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم - ابن سعد بن
مسروق الحضرميّ الصحابيّ الجليل، وكان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة،
مات رَظُه في ولاية معاوية ظُه تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من محمد بن جُحادة، وشيخه
نسائي، ثم بغداديّ، والباقيان بصريّان.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: محمد بن
جُحادة، عن عبد الجبّار، عن علقمة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الأخ عن أخيه، عن أبيهما: عبد الجبّار، عن
علقمة، عن أبيه
رضى عنه .
[تنبيه]: قال في ((التقريب)): لم يسمع علقمة من أبيه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال، وهو قول ابن معين، وقد خالفه
الأكثرون، فأثبتوا سماعه، فممن أثبته الإمام البخاريّ، فقد قال في ((التاريخ
الكبير)) (٤١/٤): سمع أباه، والترمذيّ في ((جامعه))، فقال في ((باب ما جاء
في المرأة إذا استُكرهت على الزنا)): علقمة بن وائل سمع من أبيه، وهو أكبر
من عبد الجبّار بن وائل، وعبد الجبّار لم يسمع من أبيه، وأثبته أيضاً ابن حبّان
فقال في ((الثقات)) (٢٠٩/٥): علقمة سمع من أبيه.
وقد وقع التنصيص بسماعه عند المصنّف، فسيأتي في ((كتاب الحدود)):
وحدّثنا عبيد الله بن معاذ العنبريّ، حدّثنا أبي، حدّثنا أبو يونس، عن سماك بن
حرب، عن علقمة بن وائل حدّثه أن أباه حدّثه، قال: ((إني لقاعد مع
النبيّ مَلٍ ... )) الحديث.
وتقدّم أنه أخرج له عن أبيه في ((كتاب الإيمان)) (٣٧٠/٦٤) في الأصول،

٣٤٥
(١٥) - بَابُ وَضْعِ الْبَدِ الْيُعْنَى عَلَى الْيُسْرَى بَعْدَ تَكْبِرَةِ الإِحْرَامِ، ... إلخ - حديث رقم (٩٠١)
وكذا يأتي له في مواضع في الأصول، فلو لم يثبت عنده أنه سمع منه لما
أخرج له في الأصول.
ووقع أيضاً تصريحه بالسماع عند النسائيّ في ((المجتبى)) (١٩٤/٢) قال:
أخبرنا سُويد بن نصر، أنبأنا عبد الله بن المبارك، عن قيس بن سُليم العنبريّ،
حدثني علقمة بن وائل، حدّثني أبي، قال: ((صلّيت خلف رسول الله وَالت ... ))
الحدیث، وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أيضاً البخاريّ في ((جزء رفع اليدين)) قال: حدّثنا أبو نُعيم
الفضل بن دُكين، أنبأنا قيس بن سُليم العنبريّ، قال: ((سمعت علقمة بن وائل بن
حُجر، حدّثني أبي ... )) الحديث.
والحاصل أن الصحيح سماع علقمة من أبيه، ولم ينف سماعه منه إلا ابن
معين فيما أظنّ كما قاله في («الميزان)) (١٠٨/٣)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلْقَمَةَ بْنٍ وَائِلِ، وَمَوْلَّى لَهُمْ) لا يُعرف، كما نبّه عليه صاحب
التنبيه))(١)، ولكن لا يضرّ إبهامه؛ لأنه متابع لعلقمة، فتنبّه. (أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ
أَبِيهِ) الضمير لعبد الجبّار، ويحتمل أن يكون لعلقمة، والأول أوضح (وَائِلِ بْنِ
حُجْرٍ) - بضمّ، فسكون - (أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ وَّ رَفَعَ يَدَيْهِ) جملة في محلّ نصب
على الحال من الفاعل؛ لأن ((رأى)) هنا بصريّة، فتتعدّى إلى مفعول واحد (حِينَ
دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ) الظرف متعلّق بـ((رَفَع))، وقوله: (كَبَّرَ) جملةٌ حاليّة إما من
فاعل ((رأى))، فتكون من الأحوال المترادفة، أو من فاعل ((رَفَعَ))، فتكون من
الأحوال المتداخلة.
(وَصَفَ هَمَّاٌ) أي ابن يحيى الراوي عن محمد بن جُحادة (حِيَالَ أُذُنَيْهِ)
بكسر الحاء المهملة: أي قُبالتهما، ويقال: قعد حِيَاله، وبحياله: أي بإزائه(٢).
فقوله: ((وصف همام)) من كلام عفّان بن مسلم أدخله بين المتعاطفين
(١) (تنبيه المعلم)) ص١٢٢.
(٢) راجع: ((القاموس المحيط)) ٣٦٤/٣.

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
- أعني قوله: ((كبّر))، ((ثم التحف)) -؛ لبيان وصف شيخه همام كيفيّة الرفع.
يعني أن همّاماً بيّن كيفيّة رفع يديه بكونهما مقابلَ أذنيه، وفيه أن رفع
اليدين يكون بمقابلة الأذنين.
وفي رواية النسائيّ من طريق عبد الجبّار بن وائل، عن أبيه: ((رفع يديه
حتى تكاد إبهاماه تحاذي شحمتي أذنيه))، وفي لفظ: ((فلما كبر رفع يديه أسفل
من أذنيه))، وفي رواية أبي داود: ((رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى
بإبهامیه أذنيه، ثم کبّر)).
وقد تقدّم في حديث ابن عمر رضيًّا أنه رَّ رفع يديه حذو منكبيه، وتقدّم
أن الأحسن في الجمع بينه وبين حديث وائل هذا الحمل على اختلاف
الأوقات، وأنه يجوز أن يعمل بهما في أوقات مختلفة.
وقد جمع الإمام الشافعيّ تَظَُّهُ بوجه آخر، وهو أن يرفع يديه حذو منكبيه
بحيث تُحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه، أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي
أذنيه، وراحتاه منكبيه، ويؤيّد جمعه هذا رواية أبي داود المذكورة.
قال النوويّ كَّلُهُ: وأما صفة الرفع، فالمشهور من مذهبنا ومذهب
الجماهير أنه يرفع يديه حذو منكبيه بحيث تُحاذي أطراف أصابعه فروع أذنيه،
أي أعلى أذنيه، وإبهاماه شحمتي أذنيه، وراحتاه منكبيه، فهذا معنى قولهم:
حذو منكبيه، وبهذا جمع الشافعيّ كَُّ بين روايات الأحاديث، فاستحسن
الناس ذلك منه. انتهى (١) .
(ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ) بالبناء للفاعل: أي تغطّى به، يقال: لَحَفه، كمنعه:
غطّاه باللِّحَاف ونحوه، والتحف به: تغطّى، واللِّحَاف ككتاب: ما يُلْتَحَف به(٢).
(ثُمَّ وَضَعَ) بَّهِ (يَدَهُ الْيُمْنَى) أي كفّه اليمنى، ففيه إطلاق الكلّ وإرادة
الجزء، كما في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِيْ ءَاذَانِم﴾ الآية [البقرة: ١٩] أي
أناملهم (عَلَى الْيُسْرَى) أي على كفّ يده اليسرى (فَلَمَّا أَرَادَ) وَ (أَنْ يَرْكَعَ،
أَخْرَجَ بَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا) أي ليمكنه تمام الرفع إلى حيال أذنيه؛ لأنه
لا يمكنه ذلك مع الالتحاف (ثُمَّ كَبَّرَ، فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ: ((سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»،
(١) ((شرح النووي)) ٤/ ٩٥.
(٢) راجع: ((القاموس)) ١٩٤/٣ - ١٩٥.

٣٤٧
(١٥) - بَابُ وَضْعِ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْمُسْرَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، ... إلخ - حديث رقم (٩٠١)
رَفَعَ بَدَيْهِ، فَلَمَّا سَجَدَ) أي أراد أن يسجد (سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ) أي وضع جبهته بين
كفّيه، ففيه استحباب السجود بين الكفّين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث وائل بن حُجْر رظلُّ هذا من أفراد
المصنّف نََّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩٠١/١٥] (٤٠١)، و(أبو داود) في ((الصلاة))
(٧٢٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٧/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٩٦)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٨٩)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٨٦٢)،
و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦١/٢٢)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٩١/١)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة،
وسيأتي بيان اختلاف العلماء في حكمه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أن العمل القليل في الصلاة لا يبطلها؛ لقوله: ((كَبَّرَ، ثم
التَحَف)) .
٣ - (ومنها): استحباب رفع يديه عند الدخول في الصلاة، وعند الركوع،
وعند الرفع منه.
٤ - (ومنها): استحباب كشف اليدين عند الرفع، ووضع الجبهة بينهما في
السجود .
٥ - (ومنها): مشروعيّة التكبير في الدخول في الصلاة، وهو فرض، لا
تصحّ الصلاة إلا به عند الجمهور، وتقدّم بيان الخلاف في ذلك في محلّه.
٦ - (ومنها): مشروعيّة التكبير للركوع، والتسميع في الرفع منه.
٧ - (ومنها): ما قاله العلماء: الحكمة في وضع اليدين إحداهما على

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
الأخرى أنه أقرب إلى الخشوع ومنعهما من العبث(١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم وضع اليمنى على
اليسرى في الصلاة:
قال الإمام أبو بكر بن المنذر تَّتُهُ ما حاصله: قد ثبت أن النبيّ وَّ كان
يأخذ شماله بيمينه إذا دخل في الصلاة، وكذا نقول.
وممن رأى أن توضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: مالك بن أنس،
وأحمد، وإسحاق، وحُكي ذلك عن الشافعيّ، وقال أصحاب الرأي: يُستحبّ
أن يعتمد بيده اليمنى على اليسرى، وهو قائم في الصلاة.
وقد روينا عن غير واحد من أهل العلم أنهم كانوا يُرسلون أيديهم في
الصلاة إرسالاً، ولا يجوز إغفال من أغفل استعمال السنّة، أو نسيها، أو لم
يعملها حجةً على من علمها وعمل بها .
فممن روينا عنه أنه كان يرسل: عبد الله بن الزبير، والحسن البصريّ،
وإبراهيم النخعيّ، وابن سيرين، ورُوي أنّ سعيد بن جبير رأى رجلاً يصلي
واضعاً إحدى يديه على الأخرى، فذهب ففرّق بينهما. انتهى كلام ابن
المنذر ◌ّتُ(٢).
وقال في ((الفتح)): هو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو الذي
ذكره مالك في ((الموطأ))، ولم يَحْك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره، وروى
ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه التفرقة بين
الفريضة والنافلة.
ومنهم من كره الإمساك، ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث يُمسك
معتمداً؛ لقصد الراحة. انتهى (٣).
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ كَُّ في ((التمهيد)) (٧٤/٢٠): لم
تَختلف الآثار عن النبيّ ◌َّ في هذا الباب، ولا أعلم عن أحد من الصحابة في
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١١٥/٤.
(٣) ((الفتح)) ٢ / ٤٦٤ - ٤٦٥.
(٢) ((الأوسط)) ٩٢/٣ - ٩٣.

٣٤٩
(١٥) - بَابُ وَضْعِ الْبَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْمُسْرَى بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ، ... إلخ - حديث رقم (٩٠١)
ذلك خلافاً إلا شيءٌ رُوي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى، وقد
روي عنه خلافه، وعلى هذا جمهور التابعين، وأكثر فقهاء المسلمين، من أهل
الرأي والأثر.
فأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب: فذهب مالك في رواية ابن القاسم
عنه، والليثُ بن سعد إلى سَدْل اليدين في الصلاة، قال مالك: وضع اليدين
إحداهما على الأخرى في الصلاة إنما يُفْعَل ذلك في النوافل من طول القيام،
قال: وتركه أحب إلي، هذه رواية ابن القاسم عنه، وقال عنه غير ابن القاسم:
لا بأس بذلك في الفريضة والنافلة، وهي رواية المدنيين عنه.
وقال الليث: سدل اليدين في الصلاة أحب إلي إلا أن يطيل القيام فَيَعْيَا،
فلا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى، قال عبد الرزاق: رأيت ابن جريج
يصلي في إزار ورداء مسدلاً يديه .
وقال الأوزاعيّ: من شاء فَعَل، ومن شاء تَرَك، وهو قول عطاء.
وقال سفيان الثوريّ، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وأصحابهم، والحسن بن
صالح، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود بن عليّ،
والطبريّ: يضع المصلي يمينه على شماله في الفريضة والنافلة، وقالوا كلهم:
وذلك سنة مسنونةٌ .
قال الشافعيّ: عند الصدر، ورُوي عن علي بن أبي طالب أنه وضعهما
على صدره، وعن طاوس قال: كان رسول الله وَ﴿ يضع يده اليمنى على يده
اليسرى، ثم يشدُّهما على صدره، وهو في الصلاة.
وقال الثوريّ، وأبو حنيفة، وإسحاق: أسفل السُّرَّة، وروي ذلك عن
عليّ، وأبي هريرة، والنخعيّ، ولا يثبت ذلك عنهم، وهو قول أبي مِجْلَز،
وقال أحمد بن حنبل: فوق السرة، وهو قول سعيد بن جبير، قال أحمد بن
حنبل: وإن كانت تحت السرة فلا بأس به.
قال أبو عمر تَخُّْهُ: قد ذكرنا أن الصحابة لم يُرْوَ عن أحد منهم في هذا
الباب خلاف لِمَا جاء عن النبيّ وَّ فيه .
ورُوي عن الحسن تَُّ وإبراهيم أنهما كانا يرسلان أيديهما في الصلاة،

٣٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
وليس هذا بخلاف؛ لأن الخلاف كراهية ذلك، وقد يُرسل العالم يديه لِيُري
الناسَ أن ليس ذلك بحتم واجب.
وقد ذكر ابن أبي شيبة عن جرير، عن مغيرة، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم
قال: لا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وذَكَر عن عمر بن
هارون، عن عبد الله بن يزيد قال: ما رأيت سعيد بن المسيِّب قابضاً يمينه على
شماله في الصلاة، كان يرسلهما، وهذا أيضاً يَحْتَمِل ما ذكرنا.
وذَكَر عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن الْعَيْزار قال: كنت أطوف مع
سعيد بن جبير، فرأى رجلاً يصلي واضعاً إحدى يديه على الأخرى، هذه على
هذه، وهذه على هذه، فذهب ففرّق بينهما ثم جاء، وهذا يَحْتَمل أن يكون رأى
يُسْرَى يديه على يمينه، فانتزعها على نحو ما رُوِي عن النبيّ وَِّ أنه صنعه بابن
مسعود، وقد رُوي عن سعيد بن جبير ما يُصَحِّح هذا التأويل؛ لأنه ثبت عنه أنه
كان يضع يده اليمنى على اليسرى في صلاته فوق الشُّرّة.
فهذا ما رُوي عن بعض التابعين في هذا الباب، وليس بخلاف؛ لأنه لا
يثبت عن واحد منهم كراهيةٌ، ولو ثبت ذلك ما كانت فيه حجةٌ؛ لأن الحجة في
السنة لمن اتبعها، ومن خالفها فهو محجوج بها، ولا سيما سنةٌ لم يثبت عن
واحد من الصحابة خلافها. انتهى كلام ابن عبد البرّ تَظُّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن المذهب الصحيح هو ما
عليه الجمهور، من مشروعيّة وضع اليمنى على اليُسرى في الصلاة؛ لوضوح
أدلّته، وقد أشبعت البحث في هذا في ((شرح النسائيّ))، فراجعه تستفد (٢)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في محلّ وضع اليدين في
الصلاة :
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه على مذاهب:
(١) ((التمهيد)) ٧٤/٢٠ - ٧٦.
(٢) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١٣٦/١١ - ١٤٠.

٣٥١
(١٥) - بَابُ وَضْعِ الْبَدِ الْيُعْنَى عَلَى الْيُسْرَى بَعْدَ تَكِْرَةِ الإِحْرَامِ، ... إلخ - حديث رقم (٩٠١)
(الأول): مذهب الحنفيّة، قالوا: يضع الرجل تحت السّة، والمرأة على
الصدر .
(الثاني): مذهب المالكيّة، والمشهور عن مالك فيه الإرسال، وقيل عنه:
يضع تحت الصدر وفوق السرّة، وعنه التخيير بين الوضع والإرسال.
(الثالث): مذهب الشافعيّة، والذي ذكره الشافعيّ تَّتُ في ((الأمّ)) أن
يضع فوق السرّة، وقيل: يضع على الصدر، وقيل: تحت السرّة.
(الرابع): مذهب الحنبليّة، والمشهور عن أحمد: أنه يضع تحت السرّة،
وعنه: تحت الصدر، وعنه: التخيير بينهما .
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح هذه الأقول قول من قال: إنه يضع على
الصدر؛ لحديث وائل بن حجر رؤيته المذكور في الباب، فقد أخرجه ابن
خزيمة في (صحيحه))، بلفظ: ((صلّيت مع النبيّ وََّ، فوضع يده اليمنى على يده
اليسرى على صدره)).
وأخرج الإمام أحمد في ((مسنده)) بإسناد صحيح عن قبيصة بن هُلْب، عن
أبيه، قال: رأيت رسول الله وَل ينصرف عن يمينه، وعن يساره، ورأيته يضع
هذه على صدره، ووصف يحيى اليمنى على اليسرى فوق المفصل.
وأخرج أبو داود بإسناد صحيح، عن طاوس قال: ((كان رسول الله وَلهم
يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشُدُّ بينهما على صدره، وهو في
الصلاة))، وهو مرسل صحيح، والمرسل حجة إذا اعتضد، وهنا قد عضده
حديثا وائل وهُلْب المذكوران.
والحاصل أن الصحيح أن يضع يمينه على شماله على الصدر، وأما ما
عدا ذلك من الأقوال، فأدلّتها كلّها معلولة لا تعارض هذه الأحاديث
الصحيحة .
وقد استوفيت ذكره مع مناقشتها في ((شرح النسائيّ))(١)، فارجع إليه تستفد
علماً جمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) راجع: ((ذخيرة العقبى)) ١٤٠/١١ - ١٥٠.

٣٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(١٦) - (بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّْ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٩٠٢] (٤٠٢) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَّ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ
مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ: السَّلَامُ عَلَى اللهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ إِ ذَاتَ
يَوْمِ: ((إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلامُ، فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهِ،
وَالَّصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ
عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، فَإِذَا قَالَهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ اللهِ صَالِح فِي
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ
يَتَخَيَّرُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ مَا شَاءً)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٩) (خ م د س ق)
تقدم في ((المقدمة)) ٧٢/٦.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مَخْلَد الحنظليّ ابن راهويه، أبو محمد
المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ إمام [١٠] (ت٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ
وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٥ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد الله السَّلَميّ، أبو عّاب الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٦ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقة مخضرمٌ [٢] مات
في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.

٣٥٣
(١٦) - بَابُ التَّشَهِّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٠٢)
٧ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ
الشهير نظره، مات سنة (٣٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف تََّثُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بینھم.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: ((قال إسحاق: أخبرنا ... إلخ))، ومعناه أن
شيوخه اختلفوا في صيغ الأداء؛ لاختلاف كيفيّة تحمّلهم، وذلك أن إسحاق
أخذه عن جرير سماعاً بقراءة غيره عليه، ولذا قال: ((أخبرنا))، وأما زهير
وعثمان، فسمعا من لفظه، ولذا قالا: حدثنا.
٣ - (ومنها): مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخيه: زهير فنسائيّ ثم بغداديّ،
وإسحاق فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، على قول من
قال: إن منصوراً من صغار التابعين، والأصحّ أنه من تابعي التابعين.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ◌َ به أحد السابقين إلى الإسلام، ومن كبار
علماء الصحابة، وقُرّائهم، وقد أثنى عليه النبيّ وَّ في غير ما حديث، فقد
أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن عبد الله بن مسعود، أن أبا بكر
وعمر بشّراه، أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((من أحب أن يقرأ القرآن غَضّاً كما
أُنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود ظ ◌َبه أنه (قَالَ: كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ) وفي رواية
الأعمش الآتية: ((كنّا إذا جلسنا مع النبيّ وَّ في الصلاة))، وفي رواية
للبخاريّ: ((كنا إذا كنا مع النبيّ وََّ في الصلاة)) (خَلْفَ رَسُولِ اللهِ وَلَّ) ((خلف))
منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ((نقول)) (السَّلَامُ عَلَى اللهِ) مقول القول لـ((نقول))
محكيّ، وفي رواية للبخاريّ: ((قلنا: السلام على الله من عباده))، وفي رواية
أبي داود: ((السلام على الله قبل عباده)) (السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ) وفي رواية البخاريّ:
((السلام على فلان وفلان)) مكرّراً، قوله في رواية عند ابن ماجه: ((يعنون

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
الملائكة))، وللسراج: ((فَنَعُدّ من الملائكة ما شاء الله)) (فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ وَِ).
وفي رواية البخاريّ: ((فالتفت إلينا رسول الله وَّر، فقال))، وفي لفظ: ((فسمعه
النبيّ ◌َ﴾، فقال: قولوا)).
وظاهر هذا أنه ﴿ كلّمهم بذلك في أثناء الصلاة، لكن بَيَّنَ حفصُ بن
غياث في روايته عن الأعمش عند البخاريّ المحلَّ الذي خاطبهم بذلك فيه،
وأنه بعد الفراغ من الصلاة، ولفظه: ((فلما انصرف النبيّ ◌َّ أقبل علينا
بوجهه))، وفي رواية أيضاً: ((فلما انصرف من الصلاة قال))، فتبيّن بهذا أنه وَله
خاطبهم بذلك بعد فراغه من الصلاة، لا في أثنائها، أفاده في ((الفتح)) (١)، والله
تعالى أعلم.
(ذَاتَ يَوْم) أي يوماً من الأيّام، وتقدّم الكلام على ((ذات)) قريباً ((إِنَّ اللهَ
هُوَ السَّلَامُ) وفِّي رواية للبخاريّ: ((لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو
السلام)).
قال البيضاويّ تَخْلُ ما حاصله: أنه وَ﴿ أنكر التسليم على الله، وبَيَّن أن
ذلك عكس ما يجب أن يقال، فإن كل سلام ورحمة له ومنه، وهو مالكها
ومعطيها .
وقال الُّورِبشتيّ تَخْتُ: وجه النهي عن السلام على الله؛ لأنه المرجوع
إليه بالمسائل، المتعالي عن المعاني المذكورة، فكيف يُدْعَى له، وهو المدعُوّ
على الحالات؟.
وقال الخطابيّ تَخَّتُهُ: المراد أن الله هو ذو السلام، فلا تقولوا: السلام
على الله؛ فإن السلام منه بدأ، وإليه يعود، ومرجع الأمر في إضافته إليه أنه ذو
السلام من كل آفة وعيب، ويَحْتَمِل أن يكون مرجعها إلى حظّ العبد فيما يطلبه
من السلامة من الآفات والمهالك.
وقال النوويّ كَخْتُ: معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، يعني
السالم من النقائص، ويقال: الْمُسَلِّم أولياءه، وقيل: المسلِّم عليهم، قال ابن
الأنباريّ تَخََّثُ: أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق؛ لحاجتهم إلى السلامة، وغناه ثَالَ
(١) راجع: ((الفتح)) ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤.

٣٥٥
(١٦) - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٠٢)
عنها، ذكره في ((الفتح)) (١).
وقال الطيبيّ نَّفُ: كانوا يسلّمون على الله تعالى أوّلاً، ثم على أشخاص
معيّنين من الملائكة والناس، وأنكر النبيّ وَّرِ أن يُسلّموا على الله، وبَيَّنَ لهم
أن ذلك عكسُ ما يَجِب أن يقال، فإن كلّ سلامة ورحمة له ومنه، فهو مالكها
ومُعطيها، فكيف يجوز أن يقال: السلام على الله؟ وأعلمهم أن الدعاء للمؤمنين
ينبغي أن يكون شاملاً لهم، وعلّمهم ما يعمّهم، وأمرهم بإفراد صلوات الله عليه
بالذكر؛ لشرفه، ومزيد حقّه عليهم، وتخصيص أنفسهم، فإن الاهتمام بها أهمّ.
انتهى كلام الطيبيّ ◌َغْذِفُهُ(٢).
(فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ) هذه الرواية تُبَيّن المراد في روايةٍ للبخاريّ:
((فإذا صلى أحدكم فليقل)) أي في حال قعوده، وللنسائي من طريق أبي
الأحوص، عن عبد الله: (كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين، وأن محمداً
عُلِّم فواتح الخير وخواتمه، فقال: إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا ... ))، وله
من طريق الأسود، عن عبد الله: ((فقولوا في كل جلسة))، ولابن خزيمة من وجه
آخر، عن الأسود، عن عبد الله: ((علّمني رسول الله ولو التشهد في وسط
الصلاة، وفي آخرها))، وزاد الطحاويّ من هذا الوجه في أوله: ((وأخذت
التشهد من في رسول الله وََّ، ولَقَّننيه كلمة كلمة))، وفي رواية أبي معمر، عن
ابن مسعود الآتية بعد ثلاثة أحاديث: ((عَلَّمني رسول الله وَّهِ التشهد، وكفّي بين
كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن)).
(فَلْيَقُل) فيه أن التشهّد واجب، وبه يقول أحمد، وهو الحقّ، وسيأتي
بيان الخلاف فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(التَّحِيَّاتُ للهِ) جملة من مبتدأ وخبره، في محلّ نصب مقول القول.
و((التحيّات)): جمع تَحِيّة، ومعناها: السلام، وقيل: البقاء، وقيل:
العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: المُلك.
وقال أبو سعيد الضرير: ليست التحية المُلك نفسه، لكنها الكلام الذي
(١) ((الفتح)) ٢ /٣٦٤.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٠٣٢/٣.

٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
يُحَيّا به الملك، وقال ابن قتيبة: لم يكن يُحَيّا إلا الملك خاصة، وكان لكل
ملك تحية تخصه، فلهذا جُمِعت، فكأنّ المعنى: التحيات التي كانوا يُسَلِّمون
بها على الملوك كلُّها مستحقّة لله.
وقال الخطابيّ، ثم البغويّ: ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء
على الله، فلهذا أُبهمت ألفاظها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: ((قولوا:
التحيات لله))، أي أنواع التعظيم له.
وقال المحب الطبريّ: يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركاً بين المعاني
المقدَّم ذكرُها، وكونها بمعنى السلام أنسب هنا، ذكره في ((الفتح))(١).
وقال في ((العمدة)): وقال الخطابيّ: التحيات كلمات مخصوصة، كانت
العرب تُخَيِّي بها الملوك، نحو قولهم: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، وقولهم: أَنْعَمَ الله صباحاً،
وقول العجم: وزى ده هزار سال: أَيْ عِشْ عشرة آلاف سنة، ونحوها من
عاداتهم في تحية الملوك عند الملاقاة، وهذه الألفاظ لا يصلح شيء منها للثناء
على الله تعالى، فتُرِكت أعيان تلك الألفاظ، واستُعْمِل منها معنى التعظيم،
فقيل: قولوا: التحيات الله: أي أنواع التعظيم الله كما يستحقه، ورُوي عن
أنس ربه في أسماء الله تعالى: السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الأحد
الصمد، قال: التحيات لله بهذه الأسماء، وهي الطيبات، لا يُحَيًّا بها غيره.
واللام في (لله)) لام الملك والتخصيص، وهي للأول أبلغ، وللثاني
أحسن. انتهى (٢).
وقال ابن منظور كَّلُ: التحية السلامُ، وقد حياه تحيةً، وحَكَى اللحيانيّ:
حياك الله تحيةَ المؤمن، والتحيةُ: البقاء، والتحية: الْمُلك، وقول زُهَير بن
جَنَاب الكلبيّ [من مجزوّ الكامل]:
وَلَكُلُّ مَا نَالَ الْفَتَى قَدْنِلْتُهُ إِلَّ التَّحِيَّهْ
قيل: أراد الملك، وقال ابن الأعرابيّ: أراد البقاء؛ لأنه كان ملكاً في
قومه.
وقال سيبويه: تَحِيَّةٌ تَفْعِلَةٌ، والهاء لازمة، والمضاعَف من الياء قليلٌ؛ لأن
(١) ((الفتح)) ٣٦٤/٢ - ٣٦٥.
(٢) ((عمدة القاري)) ٦/ ١١١.

٣٥٧
(١٦) - بَابُ الَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٠٢)
الياء قد تُثَقَّلُ وحدها لاماً، فإذا كان قبلها ياءٌ كان أثقل لها، وقال أبو عبيد:
والتحية في غير هذا: السلامُ، وقال الأزهريّ: قال الليث في قولهم في
الحديث: التحيات لله، قال: معناه: البقاء لله، ويقال: الملك لله، وقيل: أراد
بها السلام، يقال: حيّاك الله: أي سَلَّم عليك، والتحية تَفْعِلة من الحياة،
وإنما أدغمت؛ لاجتماع الأمثال، والهاء لازمة لها، والتاء زائدة، وقولهم:
حيّاك الله وبَيّاك، اعْتَمَدَك بالملك، وقيل: أضحكك، وقال الفراء: حيّاك الله:
أبقاك الله، وحيّاك الله: أي مَلَّكك الله، وحيّاك الله: أي سلَّم عليك، قال:
وقولنا في التشهد: التحيات لله، يُنْوَى بها البقاء لله، والسلام من الآفات،
والملك لله، ونحو ذلك، وقال أبو عمرو: التحية المُلك، وأنشد قول عمرو بن
معد يكرب [من الوافر]:
أَسِيرُ بِهِ إِلَى النُّعْمَانِ حَتَّى أُنِيخَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي
يعني على ملكه، وقال خالد بن يزيد: لو كانت التحية الملك لَمَا قيل:
التحيات لله، والمعنى السلامات من الآفات كلِّها، وجَمَعَها لأنه أراد السلامة
من كل آفة، ورُوي عن أبي الهيثم أنه يقول: التحية في كلام العرب ما يُحَيِّي
بعضهم بعضاً إذا تلاقَوْا، قال: وتحية الله التي جعلها في الدنيا والآخرة لمؤمني
عباده إذا تلاقَوا، ودعا بعضهم لبعض بأجمع الدعاء أن يقولوا: السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته، قال الله رَك: ﴿َحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَمْ﴾ الآية [الأحزاب:
٤٤]، وقال في تحية الدنيا: ﴿وَإِذَا خُِّيْثُم ◌ِنَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاً﴾
الآية [النساء: ٨٦]، وقيل في قوله:
قَدْ نِلْتُهُ إِلَّ النَّحِيَّهْ
يريد إلا السلامة من الْمَنِيَّة والآفات، فإن أحداً لا يَسْلَم من الموت على
طول البقاء، فَجَعَل معنى ((التحياتُ الله)): أي السلام له من جميع الآفات التي
تَلْحَق العباد من الْعَنَاء، وسائر أسباب الفناء.
قال الأزهريّ: وهذا الذي قاله أبو الهيثم حسنٌ، ودلائله واضحةٌ، غير
أن التحية، وإن كانت في الأصل سلاماً، كما قال خالد، فجائزٌ أن يُسَمَّى
الْمُلْك في الدنيا تحيةً، كما قال الفراء وأبو عمرو؛ لأن المَلِك يحيّا بتحية
الْمُلْك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم، وكانت تحية ملوك العجم

٣٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
نحواً من تحية ملوك العرب، كان يقال لملكهم: زَهْ هَزَارْ سَالْ، المعنى: عِشْ
سالِماً ألف عام، وجائز أن يقال للبقاء: تحيةٌ؛ لأن من سَلِم من الآفات، فهو
باق، والباقي في صفة الله ريك من هذا؛ لأنه لا يموت أبداً. انتهى المقصود
من كلام ابن منظور باختصار(١).
(وَالصَّلَوَاتُ) هي الصلوات المعروفة، وهي الخمسة وغيرها، وقال
الأزهريّ: الصلوات: العبادات، وقال الشيخ ابن دقيق العيد: يَحْتَمِل أن يراد بها
الصلوات المعهودة، ويكون التقدير: أنها واجبة لله تعالى، ولا يجوز أن يُقْصَد
بها غيره، أو يكون ذلك إخباراً عن قصد إخلاصنا الصلوات له، أي صلواتنا
مُخْلَصَةٌ له لا لغيره، ويجوز أن يراد بالصلوات الرحمة، ويكون معنى قوله: (لله))
أي المتفضل بها، والمعطي هو الله؛ لأن الرحمة التامة لله لا لغيره(٢).
وقال ابن الملقّن تَخْذَتُهُ: ((الصلوات)) فيها أقوال:
[أحدها]: أنها الخمس، قاله ابن المنذر وآخرون، ويكون التقدير: أنها
واجبة لله تعالى، لا يجوز أن يُقصد بها غيره، أو تكون كالإخبار عن إخلاصنا
الصلوات له، أي صلاتنا مُخْلَصَةٌ لله لا لغيره، ومنهم من قال: هي الصلوات
كلُّها .
[ثانيها]: أنها الرحمة، أي هو المتفضّل بها، والمعطي لها؛ لأن الرحمة
التامّة لله لا لغيره، وقرّر بعض المتكلّمين هذا المعنى بأن قال: كلُّ من رَحِمَ
أحداً، فرحمته له بسبب ما حصل له من الرقّة عليه، وهو برحمته دافع لألم
الرقّة عن نفسه بخلاف رحمة الله تعالى، فإنها لمجرّد إيصال النفع إلى العبد.
[ثالثها]: أنها الأدعية والتضرّع.
[رابعها]: أنها العبادات، قاله الأزهريّ. انتهى(٣).
(وَالطََِّّاتُ) أي الكلمات الطيبات، مما طاب من الكلام، وحَسُنَ أن يُثْنَى
به على الله تعالى دون ما لا يليق بصفاته.
(١) راجع: ((لسان العرب)) ٢١٦/١٤ - ٢١٧.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ١٥٨/٦ - ١٥٩.
(٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٢٦/٣ - ٤٢٧.

٣٥٩
(١٦) - بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ - حديث رقم (٩٠٢)
وقال ابن دقيق العيد تَّتُهُ: وأما الطيبات، فقد فُسِّرت بالأقوال الطيبات،
ولعلّ تفسيرها بما هو أعمّ أولى، أعني الطيبات من الأفعال والأقوال
والأوصاف، وطيِّب الأوصاف كونها صفة الكمال، وخلوصها عن شَوْب
النقص.
وقال الشيخ حافظ الدين النسفيّ تّْثه: التحيات: العبادات القولية،
والصلوات: العبادات الفعلية، والطيبات: العبادات المالية (١).
وقال ابن الملقّن تَّتُهُ: ((الطيّبات)) أي الكلمات الطّبات، وهي ذكر الله
تعالى، قاله الأكثرون، وقيل: الأعمال الصالحات، وهو أعمّ من الأول؛
لاشتماله على الأقوال، والأفعال، والأوصاف، وأطيب الأوصاف كونها بصفة
الكمال، وخلوصها عن شوائب النقص.
وقال القرطبيّ تَُّ: هي الأقوال الصالحة، كالأذكار والدعوات، وما
شاكل ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠](٢).
[فائدة]: الطيّب إن وُصف به الكلام فالحسن، أو العمل فالخالص من
شوائب النقص، أو المال فالحلال، أو الطعام فاللذيذ، أو الصعيد فالطاهر،
أو العباد فالمؤمن، قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَتُ لِلَِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦]. انتهى(٣).
[تنبيه]: قال البيضاويّ: قوله: ((والصلوات، والطيبات)) بحرف العطف
يحتمل أن يكونا معطوفين على ((التحيات))، وأن تكون ((الصلوات)) مبتدأ،
وخبره محذوف، يدلّ عليه ((عليك))، ((والطيبات)) معطوفة عليها، والواو الأولى
لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على المفرد، وفي حديث
ابن عباس لم يُذكَر العاطف أصلاً. انتهى.
وقال العينيّ: كلُّ واحدة من ((الصلوات))، و((الطيبات)) مبتدأ، وخبره
محذوفٌ، تقديره: والصلوات الله، والطيبات لله، فتكون هاتان الجملتان
معطوفتين على الجملة الأولى، وهي ((التحيات لله)). انتهى(٤).
(١) ((عمدة القاري)) ١٥٩/٦.
(٢) ((المفهم)) ٧٨٤/٢.
(٣) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ٤٢٦/٣ - ٤٢٧.
(٤) ((عمدة القاري)) ١٥٩/٦.

٣٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الصلاة
(السَّلَامُ عَلَيْكَ) قال النوويّ: يجوز في ((السلام)) في الموضعين حذف
اللام وإثباتها، والإثبات أفضل.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ كَُّ ظاهره أنه في
حديث ابن مسعود ظه، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنه لم يقع في شيء من طرق
حديث ابن مسعود بحذف اللام، فإن كان مراده من الجواز من جهة العربية فله
وجه، وإن كان من جهة مراعاة لفظ النبيّ وَ﴾ فلا وجه له، نعم اختُلِف في
حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم.
وقال الطيبيّ تَخْتُ: أصل ((سلامٌ عليك)): سَلَّمتُ سلاماً عليك، ثم حُذف
الفعل، وأقيم المصدر مقامه، وعُدِل عن النصب إلى الرفع للابتداء؛ للدلالة
على ثبوت المعنى واستقراره.
وقال التوربشتيّ كَّتُهُ: السلام بمعنى السلامة، كالْمَقَامِ والْمَقامة،
والسلام اسم من أسماء الله تعالى وُضِع المصدر موضع الاسم مبالغةً، ومعناه
أنه سالم من كل عيب وآفة ونقص وفناء، ومعنى قولنا: ((سلامٌ عليك)» الدعاءُ،
أي سَلِمتَ من المكارهِ، وقيل: معناه: اسم السلام عليك، كأنه يتبرك عليه
باسم الله رَّ، والأمثل الدعاء، يدلّ عليه التنكير في قولنا: سلامٌ عليك؛ إذ
ليس معناه إلا الدعاء، وعليه ورد التنزيل، قال الله تعالى: ﴿وَسَلَامُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ
وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴾﴾ [مريم: ١٥]، ومنه التسليم على الأموات.
قال: ووجه النهي عن السلام على الله تعالى؛ لأن الله رَك هو المرجوع
إليه بالمسائل المتوسَّلُ إليه بالدعاء المتعالي عن المعاني التي ذكرناها في
التسليم، فأنَّى يُدْعَى له، وهو المدعوّ على الحالات؟ ولأيّ معنى يُطلق عليه ما
يستدعيه حاجة المفطورين، وتقتضيه نقائص المربوبين؟.
قال الطيبيّ تَخْلُهُ: تمام تقريره: أن تسمية الله تعالى بالسلام لِمَا أنه منزَّهُ
مقدَّسٌ عن النقائص والعيوب أن لا يَحُلّ بجنابه الأقدس شائبة خوف، وهذا
المعنى مختصّ به؛ لِمَا ورد ((أنت السلام))، أي أنت المختصّ به، لا غيرك؛
لتعريف الخبر، و((منك السلام)) معناه أن غيرك في معرض النقصان بالخوف،
مفتقرٌ إلى جنابك بأن تؤمّنه، ولا ملاذ له غيرك، فدلّ على التخصيص تقديمُ
الخبر على المبتدأ، ((وإليك يعود السلام)) يعني إذا شُوهد في الظاهر أن أحداً